 (مجموعة باحثين - المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) (كتاب).jpg)
خلفيات الثورة: دراسات سورية
خلفيات الثورة: دراسات سورية هو كتاب جماعي يصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يسعى إلى كشف البنى العميقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية في عام 2011 وتطورها. لا يكتفي المؤلفون بتقديم أسباب سطحية أو مباشرة، بل يحاولون تفكيك الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتشابكة التي انفجرت على شكل ثورة، مؤكدين أن المعطيات الاجتماعية لا تتحول إلى أسباب للثورة إلا عبر الوعي الاجتماعي والعنصر البشري الذاتي. الهدف ليس دراسة الخلفيات كأسباب مباشرة فحسب، بل لأنها أكثر أهمية من أن تقتصر على كونها مجرد أسباب، فهي تؤثر في مسار الثورة وقد تتحكم في مصيرها.
ينتقل الكتاب من تحليل البنى الاقتصادية والتنموية المأزومة، مروراً بدراسة البنية التسلطية للنظام وعلاقتها بالمعارضة، وصولاً إلى الأبعاد الجيو-سياسية للصراع. الفكرة الجوهرية التي تجمع فصول الكتاب هي أن النظام السوري تحول، عبر عقود، من مشروع قومي شعبوي إلى بنية تسلطية شمولية تقوم على الإرهاب والأيديولوجيا والإعلام، وتستأثر بالسلطة والثروة. هذا التحول جعله حجر عثرة أمام أي تنمية حقيقية، وأدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مما خلق "الحطب اليابس" الذي اشتعل بفعل المطالبة بالحرية والكرامة. الكتاب بأكمله يدافع عن موقف مفاده أن الثورة السورية هي نتاج تراكمي لسياسات فاشلة، وليست مجرد رد فعل على حدث عابر.
يبدأ الكتاب بتحليل التنمية المفقودة في سورية، حيث يوضح نبيل مرزوق كيف أن النظام افتقر إلى رؤية تنموية حقيقية، وأن مشروعه الوحيد كان الحفاظ على السلطة. يقدم الكاتب أدلة كمية صارخة، مثل تراجع ترتيب سورية في مؤشر التنمية البشرية من المرتبة 61 عام 1985 إلى المرتبة 111 عام 2010، بينما تحسنت دول مجاورة. كما يشير إلى أن معدل النمو الاقتصادي بين عامي 1992 و2009 لم يتجاوز 2.46% سنوياً، وهو معدل مقارب للنمو السكاني، مما يعني أن حصة الفرد من الدخل لم تتحسن. ويكشف الفصل عن التفاوت التنموي الكبير بين المحافظات، موضحاً لماذا كان الريف السوري، وبخاصة المحافظات الشمالية الشرقية مثل إدلب والرقة ودير الزور، الأكثر مشاركة في الثورة؛ فهي المناطق التي تركز فيها الفقر والبطالة، حيث بلغت نسبة الفقر في محافظة دير الزور مستويات عالية جداً، ويعمل 47.3% من قوة عملها في الزراعة.
يكمل منذر خدام هذا الطرح في تحليله للأساس الاقتصادي للأزمة، حيث يكشف عن اختلالات هيكلية خطيرة، أبرزها التفاوت الكبير في توزيع الدخل، حيث يحصل 90% من المجتمع على أجور ورواتب تشكل فقط 40% من الناتج المحلي، بينما يحصل 10% على أرباح وريوع تمثل 60%. ويشير إلى أن اقتصاد الظل والفساد يلتهمان الاقتصاد، مع هدر 40% من الناتج المحلي في عام 2002، أي ما يعادل 21.9 مليار دولار، وهو مبلغ كان كافياً لاختصار مدة الخطة الخماسية العاشرة إلى النصف. ويؤكد خدام أن الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في عهد بشار الأسد، مثل تعديل قانون الاستثمار وإنشاء المصارف الخاصة، ذهبت سدى بسبب غياب الإصلاح السياسي وانتشار الفساد.
تتناول سهير سعيفان سياسات توزيع الدخل، وتجادل بأن قضايا مثل البطالة والفقر وتردي مستوى المعيشة كانت بمثابة "الحطب اليابس" الذي اشتعل. تشرح كيف تحول التحالف الاجتماعي للنظام من تحالف مع فقراء الريف والمدينة إلى تحالف مع "رأسمالية بيروقراطية" جديدة من أبناء المسؤولين والمحاسيب. وتعتبر أن رفع سعر المازوت في أيار/مايو 2008 بنسبة 400% كان القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث أدى إلى موجة غلاء هائلة وزاد من مشاعر الغضب والإحباط الشعبي. أما حسني العظمة، فيقدم دراسة حالة عن غوطة دمشق، ويحلل كيف تحولت هذه "الجنة الأرضية" إلى بؤرة للفقر والتدهور البيئي والاجتماعي. يكشف أن مساحة الأراضي الزراعية في محيط دمشق انخفضت من 26 ألف هكتار عام 1985 إلى 11 ألف هكتار عام 2005، أي بنسبة تراجع 53%، وأن التلوث طال المياه الجوفية حتى أصبحت تراكيز النترات 100-200 ملغ/ل مقابل مسموح به 50 ملغ/ل.
ينتقل الكتاب إلى تحليل البنية التسلطية للنظام، حيث يقدم جاد الكريم الجباعي دراسة متعمقة لنشأة هذه البنية وتطورها. يصف كيف تحول حزب البعث من حزب ثوري إلى أداة للسيطرة والتعبئة الجماهيرية، قائمة على نظام الآمر والطاعة والولاء الشخصي. ويؤرخ لتحول الحزب من هيئة قائدة إلى أداة في يد الرئيس، مع توقف مؤتمرات الحزب من عام 1985 حتى عام 2000. ويشير إلى أن السياسة في سورية أصبحت "مؤسسة حرب وإرهاب" منذ عام 1963، وأن الحرب الحالية ليست سوى ذروة تلك الحرب المستمرة. يقر الجباعي بحدود التحليل، مشيراً إلى صعوبة الوصول إلى تفاصيل دقيقة حول آليات بناء شبكات التبعية والولاء في الجيش والاستخبارات، ويترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه البنية بعد وفاة حافظ الأسد.
في تحليل المعارضة الحزبية، يبين خضر زكريا كيف أن هذه المعارضة، رغم كثرة أحزابها وتنوع أيديولوجياتها، عجزت عن لعب دور فاعل خلال الثورة. يشرح تاريخ الانقسامات داخل الأحزاب، بدءاً من انشقاقات حزب البعث وصولاً إلى انقسام الحزب الشيوعي السوري بعد انضمام خالد بكداش إلى الجبهة الوطنية التقدمية. ويشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين، بعد مواجهتها الدامية مع النظام في مجزرة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 ألف شخص، تحولت خطابياً نحو قبول الديمقراطية والدولة المدنية. يقر الكاتب بأن الاختلافات الجوهرية بين تشكيلات المعارضة، ممثلة بـ المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، تظهر في كيفية الوصول إلى الهدف، خاصة في مفهوم "المرحلة الانتقالية" وسبيل إنهاء النظام الحالي، مما يعكس حالة من التشتت وعدم الاتفاق على الاستراتيجية.
يقوم حازم نهار بنقد خطاب المعارضة السياسي، ويميز بين أربعة أنواع من الخطاب: خطاب الخضوع، وخطاب وسطي، وخطاب ثوري عقلاني (وهو الأضعف)، وخطاب ثوري راديكالي. ينتقد الكاتب ضمور الممارسة السياسية لدى المعارضة، وتحولها إلى جهاز يعيد إنتاج خطاب الشارع دون تطوير. ويضرب مثالاً على ذلك ببيان المجلس الوطني السوري في 10 أيار/مايو 2012 الذي اتهم روسيا بأنها في "خانة مشتركة مع نظام يسعى لإثارة حرب أهلية"، معتبراً أن هذا الخطاب يصلح لاستثارة المشاعر لكنه لا يتناسب مع منطق العلاقات بين الدول. وينتقد الفصل النزعة الفردية والتنازع على المناصب داخل المعارضة، وغياب العمل الجماعي المنظم، كما في العراك السياسي حول الشرعية والتمثيل بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق.
يقدم مرهف محفوظ إطاراً لتحليل سياسات "إدارة الأزمة" التي يتبعها النظام، مستخدماً مفهوم "الإدارة بالأزمة"، حيث تصبح الأزمة نفسها هي الجذع الذي تتولد منه الحلول. يميز بين أنماط استجابة رئيسة، مثل "النعامة" التي تتجاهل طبيعة الأزمة، و"الإطفائي" الذي يسعى لإثبات أن البلاد مثل "صندوق باندورا" وأن النظام هو صمام الأمان، و"المقامر" الذي يعتبر الأزمة مصدر تهديد وفرصة. ويشير إلى أن سياسات إدارة الأزمة محكومة بمنطق "المباراة صفرية"، مما حال دون التوصل إلى تسوية، وأن التطييف المتسارع للحراك أصبح سمة مركزية، مع توافق موضوعي لدى مختلف الأطراف على توظيفه في سياسات إدارة الأزمة.
يتناول آزاد أحمد علي دور أكراد سورية، ويكشف أن دورهم لم يكن دور أقلية هامشية، بل دوراً فاعلاً ومحورياً، بل ومنافساً في أحيان كثيرة لدور الأغلبية العربية. يقدم تاريخاً طويلاً لدور النخب الكردية، ويذكر أن عدد رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات من أصل كردي بلغ 12 شخصية سياسية وعسكرية قبل عهد عبد الناصر وحكم البعث. ويصف سياسات الاضطهاد التي تعرض لها الأكراد، مثل مشروع "الحزام العربي" الذي أدى إلى مصادرة أراضي نحو مئة وخمسين ألف نسمة كردي من حوالي 300 قرية، وحوادث مدينة القامشلي الدامية في 2 آذار/مارس 2004 التي قُتل فيها نحو ثلاثين شخصاً. في تحليله لدور الأكراد في الثورة، يرى الفصل أن ضعف دور الحركة الكردية وارتباكها النسبي كان أحد أسباب عدم تحقيق الانتفاضة لأهدافها حتى تاريخ كتابة الفصل.
يحلل نيروز ساتيك "الحالة الطائفية" ويؤكد أنها ليست تناقضاً جوهرياً بين النظام والانتفاضة، بل هي شكل من الوعي الزائف، ناتج عن عوامل اقتصادية وسياسية عميقة. يرفض الفصل وصف الانتفاضة بأنها طائفية، ويعيد تفسير التوترات الطائفية لصالح العوامل الاقتصادية والسياسية، مثل الاستبداد والسياسات النيوليبرالية والتدخل الخارجي. يقدم الفصل أمثلة على تحول قضايا عاطفية إلى فتن طائفية، مثل حادثة 16 تموز/يوليو 2011 في حمص، ويذكر بعض جرائم الكراهية والانتقام الجماعي التي أسفرت عن سقوط أكثر من 150 قتيلاً في بعض الحوادث.
في القسم الأخير، يحلل مروان قبلان الصراع على سورية في ضوء نظريات العلاقات الدولية، مشيراً إلى أن الموقع الجيوبوليتيكي لسورية حول الأزمة الداخلية إلى حالة اصطفاف إقليمي ودولي غير مسبوقة. ويكشف عن اختلاف الأجندات بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية داخل كل معسكر، لكنها تجتمع على غياب القدرة على التوصل إلى تسوية، مما يدفع الأمور نحو المعادلة صفرية. ويتتبع منذر بدر حلوم ركائز الموقف الروسي، مؤكداً أن المصالح مختلطة بالمخاوف، ولا يمكن فهم السياسة الخارجية الروسية بمعزل عن الداخل الروسي.
يقر الكتاب بحدود هذه المقاربات، مشيراً إلى أن بعضها كتب في مراحل مبكرة من الثورة ولم يتضمن تطورات لاحقة مثل التدخل الإسرائيلي المباشر أو تدخل حزب الله، إلا أنها تحتفظ بأهميتها البحثية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة العلاقة بين المعارضة التقليدية والثورة، ومستقبل المشهد السوري، مؤكداً أن كيفية التعاطي مع الأزمة هي التي ستحدد مستقبل سورية. في الختام، يمكن القول إن الكتاب يقدم إطاراً نقدياً غنياً لتحليل الثورة السورية، لكنه يظل ملتزماً بطرح الأسئلة أكثر من تقديم إجابات نهائية. إن تركيزه على "البنية العميقة" والتمييز بين الخلفيات والأسباب قد يشكل نقطة نقاش، حيث يرى البعض أن الفصل يقلل من شأن العوامل المباشرة التي فجرت الاحتجاجات، بينما يرى آخرون أن هذا التمييز ضروري لفهم الجذور الحقيقية للأزمة.
Chapitres(15)
1.مقدمة17–34▼ résumé
يقدم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "خلفيات الثورة: دراسات سورية" الإطار النظري والمنهجي للمجموعة البحثية التي يحتويها، ويطرح السؤال المحوري حول العوامل العميقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية وتطورها. لا يكتفي المؤلفون بتقديم أسباب سطحية أو مباشرة، بل يسعون إلى كشف البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكامنة التي انفجرت على شكل ثورة، معتبرين أن المعطيات الاجتماعية لا تتحول إلى أسباب للثورة إلا عبر الوعي الاجتماعي والعنصر البشري الذاتي. يؤكد الفصل أن الهدف ليس دراسة الخلفيات كأسباب مباشرة، بل لأنها أكثر أهمية من أن تقتصر على كونها مجرد أسباب، فهي تؤثر في مسار الثورة وقد تتحكم في مصيرها.
ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام رئيسية، يعالج كل منها مجموعة من الأسئلة والإشكاليات الكبرى. القسم الأول بعنوان "أسئلة التنمية المأزومة والثورة"، ويضم أربعة أبحاث. يتناول البحث الأول لنبيل مرزوق التنمية المفقودة في سورية، منطلقاً من مفهوم أمارتيا سن للتنمية كحرية، ويحلل كيف وضعت الثورة النظام في تناقض مصيري مع مطالبه، مما كشف عن بنيته التي لا تحتمل أي تغيير بنيوي، وأصبحت حجر عثرة أمام أي تنمية حقيقية. يركز البحث على نتائج التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقدين الماضيين، ولماذا كان الريف السوري أكثر مشاركة في الثورة، وذلك من خلال رصد التفاوت التنموي بين المحافظات.
يكمل منذر خدام هذا الطرح في بحثه حول "الأساس الاقتصادي للأزمة السورية"، حيث يكشف عبر تحليل كمي-نوعي عن العجز العميق والمتماسك للنظام عن القيام بإصلاحات اقتصادية حقيقية، على الرغم من أن العنوان الأبرز للأزمة هو المطالبة بالحرية والكرامة. يرى خدام أن عوامل مثل انخفاض النمو، وزيادة البطالة، وانتشار الفقر والفساد، هي عوامل رئيسة ساهمت في إنضاج الظروف الموضوعية للثورة. يتكامل معهما بحث سهير سعيفان الذي يتناول تعثر التنمية في سورية عبر تحليل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والسياسة المافيوزية، ويكشف عن بروز "الرأسمالية الجديدة" كطبقة من أبناء المسؤولين والمحاسيب، مما أدى إلى تحول التحالف الاجتماعي للنظام من تحالف فقراء الريف والمدينة إلى تحالف بين رأسمالية بيروقراطية وأخرى ريعية.
يختتم القسم الأول ببحث حسني العظمة الذي يتناول قضية التنمية والبيئة من خلال حالة دراسية هي غوطة دمشق. يبحث العظمة في الجدلية بين التدهور البيئي والاجتماعي، حيث أدت السياسات النيوليبرالية إلى تحول الغوطة إلى بؤرة للفقر والاستقطابات الأفقية والعمودية، رغم قربها من العاصمة. يكشف البحث كيف أن تدهور النظام البيئي هو تدهور لنظام الحياة بأكمله، وأن غوطة دمشق تحولت إلى بوتقة ساخنة تتفاعل فيها كل الإحباطات والتناقضات، مما يفسر عوامل سخطها وانفجارها الاجتماعي.
أما القسم الثاني، "أسئلة التسلطية والمعارضة والحراكات السياسية"، فيضم أربعة أبحاث. يبحث جاد الكريم الجباعي في البنية التسلطية للنظام السوري منذ نشأتها وتطورها، مستعيناً بإنجازات خلدون حسن النقيب، ويميز بين مراحل تطورها من المرحلة الشعبوية (1970-1960) التي سادها نظام الحزب الواحد، إلى مراحل لاحقة تميزت ببروز الطائفية في الاستزابات وإحكام السيطرة على المجتمع. يصل البحث إلى تحديد نقطة تصدع هذه البنية زمنياً مع انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى بشار الأسد، وصعود المعارضة السياسية الجديدة. بعد ذلك، يتوقف خضر زكريا عند "المعارضة الحزبية التقليدية" ويميز بينها وبين قوة الشباب التي أبرزتها الثورة، ويحدد الاتجاهات الراهنة للكتل المذكورة تجاه مسار الثورة.
