
دانيال نعمة - جبهويات الحراك السياسي في سورية خلال نصف قرن 1955-2004
يقدّم كتاب «جبهويات الحراك السياسي في سورية خلال نصف قرن 1955-2004» لدانيال نعمة دراسةً وثائقية وتحليلية لمسار العمل الجبهوي والتحالفي في سورية، من منظور الحزب الشيوعي السوري. الموضوع المحوري للكتاب هو دور الجبهة الوطنية التقدمية كإطار لتوحيد القوى الوطنية والتقدمية في سورية، والإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن هذه الجبهة، رغم نواقصها وإشكالياتها الكثيرة، تمثل إنجازاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه، بل يحتاج إلى تطوير وتفعيل مستمرين لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية. يرفض المؤلف الاتهامات بأن الجبهة كيان هش أو تابع، ويؤكد أنها أداة سياسية واستشارية تعمل في إطار ميثاقها، وأن وجود الحزب الشيوعي داخلها يمكّنه من تقوية الاتجاهات التقدمية رغم هيمنة حزب البعث عليها.
يسير الكتاب عبر فصوله في مسار زمني وأيديولوجي متصاعد، يبدأ بتأصيل نظري وتاريخي لمفهوم الجبهة الوطنية، ويمر بمراحل تأسيسها وتطورها، ثم ينتقل إلى نقد ذاتي جريء لأدائها، ويختتم بمقترحات عملية لإصلاحها. يبدأ الكتاب بتحليل مسار سورية في طريق «التطور اللارأسمالي» منذ الاستقلال، مروراً بالوحدة مع مصر عام 1958، وانفصال 1961، وثورتي 8 آذار 1963 و23 شباط 1966، وصولاً إلى الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970 التي فتحت الباب لتأسيس الجبهة في 7 آذار 1972. يشرح المؤلف كيف أن الجبهة كانت شعاراً رئيسياً للحزب الشيوعي وحاجة موضوعية تطلبتها الظروف، مستعرضاً التحفظات التي سجلها الحزب على ميثاق الجبهة، وفي مقدمتها الفقرة التي تتحدث عن قيادة حزب البعث والفقرة المتعلقة بوقف النشاط التنظيمي للأحزاب الأخرى في قطاع الطلاب، لكنه يقرر الدخول فيها لأن الآفاق التي يمكن تحقيقها من داخلها أفضل من البقاء خارجها.
تتوالى الفصول بعد ذلك لتقدم تحليلاً دقيقاً لأداء الجبهة على مدى ثلاثة عقود. يستعرض الكتاب نتائج الاستفتاء الشعبي على الدستور الدائم في آذار 1973، ويكشف عن تحركات «الرجعية» ممثلة بـ جماعة الإخوان المسلمين لعرقلته، ويدعو إلى مواجهتها بالاعتماد على جماهير العمال والفلاحين. ينتقل بعدها إلى تحليل الأحداث الدامية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث يرى أن الإمبريالية تسعى لإضعاف سورية لمقاومتها اتفاقيات كامب ديفيد، وأن القوى المحركة داخلياً هي «البرجوازية الطفيلية» والإقطاع بقاعدة اجتماعية من «الإخوان المسلمين». ينتقد ضعف دور الطبقة العاملة لعدم شعورها بأنها مستفيدة من النظام الاقتصادي، ويدعو إلى تحسين أوضاعها وزيادة وعيها. يخصص الكتاب مساحة واسعة لتقييم الجبهة بعد المؤتمر السابع الموحد للحزب الشيوعي في خريف 1991، حيث يقر بوجود نقاط ضعف جوهرية، ويقدم اقتراحات جريئة لتعديل ميثاق الجبهة، منها إلغاء الفقرة التي تحظر نشاط الأحزاب بين الطلاب، وحذف الفقرة المتعلقة بـ«التنظيم السياسي الواحد»، والسماح بفتح مقرات خاصة لكل حزب، وإصدار قانون عصري للأحزاب.