في بحث آخر ضمن هذا القسم، يحاول حازم نهار الإمساك بالبنية العامة لخطاب المعارضة السياسية خلال الثورة، ميزاً بين أربعة أنواع من الخطاب: خطاب الخضوع، وخطاب وسطي، وخطاب ثوري سياسي عقلاني (وهو الأضعف)، وخطاب ثوري راديكالي. يوجه الكاتب تحليله النقدي إلى ضمور السياسة لدى النظام ومعارضيه على حد سواء. من جهة أخرى، يقدم مرهف محفوظ إطاراً لتحليل سياسات "إدارة الأزمة" التي يتبعها النظام، مستخدماً مفاهيم مثل "الإدارة بالأزمة"، ومميزاً بين أنماط استجابة رئيسة، ويخلص إلى أن هذه السياسات محكومة بمنطق "المباراة الصفرية". كما يتضمن القسم بحثاً لـ آزاد أحمد علي عن دور أكراد سورية، وبحثاً لـ نيروز ساتيك عن "الحالة الطائفية" وأصولها، والتي يرى أنها ليست تناقضاً بين النظام والانتفاضة بل هي شكل من الوعي الزائف، محملاً أطرافاً متعددة مسؤولية تعزيزها.
القسم الثالث والأخير، "أسئلة الأبعاد الجيو-سياسية لتحولات الثورة"، يضم ثلاثة أبحاث. يحلل مروان قبلان الصراع على سورية في ضوء نظريات العلاقات الدولية، وخاصة الواقعية البنيوية، مشيراً إلى أن الموقع الجيوبوليتيكي لسورية حول الأزمة الداخلية إلى حالة اصطفاف إقليمي ودولي غير مسبوقة بين معسكري التغيير والحفاظ على الوضع القائم. يكشف البحث عن اختلاف الأجندات بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية داخل كل معسكر، لكنها تجتمع على غياب القدرة على التوصل إلى تسوية، مما يدفع الأمور نحو المعادلة الصفرية. في البحث الثاني، يلمس علي حسين باكير الأبعاد الجيوستراتيجية للسياسة الإيرانية والتركية تجاه سورية، ويوضح كيف أن التوافق الأولي بين تركيا وإيران وروسيا قد انهار مع اندلاع الثورة. أخيراً، يتتبع منذر بدر حلوم ركائز الموقف الروسي من الثورة، مؤكداً على أن المصالح مختلطة بالمخاوف، ولا يمكن فهم السياسة الخارجية الروسية بمعزل عن الداخل الروسي، ويطرح أسئلة مهمة تتجاوز الفهم النمطي للعلاقات الروسية مع المنطقة.
يقر الفصل بحدود هذه المقاربات، مشيراً إلى أن بعضها كتب في مراحل مبكرة من الثورة ولم يتضمن تطورات لاحقة مثل التدخل الإسرائيلي المباشر أو تدخل حزب الله، إلا أنها تحتفظ بأهميتها البحثية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة العلاقة بين المعارضة التقليدية والثورة، ومستقبل المشهد السوري، مؤكداً أن كيفية التعاطي مع الأزمة هي التي ستحدد مستقبل سورية. في الختام، يمكن القول إن الفصل يقدم إطاراً نقدياً غنياً لتحليل الثورة السورية، لكنه يظل ملتزماً بطرح الأسئلة أكثر من تقديم إجابات نهائية. إن تركيزه على "البنية العميقة" والتمييز بين الخلفيات والأسباب قد يشكل نقطة نقاش، حيث يرى البعض أن الفصل يقلل من شأن العوامل المباشرة التي فجرت الاحتجاجات، بينما يرى آخرون أن هذا التمييز ضروري لفهم الجذور الحقيقية للأزمة.
1.التنمية المفقودة في سورية35–70▼ résumé
يُحلل هذا الفصل، وهو الأول من كتاب "خلفيات الثورة: دراسات سورية"، الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية عام 2011، مركزاً على فشل عملية التنمية خلال العقدين السابقين للثورة. يطرح الفصل سؤالين محوريين: ما العوامل الاقتصادية التي دفعت السوريين إلى الثورة؟ ولماذا كان الريف السوري الأكثر مشاركة وفاعلية فيها؟ ويخلص الكاتب إلى أن النظام الحاكم في سورية كان يفتقر إلى رؤية تنموية حقيقية، وأن مشروعه الوحيد كان "الحفاظ على السلطة"، مما جعله حجر عثرة أمام أي إصلاح أو تنمية حقيقية.
يسير الفصل وفق منهجية التحليل والمقارنة الزمنية، معتمداً على معطيات إحصائية من المكتب المركزي للإحصاء في سورية ومصادر أخرى. يقسم الكاتب دراسته إلى قسمين رئيسيين: الأول يرصد نتائج عملية التنمية على الصعيد الوطني، والثاني يرصد التفاوت التنموي بين المحافظات والمناطق. يبدأ القسم الأول باستعراض الانتقال إلى نمط اقتصادي ليبرالي منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين، متأثراً ببرامج "التثبيت والتكييف الهيكلي" الموصى بها من صندوق النقد الدولي. يوضح الكاتب أن هذه السياسات، التي تمثلت بقوانين مثل القانون رقم 10 لعام 1991 لتشجيع الاستثمار، لم تؤدِ إلى تنمية حقيقية بل إلى اقتصاد ريعي وهش.
يقدم الفصل أدلة كمية على فشل التنمية، فيذكر أن معدل النمو الاقتصادي بين عامي 1992 و2009 لم يتجاوز 2.46% سنوياً، وهو معدل مقارب لمعدل النمو السكاني، مما يعني أن حصة الفرد من الدخل لم تتحسن. كما يبين أن النمو تركز في قطاعات الخدمات على حساب قطاعات الإنتاج، مما أدى إلى تشوه بنية الاقتصاد. ويلفت الكاتب الانتباه إلى تراجع إنتاجية رأس المال وعدم استقرار الاستثمار، حيث بلغت نسبة الاستثمار حوالي 19% من الناتج المحلي في عام 1991، لكنها ظلت متقلبة طوال العقدين.
في مجال التنمية البشرية، يشير الفصل إلى تراجع مذهل لترتيب سورية في مؤشر التنمية البشرية من المرتبة 61 في عام 1985 إلى المرتبة 111 في عام 2010، في حين تحسنت دول أخرى مثل تونس وإيران ومصر بنفس الفترة. يُعزى هذا التراجع إلى بطء التراكم في رأس المال البشري، حيث لم يتجاوز متوسط سنوات التمدرس للسوريين من عمر 25 سنة فأكثر 4.87 أعوام في عام 2010، وهو معدل متدنٍ. ويحدد الكاتب عاملين رئيسيين وراء تدهور النظام التعليمي: ضعف الإنفاق الحكومي الذي بلغ وسطيًا 4% من الناتج المحلي، ومحاولة فرض أيديولوجية حزب البعث على التعليم مما أضعف كفاءته.
أما في القطاع الصحي، فيشير الكاتب إلى وجود بنية تحتية عامة واسعة، لكنها تعاني من ضعف التمويل حيث تتراوح حصة القطاع الصحي في الموازنة العامة بين 1.1% و2%، مما يتحمل معه المواطنون أعباءً متزايدة تصل إلى 62% من إجمالي الرعاية الصحية. ويصف الفصل سياسات الخصخصة غير المباشرة، مثل القانون رقم 8 لعام 2010 الذي حوّل المشافي الجامعية إلى هيئات اقتصادية مستقلة تعتمد على إيراداتها من المواطنين، مما يهدد مبدأ الخدمة المجانية.
في موضوع البطالة والفقر، يبين الفصل أن معدل البطالة بلغ 14.9% في عام 2011، لكنه يخفي أبعاداً أعمق، منها انسحاب العديد من الشباب والنساء من سوق العمل بسبب اليأس من إيجاد فرصة مناسبة، وانتفاء أي دعم للعاطلين عن العمل. ويوضح أن الهجرة الخارجية كانت متنفساً، حيث بلغت نسبة المهاجرين 10.2% من إجمالي السكان في عام 2010. أما الفقر، فكان متزايداً وريفياً في المقام الأول، حيث ارتفعت نسبة الفقر الإجمالي من 30% في عام 2004 إلى 33.6% في عام 2007. ويلفت النظر إلى أن حصة الأجور من الناتج المحلي الصافي تراجعت من نحو 40.5% إلى حوالي 35%، مما يعني تزايد تركز الثروة لدى الفئات الأغنى.
يخصص القسم الثاني من الفصل لتحليل التفاوت التنموي بين المحافظات. يؤكد الكاتب أن الريف السوري لم يحظَ بالاهتمام الكافي وتم التعامل معه كمصدر للموارد دون تطويره. تظهر البيانات من مسح الفقر لعام 2004 ومسح دخل الأسرة لعام 2009 أن الفقر يتركز في المحافظات الشمالية الشرقية (إدلب، حلب، الرقة، دير الزور، الحسكة) وفي الريف بشكل عام. على سبيل المثال، كانت محافظة دير الزور هي الأفقر، حيث يشتغل 47.3% من قوة عملها في الزراعة، ويعيش سكانها على هبات ومساعدات تشكل 13.43% من دخلهم الشهري. في المقابل، كانت دمشق الأعلى إنفاقاً والأقل فقراً.
يستعرض الفصل أيضاً التفاوت في النشاط الاقتصادي والبطالة بين المحافظات، مبيناً تمركز النشاط الصناعي على محور حلب-دمشق، بينما حُرمت المناطق الشرقية والجنوبية. يشير إلى أن معدل نمو المنشآت الصناعية (1.5% سنوياً بين 2000 و2010) كان أقل بكثير من معدل نمو السكان (2.6%)، مما فاقم التفاوت. بلغت أعلى معدلات البطالة في الحسكة (15%) والسويداء (12.8%)، بينما كان الريف يعاني من بطالة أوسع (9.2%) مقارنة بالحضر (8.1%).
في خضم هذا التحليل، يقرّ الكاتب بوجود بعض المنجزات المحدودة، كتغطية شبكة الكهرباء لمعظم الريف والتوسع في مدارس التعليم الأساسي، لكنها لم تكن كافية ضمن رؤية تنموية شاملة. ويشير إلى أن أسئلة أخرى متعلقة بالعوامل المؤسسية والسياسية قد تجد إجاباتها في فصول أخرى من الكتاب. كما يعترف بأن مشكلة البطالة هي بنيوية وتراكمية، وستكون أولوية لأي نظام سياسي واقتصادي قادم.
ينتقل الفصل في نهايته إلى مناقشة أثر غياب الحريات الفردية والجماعية على عملية التنمية. يصف الكاتب كيف أن العيش تحت قانون الطوارئ لنحو نصف قرن، وغياب قانون للأحزاب، وسيطرة حزب واحد على الدولة والمجتمع، وتفرد رئيس الجمهورية بالسلطات، كل ذلك أدى إلى شل حركة المجتمع وتثبيط المبادرات الفردية والجماعية، مما عطّل أي إصلاح حقيقي. يؤكد الفصل في خاتمته أن فشل التنمية يعود إلى أن النظام لم يكن يمتلك مشروعاً تنموياً، بل مشروعاً للحفاظ على السلطة، وأن المجتمع السوري كان يعمل بأدنى طاقاته، إلى أن جاءت الثورة لترفض هذا الركود وتعبر عن إرادة الحياة والتغيير نحو الحرية والكرامة والعدالة.
2.الأساس الاقتصادي للأزمة السورية71–94▼ résumé
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول الأساس الاقتصادي للأزمة السورية، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن المشاكل الاقتصادية المزمنة والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوري، والتي تفاقمت بسبب سياسات تنموية خاطئة وفساد مستشري، هي جذور عميقة للأزمة التي انفجرت في عام 2011، وإن كان عنوانها السياسي الأبرز هو المطالبة بالحرية. يرى المؤلف أن انخفاض النمو، وارتفاع البطالة، وتدهور مستوى المعيشة، وانتشار الفقر، كلها عوامل موضوعية أوجدت أرضية خصبة للانتفاضة.
يسير الفصل بشكل منهجي، فيبدأ بتأطير نظري للعلاقة بين الحاجات والموارد والإنتاج، مشيراً إلى أن السياسات التنموية السورية على مدى أربعة عقود جعلت من المستحيل إعادة التوازن للاقتصاد، وعندما حاول نظام بشار الأسد إجراء إصلاحات، كانت بنية الاقتصاد محكومة بالفساد الشديد الذي أحبطها. ينتقل بعدها إلى تحليل بنية الاقتصاد السوري مستنداً إلى إحصاءات رسمية، حيث يوضح أن حصة الفرد من الناتج المحلي الصافي بالأسعار الثابتة ازدادت بنسبة 98% بين 1970 و2000، لكن هذه الزيادة تراجعت إلى 24% فقط بين 2000 و2008، مما يعكس تباطؤاً حاداً في النمو. كما يظهر أن مساهمة القطاعات المنتجة للثروة (الزراعة والصناعة والبناء) تراجعت من 54% في 1970 إلى 43% في 2008، بينما نمت القطاعات الريعية والخدمية. ويشير إلى أن الاقتصاد دخل في أسوأ أزمة له بين 2000 و2004 بعد أزمة 1984-1990، حيث تراجع النمو الاقتصادي من 8.5% بين 1990 و1996 إلى 2.9% بين 1997 و2004، ليهبط إلى 1.1% في 2003 و2.04% في 2004، وهي أرقام تصبح سالبة عند خصم النمو السكاني.
يكشف الفصل عن اختلالات هيكلية خطيرة، أبرزها التفاوت الكبير في توزيع الدخل، حيث يحصل 90% من المجتمع على أجور ورواتب تشكل فقط 40% من الناتج المحلي، بينما يحصل 10% على أرباح وريوع تمثل 60% . هذا الخلل أدى إلى تضييق السوق وضعف الطلب. كما يشير الفصل إلى فشل الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في عهد بشار الأسد مثل تعديل قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، وخفض التعريفات الجمركية، وإنشاء مصارف خاصة وسوق للأوراق المالية، حيث ذهبت هذه الإجراءات سدى بسبب غياب الإصلاح السياسي وفرض العقوبات الاقتصادية منذ مطلع 2011 مما أوقف الاستثمار وزاد الفقر.
يتناول الفصل بعمق قضية اقتصاد الظل والفساد، معتبراً إياهما مرضاً خطراً يلتهم الاقتصاد. ويقدم أمثلة صارخة مثل هدر 40% من الناتج المحلي في 2002، أي ما يعادل 21.9 مليار دولار، وهو مبلغ كان كافياً لاختصار مدة الخطة الخماسية العاشرة إلى النصف. كما يشير إلى تلاعب التجار بفواتير الاستيراد وعدم توثيق الوكالات الأجنبية، مما يضيع على خزينة الدولة مليارات الليرات سنوياً. ويخلص إلى أن اقتصاد الظل يستطيع توفير نحو 5 مليارات دولار سنوياً للخزينة في حالة تقنينه.
في تحليله للتنمية والاستثمار، يشير الفصل إلى أن الاستثمار الخاص تراجع باستمرار بعد انتعاشة مؤقتة إثر قانون الاستثمار لعام 1991، حيث وصل إلى 8% فقط في 2003. كما كانت الاستثمارات الخارجية محدودة جداً، وبقيت في حدود 2000 مليون دولار حتى 2003، أي ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل بكثير من دول مجاورة. ويُظهر جدول كفاءة الاستثمار صعوبة تحقيق معدلات النمو المطلوبة في الخطة الخماسية العاشرة (نحو 7% ) لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل (نحو 200 ألف سنوياً) وامتصاص البطالة التي تقدر رسمياً بـ637 ألف عاطل بينما تزيد فعلياً عن مليون.
في خضم هذا التحليل، يعترف الفصل بوجود حدود وتحفظات، أبرزها أن الخطة الخماسية العاشرة التي علقت عليها الحكومة آمالاً كبيرة لم تحقق نتائج مشجعة، ويختلف المعنيون في شأنها. كما أن النهج الاقتصادي الجديد الذي بدأته السلطة لم يأخذ أبعاده الكاملة. والأهم أن التقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري في 2007، الذي كان يهدف لجذب الاستثمارات، تحول إلى "فضيحة" للسلطة الحاكمة لأنه كشف عن نتاج حكمها لأربعة عقود، وسرعان ما سُحب أو قُلت أهميته. ويشير الفصل إلى أن اقتصاد الظل في سورية نشيط جداً ويمكنه توفير إيرادات ضخمة للدولة لو تم تقنينه.
في ختام الفصل، يطرح الكاتب حججاً قابلة للنقاش حول العلاج المطلوب. فهو يرفض كلاً من النهج القائم على التدخل الحكومي المفرط والذي وصل إلى نهايته المسدودة، والليبرالية الجديدة التي يعتبرها مجرد "اعوجاج إلى الطرف الآخر". ويدعو بدلاً من ذلك إلى نهج توازني يجمع بين الحرية الاقتصادية والسياسية واحترام القوانين الاقتصادية، وبين دور الدولة كراعية للمصالح العامة. ويؤكد على مبدأ عام: "دع للقطاع الخاص ما ينجح به وراقبه، ودع للقطاع الحكومي ما ينجح به وحاسبه". ويختتم برؤية تركز على ضرورة الشفافية كأساس لحكم القانون، وتطوير الصناعة التحويلية والزراعة، وتحسين توزيع الدخل، وخلق مناخ سياسي ملائم يقوم على الحرية والمسؤولية وسيادة القانون.
3.سياسات توزيع الدخل ودورها في الانفجار الاجتماعي في سورية95–146▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل دور سياسات توزيع الدخل في سورية كعامل رئيسي في الانفجار الاجتماعي الذي أدى إلى الثورة عام 2011. يجادل المؤلف بأن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة توزيع الدخل غير العادل، كانت شرارة ضرورية للثورة، على الرغم من أن الخطاب السياسي طغى عليها غالباً. يرى الكاتب أن قضايا مثل البطالة والفقر وتردي مستوى المعيشة كانت بمثابة "الحطب اليابس" الذي اشتعل بفعل عوامل أخرى.
يسير الفصل chronologically ليتتبع تطور سياسات توزيع الدخل في سورية منذ عام 1963. يبدأ بوصف الفترة الأولى لحكم حزب البعث (1963-1970) التي تميزت بإجراءات اجتماعية جذرية: تأميم الصناعات والمصارف، تطبيق الإصلاح الزراعي، وتوسيع الخدمات المجانية كالتعليم والصحة. يذكر الكاتب أن هذه السياسات قلبت هيكل توزيع الدخل لصالح الفئات الفقيرة، حيث انخفضت نسبة الطبقة البرجوازية من 7.6% عام 1960 إلى 3.1% عام 1970، وارتفع عدد طلاب الجامعات من 0 عام 1964 إلى 109,000 عام 1983. تمكّن أبناء القرى والطبقات الدنيا من الصعود الاجتماعي، وظهرت نخب جديدة من ضباط الجيش والأمن بدلاً من العائلات التجارية التقليدية.
ينتقل الفصل إلى عهد حافظ الأسد (1970-2000) الذي وصفه بالبراغماتي، فبينما حافظ على النهج الاشتراكي شكلياً، بدأ بفتح المجال تدريجياً للقطاع الخاص تحت شعار "التعددية الاقتصادية". شهدت السبعينيات نمواً اقتصادياً بفضل المساعدات العربية بعد حرب 1973، لكن الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات أدت إلى تدهور قيمة الليرة السورية، وارتفاع التضخم، وتراجع مستوى المعيشة. شهدت التسعينيات مزيداً من الانفتاح، مع صدور قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1997 كعلامة فارقة، مما زاد من حصة القطاع الخاص في الناتج المحلي وزاد من تركز الدخل.
يركز الفصل بشكل أساسي على العقد الأول من حكم بشار الأسد (2000-2010) الذي شهد تسارعاً في التحول نحو اقتصاد السوق. يشرح الكاتب كيف أن هذه السياسة كانت مدفوعة بمصالح "رأسمالية بيروقراطية" جديدة نشأت من رحم الدولة، وأبرز مثال على ذلك هو تخصيص شركتي الهاتف الخليوي لصالح عائلة مخلوف (عائلة الرئيس) وشريكهم نجيب ميقاتي، في صفقة أحاطتها الفساد. تم تحرير التجارة، وخفض الضرائب على أرباح الأعمال من 63% إلى 15-27%، وإلغاء دعم السلع تدريجياً، مع إهمال القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة. هذا التحول أدى إلى انزياح "العقد الاجتماعي" بعيداً عن الطبقات الشعبية، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع حصة الرواتب والأجور في الناتج المحلي الإجمالي من 43% عام 1996 إلى 8% عام 2004.
لتوضيح آثار هذا التحول، يذكر الفصل عدة مؤشرات ملموسة. البطالة ارتفعت، خاصة بين الشباب، حيث يدخل سوق العمل نحو ربع مليون شاب سنوياً بينما يُخلق حوالي 72,192 فرصة عمل فقط. الفقر تفاقم، حيث تشير تقديرات الكاتب إلى أن 33% من الأسر السورية تعيش تحت خط الفقر (أقل من 16,000 ليرة سورية شهرياً للأسرة). أزمة السكن أصبحت خانقة، وأسعار العقارات في دمشق جعلتها من أغلى المدن عالمياً، بينما ينتشر السكن العشوائي الذي يضم 40.6% من السكان حسب إحصاء 2004. تُعد قضية رفع سعر المازوت في أيار/مايو 2008 (وهو يوم عيد العمال) بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث رفع سعر ليتر المازوت بنسبة 400% من 7 إلى 25 ليرة سورية، مما أدى إلى موجة غلاء هائلة وزاد من مشاعر الغضب والإحباط الشعبي.
يقر الكاتب بحدود هذه الدراسة، مشيراً إلى أن تركيزه على البعد الاقتصادي لا يعني إهمال العوامل السياسية والأمنية والفساد والتمييز الطائفي، بل يرى أن هذه العوامل كلها متداخلة. كما يشير إلى أن السياسة الاقتصادية كانت تفتقر إلى وثيقة أو برنامج واضح، بل كانت تُنفذ بخطوات "غير مكتوبة وغير معلنة" مما جعلها أشبه بسياسة "تخبط"، تاركة أسئلة مفتوحة حول مستقبل الإصلاح وعدم قدرة النظام على خلق تنمية حقيقية بديلة عن الريع.
في الخاتمة، يمكن القول إن الحجة المركزية للفصل قابلة للنقاش، إذ يقدم تفسيراً اقتصادياً-اجتماعياً للثورة السورية، مرجحاً كفة العوامل المعيشية على السياسية المحضة. يرى الكاتب أن النظام استبدل تحالفه التاريخي مع فقراء الريف والمدينة بتحالف جديد مع رأسمالية طفيلية وريعية، مما جعله يفقد شرعيته الاجتماعية. هذه الفكرة تقدم قراءة مختلفة عن تلك التي تركز فقط على المطالب السياسية أو الطائفية، وتضع التناقض الطبقي وغياب العدالة في توزيع الثروة في صلب التحليل.
4.جدلية الانحطاط البيئي وتدهور أحوال العيش (غوطة دمشق أنموذجاً)147–188▼ résumé
يُعالج هذا الفصل موضوع التدهور البيئي والاجتماعي في غوطة دمشق، ويحلّل العلاقة الجدلية بينهما. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن غوطة دمشق تحولت من "الجنة الأرضية" التي صمدت لقرون إلى منطقة متدهورة بيئياً وعمرانياً، وأصبحت "حديقة خلفية رمادية" لمدينة دمشق المتضخمة. يعزو المؤلف هذا التحول إلى سلسلة من العوامل المترابطة: سياسات النمو الدولتي-المركزي، الانفجار السكاني، الهجرات القسرية المرتبطة بالصراع العربي-الصهيوني، سياسات الانفتاح التجاري واقتصاد السوق الاجتماعي، وغياب سياسات التنمية المتوازنة. ويخلص إلى أن العلاقة بين السيرورات الاجتماعية والبيئية في الغوطة هي علاقة جدلية حلزونية، حيث يغذي كل منهما الآخر في اتجاه الانحدار.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتعريف المجال المبحوث وحدوده الطبيعية والتاريخية. يشرح المؤلف أن غوطة دمشق هي الواحة الزراعية المروية كثيفة الشجر التي تحتضن مدينة دمشق، وهي نظام بيئي-بشري-تاريخي نادر. تم تعريف حدودها الجغرافية انطلاقاً من نهر بردى وفروعه، وامتداداً من الربوة غرباً حتى مشارف سبختي العتيبة والهيجانة شرقاً، وبين سفوح جبل قاسيون شمالاً وسلسلة التلال والهضاب جنوباً. يذكر تقديراً لمساحة الغوطة الطبيعية في منتصف القرن العشرين بنحو 300 كيلومتر مربع (كما أوردها محمد كرد علي)، لكنه يوضح أن المساحة المتبقية القابلة للتعريف كغوطة اليوم لا تتجاوز 180 كيلومتراً مربعاً، موزعة بين الغوطة الشرقية (نحو 130-140 كم²) والغوطة الغربية (نحو 40-50 كم²). يشير إلى أن الغوطة الشرقية عوضت بعض تآكلها بالتوسع شرقاً على حساب سهل المرج، بينما لم تحظ الغوطة الغربية بإمكانية توسع مماثلة بسبب حدودها الهضبية والجبلية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عرض سمات التوطن البشري التقليدي في الغوطة، واصفاً إياها بنظام بيئي-إنساني تراثي نادر، حيث كان الغوطانيون يتميزون بعلاقة عضوية وثيقة بالأرض، واحترام بيئتهم، واقتصاد زراعي مروي قائم على البستنة الكثيفة. يوضح أن عدد التجمّعات السكانية في منتصف القرن العشرين بلغ 44 تجمعاً، مجموع سكانها نحو 115 ألف نسمة. ثم يتناول بالتحليل مراحل التحولات التي أصابت الغوطة، بدءاً من التوسع العمراني لمدينة دمشق نحو الشمال (على سفوح جبل قاسيون) وغرباً (على سفوح جبل المزة)، والذي أدى إلى فصل "الغوطة الشمالية" واختفائها تقريباً، وتحولها إلى جيوب منعزلة أصبحت جزءاً من خارطة المدينة. يصف هذه العملية بأنها "خرسنة" (تحويل الأرض إلى خرسانة) للغوطة.
يقدم الفصل حججاً وأمثلة تفصيلية. أولاً، يتناول دور الصناعة كإشارة البدء للجولة الثانية من خرسنة الغوطة وانتهاك حرمتها، مشيراً إلى إنشاء مصانع حديثة كبيرة بعد الاستقلال على أراضي الغوطة، واختيار مواقعها بناءً على توفر المياه وسهولة صرف المخلّفات السائلة إلى فروع بردى. ثانياً، يحلل الانفجار السكاني كعامل رئيسي. يقدم جدولاً يقارن أعداد السكان بين عامي 1950 و2010 لوحدات إدارية مختارة، ويظهر نمواً سكانياً هائلاً؛ على سبيل المثال، ارتفع عدد سكان مدينة دوما من 20,458 إلى 129,584 (معدل نمو سنوي 3.12%)، ومدينة داريا من 8,643 إلى 92,038 (4.02%)، وناحية عربين من 8,014 إلى 104,689 (4.38%). يفسر هذا النمو بعامل ذاتي مرتفع، وعامل دفق سكاني داخلي أكبر، يشمل: موجات لجوء فلسطيني (بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية أكثر من 475 ألف نهاية عام 2009، 68.7% منهم في دمشق وريفها)، نزوح سوريين من الجولان المحتل (نحو 280 ألف نازح في ريف دمشق عام 2010)، واستقرار أعداد من العسكريين وعائلاتهم من محافظات مختلفة. يضاف إلى ذلك الهجرة الداخلية المرتبطة بدور دمشق كعاصمة سياسية واقتصادية وثقافية، مع سياسات التوظيف الحكومي الواسع التي فضّلت غير الدمشقيين، وفاقمتها سياسات "توافق واشنطن" التي قلّصت دور الدولة في الاستثمار التنموي وربطت الاقتصاد بعشوائية السوق. يخلق هذا كله حالة من "فائض السكان" يفيض من المدينة إلى محيطها، فيجد الفقراء والطبقات المتوسطة مسكناً في الغوطة، بينما تتجه الفئات الغنية إلى ضواحٍ منظمة غرب المدينة، مما يعزز النبذ الطبقي والفصل الاجتماعي.
ثالثاً، يتناول الفصل التحولات الاجتماعية-الاقتصادية، مشيراً إلى أن "رسملة" قوى السوق عملت هنا دوراً رجعياً، إذ دمرت نظاماً فلاحياً صغيراً منتجاً ومرناً، وفكت الارتباط العضوي بين الفلاح والأرض. تحول التركيب المهني، وانخفضت مساحات الحيازات الزراعية بسبب التقسيم الوراثي والخرسنة، وزاد الاعتماد على السلع المسوقة والعلاقات النقدية. أصبحت الغوطة خزاناً كبيراً لقوة العمل الرخيصة في "القطاع غير المنظم"، حيث وصلت نسب المشتغلين فيه من مجموع المشتغلين في عام 2010 إلى 35% في مدينة الحجر الأسود، و36.4% في ناحية مركز دوما، و40.2% في ناحية المليحة، و50.1% في ناحية الكسوة، متجاوزة المعدل الوطني البالغ 31.4%. كما بلغت بطالة الشباب في الحجر الأسود 15.5%، وفي ناحية دوما 13.8%. أما بالنسبة لمواصلة الدراسة في سن المرحلة الثانوية، فلم تتجاوز النسبة في ناحية مركز دوما 44.3%، وناحية ببيلا 43.4%، وناحية كفربطنا 40.1%، وناحية المليحة 40%، وناحية عربين 38%، وناحية مركز داريا 35.3%، وذلك مقابل المعدل الوطني العام 60%. في المقابل، سجلت مدينة جرمانا نسبة 91.7%.
يتناول الفصل بعد ذلك المحاولات "المنقوصة" التي بُذلت لإنقاذ الغوطة. يذكر مؤتمر حماية دمشق وغوطتها في مطلع 1976، والأمر رقم 1/1169 الصادر في 19/1/1977 عن رئيس مجلس الوزراء اللواء عبد الرحمن خليفاوي، والذي قضى بمنع التراخيص الصناعية والسكنية في الأراضي الزراعية والغابات، وإلغاء التراخيص السابقة، ووقف قطع الأشجار. ويذكر أيضاً لجنة صبحى كحالة في 1977-1978 التي أوصت بضرورة إعادة النظر في مشاريع التوسع العمراني، ووقف الهجرة والانفجار السكاني والصناعات الملوثة، ورفع الطابع التجاري عن الأراضي الزراعية، وضبط استثمار المياه الجوفية. لكنه يشير إلى أن هذه القرارات لم تغير المسار بسبب غياب خطة تنموية وطنية شاملة، وتفاقم حالة الفساد الإداري في محافظة ريف دمشق، حيث أصبح لقطع الشجرة وحفر البئر وغض الطرف عن المخالفات "تسعيرة". ونتيجة لذلك، انخفضت مساحة الأراضي الزراعية في محيط دمشق وغوطتيها من 26 ألف هكتار عام 1985 إلى 11 ألف هكتار عام 2005، أي بنسبة تراجع 53%، بمعدل -4.2% سنوياً، وهو رقم يناظر تقريباً المعدل السنوي للنمو السكاني في ريف دمشق (+4.15%) في الفترة نفسها.
أخيراً، يستعرض الفصل المظاهر الملموسة لتدهور أوضاع العيش والتلوث البيئي. يصف تدهور الخدمات العامة (مياه ملوثة وغير مضمونة، شبكات كهرباء وصرف صحي متهالكة، تراكم القمامة، مدارس مكتظة، خدمات صحية متدنية). ويورد جدولاً لتحاليل مياه نهر بردى تُظهر تراكيز مرتفعة جداً من BOD والأمونيوم، متجاوزة مواصفات مياه الري والمواصفة البريطانية للفئة أ. ويشير إلى أن التلوث طال المياه الجوفية أيضاً، حيث أدى ارتفاع تراكيز النترات إلى وقف استثمار أكثر من 200 بئر للشرب، ووصلت التراكيز إلى 100-200 ملغ/ل مقابل مسموح به 50 ملغ/ل. كما يشير إلى مصادر صناعية للتلوث، مثل صرف مياه دباغة الجلود المحتوية على الكروم السداسي المسرطن. وصف الفصل التلوث البصري وتداعي القيم الجمالية، وفقدان المزايا المناخية الدقيقة التي كانت تمتاز بها الغوطة (تلطيف الحرارة، تقليل الغبار)، وبدء عملية اندماج مناخي مع البادية.
يقرّ المؤلف بحدود لبحثه، معتبراً هذه المساهمة مجرد دعوة لمزيد من البحث والتمحيص. كما يقرّ بصعوبة تحديد الحدود الإدارية للغوطة ويلجأ إلى المعيار الطبيعي-التاريخي. يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل الغوطة، وما إذا كانت حراكات السخط المجتمعي ستؤدي إلى توازن مستقر، معترفاً باستمرار الغوطة في دفع الثمن لفترة طويلة ما لم تُعالج الأسباب العميقة لاختلال التوازن على المستوى الوطني.
تظهر في الفصل حجتان قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه. الأولى، تحميل "النخب الوطنية الحديثة" المسؤولية التاريخية الأولى عن تدمير الغوطة، معتبراً أنهم اتبعوا نهج الانتداب بل وصعّدوه، وهو ما يفتح الباب لمناقشة أدوار القوى المختلفة وتوزيع المسؤوليات. الثانية، النقد القوي لسياسات "الانفتاح التجاري" و"اقتصاد السوق الاجتماعي"، واعتبار أن مفاعيل قوى السوق لعبت دوراً رجعياً بتدمير نظام فلاحي صغير منتج، وهو ما يمثل نقداً جذرياً للسياسات الاقتصادية الكلية المطبقة في سورية قبل الثورة.
5.البنية التسلّطية للنظام السوري: النشأة والتطوّر والمآل189–242▼ résumé
يقدّم هذا الفصل تحليلاً للبنية التسلطية للنظام السوري، متتبّعاً نشأتها وتطورها حتى العام 2011، ومحاولاً الإجابة عن سؤال أساسي: كيف تحوّل حزب بعثي قومي يهدف إلى بناء مجتمع اشتراكي إلى نظام شمولي يقوم على الإرهاب والأيديولوجيا والإعلام، ويستأثر بالسلطة والثروة ويحوّل المجتمع إلى جماهير خاضعة.
يبدأ الكاتب بمقدمة منهجية، مؤكداً ضرورة مراجعة الأفكار والأهداف التي قادت الفاعلين السياسيين في سورية، ناقداً فكرة "عصمة" هذه الأفكار. يرى أن نتائج الأعمال، وليس النوايا، هي التي تكشف حقيقة البنى المستترة. ويشير إلى أن لحظة انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011 هي لحظة كاشفة، أظهرت جوهر البنية التسلطية الذي يقوم على الإرهاب والأيديولوجيا والإعلام، كما شخصته المفكرة حنة أرندت. يصف الكاتب السياسة في سورية بأنها "مؤسسة حرب وإرهاب" (الجيش والاستخبارات) منذ عام 1963، وأن الحرب الحالية ليست سوى ذروة تلك الحرب المستمرة.
يُعرِّف الفصل مفهوم "البنية التسلطية" كتركيب معقد يجمع بين سمات الاستبداد التقليدي (كالعصبية الخلدونية) والسمات العامة للتوتاليتارية الحديثة (كالنازية والستالينية)، مثل سيطرة الحزب الواحد والقائد، والقدرة على اختراق المجتمع وتدمير تنظيماته المستقلة، وتحويل الأفراد إلى جماهير. ويستعين بتحليل "العصبية" لدى ابن خلدون كما طورها محمد عابد الجابري، ليكشف كيف تشكلت "عصبية موسّعة" من تحالف عائلات وعشائر وطوائف معينة، محمولة على عقيدة قومية عربية.
ينتقل الفصل إلى مناقشة التكوين التاريخي للدولة السورية بعد الاستقلال عام 1946، واصفاً إياها بأنها "دولة بلا أمة"، حيث سيطر الانقلابات العسكرية على المشهد السياسي. يشير إلى أثر ضباط الجيش الذين أتوا من أوساط ريفية فقيرة وأقلوية مغلقة، ويعرض ثلاثة اتجاهات فكرية تفسر دور العسكر، ويميل الكاتب إلى الاتجاه الذي يرى أن العسكر ليسوا قوة تحديث، بل نخبة اجتماعية تعمل لمصلحتها الخاصة. ويخلص الكاتب إلى أن "المؤسسة العسكرية-الأمنية" هي النواة الصلبة للبنية التسلطية، وأن وظيفتها الأساسية هي حماية ذاتها ونظامها، وليست مؤسسة بيروقراطية أو معبرة عن طبقة اجتماعية منتجة.
يتناول الفصل صيرورة تحوّل الوعي السياسي بعد الاستقلال، حيث برز تياران: تيار ثوري عقائدي (قومي واشتراكي) ذو سيماء ريفية وأقلوية، وتيار تقليدي شبه ليبرالي. ويشير إلى أن السياسة في سورية كانت منفصلة عن الإنتاج الاجتماعي، مما أدى إلى معادلة مقلوبة تتحكم فيها السلطة بالإنتاج وليس العكس. يصف الكاتب الأجواء الرومانسية الثورية التي سادت الخمسينيات والستينيات، والتي انقلبت في الممارسة إلى واقعية جافة وشعبوية. ويحلل شخصية حافظ الأسد واستراتيجيته في "اللجنة العسكرية" لإعادة إنتاج التجربة الناصرية في سورية، مع فارق جوهري هو هشاشة المجتمع السوري وغياب الوطنية الجامعة القوية مثل المصرية.
يخصص الفصل قسماً مفصلاً لتحليل المرحلة الشعبوية الأولى (1963-1970)، حيث يبين كيف كانت "سلطة الحزب" مجرد واجهة للسيطرة العسكرية والأمنية. يصف آليات بناء البنية التسلطية والتي تشمل: تنسيق بنية المؤسسة العسكرية-الأمنية بتسريح الضباط غير الموالين، والترفيع الاستثنائي لأعضاء اللجنة العسكرية، وإنشاء وحدات خاصة للحماية، وبناء "الجيش الحزبي" الذي تعلو فيه المراتب الحزبية على الكفاءة العسكرية، وتوسيع جهاز الاستخبارات ليشمل كل مجالات الحياة العامة والخاصة. ويؤكد الكاتب أن هذه المؤسسة العسكرية-الأمنية اختبرت قوتها في مواجهة الاحتجاجات الشعبية في حماة وحمص ودمشق (1964-1965) بالقوة العارية.
ثم يحلل الكاتب بناء "الحزب الثوري" نفسه، موضحاً كيف تحوّل إلى أداة للسيطرة والتعبئة الجماهيرية. يصف بنيته الهرمية القائمة على نظام الآمر والطاعة والولاء الشخصي، والتي تتكامل مع الأجهزة الأمنية من خلال إنشاء "حزب داخل الحزب" يعمل بالوشاية والتقرّب. ويؤرخ الفصل لتحوّل الحزب من هيئة قائدة إلى أداة في يد الرئيس، فيذكر توقف مؤتمرات الحزب من عام 1985 حتى عام 2000 (عام وفاة حافظ الأسد)، وتحوّلها إلى مهرجانات خطابية. ويخلص الكاتب إلى أن الحزب والمؤسسات التي يسيطر عليها أصبحت هي السبيل الوحيد لنيل الامتيازات، وأن الحقوق الدستورية تحوّلت إلى "منح" من السلطة.
يتناول الفصل البنية الريفية والأقلوية للحزب والجيش، مشيراً إلى أن أيديولوجية البعث استمالت أبناء الأقليات الدينية المهمشة، الذين رأوا فيها وسيلة للتحرر من وضعهم. يعرض الفصل أرقاماً عن تضخم عضوية الحزب من "بضع عشرات" أو 400 عضو عام 1963 إلى الملايين لاحقاً، معتبراً أن التسلل الانتهازي هو أحد خصائص البنية التسلطية. ويناقش الفصل المسألة الطائفية، مقراً بأنها حساسة، لكنه يرى أن تفسير النظام على أنه نظام طائفي بحت هو اختزال مخل، فالتحليل يجب أن ينطلق من واقع العصبيات العائلية والعشائرية والمذهبية التي لم تغب عن الدولة التقليدية، واستمرت في ظل نقص الدولة الوطنية الحديثة.
أخيراً، يتناول الفصل "المنظمات الشعبية" التي أنشأتها الدولة لتنسيق بنية المجتمع والسيطرة عليه، مثل الاتحاد العام للفلاحين (أسس 1964)، والاتحاد العام النسائي (1967)، والاتحاد العام لنقابات العمال (1968)، واتحاد الكتاب العرب (1969)، والاتحاد الوطني لطلبة سورية (1963)، واتحاد شبيبة الثورة (1970). يوضح الكاتب أن هذه المنظمات صُممت لتكون أدوات للتعبئة والحشد وليس للتعبير عن مطالب أعضائها، لتحل محل التنظيمات المدنية المستقلة.
يقرّ الفصل بوجود حدود في التحليل، مثل صعوبة الوصول إلى تفاصيل دقيقة حول آليات بناء شبكات التبعية والولاء في الجيش والاستخبارات. ويترك أسئلة مفتوحة حول المستقبل، مثل ما إذا كان انقسام السلطة بعد وفاة حافظ الأسد سيؤدي إلى إعادة تشكيل البنية التسلطية أم انهيارها. من الحجج القابلة للنقاش داخل الفصل نفسه، يمكن ذكر التركيز على البعد البنيوي والتحليل الطبقي (بالمعنى الخلدوني للعصبية) على حساب العوامل الخارجية والصراع الجيوسياسي، ورغم ذلك يبقى التحليل شاملاً ومتسقاً في تفسير تطور النظام من شعبوية إلى تسلطية شمولية.
6.المعارضة الحزبية في سوريا: المواقف والاتجاهات 243–268▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل المشهدَ المعقّد للمعارضة الحزبية التقليدية في سورية، مجيباً على سؤال محوري: لماذا عجزت هذه المعارضة، رغم كثرة أحزابها وتنوع أيديولوجياتها، عن لعب دور فاعل وحاسم خلال الثورة السورية التي انطلقت عام 2011؟ يقدّم المؤلّف إجابة تتلخص في أن النظام الشمولي، الذي حكم سورية لأكثر من أربعة عقود، نجح بعمق في تهميش هذه القوى وإضعافها وتفكيكها، مما جعلها محدودة الإمكانات ومتباينة المواقف، فجاءت متأخرة ومتفاوتة في تفاعلها مع الحدث الثوري الكبير.
يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية وسياسية شاملة، متتبّعاً أصول هذه الأحزاب. يبدأ بحزب البعث العربي الاشتراكي، مستعرضاً نشأته على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار بشعاراته الرومانسية (وحدة، حرية، اشتراكية) التي افتقرت للآليات العملية والوضوح، خاصة في مفهومي «الحرية» و«الاشتراكية». يبين الكاتب كيف أن هذه الرومانسية قادت الحزب للاندفاع نحو الوحدة مع مصر عام 1958 دون شروط، مما أدى إلى إجهاض الحراك الديمقراطي الوليد في سورية وأدى لاحقاً إلى الانفصال عام 1961. ثم يتناول الانشقاقات المتتالية داخل الحزب، بدءاً من المؤتمر القومي الخامس عام 1962، وصولاً إلى الانقسام الحاد بعد مؤتمر 1963 الذي أقرّ وثيقة «بعض المنطلقات النظرية» ذات الميول الماركسية، مما أدى إلى صراع دموي بين القيادة التقليدية واليساريين العسكريين بقيادة صلاح جديد، انتهى بانقلاب 23 شباط/فبراير 1966 الذي أقصى عفلق والبيطار. من رحم هذه الانقسامات نشأت أحزاب معارضة بعثية حالية، مثل حزب البعث الديمقراطي وحزب العمال الثوري العربي وحزب العمل الشيوعي، التي تشكل اليوم قوام عدد من القوى السياسية في المعارضة.
ينتقل الفصل بعدها إلى الحزب الشيوعي السوري، أحد أقدم الأحزاب، بقيادة خالد بكداش (1912-1995). يشرح الكاتب أن انضمام بكداش إلى «الجبهة الوطنية التقدمية» التي شكلها حافظ الأسد عام 1970 كان سبب الانقسام الأول عام 1972، حيث انشقّ رياض الترك مع أكثرية المكتب السياسي ليشكل «الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي» (لاحقاً «حزب الشعب الديمقراطي»). أصبح هذا الجناح معارضاً شرساً لحكم الأسد، ودفع ثمن ذلك بسجن رياض الترك 18 عاماً في زنزانة انفرادية، ليُلقب بـ«منديلا سورية». يوضح الكاتب كيف تحوّل هذا الحزب لاحقاً من العقيدة الشيوعية الصارمة إلى تبني الديمقراطية كشعار أساسي، ودعا إلى «مصالحة تاريخية بين التيارات الأساسية لشعبنا»، مما أهّله لدور بارز في مجلس المعارضة الحالي.
ثم يتناول الفصل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي الناصري، الذي أسسه جاسم علوان وجمال الأتاسي (1922-2000)، والذي كان الأكثر شعبية بين أحزاب «التجمّع الوطني الديمقراطي». يُشير الكاتب إلى تمسّك الحزب بالعقيدة القومية الرومانسية، مع تشديده على الديمقراطية كشرط لتحقيق الاشتراكية والوحدة، مما أضاف وصف «الديمقراطي» لاسمه. بعد ذلك، يُفرد الفصل مساحة لـجماعة الإخوان المسلمين في سورية، متتبعاً ثلاث مراحل في تاريخها: مرحلة التأسيس والعمل العلني (1946-1963)، ومرحلة العمل السري بعد وصول البعث للسلطة ووصفهم حكمه بـ«العلمانية الغليظة» والطائفية، وانتهاءً بمرحلة الصدام المسلح التي بدأت عام 1979 وبلغت ذروتها بـ«مجزرة حماة» في شباط/فبراير 1982، التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 ألف شخص. يوضح الكاتب أن الإخوان تحولوا خطابياً بعدها، خاصة منذ «ميثاق الشرف الوطني» عام 2001، نحو قبول الديمقراطية والدولة المدنية، وأصدروا وثيقة «عهد وميثاق» في 25 آذار/مارس 2012 تلتزم بـ«دولة مدنية حديثة تقوم على دستور مدني»، مما يظهر محاولتهم الدخول في شراكة مع القوى العلمانية واليسارية.
أخيراً، يتناول الفصل الأحزاب الكردية التي تشكلت أولاً تحت اسم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» عام 1957، ثم تعددت وتشظت إلى أحزاب عدة، منها ما يندرج تحت «المجلس العام للتحالف الديمقراطي الكردي» (مثل يكيتي، آزادي، اليساري الكردي) وأخرى خارجة عن هذا الإطار (مثل حزب الاتحاد الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني). يُظهر الكاتب أن هذه الأحزاب، بعد أن كانت جزءاً من تحالفات المعارضة الرئيسية، انسحبت منها بعد تشكيل «المجلس الوطني الكردي» في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2011، مطالبين باعتراف دستوري بحقوق الشعب الكردي وعلى قاعدة حق تقرير المصير ضمن إطار سورية الموحدة.
فيما يتعلق بالمرحلة التي سبقت الثورة، يتناول الفصل «إرهاصات الثورة السورية» من خلال ثلاث وثائق تأسيسية: «بيان 99» (أيلول/سبتمبر 2000)، و«بيان الألف» الصادر عن «لجان إحياء المجتمع المدني» (كانون الثاني/يناير 2001)، و«إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي» (16 تشرين الأول/أكتوبر 2005). يشرح الكاتب كيف أن هذه الوثائق، التي وقعها نخبة من المثقفين، وضعت الأسس النظرية للمطالب التي ترفعها الثورة اليوم: إلغاء حالة الطوارئ، إطلاق الحريات، بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تتساوى فيها الحقوق. ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن النظام نجح في قمع هذا الحراك، معتقلاً عدداً من النشطاء، مما زاد من هشاشة المعارضة.
يختتم الفصل بتصنيف الأحزاب التقليدية ضمن تشكيلين معارضين رئيسيين بعد الثورة: المجلس الوطني السوري (الذي يضم الإخوان المسلمين وإعلان دمشق)، وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديمقراطي (التي تضم أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي باستثناء حزب الشعب الديمقراطي). يقرّ الكاتب أن الوثائق الأساسية للتشكيلين تظهر اتفاقاً كبيراً حول رؤية سورية المستقبل (دولة مدنية ديمقراطية)، لكن الخلافات الجوهرية تظهر في كيفية الوصول إلى هذا الهدف، خاصة في مفهوم «المرحلة الانتقالية» وسبيل إنهاء النظام الحالي. فهو يطرح ثلاثة نماذج: الأول يرى الانتقال كتفاوض مع النظام لتشكيل حكومة وحدة وطنية، والثاني يقوم على إسقاط الرئيس عبر تدخل خارجي ودعم للجيش السوري الحر، والثالث (المنتمي للمجتمع المدني) يعتبر المرحلة الانتقالية عملية طويلة بدأت مع انطلاق الثورة يوم 15 آذار/مارس 2011 وتستمر حتى أول انتخابات نزيهة، مروراً بحكومة وحدة وطنية تتولى اجتثاث الاستبداد. يكشف المؤلّف بذلك عن حالة من التشتت وعدم الاتفاق على الاستراتيجية، معترفاً في الوقت نفسه بأن هذه الاختلافات قد تخفي وراءها صراعات حزبية وشخصية وأوهاماً ومخاوف يزرعها النظام في صفوف المعارضة. الحجج القابلة للنقاش تُثار حول إمكانية تجاوز هذه الخلافات من خلال توحيد صفوف الحراك الثائر، وانخراط أوسع لمكونات الشعب السوري في الثورة، وهو الجواب الذي يتركه الفصل مفتوحاً تقريباً.
7.نقد خطاب المعارضة السياسي خلال الثورة269–304▼ résumé
يطرح هذا الفصل نقداً شاملاً لخطاب المعارضة السياسية السورية خلال الثورة، محاولاً تفكيك إخفاقاتها وأدائها، بهدف تجاوز الأخطاء والارتقاء بمستوى الخطاب والأداء السياسي. يرى الكاتب أن المعارضة السورية لم تكن على مستوى التضحيات والثورة، وأنها عانت من أمراض بنيوية مثل النزعة الفردية والتنازع على المناصب، واستبعاد الآخرين، وغياب العمل الجماعي المنظم.
يسير الفصل عبر عدة محاور نقدية. يبدأ بملاحظات عامة عن الخطاب السياسي، فيصف أنماطاً متعددة لهذا الخطاب: هناك "الخطاب الشعبوي" الذي يستند إلى المزاج العام ويعتمد على الصوت العالي ولعب العواطف، و "الخطاب الخائف" الذي لا يثق بقدرة الناس ويفترض الهزيمة مسبقاً، و "الخطاب الوسطي" الذي لا يرضي أحداً في لحظة ثورية لا تقبل التوفيق، وأخيراً "الخطاب الثوري العقلاني" الذي يجمع بين الجذرية في الموقف من النظام والحكمة السياسية، لكنه خطاب الأقلية. ينتقد الكاتب ضمور الممارسة السياسية لدى كل من النظام الذي تحول إلى جهاز أمني والمعارضة التي تحولت إلى جهاز يعيد إنتاج خطاب الشارع دون تطوير، في محاولة لكسبه بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب المنطق السياسي. ويضرب مثالاً على ذلك ببيان المجلس الوطني السوري في 10 أيار/ مايو 2012 الذي اتهم روسيا بأنها في "خانة مشتركة مع نظام يسعى لإثارة حرب أهلية"، معتبراً أن هذا الخطاب يصلح لاستثارة المشاعر لكنه لا يتناسب مع منطق العلاقات بين الدول. وينتقد الفصل طريقة تعامل المعارضة مع القضايا، إما عبر "أخلاقيات تطهرية" ذات مرجعية أيديولوجية تتعفف عن الواقع، أو عبر "براغماتية مفرطة" قائمة على المصالح الذاتية الضيقة.
ينتقل الفصل إلى نقد موضوعات الخطاب الأساسية ومحورية تشخيص النظام السوري. فعلى الرغم من إجماع المعارضة على أن النظام "بنية مغلقة عصية على التغيير" وأنه لا يصلح ولا يرحل، إلا أن طريقة التعبير عن هذا الموقف اختلفت. بعض القوى نظرت بعدم ثقة لقدرة الحراك على إسقاط النظام ورأت ضرورة تحقيق مكاسب سياسية عبر الضغط، بينما رأت أخرى أن المطلوب إجبار النظام على تغييرات تسمح بإسقاطه على مراحل، وهناك من طرح شعار "إسقاط النظام" تبعاً للمزاج الشعبي فقط دون خطة للمستقبل. يلاحظ الكاتب أن جميع القوى كانت "مربكة ولا تملك خططاً حقيقية لأهدافها الآنية والاستراتيجية". ويتناول مثال هيئة التنسيق الوطنية (التي أُعلن عنها في 30 حزيران/ يونيو 2011)، والتي تحدثت بلهفة مخففة عن الانتهاكات، فيما رفع المتظاهرون شعار إسقاط النظام، وراح بعض شخصياتها يكرر أن إسقاط النظام ليس من أهدافها، مقدمين بذلك خطاباً منفصلاً عن المزاج الشعبي، وقد مُنيت الهيئة بانتقادات حادة من قوى أخرى.
في موضوع وحدة المعارضة، يرى الكاتب أن مصطلح معارضة لا معنى له في ظل نظام شمولي، لكنه يُستخدم جسراً للعبور إلى مرحلة جديدة. الوحدة المطلوبة لا تعني شكلاً تنظيمياً واحداً، بل توافقاً على مبادئ أساسية وإطار يسمح بحرية الحركة لأطرافه. لكن القاعدة التي نظمت سلوك المعارضة، بحسب الكاتب، كانت "لا أحد مستعد للانضمام إلى أي أحد، ولا أحد مستعد للتجاوب مع مبادرة أحد، والكل يدعو الكل لمبادرته الخاصة". ينتقد الفصل بشدة نزعة الاحتكار والاستبعاد، حيث اختزل المجلس الوطني نفسه في ممثل للمعارضة كلها (كما في بيانه عن مبادرة الجامعة العربية)، وطالب رئيسه برهان غليون في 1 نيسان/ أبريل 2012 بالاعتراف به "ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري". في المقابل، تمسكت هيئة التنسيق بلازمة "نحن معارضة الداخل" واستهانت بنشاط السوريين في الخارج. هذا العراك السياسي الضار حول الشرعية والتمثيل كان، برأي الكاتب، معيباً ومدمّراً.
يتناول الفصل ثقافة المعارضة وأهدافها، مشيراً إلى انفصال الأهداف السياسية (بناء نظام مدني ديمقراطي) عن الثقافة والممارسة السياسية التي لا زالت في الإطار الاستبدادي التقليدي. معظم قوى المعارضة توصف بأنها "قوى أصولية في خطابها" بغض النظر عن أيديولوجيتها، سواء كانت قومية أو شيوعية أو ليبرالية. فالثقافة الديمقراطية ليست مجرد آليات شكلية، بل هي منظومة قيم تحتاج إلى نهضة مجتمعية، وقد انجرت معظم القوى خلال الثورة إلى خطاب شعبوي تحريضي وتخلت عن دورها التنويري. لاحظ الكاتب أنه نادراً ما رُفعت لوحات تخص الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو المجتمع المدني في المظاهرات.
أما القضية الكردية، فهي من المسائل المعقدة التي لا تحل بالتغاضي. كان تعاطي المعارضة معها قبل الثورة (منذ 2000 حتى 2010) قاصراً، واستمرت الآليات نفسها أثناء الثورة، مع تطور بالاعتراف بالحقوق القومية في وثيقة العهد الوطني. لكن الطرف الكردي رفع سقف مطالبه بعد الثورة، كما في وثيقة المؤتمر الوطني الكردي في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 التي ثبتت حق تقرير المصير في إطار وحدة البلاد. يرى الكاتب أن حل القضية لا يكون أيديولوجياً، وأن المنطقة ما زالت أسيرة ترتيبات قديمة. يقدم الفصل مجموعة من الإجراءات كأساس مرحلي، مثل الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية وتوسيع الحكم المحلي وإلغاء السياسات التمييزية، مؤكداً أن الديمقراطية هي الإطار الضروري لحل المسألة القومية لأنها تقوم على المواطنة المتساوية ورفض كل أشكال التمايز والإقصاء.
يتناول الفصل أيضاً قضية التدخل الخارجي، فيميز بين موقفي هيئة التنسيق والمجلس الوطني. الهيئة اتخذت موقفاً واضحاً برفض التدخل، ولا سيما العسكري، وأكدت على سلمية الانتفاضة (كما في تصريح عبد العزيز الخير في 19 أيلول/ سبتمبر 2011). لكن الكاتب ينتقد "لازمة لا للتدخل الخارجي" التي أصبحت الشغل الشاغل للهيئة، مما جعلها تبدو وكأنها تسعى لنيل شرعيتها من النظام الذي افتقد الوطنية، إضافة إلى فشلها في تقديم بدائل تفصيلية لحماية المدنيين. أما المجلس الوطني فكان خطابه متذبذباً ومتناقضاً، يرفض التدخل في بيانه التأسيسي ويطالب بالحماية الدولية في الوقت نفسه، ثم يطالب صراحةً بالتدخل العسكري (كما في بيانه حول مجزرة الحولة في 26 أيار/ مايو 2012). يشير الكاتب إلى أن التعامل مع قضية التدخل بـ "نعم" أو "لا" هو تعبير عن "طفولة سياسية"، فالمطلوب هو مناقشة تفاصيل التدخل وآلياته ومكاسبه وخسائره من منظور المصلحة الوطنية. يقدم الفصل ملاحظات لخطة إعلامية سياسية صائبة، مؤكداً أن النظام هو من يدفع البلاد نحو التدخل، وأن الطاقة الذاتية للحراك الشعبي هي الجوهر، وأن التدخل قائم فعلاً والمطلوب هو إدارة حكيمة له.
ينتقل الفصل أخيراً لمسألة السلمية والعسكرة، ناقداً "عبادة الكلمات" في خطاب المعارضة. يرى الكاتب أن تعبير "الجيش الحر" لا هو مقدس ولا دنس، ويحتاج إلى تقويم دائم. وأياً كان الموقف المبدئي، فإن تحول الجيش الحر إلى حقيقة واقعة يتطلب وضع رؤية للتعامل معه. يقدم الفصل اشتراطات أساسية لعمل هذا الجيش، منها العمل تحت مظلة سياسية واحدة، الالتزام بالتقاليد العسكرية والأخلاقيات في التعامل مع المدنيين والأسرى، وحصر مهامه في الدفاع عن النفس، ومنع أي صبغة طائفية، مع بقاء المظاهرات السلمية كأساس للثورة. ويختتم الفصل بإشارة إلى صعوبة المعركة مع النظام وضرورة الصبر والتفوق في المجال الأخلاقي والقيمي، وهو ما أظهرت التجارب أن المعارضة لم تكن على مستواه.
يقرّ الفصل في النهاية بعدة حدود وتحفظات، فهو يقر بأن معظم قوى المعارضة كانت "مربكة ولا تملك خططاً حقيقية" لأهدافها، وأن ثمة فاعلين لم يظهروا بعد على الساحة، وأن ملامح القوى الفاعلة لن تتشكل إلا بعد زوال النظام. يفتح الفصل أيضاً أسئلة مفتوحة تتعلق بكيفية بناء ثقافة ديمقراطية حقيقية، وكيفية تطوير خطاب ثوري عقلاني، وكيفية إدارة التدخلات الخارجية المعقدة، وكيفية بناء وحدة سياسية حقيقية لا تقوم على الإقصاء. هذه الحجج النقدية، رغم قوتها، قد تكون قابلة للنقاش حول مدى عدالتها في تقييم أداء المعارضة في ظل ظروف قمعية وصعبة للغاية، وفي ظل فرضية أن الخطاب الثوري غالباً ما يكون انفعالياً وعفوياً بطبيعته.
8.سياسات إدارة الأزمة السورية: «الإدارة بالأزمة»؟305–334▼ résumé
بدأ الأمر ثورةً، لكن الانتصارات التي تحققت حتى تلك اللحظة لم تكن بفضل المجلس الوطني أو هيئة التنسيق أو أي تشكيل سياسي آخر، بل جاءت من إصرار الشعب في الشارع ومن الأداء السياسي الهزيل للنظام وأخطائه. لذلك، يرى الكاتب أن الحقيقة السياسية والأفعال المهمة كانت تجري خارج قوى المعارضة التقليدية، وأن المظلة السياسية التي تستحقها الثورة العظيمة لم تولد بعد. هذا الفصل، المنشور في كتاب "خلفيات الثورة: دراسات سورية"، يقدم دراسة تحليلية لسياسات إدارة الأزمة السورية من خلال مفهوم مركزي هو "الإدارة بالأزمة"، حيث تصبح الأزمة نفسها هي الجذع الذي تتولد منه الحلول للاختناقات، وهي تشكل تحدياً وفرصة في آن واحد لجيمع الأطراف.
لتفكيك هذا المفهوم، يبني الكاتب إطاراً منهجياً من مستويين: الأول هو مفهوم "الإدارة بالأزمة" نفسه، والذي يعني أن الأزمة ليست مجرد حدث عابر بل هي صيرورة دائمة التغير، يخضع مسارها لتدخلات ورهانات ومواجهات مستمرة بين الفواعل المختلفة، وكأنها تخليق دائم لحظة بلحظة. المستوى الثاني هو أنماط الاستجابة أو المداخل التحليلية الرئيسية التي يتبعها الأطراف، وهي: "النعامة"، "الإطفائي"، "المطمئن" أو "الواثق"، و**"المُقامِر" أو "المُغامِر". تضيف الدراسة أيضاً أنماطاً محتملة أخرى مثل "خيار شمشون"، و"طائر البشروش"، و"خيار الإسكندر"** و**"الحرب الهجينة"**، وتؤكد أنها لا تتحدث عن مؤامرة بالمعنى التآمري، بل عن افتعال واختلاق لسياسات ومسارات في إطار الأزمة للتأثير على تحولاتها.
ينتقل الكاتب بعدها لوصف الإطار العام للأزمة، مشيراً إلى أنها تشهد استحالة راهنة للحسم أو التسوية، مما يجعل الأطراف عالقة بين عجزين. يحدد عوامل رئيسية تُملي ملامح هذه الإدارة، منها أن الأزمة دخلت مرحلة حرجة تهدد بتحويل سورية إلى "دولة فاشلة"، سواء بإسقاط النظام أو باستمراره، وأن الخلاف الدولي حولها يذكرنا بديناميات "المسألة الشرقية" القديمة. كما يُنظر إليها على أنها آخر مواجهات الحرب الباردة، حيث تعتبرها روسيا والصين خط دفاع ضد الهيمنة الغربية، وتتصف المواجهات فيها بـ "الحرب الهجينة" التي تجمع عناصر داخلية وخارجية. في المحصلة، يرى الكاتب أن كل طرف يراهن على نجاحه في إدارة الأزمة نفسها، لأن "الأزمة هي الحل" بل هي الاستثمار الأفضل في ظل العجز عن حسم الأمور.
أما في تفصيل الأنماط الرئيسية لإدارة الأزمة، فيشرح الكاتب أربعة أنماط أساسية. أولاً، "النعامة"، وهي سياسة تتجاهل طبيعة الأزمة أو جوانبها العميقة. يتجلى ذلك في موقف النظام الذي ظن نفسه بمنأى عن تأثيرات الربيع العربي، كما ظهر في تصريحات الرئيس بشار الأسد وبثينة شعبان قبل الاحتجاجات، وكذلك في تعامي المعارضة عن قضايا جوهرية مثل استهداف الناس على أسس مذهبية وارتهان بعض قطاعاتها لجهات خارجية. هذا التجاهل شمل أيضاً أطرافاً إقليمية ودولية مثل روسيا والصين وإيران التي ترددت في البداية، وخصوم النظام الذين تجاهلوا طبيعة الحدث السوري وتماسك النظام في اندفاعهم لإسقاطه.
ثانياً، "الإطفائي"، وهو دور تقليدي للنظام السياسي في سورية كضامن لتجاذبات القوى. تعتبر الأزمة اختباراً لهذا الدور، حيث يسعى النظام وحلفاؤه لإثبات أن البلاد مثل "صندوق باندورا" وأنه هو صمام الأمان، بينما تسعى المعارضة وحلفاؤها إلى تفكيك هذه المقولة. يلاحظ الكاتب تشابهاً لافتاً في الديناميات بين النظام والمعارضة، حيث يعتبر كل طرف نفسه "إطفائياً" مهمته التخلص من الآخر، كونه مصدر الحرائق. هذا التشابه يمتد إلى البيئة الدولية، فبينما يسعى بعضهم لإطفاء الحريق بإسقاط النظام، ترى دول مثل "البريكس" أن هذا الإجراء سيشعل الحرائق، وتدعو بدلاً من ذلك لتسوية سياسية.
ثالثاً، "المطمئن" أو "الواثق"، وهو موقف سياسي يبني سياساته على نقاط القوة وأوراق اللعب لديه، وليس على اليقين. يعتبر النظام أن سياساته الخارجية هي الشرط الكافي لنجاحه الداخلي، وأن "الخارج هو الحل"، مستنداً إلى دعم إيران وروسيا والصين كدليل على صوابية موقفه في الحرب الباردة الجديدة. في المقابل، تتعزز ثقة المعارضة وحلفائها بدعم إقليمي ودولي، لكن يرى الكاتب أن هذه الثقة قد تكون من باب وضع الأمنيات مكان الواقع، خاصة وأن التقديرات المتفائلة بسقوط النظام لم تتحقق.
رابعاً، "المُقامِر" أو "المُغامِر"، حيث تنطوي الأزمة على رهانات ومجازفات في ظل ضيق الخيارات وضغط الحدث. يعتبر النظام الأزمة مصدر تهديد وفرصة، وقد خاطر بشكل كبير، معتمداً على خبرته في تجاوز أزمات سابقة مثل أزمة احتلال العراق 2003 واغتيال رفيق الحريري 2005 وحرب تموز 2006. يرى النظام أن أي تدخل عسكري هو مغامرة لن يحتملها الغرب بسبب الأثمان الباهظة وتداعيات فتح "صندوق باندورا"، والذي هو صمام الأمان وصاعق التفجير في آن. بالنسبة للخصوم، فإن المغامرة تستحق العناء لأن إسقاط النظام سيغير ديناميات السياسة الإقليمية، محققاً مكاسب كبرى مثل تحطيم "الهلال الشيعي" مقابل إقامة حلف إقليمي جديد.
ينتقل الكاتب بعدها لتحليل الديناميات العميقة التي تحكم سياسات الإدارة بالأزمة. الدينامية الأولى هي "سياسات المنوال"، حيث يحاول النظام تكرار تجربة احتواء أزمته مع الإخوان المسلمين في الثمانينيات، بينما تحاول المعارضة تكرار ديناميات إسقاط أنظمة صدام حسين وبن علي ومبارك والقذافي، بما في ذلك نقل تجارب تنظيم التظاهرات واستخدام الميديا والتحريض المذهبي. الدينامية الثانية هي "الضغط المخيالي"، وهي مواجهة لادارة أزمة المخيال والمدارك، وتتمثل في ديناميتين متعاكستين: "الإقدام" على الاحتجاج بدافع الأمل بالتغيير، و**"الإحجام"** عنها بدافع الخوف من الفوضى والحرب الأهلية والاختراق الغربي. الدينامية الثالثة هي "الضغط القيمي"، حيث طرأت تحولات في نظم القيم السياسية، مثل تغير الموقف من الغرب والتدخل الخارجي ومقولات المقاومة والوحدة الوطنية، وبرزت هويات فرعية أو كما يسميها الكاتب "هُويات قاتلة"، مهدت لاستقطاب طائفي حاد.
الدينامية الرابعة هي "صندوق باندورا"، وهي السياسة السورية التاريخية التي جعلت من البلاد عقدة محورية ليس بما تملكه بل بما تمنعه وتهدد به. كان هذا الصندوق مضبوطاً بموازين معينة، لكن هذه الديناميات لم تعد صالحة، فحاول خصوم النظام تفكيك هذه العقدة والتسبب بانفجار الصندوق، بينما يحاول النظام تأكيد مقولة أن أي تدخل عسكري سيفتح الباب على مخاطر لا يمكن توقعها.
أخيراً، يطرح الكاتب الأنماط المحتملة في إدارة الأزمة والتي قد تتحول إلى خيارات قصوى. أولها "خيار شمشون"، وهو خيار حدي للنظام إذا وجد نفسه في لحظة المواجهة الحاسمة، حيث يمكنه أن يحرق المنطقة كلها، مذكراً بتصريح الأسد بأن من يتلاعب بسورية سيسبب زلزالاً. ثانيها "طائر البشروش"، وهو نمط يستمر في المواجهة حتى النهاية دون توقف، حتى الانهيار، وقد ينسحب هذا النمط على بعض أطراف المعارضة المرتهنة لإرادة خارجية، وقد يؤدي الربط بين هذين الخيارين إلى دفع الخصوم لتغيير قواعد المباراة. ثالثها "خيار الإسكندر" أو "عقدة غورديان"، وهو الحسم بالقوة المفرطة أو بعمل مفاجئ يقلب الأمور، مثل انقلاب عسكري أو اغتيال الرئيس أو انشقاقات كبرى، وهو خيار لا يزال محتملاً رغم تماسك النظام النسبي. رابعها "الحرب الهجينة"، وهو نمط قائم منذ بداية الأزمة وقد يصبح الخيار المديد، حيث تنتهج المعارضة ديناميات مشابهة لإخراج السوفيات من أفغانستان (حرب إجهاد واستنزاف)، بينما يتبع النظام نمطاً مشابهاً من حرب هجينة أخرى، مستفيداً من تجربة حرب تموز 2006.
يختتم الكاتب بإشارات وتنبيهات، مؤكداً أن سياسات إدارة الأزمة محكومة بمنطق "المباراة صفرية"، مما حال دون التوصل لتسوية. كما يشير إلى "الإخفاق المتوقع" كدينامية مهيمنة، حيث تطرح المبادرات والجميع يعلم أن الطرف الآخر سيرفضها، أو حتى عندما يتم الاتفاق عليها (مثل مهمة المراقبين العرب أو مبادرة كوفي عنان)، يحدث ما يجعل الأمور تمتد إلى أزمة جديدة. أخيراً، يرى الكاتب أن التطييف المتسارع للحراك أصبح سمة مركزية، وهناك توافق موضوعي لدى مختلف الأطراف على توظيفه في سياسات إدارة الأزمة، وهو ما يشكل نقداً ضمنياً لانتهازية الفواعل واستخدامها للعامل الطائفي كأداة، وهو ما كان في صميم إطالة أمد الصراع.
9.دور أكراد سورية في المتغيرات السياسية والانتفاضة الراهنة335–372▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل دراسةً تاريخية وسياسية معمّقة لدور أكراد سورية في المشهد السياسي السوري، منذ أواخر العهد العثماني وحتى الانتفاضة السورية عام 2011. يقدّم الفصل إجابة محورية مفادها أن دور الأكراد لم يكن دور أقلية هامشية، بل كان دوراً فاعلاً ومحورياً، بل ومنافساً في أحيان كثيرة لدور الأغلبية العربية، وهو ما يتناقض مع التوصيفات الإعلامية والأيديولوجية التي تختزل الوجود الكردي في إطار أقلوي ضيق. يركز الفصل على أن طريقة تعاطي النظام والمعارضة مع الأزمة، بما في ذلك استخدام العنف، شكلت أحداثاً مؤسسة غيّرت مسار الاحتجاجات وجعلت منها أزمة إدارة للمخاوف والتوقعات.
يبدأ الفصل بتقسيم أكراد سورية إلى قسمين رئيسيين بناءً على الخلفية التاريخية والجغرافية والسياسية. القسم الأول هم أكراد المدن الداخلية، مثل دمشق وحماه، الذين هاجروا إلى بلاد الشام في العصور الوسطى لأسباب عسكرية ودينية، واندمجوا بدرجة عالية مع المحيط العربي. القسم الثاني هم أكراد المناطق الشمالية والشرقية، مثل الجزيرة السورية، الذين استقروا تاريخياً في قراهم وبلداتهم وأُلحقوا بالدولة السورية الجديدة في ظل الانتداب الفرنسي بين عامي 1920 و1946. يؤكد الفصل أن هذا التصنيف ليس زمنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، لأن دور كل مجموعة يختلف سياسياً عن الأخرى.
يستعرض الفصل بالتفصيل المدخل التاريخي لدور الأكراد السياسي، مشيراً إلى أنهم أسهموا في تشكيل نوى المدن السورية، وكانوا أساس المجتمع الحضري في بلاد الشام. ويضرب مثلاً بقلعة الحصن التي كانت تُعرف بـ"حصن الأكراد"، والتي أُسست عام 1031 ميلادية. ويوضح أنه خلال العهد العثماني، أصبحت اللغة الكردية الأكثر تداولاً في دمشق نهاية القرن التاسع عشر، وبرز الثقل السياسي لخمس عائلات كردية كبرى في دمشق هي (اليوسف، شمدين، بوظو، أغريبوز، والبرازي). ويشير إلى أن قانون الإصلاح الزراعي في النصف الثاني من القرن العشرين استهدف الإقطاع الكردي بشكل رئيسي.
ينتقل الفصل لتحليل علاقة هذه النخب الكردية بالمشروع العربي، موضحاً أنه على الرغم من ثقلهم السياسي والاجتماعي، إلا أن النزعة القومية الكردية كانت غائبة عن أجنداتهم، فقد كانوا يمارسون دورهم كمواطنين شاميين، بل وتحمس بعضهم مثل الأخوين محمد وأحمد كرد علي للفكر العروبي. ومع ذلك، ومع مجيء حكم الأمير فيصل والحكم العربي الهاشمي، برز تناقض بين النخب الكردية والحكم الجديد، الذي اعتُبر محاولة لتعريب دمشق على حساب النخب العثمانية. يذكر الفصل أن هذه المرحلة تميزت بصعود العداء المحلي تجاه الموجات الجديدة من الحجازيين والمهاجرين.
بعد الانتداب الفرنسي، عاودت النخب الكردية دورها السياسي بقوة، ووصل الأمر إلى أن أول رئيس لسورية في العصر الحديث كان مدنياً كردياً، وهو محمد علي العابد، وهو حفيد هولو باشا العابد. يقدم الفصل جدولاً مفصلاً (الجدول 9-1) يوضح أن عدد رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات من أصل كردي بلغ 12 شخصية سياسية وعسكرية، من بين 8 رؤساء جمهورية قبل عهد عبد الناصر وحكم البعث، كان 4 منهم من أكراد سورية، وربما 5 إذا اعتُبر شكري القوتلي كردي الأصل. ويخلص الفصل من هذا إلى أن دور الأكراد كان أساسياً وليس ثانوياً، ومعبراً عن فاعلية نخبهم الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يتناقض مع وصفهم بالأقلية.
يشير الفصل إلى أن هذا الدور تعرّض لمنعطف خطر عام 1949 عندما تم إعدام الرئيس حسني الزعيم (البهديناني) ورئيس وزرائه محسن البرازي، وهو حدث يرى الفصل أنه كان حصيلة لتحريض تيارات قومية عنصرية ضاقت بالنفوذ الكردي، ويعدّ بداية لصفحة جديدة في تاريخ النخب الكردية. ثم ينتقل إلى دراسة موقف أكراد المناطق الكردية (القسم الثاني) من الانتداب، حيث كان لهم طموحات سياسية مستقلة، وقدموا عام 1932 عريضة موقعة من أكثر من مئة زعيم قبلي تطالب بإنشاء إدارة ذاتية في الجزيرة السورية، وهو ما يُعرف بـ"رابطة سوريا". ويذكر الفصل حركات المقاومة المسلحة مثل معركة بياندور عام 1923 وانتفاضة عامودا عام 1937 التي قصفتها الطائرات الفرنسية، إضافة إلى حركة عصيان مدني كبرى عام 1938 بقيادة حاجو آغا.
يتطرق الفصل إلى نشأة الجمعيات والأحزاب الكردية، ويقدم جدولاً (الجدول 9-2) يتضمن أبرزها مثل جمعية خويبون (تأسست 1927)، ونادي هنانو، والحزب الديمقراطي الكردي في سورية "البارتي" (تأسس 1957). ويشرح العوامل التي ساعدت في ظهور هذا الحزب، منها رغبة النظام في توزيع الثقل الكردي بعيداً عن الحزب الشيوعي السوري. ويؤكد أن هذا الحزب كان ضعيفاً في بداياته لأنه تأسس من أبناء المناطق الريفية الطرفية ولم تشارك فيه النخب الحضرية العريقة، مما جعله يصطدم مبكراً مع السلطات.
يتناول الفصل سياسات الاضطهاد التي تعرض لها الأكراد، بدءاً من مرحلة حكم جمال عبد الناصر (الجمهورية العربية المتحدة) وما اتخذته من سياسات سكانية في محافظة الحسكة لتوطين فلاحين عرب بين عامي 1959 و1960 في محاولة لتغيير التركيبة السكانية. ثم ينتقل إلى مرحلة حكومة الانفصال التي تميزت بظهور طبقة سياسية هجينة معادية للأكراد. ويقدم الفصل تفصيلاً لخطة "سياسة الإبادة" التي وضعها محمد طلب هلال، الشخصية الأمنية المتخصصة في الشأن الكردي، والتي تضمنت بنوداً مثل: تجهيل الأكراد، سد باب العمل، إنشاء الحزام العربي، ونزع الصفة الدينية عن مشايخهم. ويشير الفصل إلى أن هذه الخطة نُفذت على أرض الواقع.
في مرحلة حكم حافظ الأسد، تم تطبيق مشروع "الحزام العربي" (أو الحزام الأخضر) بين خريف 1974 وربيع 1975، مما أدى إلى مصادرة أراضي نحو مئة وخمسين ألف نسمة كردي من حوالي 300 قرية، وتم إنشاء 35 قرية نموذجية للفلاحين العرب بطول 275 كلم وعمق 10-20 كلم، وبلغت المساحات الممنوحة نحو 702,078 دونماً. ورغم مهادنة الأسد السياسية، استمر حرمان الأكراد من المناصب العسكرية والإدارية، ومنع استخدام اللغة الكردية. ويذكر الفصل مسيرة الاحتجاج في عيد نوروز عام 1986 بدمشق التي قوبلت بإطلاق الرصاص الحي، مما أدى إلى استشهاد سليمان محمد أمين آدي، الذي يُعتبر أول ضحية لتظاهرة سلمية في عهد حافظ الأسد.
مع تسلم بشار الأسد الحكم، تحولت الحركة الكردية إلى ما يشبه العمود الفقري للمعارضة السورية الديمقراطية، مما أثار حفيظة النظام. ويصف الفصل حوادث مدينة القامشلي الدامية في 2 آذار/مارس 2004 التي قُتل فيها نحو ثلاثين شخصاً وجُرح أكثر من مئتين واعتقل نحو ألفين ومئتي شخص، والتي اعتُبرت أول انتفاضة شعبية كردية ضد السلطة وتُليها كسر تمثال الرئيس السابق.
في القسم الأخير عن دور الأكراد في الانتفاضة الراهنة (عام 2011)، يشرح الفصل المبادرة الكردية التي أُطلقت في 14 نيسان/أبريل 2011، والتي دعت إلى وقف العنف، وإطلاق المعتقلين، وإجراء إصلاحات ديمقراطية، والاعتراف بالوجود الكردي كثاني أكبر قومية. ثم تلاها مبادرة معدلة في 11 أيار/مايو 2011 شملت مطالب بإلغاء السياسات التمييزية وإعادة الجنسية للمجردين منها. ويرى الفصل أن هذه المبادرة كانت "متواضعة" في مطالبها، ولكن تسارع الأحداث وتصاعد القتل وبروز الأدوار الإقليمية أحبط فرص نجاحها، ورفعت سقف المطالب إلى المطالبة بإسقاط النظام.
يختتم الفصل بتحليل لأداء الحركة الكردية، معترفاً بضعفها وارتباكها النسبي، ويعزو ذلك إلى عوامل عدة: سيطرة الخطاب القومي الكردي المركزي، صعوبة تقبل الأحزاب لظهور قوى شبابية جديدة، عدم الاقتناع الكامل بضرورة إسقاط النظام قبل تأمين البديل، والتحالفات غير الواضحة مع القوى العربية والإسلامية. ويخلص الفصل إلى نتائج مهمة: أن عمر المسألة الكردية مساوٍ لعمر دولة سورية الحديثة، وأن دور الأكراد كان مميزاً لا يتناسب مع وصف "أقلية"، وأن ما يجري اليوم هو استمرار لحركات قومية بدأت قبل ترسيم الحدود الحالية. ويختم الفصل بشكل نقدي، مشيراً إلى أن ضعف دور الحركة الكردية كان أحد أسباب عدم تحقيق الانتفاضة لأهدافها حتى تاريخ كتابة الفصل، مؤكداً أن هذا الدور عبّر عن عدم فاعلية القسم الأكثر تنظيماً من معارضة الداخل.
10.الحالة الطائفية في الانتفاضة السورية: المسارات والأنماط373–426▼ résumé
يُحلل هذا الفصل ظاهرة الطائفية في سياق الانتفاضة السورية التي انطلقت عام 2011، ويسعى إلى فهمها ليس كجوهر للصراع أو كملازمة للثورة، بل كعرض من أعراضها، ناتج عن عوامل اجتماعية-اقتصادية وسياسية عميقة. يرفض الفصل بشكل قاطع وصف الانتفاضة بأنها طائفية أو مذهبية، ويؤكد أنها مشروع مجتمعي مدني يناهض الاستبداد ويسعى للحرية والديمقراطية. لكنه في الوقت نفسه، يقر بوجود الظاهرة الطائفية كنتاج لتفاعلات معقدة، ويحاول رصد مساراتها وأنماطها المختلفة.
ينقسم الفصل إلى قسمين رئيسيين. الأول، وهو تاريخي، يتتبع جذور الطائفية في سورية. يبدأ من العهد العثماني، حيث يشرح كيف أن نظام "الملل" والتعامل مع الطوائف غير السنية (كالمسيحيين، العلويين، والدروز) عبر "الإقطاع العصبوي" خلق هويات منعزلة وذاكرة تاريخية مشحونة بالتوتر. يصل إلى حوادث عام 1860 في جبل لبنان ودمشق، والتي يصفها بأنها أول صدام طائفي في حدود سورية الحالية. ويخلص إلى أن جذر هذه الحوادث لم يكن دينياً بحتاً، بل كان ناتجاً عن انقلاب في البنية الاقتصادية للمجتمع، حيث أدى تدفق الامتيازات التجارية الأوروبية إلى نمو نفوذ التجار المسيحيين بشكل غير مسبوق، مما خلق توتراً طبقيّاً تحول إلى عنف طائفي. يؤكد التحليل على دور العامل الاقتصادي والضغط الخارجي، وليس العامل الثقافي أو الديني المجرد، في نشوء الطائفية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة الانتداب الفرنسي، معتبراً إياها مرحلة حاسمة في "تسييس الهويات الفرعية" أو "قومنة الطائفة". يصف كيف قسمت فرنسا سورية عام 1920 إلى دويلات على أساس مذهبي (دولة العلويين، جبل الدروز...) بغرض إضعاف الحركة الوطنية. ويذكر أن فرنسا عملت على خلق نخب محلية موالية، وشكلت "جيش الشرق" المعتمد على الأقليات، وأصدرت قوانين أحوال شخصية منفصلة للعلويين والدروز لمحاولة فصلهم عن الإسلام. على الرغم من فشل هذه المحاولات في تقسيم سورية بفعل النضال الوطني، إلا أن الفصل يرى أن هذه السياسات تركت إرثاً عميقاً من الانقسامات. أما فترة ما بعد الاستقلال، فيصفها بأنها كانت مرحلة بناء هوية وطنية ونجاح تجربة ديمقراطية، حيث تلاشت الطائفية السياسية، لكن المتخيلات الطائفية الاجتماعية ظلت كامنة تحت السطح. يشير الفصل هنا إلى أن صعود حزب البعث للسلطة وما تلاه من سياسات اقتصادية اشتراكية وصراعات مع الإخوان المسلمين في الستينيات والثمانينيات، وإن اتخذت أحياناً منحىً طائفيًا، إلا أن جذرها الأساسي كان سياسياً واقتصادياً، وليس طائفياً.
القسم الثاني من الفصل هو تحليلي ميداني، يركز على تجليات الطائفية خلال الانتفاضة السورية نفسها. يحدد الفصل عدة مراحل وأنماط. في المرحلة الأولى (من آذار/مارس إلى تموز/يوليو 2011**)، يتحدث عن "الوعي الطائفي البدائي" الذي ظهر مع بدء الاحتجاجات. يورد الفصل أمثلة من مدينتي اللاذقية وحمص، حيث عمل النظام السوري، بحسب المؤلف، على تحويل هذا الوعي البدائي إلى أفعال طائفية عبر استخدام "الرجال المأجورين" أو "الشبيحة" لاستفزاز المحتجين وإثارة الفتن. كما يشير إلى دور خطاب السلطة في وصف المحتجين بـ"التكفيريين" ودور بعض الشعارات الطائفية المحدودة التي أطلقها محتجون (مثل "علوية علا التابوت") في تعميق الاستقطاب. في هذه المرحلة، لعب وجهاء الأحياء دوراً في الضبط الاجتماعي لمنع تطور الأحداث.
تتطور الأمور إلى المرحلة الثانية التي يتناول فيها الفصل أنماطاً أكثر عنفاً، مثل الخطف والاغتيالات والهجرات القسرية. يحلل الفصل بالتفصيل حادثة 16 تموز/يوليو 2011 في حمص كمثال مركزي على تحول قضية عاطفية (اتهامات بتصوير فتيات في محال تجارية) إلى فتنة طائفية خطيرة، مستغلة من قبل أطراف متعددة. ينتقل بعد ذلك إلى "جرائم الكراهية والانتقام الجماعي"، ويذكر بعض الحوادث مثل هجوم 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 على حافلة تقل مواطنين إلى قرية جب عباس، وما تبعها من عمليات انتقامية من قرى علوية، مما أدى إلى سقوط أكثر من 150 قتيلاً وفقاً للإشارة الواردة. يشير الفصل إلى أن هذه الجرائم أصبحت أكثر عنفاً ووحشية مع الوقت، واتسمت بالتمثيل بالجثث، وأنها تعكس ديناميكية نفسية مرضية للانتقام، مما يشكل أخطر تهديد لمستقبل الدولة المدنية في سورية.
يعترف الفصل بحدوده، مؤكداً صعوبة تقدير أعداد المخطوفين والقتلى بدقة بسبب كثرتها وفوضى المعلومات. كما يترك أسئلة مفتوحة حول دوافع اغتيال بعض الشخصيات التي كانت تدعو للحل السلمي.
في الختام، يمكن القول أن حجة الفصل المركزية قابلة للنقاش، فهي تعيد تفسير التوترات الطائفية بشكل حاسم لصالح العوامل الاقتصادية والسياسية (الاستبداد، الليبرالية الجديدة، التدخل الخارجي) وتقلل من وزن العوامل الثقافية والدينية التاريخية كعوامل مستقلة. كما أن التركيز على دور النظام السوري في "تجييش" الطائفية هو موقف تفسيري واضح، قد يراه البعض متجاهلاً لدور بعض فصائل المعارضة المسلحة في نفس العملية، خاصة في مراحل لاحقة من الثورة.
11.جدل الواقعي والافتراضي: بين الصناعة والفاعلية427–460▼ résumé
ملخص الفصل الحادي عشر: "جدل الواقعي والافتراضي: بين الصناعة والتأثير"
يتناول هذا الفصل الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الجديد، وتحديداً وسائل التواصل الاجتماعي وصحافة الإنترنت، في الثورة السورية، ويفحص العلاقة الجدلية بين "الواقعي" و"الافتراضي" في سياقها. يجيب المؤلف عن سؤال محوري هو: هل كانت هذه الوسائل مجرد ناقلة للأحداث، أم أنها لعبت دوراً "خالقاً" في إنتاج القيم والرموز السياسية للثورة، وصوغ مسارها؟ يخلص الفصل إلى أن الافتراضي في سورية تجاوز الوظيفة التعبيرية الناقلة التي اضطلع بها في ثورات عربية أخرى (كتونس ومصر)، ليصبح منتجاً للقيم والرموز، وموجهاً للحراك، وذلك لسببين رئيسيين: غياب "ساحات التغيير" الكبرى التي كانت حاضرة في الثورات الأخرى نتيجة القمع الأمني والعسكري الممنهج، وتبني القنوات الإعلامية العربية (الجزيرة والعربية بشكل خاص) لمخرجات الفضاء الافتراضي باعتبارها معبرة عن الثورة بكل أطيافها.
يسير الفصل خطوة خطوة ليؤسس لفكرته. يبدأ بتعريف الإعلام الجديد وتطوره التقني، ويميز بين الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن الواقع الافتراضي هو "إضافة افتراضية إلى واقع معيش"، وليس بديلاً عنه، وأن درجة تأثيره تختلف بحسب مستوى التقدم التكنولوجي وإمكانية الولوج إلى الإنترنت في كل دولة. ثم ينتقل إلى الحالة السورية، موضحاً أنها تشبه الثورات العربية الأخرى في كسر احتكار النظام لوسائل الإعلام، لكنها تختلف بغياب الساحات الاحتجاجية الكبرى نتيجة القمع، وتأخر المدن الكبرى (دمشق وحلب) عن الانخراط في الاحتجاجات في مراحلها المبكرة. هذا الفراغ الميداني خلق حيزاً عاماً افتراضياً أصبح هو البديل عن المجال السياسي المختطف من الدكتاتورية. ويشير المؤلف إلى أن الفئات الوسطى والمغتربين السوريين كانوا الأكثر تفاعلاً في هذا الفضاء، لأسباب مادية وتقنية.
يقدم الفصل تفصيلاً لأبرز "اللاعبين الافتراضيين" في الثورة السورية، ويصنفهم حسب وظائفهم. القسم الأول هم "اللاعبون التعبيريون الكاشفون"، وعلى رأسهم صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد التي أنشئت في 18 يناير 2011، وتحولت إلى أكبر تجمع افتراضي مناهض للنظام، حيث بلغ عدد متابعيها نحو 463 ألف شخص. كانت هذه الصفحة هي المبادرة في تسمية أيام التصعيد الثوري، ولا سيما تسميات أيام الجمع، عبر آلية تصويت أسبوعية. كما برزت شبكة شام الإخبارية التي اعتمدت على تقنية اليوتيوب لنقل المقاطع المصورة إلى الإعلام العربي، قبل أن تطور نفسها لتصبح شبكة إخبارية ذات مراسلين في مناطق مختلفة. القسم الثاني هم "اللاعبون التنظيميون" الذين يجمعون بين الافتراضي والميداني، مثل لجان التنسيق المحلية التي نشأت في يونيو 2011 كتنظيم للقادة الميدانيين في القرى والمدن، وتميزت بواجهة مدنية أقرب إلى العلمانية، ثم الهيئة العامة للثورة السورية التي تألفت في 18 أغسطس 2011 وضمت نحو 80% من التنسيقيات، وتميزت بوجود خلفيات إسلامية وليبرالية. هذه الهيئات حاولت أن تكون إطاراً تنظيمياً جامعاً خارج المعارضة التقليدية، وتولت مهاماً سياسية وحقوقية وإغاثية.
أما قلب الفصل وجدله الرئيسي فيأتي في القسم الرابع حول "جدل الافتراضي والواقعي وتأثيراته". هنا، يناقش المؤلف كيف التقى الفهم السلطوي مع بعض الكتابات الغربية لاعتبار أن وسائل التواصل الاجتماعي هي "سبب" الثورات، مقللاً من شأن العوامل الواقعية. ويشير إلى أن الرئيس بشار الأسد نفسه وصف الاحتجاجات في خطابه في 30 مارس 2011 بأنها "موجة افتراضية". لكن المؤلف يرى أن هذا التوصيف غير دقيق، فالدعوات التي أطلقتها صفحات الفيسبوك ليوم الغضب السوري في 5 فبراير 2011 لم تنجح، والتظاهرة الأولى في سوق الحميدية في 15 مارس 2011 لم تكن استجابة لهذه الدعوات بل جاءت بشكل تلقائي. المحرك الحقيقي للاحتجاجات كانت قضية الأطفال في درعا والطريقة الأمنية في التعامل معها. وهكذا، لم يكن للافتراضي في البداية تأثير يذكر، بل كان ناقلاً للواقع.
غير أن التحول الجذري حصل بعد العمليات العسكرية الكبرى (مثل معركة درعا وحمص)، والتي قضت على الاعتصامات والساحات المنتجة للخطاب. هنا، يقول المؤلف: "العمليات العسكرية هي التي رجحت تأثير الافتراضي في الواقعي في تحديد شكل الخطاب السياسي". ففي غياب الساحات الميدانية، تولت الصفحات التعبيرية مهمة تحديد القيم والرموز السياسية، وأبرز مثال على ذلك هو "تسمية أيام الجمع" الأسبوعية عبر آلية التصويت في صفحة الثورة السورية. يقدم الفصل أمثلة ملموسة على هذا الاستقطاب. ففي جمعة العشائر (10 يونيو 2011)، رفضت التيارات الليبرالية التسمية وطرحت بديلاً هو "البشائر". وفي جمعة أحفاد خالد (22 يوليو 2011)، التي تزامنت مع اضطرابات طائفية في حمص بين أحياء الخالدية والزهراء، انقسم الناخبون بين تسمية إسلامية وأخرى مدنية، وانتهى الأمر بدمجهما. وتكرر الانقسام في قضايا خلافية كبرى مثل جمعة الحماية الدولية (9 سبتمبر 2011) وجمعة الجيش الحر يحميني (25 نوفمبر 2011)، مما أظهر تبايناً حاداً بين مؤيدي التدخل العسكري الخارجي ومحبذي العسكرة، ومعارضيهم. يعترف المؤلف بأن آلية التصويت نفسها كانت موجهة، حيث كانت الصفحة تضخ معطيات إعلامية داعمة لخيار معين منذ بداية التصويت، وقد جرى في مناسبات (مثل تسمية 13 أبريل 2012) التراجع عن خيار "جيوش الإسلام... أغيثوا الشام" لصالح "ثورة لكل السوريين" بعد ضغوط. ويستنتج أن هذا التوجه أدى إلى عزوف شرائح واسعة عن المشاركة، وإلى تلوين خطاب الثورة برموز فئوية واستجدائية.
أما المثال الأكثر بروزاً على غلبة الافتراضي في صنع الرمز، فهو اعتماد علم الاستقلال رمزاً للثورة بدلاً من العلم السوري الحالي المعتمد منذ 1980. يوضح الفصل أن الدعوات لاعتماده بدأت في الفضاء الافتراضي في أغسطس 2011، ثم أُجري استفتاء على صفحة الثورة السورية صوت فيه 12,112 شخصاً فقط، وكانت النتيجة موافقة 86% منهم على اعتماده. وبفضل التبني الإعلامي والتحفيز الافتراضي، اختفى العلم السوري الحالي من التظاهريات، وحل محله علم الاستقلال الذي رفعته الهيئات التنظيمية والمحتجون على الأرض. وهكذا، يخلص المؤلف إلى أنه في السنة الأولى من الثورة، كانت الغلبة للافتراضي. لكنه يفتح سؤالاً مهماً حول حدود هذا التأثير، معترفاً بأن الانتقال إلى الكفاح المسلح وبروز الجيش السوري الحر كفاعل رئيسي، أعاد الأولوية إلى "الواقعي"، وأضفى على المطالب السياسية والنقاشات الافتراضية أهمية محدودة مقارنة بالمعارك الميدانية.
يقر الفصل بتحفظات واضحة وحدود في نهايته. فهو لا يدعي أن التفاعل الافتراضي كان "حراً" أو "مستقلاً"، بل يصرح بأن القيم والرموز التي أنتجها "لم تكن ناجمة عن تفاعلات الافتراضي وحده إرادياً"، بل ساهمت عوامل مثل التوجيه السياسي والخلفية الأيديولوجية للقائمين على إدارة الصفحات. والأهم من ذلك، يقر بأن أغلب هذه المخرجات كانت مصدرها سوريون مقيمون في المهجر، معظمهم من عائلات لها تاريخ معارض، مما يعني أن الخطاب الافتراضي فرض توجّهات "النخبة المغتربة" وليس بالضرورة كل مكونات الحراك الميداني. يترك الفصل السؤال مفتوحاً حول مدى استمرارية هذا التأثير بعد دخول الثورة في مرحلتها العسكرية، عندما أصبح الواقعي هو الغالب.
من حيث النقاش القابل للجدل بناءً على النص نفسه، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يقدم قراءة تركز على "اللحظة السياسية" للثورة، وتحديداً السنة الأولى منها، مما يجعل بعض استنتاجاته (مثل غلبة الافتراضي المطلقة) قابلة للمراجعة إذا درسنا مسار الثورة السورية بأكمله الذي تحول لاحقاً إلى حرب أهلية معقدة ذات أبعاد إقليمية ودولية. كما أن افتراض "غياب ساحات التغيير" في سورية بشكل مطلق قد يكون فيه تبسيط، إذ شهدت مدن مثل درعا وحمص وحتى ريف دمشق ساحات احتجاجية هامة، لكنها كانت أكثر عرضة للقمع وتفتقر إلى الزخم الإعلامي الذي حظيت به ساحات التحرير في مصر أو التحرير في تونس. كذلك، فإن الاعتماد الكبير على "صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد" كمثال وحيد على آلية التصويت، يخفي تنوعاً كبيراً في الفضاء الافتراضي السوري، والذي شمل تنسيقيات ذات توجهات مختلفة، وشخصيات معارضة ذات خطاب أكثر تنوعاً. ومع ذلك، يظل الفصل مهماً من حيث كشفه عن التحول في ديناميكية العلاقة بين "الواقعي" و"الافتراضي" في ظل وجود قمع ممنهج، ودور المغترب في خلق خطاب سياسي للثورة، رغم فصله النسبي عن الواقع الميداني.
12.موقع السياسة والعلاقات الدولية وتقاطعها في الأزمة السورية461–500▼ résumé
يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو تحليل الأزمة السورية من منظور العلاقات الدولية والواقعية السياسية، حيث يسعى المؤلف إلى تفسير كيف تحوّلت انتفاضة داخلية إلى صراع إقليمي ودولي معقّد. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن موقع سورية الجيوسياسي الحساس، وارتباط مصالح القوى الكبرى والإقليمية بتوازنات المنطقة، جعل من الأزمة السورية ساحة لحرب بالوكالة بين معسكرين، مما صعّب إمكانية التوصل إلى حل، وجعل حسابات موازين القوى والمصالح الجيوستراتيجية هي المهيمنة على حساب مطالب السوريين بالحرية والكرامة.
يسير الفصل عبر أربعة محاور رئيسة، ويستخدم النظرية الواقعية إطاراً تحليلياً لفهم سلوك الدول. يبدأ المحور الأول بتحليل المستوى المحلي، موضحاً حسابات كل من النظام والمعارضة. يرى المؤلف أن النظام، بقيادة بشار الأسد، أخطأ في تقدير قوته، معتمداً على قراءة سطحية لدعم إيران وحزب الله، وعلى اعتقاده بأن دول الخليج وتركيا ستتردد في معارضته خوفاً من امتداد الاحتجاجات أو من قدرته على زعزعة استقرارهم. كما راهن النظام على انشغال العالم بأزمات أخرى، مثل الأزمة المالية والانسحاب من العراق وأفغانستان، وحسابات روسيا والصين التي تخشى صعود الإسلاميين. في المقابل، سعت المعارضة، التي بدأت احتجاجات سلمية، إلى تدويل الأزمة عبر إبراز الدعم الإيراني للنظام ورفع شعارات تمس المصالح الإقليمية للدول المعادية للنظام، مدركة أنها أضعف من أن تسقطه دون دعم خارجي. يخلص الفصل إلى أن كلاً من النظام والمعارضة اتفقا على تدويل الأزمة، لكن من زاوية مختلفة: النظام لاعتقاده أن هذه هي ساحة قوته، والمعارضة لحاجتها الماسة لدعم خارجي.
ينتقل المحور الثاني لتحليل المستوى الدولي، ويقسم القوى إلى خصوم للنظام وحلفاء له. بالنسبة للخصوم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وفرنسا، يوضح الفصل أن موقفهما تميز بالارتباك والبطء، حيث كانت واشنطن منشغلة بالانسحاب من العراق والأزمة المالية. هدف واشنطن الأساسي لم يكن بالضرورة إسقاط النظام بقدر ما هو إضعاف إيران ومنع تشكل "قوس نفوذ إيراني" يمتد من أفغانستان إلى البحر المتوسط، وأعادت تشكيل موازين القوى الإقليمية. هناك شكوك حول ما إذا كانت واشنطن تريد تغيير النظام فعلاً أم مجرد تغيير سياساته الخارجية، مع تفضيلها لاستمرار صراع منخفض الوتيرة يبقي سورية مشغولة بنفسها. بالنسبة لحلفاء النظام، روسيا والصين، يرى المؤلف أن سورية ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة للاحتجاج على السياسات الأميركية أو جزء من استراتيجية مقايضة أوسع. بالنسبة لـ موسكو، يأتي الدعم للنظام رداً على ما تعتبره خديعة أميركية بشأن الدرع الصاروخية، وخوفاً من فقدان نفوذها في الشرق الأوسط، ومن صعود النفوذ التركي والإسلاميين السنة. بالنسبة لـ بيجين، تهدف مواقفها إلى مواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة في منطقة المحيط الهادئ، وتأمين مصالحها النفطية مع إيران، حيث ترى أن سقوط النظام السوري سيضعف إيران ويحول موارد النفط العالمية لصالح الولايات المتحدة. يخلص هذا المحور إلى أن القوى الكبرى تنظر للأزمة من خلال تأثيرها على موازين القوى الإقليمية والدولية، وليس من خلال مطالب الشعب السوري.
ثم يحلل المحور الثالث المستوى الإقليمي، واصفاً إياه بـ"صراع الأهلة". قبل الأزمة، كانت لسورية شبكة علاقات إقليمية مستقرة مع قطر وتركيا والسعودية، لكن هذه العلاقات تدهورت بسبب خلافات حول الملف العراقي (دعم سورية لـ نوري المالكي بدلاً من إياد علاوي) والملف اللبناني (إسقاط حكومة سعد الحريري). انتهزت تركيا وقطر والسعودية، التي تمثل خصوم النظام الإقليميين، فرصة الثورة لتصحيح موازين القوى، بهدف إضعاف "الهلال الشيعي" الإيراني وكسر طوق النفوذ الإيراني. لعبت تركيا دوراً بارزاً، باحتضانها للمعارضة السورية، مدفوعة بأهداف اقتصادية (سورية ممر تجاري حيوي) وجيوستراتيجية (كسر القوس الإيراني من حدود أرمينيا إلى المتوسط، وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي). في المقابل، شكلت إيران وحزب الله وحكومة المالكي حلفاء النظام الرئيسيين، وهي أطراف ترى في سورية حجر الزاوية لمشروعها الإقليمي. يعتبر سقوط النظام السوري بمثابة ضربة قوية للمشروع الإيراني، لأنه يعني فقدان الجسر البري الوحيد إلى لبنان والبحر المتوسط، وقد يؤدي إلى إضعاف حكومة المالكي في العراق وحزب الله في لبنان. يوضح الفصل أن الصراع أخذ بُعداً مذهبياً، حيث يتقابل محور بقيادة إيران الشيعية ومحور بقيادة تركيا السنية، على الرغم من أن الحسابات الجيوستراتيجية هي الأساس.
أخيراً، في المحور الرابع، يحاول المؤلف استشراف مآلات الأزمة باستخدام نماذج رياضية، وتحديداً "نظرية المجموعات" ومخططات فن. يقدم نموذجاً يتكون من ثلاث مجموعات لكل معسكر (محلية A، إقليمية B، دولية C)، حيث تصبح أهداف كل مجموعة أكثر شمولاً من سابقتها. يستنتج المؤلف عدة نتائج: (1) كلما ازداد توافق المصالح داخل المجموعة الواحدة، ازداد الإصرار على تحقيق الهدف. (2) كلما ازدادت التباينات، زادت صعوبة الإجماع وزادت إمكانية حدوث اختراقات أو انشقاقات. (3) إذا فشل الطرف المحلي (المعارضة أو النظام) في حسم الصراع، سيزداد احتمال حصول تسوية على المستويين الإقليمي والدولي، وستكون هذه التسوية على حساب المصالح المحلية. (4) إذا نجح أحد الطرفين المحليين، سيزداد احتمال المواجهة المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية وزيادة دعم وكلائها. (5) كلما طال أمد الصراع المحلي، زاد احتمال تحوله إلى حرب وكالة وقلّ احتمال المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى.
يعترف المؤلف بحدود الدراسة، مشيراً إلى أن الأزمة ديناميكية ومتغيرة بسرعة، وأن النماذج الرياضية المقدمة هي مجرد أداة مساعدة للفهم وليست تنبؤاً قطعياً. كما يقر بأن مواقف الأطراف داخل كل معسكر ليست متطابقة بالضرورة، وأن المصالح المتباينة قد تظهر تحالفات جديدة في المستقبل. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول حجم التغيير الذي تريده واشنطن في سورية، وهل هو إسقاط النظام أم مجرد تغيير سياساته، وحول إمكانية بقاء النظام إذا نجح في تغيير سياساته الخارجية.
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، التركيز الكبير على الحسابات الجيوستراتيجية والواقعية، مما قد يقلل من شأن العوامل الأيديولوجية والشعبية الداخلية كدافع أساسي للصراع. كما أن اعتماد النموذج الرياضي المبدئي، على الرغم من وضوحه النظري، يُبسّط تعقيدات الصراع الواقعية إلى حد كبير، وقد لا يعكس ديناميكيات التحالفات المتغيرة باستمرار.
13.الأبعاد الجيوستراتيجية للسياستين الإيرانية والتركية حيال سورية501–538▼ résumé
يطرح هذا الفصل تحليلاً جيوستراتيجياً معمقاً للسياسة الإيرانية والتركية تجاه سورية، مركزاً على التناقض الجوهري بين مشروعيهما الإقليميين وكيف كشفت الثورة السورية عن هذا التناقض بوضوح. يقدم الفصل إجابة واضحة: لا يمكن فهم الموقفين الإيراني والتركي من الثورة السورية بمعزل عن الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية لكل دولة، وعن موقع سورية المحوري في مشروع كل منهما التوسعي في منطقة الهلال الخصيب والشرق الأوسط.
يبدأ الفصل بتأكيد أن الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011 خلق فراغاً جيوسياسياً سارعت إيران لملئه، مما أدى إلى تغيير كبير في موازين القوى الإقليمية. لكن اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 شكل مفاجأة صادمة ليس فقط لـإيران وتركيا، بل حتى لنظام بشار الأسد الذي كان يعتقد أن نظامه محصن بفضل "ورقة الممانعة" وقربه من الشعب. يوضح الفصل أن تفسير الموقفين الإيراني والتركي غالباً ما يتم في إطار ضيق يركز على اللحظة الآنية، بينما الحقيقة أن هذين الموقفين جزء من سياسات أوسع وأعمق جذوراً تعود إلى ما قبل الثورة.
ينتقل الفصل إلى تفصيل المشروع الإيراني القائم على "نظرية أم القرى" التي وضعها محمد جواد لاريجاني في الثمانينيات، والتي تهدف إلى جعل إيران "قلب العالم الإسلامي" وقائدة له، متجاوزة حدودها الجغرافية. هذا المشروع تبلور أكثر في "الاستراتيجية الإيرانية العشرينية" (بين عامي 2005 و2025)، والتي تسعى إلى تحويل إيران إلى قوة دولية ونواة مركزية مهيمنة في منطقة "جنوب غرب آسيا"، وهو مصطلح يستخدم لتجنب ذكر العرب مباشرة. بالنسبة لموقع سورية في هذا المشروع، فهي بمثابة القلب والمدخل الاستراتيجي. فسورية تقع في قلب "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه آية الله الخميني، وهي تشكل منصة لتصدير الثورة الإيرانية ونفوذها إلى لبنان وفلسطين، ومنصة للوصول إلى قلب القضية الفلسطينية. كما أن التحالف مع سورية يحقق الأهداف الرئيسية الثلاثة للمشروع الإيراني: التوسع الإقليمي، قيادة العالم الإسلامي، وحماية أمن إيران.
في المقابل، يشرح الفصل المشروع التركي الذي تبلور مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002، القائم على رؤية "العمق الاستراتيجي" لـأحمد داود أوغلو وسياسة "تصفير المشاكل". هذا المشروع يهدف إلى تحويل تركيا من دولة هامشية إلى دولة محورية (Pivotal State) ذات حضور مركزي، والتحول إلى قوة عالمية ومؤثرة بحلول الذكرى المئوية للجمهورية عام 2023. يقوم المشروع التركي على دعامتي القيم (السلام والاستقرار والعدالة) والمصالح الاقتصادية، سعياً لتحقيق "الربح المتبادل" (Win-win Situation). بالنسبة لسورية، فهي تشكل المحور الأساس للسياسة التركية على صعيدين: الأول هو مثلث تركيا-سورية-مصر الذي يحكم توازنات شرق المتوسط، والثاني هو الاستراتيجية المشرقية في الشرق الأوسط. كما أن سورية تمثل البوابة البرية الرئيسية لتركيا نحو الجنوب العربي، وهي بوابة لتحقيق السلام العادل الشامل عبر استعادة سورية حقوقها وأراضيها المحتلة، مما يحقق الاستقرار الإقليمي الضروري للنمو الاقتصادي التركي.
يبحث الفصل بعدها في مسار التنافس بين المشروعين لاستقطاب سورية بعد 2003. فبعد سقوط العراق، سعت إيران إلى ترسيخ نفوذها ووقعّت اتفاقاً استراتيجياً مع سورية عام 2004، وتعمق التحالف مع وصول محمود أحمدي نجاد عام 2005، ليشمل تعاوناً عسكرياً ودفاعياً مشتركاً وصفقات اقتصادية، منها مصنع سيارات إيراني في سورية بقيمة 60 مليون دولار. كما عملت إيران على تعزيز نفوذها الثقافي والمذهبي عبر إنشاء مراكز ثقافية في دمشق واللاذقية واستقبال مئات آلاف الزوار الإيرانيين. في المقابل، تطورت العلاقات التركية السورية بشكل كبير بعد 2003، وصولاً إلى إنشاء "مجلس التعاون الاستراتيجي" عام 2009 وتوقيع نحو 56 اتفاقية وإلغاء التأشيرات، وارتفاع حجم التبادل التجاري من 730 مليون دولار عام 2000 إلى نحو 3 مليار دولار عام 2010، مع التخطيط لمنطقة تجارة حرة مشتركة تضم سورية والأردن ولبنان (نموذج "شام-جن").
يصل الفصل إلى ذروته بتحليل كيفية إدارة النظام السوري لهذا التوازن بين القوتين، وكيف كشفت الثورة السورية عن التناقض الحتمي بين المشروعين. فالنظام السوري بقيادة الأسد استفاد بذكاء من التنافس، مستغلاً صعود تركيا لفك الحصار الدولي عنه والخروج من الاحتكار الإيراني. لكن هذا التوازن لم يدم طويلاً. مع اندلاع الثورة، وقفت إيران بكل ثقلها إلى جانب النظام السوري، معتبرة إياه "خطاً أحمر"، بينما وقفت تركيا في الجانب الآخر داعمة للشعب السوري ومطالبة بالإصلاحات. تحول الانقسام إلى اتهامات متبادلة، حيث اتهمت إيران تركيا بـ"النفاق وتنفيذ سياسات أميركية" وأعلنت صراحةً أنها ستختار سورية إذا نشب صراع.
يختتم الفصل بسيناريوهين متوقعين. الأول قاتم: إذا نجح النظام السوري في سحق الثورة بفضل الدعم الإيراني، فستصبح سورية ضعيفة وتحت الوصاية الإيرانية الكاملة، مما يعني توسع منطقة النفوذ الإيراني من أفغانستان إلى المتوسط، وتهديداً جيوسياسياً مباشراً للسعودية ومصر، وعزلة لتركيا وتقويض لدورها الإقليمي. السيناريو الثاني هو سقوط النظام السوري، وهو ما سيكون بمثابة "زلزال جيوبوليتيكي" ينهي أقوى تحالف استراتيجي لإيران، ويقطع الحلقة الواصلة مع حزب الله، ويؤدي إلى انهيار مشروع الهلال الشيعي، مما يعزز موقع تركيا ويفتح صفحة جديدة للتعاون مع دول إقليمية أخرى (مصر والسعودية) لتشكيل حزام متوازن. يخلص الفصل إلى أن الحوادث أثبتت أن سورية، رغم كونها دولة غير نفطية، تظل عنصراً محورياً وأساسياً في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وأن التنافس الإيراني التركي هو تجسيد لصراع مشروعين لا يمكن أن يجتمعا طويلاً.
يفتح الفصل، وإن لم يقر بذلك صراحةً، أسئلة حول مدى واقعية المشروعين الطموحين في ظل تعقيدات المنطقة، وقدرتهما على تحقيق أهدافهما على المدى الطويل. كما أن تحليل الفصل يستند إلى رؤية جيوبوليتيكية تقوم على أن الدول هي لاعبان عقلانيان يسعيان إلى تعظيم قوتهما ومصالحهما، وقد يبدو أن هذا التحليل يقلل من شأن العوامل الداخلية المحضة لكل دولة أو من دور الفاعلين الدوليين الآخرين مثل الولايات المتحدة وروسيا.
14.ركائز الموقف الروسي من الثورة السورية539–626▼ résumé
يُحاول هذا الفصل تتبُّع جذور الموقف الروسي من الثورة السورية، والكشف عن الركائز التي يقوم عليها، بهدف فهم هذه السياسة وليس تبريرها. يركّز الكاتب على معادلة أساسية يراها محورية لفهم هذا الموقف، وهي معادلة "المصالح - المخاوف"، والتي لا يمكن فهمها بمعزل عن الوضع الداخلي لروسيا وتاريخها وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية. ينطلق الكاتب من فكرة أن السياسة الخارجية، بشكل عام، تقع في حقل المصالح وليس الأخلاق، وأن المخاوف التي تُبنى عليها المواقف هي في جوهرها انعكاس لهذه المصالح. لذلك، لفهم لماذا تدعم روسيا النظام السوري، يجب البحث عن مصالحها الخاصة ومخاوفها الوجودية، وليس الاكتفاء باتهامها بالتواطؤ أو العمى الأخلاقي.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. أولاً، يعرض الكاتب لتجربته الشخصية مع الحوارات واللقاءات التي جمعته بأطياف المعارضة السورية في موسكو، وبالسياسيين والمثقفين الروس. يصف كيف كانت وفود المعارضة السورية تأتي لتخاطب الروس بلغة النصح والإرشاد والتحذير، وكيف كانت ردود الفعل السورية الغاضبة تُقابل بتفسير روسي يركز على مخاطر تكرار السيناريو الليبي. يلفت الكاتب الانتباه إلى وجود رأي عام روسي، يُمثله دبلوماسيون سابقون ومستعربون وجماعات وطنية، يرون في سورية ساحة نزال جيوسياسي مع الغرب، وأن الدفاع عن الأسد هو جزء من حربهم الشخصية الطويلة مع الغرب وتاريخ هدم الاتحاد السوفيتي. يُشير الفصل إلى وجود "لوبي موالٍ للأسد" في روسيا، يتكون من شخصيات من وزارة الخارجية، والاستخبارات، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ومستشرقين، وجماعات يسارية وقومية، وحتى بعض ممثلي المنظمات الإسلامية والشيعة، وتتقاطع مصالحهم جميعًا في رؤية سورية كساحة حرب جيوسياسية.
ثانيًا، ينتقل الفصل لاستعراض كيف يرى الكتاب السياسيون السوريون هذا الموقف، وهو نظرة سلبية في معظمها. يجمع الكاتب عددًا من الكتابات والتصريحات السورية التي تتراوح بين اتهام روسيا بـ"قتل الشعب السوري"، وبين تحليلات أكثر عمقًا تحاول فهم المخاوف الروسية لتبرير سياستها ولو جزئيًا. من بين هذه التحليلات، هناك من يرى أن روسيا تخشى من أن تكون سورية آخر مكان لنفوذها في الشرق الأوسط، وتخشى من وصول الإسلام السياسي إلى الحكم ومن الفوضى بعد رحيل النظام. كما يرى بعض المحللين أن روسيا وجدت في الأزمة السورية مدخلًا للعودة إلى المسرح الدولي كقطب فاعل، لكنها تتعامل مع الملف من منطق الخوف وليس القوة، مما يجعلها عاجزة عن تقديم مبادرات إيجابية وتكتفي بدور المعطّل. يُبرز الفصل نقدًا لاذعًا للسياسة الروسية وأدائها الدبلوماسي، حيث يصفها بعض السوريين بـ"العناد الغبي" و"العنجهية الفارغة"، ويتهمونها بالانحياز الكامل للنظام والوقوف في وجه مصلحة الشعب السوري.
ثالثًا، ينتقل الفصل إلى شرح "مرتكزات الموقف الروسي كما يراه أصحابه"، بمعنى تقديم المبررات الروسية الرسمية كما يُعبّر عنها مسؤولون كبار. يركز الفصل هنا على البعد "الأخلاقي" الذي يستخدمه الروس لتبرير موقفهم، مستشهدًا بتصريحات يفغيني بريماكوف (وزير الخارجية السوفيتي الأسبق) وسيرغي لافروف (وزير الخارجية الروسي). يرى هؤلاء أن الموقف الروسي هو الوحيد الصحيح أخلاقيًا، لأنه يهدف إلى الحفاظ على أرواح الملايين واستقرار المنطقة، محذرين من تكرار سيناريو ليبيا وتجنب الفوضى. يؤكد الروس على التزامهم بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويرفضون التدخل العسكري غير المصرح به من مجلس الأمن، معتبرين أن أي دعم لأحد طرفي النزاع سيؤدي إلى تأجيج الحرب الأهلية، كما يحدث من قبل دول أخرى تدعم المعارضة. يستعرض الفصل حججًا روسية حول ضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإرغام جميع الأطراف على وقف إطلاق النار، ورفض أي مسار يهدف صراحة إلى إسقاط النظام.
رابعًا، يتناول الفصل المصلحة الإسرائيلية في الموقف الروسي، وهو بعد مهم يوضح تعقيد المشهد. يُظهر الكاتب أن العلاقات الروسية - الإسرائيلية جيدة جدًا، بل وأفضل من العلاقات مع سورية، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل: وجود جالية روسية كبيرة في إسرائيل (يمثلها شخصيات سياسية مؤثرة مثل أفيغدور ليبرمان)، والتعاون التكنولوجي والعلمي الواسع بين البلدين، خاصة في مجالات الطائرات بدون طيار وتكنولوجيا النانو والفضاء. يشير الفصل إلى أن بوتين وصف الإسرائيليين بـ"الشركاء والأصدقاء"، ويذكر زيارات متبادلة رفيعة المستوى، مما يعكس براغماتية السياسة الروسية التي تتجاوز الإيديولوجيا. ويُبرز الفصل أهمية شركة "غازبروم" الروسية في اتفاقيات تعاون مع إسرائيل لاستخراج الغاز من حقول شرق المتوسط، مما يخلق مصلحة اقتصادية استراتيجية جديدة. في هذا السياق، يرى الكاتب أن روسيا قد تلعب ورقة إسرائيل لتعويض خسائرها المحتملة في سورية ولحماية مصالحها في المنطقة، وأن المصلحة الإسرائيلية واضحة في إبقاء الوضع السوري متأزمًا مع توجيه المواقف الروسية.
في النهاية، يُقرّ الفصل بصعوبة تغيير الموقف الروسي، ليس فقط بسبب المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، بل وأيضًا بسبب المخاوف الداخلية الوجودية. يمثل "الربيع العربي" بالنسبة للنظام الروسي كابوسًا يهدد استقراره الداخلي، ويُحيي ذكريات "الثورات الملونة" في أوكرانيا وجورجيا، والخوف من امتداد الموجة الثورية إلى روسيا ذاتها. يُصوّر الفصل المجتمع الروسي كمجتمع يعيش حالة من الصدمة من حقبة التسعينيات، حيث ترتبط الديمقراطية في أذهان الكثيرين بالفقر والفساد وانهيار الدولة، مما يجعلهم حساسين جدًا لأي دعوات للتغيير القادمة من الخارج. هذا الوعي الجمعي، الذي يغذيه خطاب رسمي عن "عدو خارجي" دائم يحاول إضعاف روسيا، هو أحد أعمدة الموقف الروسي المعادي للثورات بشكل عام، وللثورة السورية بشكل خاص.
يمكن اعتبار الحجة القابلة للنقاش الأكثر وضوحًا في الفصل هي الادعاء بأن الموقف الروسي يقوم على أسس "أخلاقية" تتمثل في الحفاظ على أرواح المدنيين ومنع الفوضى. هذه الحجة تتعارض بشكل صارخ مع الأدلة الملموسة على أن الدعم العسكري والغطاء السياسي الروسي للنظام السوري هو الذي مكّن النظام من مواصلة القمع الدموي، مما أدى لسقوط عدد هائل من الضحايا المدنيين. يقدم الفصل نفسه هذه الحجة ويُظهر كيف يبرر بها الروس موقفهم، لكنه في نفس الوقت يعرض الانتقادات السورية الشديدة التي ترفض هذه البراءة وتتهم روسيا بالتواطؤ والقتل. إذا، بينما يقدم الفصل شرحًا مقنعًا لـ"منطق" الموقف الروسي من وجهة نظر أصحابه، فإنه يترك القارئ مع استنتاج ضمني بأن هذا المنطق هو مجرد ستار لمصالح جيوسياسية بالدرجة الأولى، وأن الادعاء الأخلاقي الروسي لا يصمد أمام المأساة الإنسانية التي تستمر تحت أنظاره وبمساعدته. الفصل غني بالأدلة والتحليلات التي تقدم فهماً عميقاً للموقف الروسي، لكنه في النهاية يُظهر أن هذا الفهم لا يعني بالضرورة قبوله أو تبريره.