من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، يبرز توثيق الكتاب لـ الاجتماع السنوي الثاني المشترك بين القيادة المركزية للجبهة وفروعها في دمشق برعاية الرئيس بشار الأسد، حيث تحدث حوالي 35 متحدثاً في قضايا اقتصادية مثل البطالة والفساد، و36 متحدثاً في القضايا السياسية، مما يعكس حالة من النقاش الداخلي المفتوح نسبياً. كما يلفت الانتباه الإشارة إلى «القرار رقم 408» الصادر عن القيادة القطرية لحزب البعث، والذي يعتبره الحزب الشيوعي حلقة في طريق التمييز لصالح الحزب الحاكم. وتبرز أسماء بارزة مثل يوسف الفيصل وخالد بكداش ورياض الترك كأعلام في الصراع الداخلي حول استراتيجية التحالفات، حيث يصف الفصل موقف رياض الترك المعارض لتأسيس الجبهة بأنه «مخزٍ»، بينما يعتبر المؤلف أن الجبهة انتصار للحزب الشيوعي. كما يذكر الكتاب استشهاد الرفيقين عمر عوض وأنطوان صراف في حلب كدليل على تضحيات الحزب.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة في التحليل المقدم. فهناك اعتراف متكرر بوجود فجوة بين القرارات التطويرية وتطبيقها على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بالقيود الأمنية غير الرسمية التي تمنع الشيوعيين من السفر أو تعرّضهم للاستبعاد من الانتخابات. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول أسباب توقف اجتماعات الجبهة الدورية، وأسباب عدم تفعيل مكاتبها المختصة، وكيفية تحقيق وحدة الإرادة والعمل داخل الحزب الشيوعي نفسه دون أن تتعارض مع مفهوم الديمقراطية الداخلية. كما يشير إلى أن الاقتراحات التي تقدم بها الحزب لتعديل الميثاق يجب أن تبقى داخلية لا علنية، معبراً بمثل شعري: «نريد عنباً وليس قتل الناطور»، مما يعكس حالة من الحذر السياسي.
يمكن القول إن الكتاب يقدم حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها التناقض الظاهري بين التأكيد على «التحالف الاستراتيجي» مع حزب البعث، وفي الوقت نفسه المطالبة بتعديلات جوهرية في الميثاق تخفف من هيمنته. هذا الموقف الدفاعي يحاول التوفيق بين الحاجة إلى الوحدة الوطنية وضرورة الحفاظ على هوية الحزب الشيوعي واستقلاليته، وهو ما يعكس معاناة الحزب كحليف أضعف ضمن تحالف غير متوازن. كما أن الدفاع عن بقاء القيادة الشيوعية نفسها لفترات طويلة والاعتماد على تاريخ نضالي بدلاً من آليات ديمقراطية داخلية يمكن أن يُرى كتبرير لغياب الممارسة الديمقراطية داخل الحزب الشيوعي نفسه. رحلة دانيال نعمة مع الجبهة الوطنية التقدمية، من التأسيس عام 1972 إلى دعوات التعديل عام 2004، تظل شهادة حية على صعوبة الموازنة بين الالتزام بالتحالف والإخلاص للمبادئ، في سياق سياسي عربي معقد ومتغير.
Personnes
Chapitres(9)
1.مقدمة / حول طريق تطور سورية العربية / مجلة قضايا السلم والاشتراكية أهميتها ومهامها / قيام الجبهة الو3–80▼ résumé
يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "جبهويات الحراك السياسي في سورية خلال نصف قرن" عرضاً شاملاً لرؤية دانيال نعمة السياسية والفكرية، من خلال مجموعة من الخطب والرسائل والتحليلات التي تغطي الفترة من 1955 إلى 2004. الموضوع المحوري للفصل هو مسار سورية في طريق "التطور اللارأسمالي" ودور الجبهة الوطنية التقدمية كأداة رئيسية لتجميع القوى الوطنية والتقدمية، مع تركيز خاص على دور الحزب الشيوعي السوري في هذه العملية. يجيب المؤلف عن سؤال كيفية تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي في بلد نامٍ دون المرور بمرحلة رأسمالية كاملة، مع إبقاء البلاد في مسار يؤدي نحو الاشتراكية.
يبدأ الفصل بمقدمة كتبها يوسف الفيصل، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي السوري، يروي فيها علاقته الرفيقية مع دانيال نعمة منذ أوائل الخمسينيات، حين عملا معاً في الحزب وخضعا للدراسة الحزبية في موسكو، وعادا معاً إلى بيروت عام 1959 لقيادة نشاط الرفاق السوريين. ويصف الفيصل كيف أن الكتاب يلخص تجربة نعمة في قيادة الجبهة الوطنية التقدمية منذ تأسيسها عام 1972 وحتى عام 2003، مشيراً إلى أن الكتاب يتضمن تحليلاً متواصلاً حول موضوع التحالفات ومقوماتها، ويرد على من يدّعي أن الجبهة كيان هش وتابع، مؤكداً أن العمل الجبهوي هو عمل إبداعي مرتبط بذاتية الأحزاب الأعضاء. ويشدد الفيصل على أن الجبهة ليست سلطة تنفيذية بل مؤسسة سياسية واستشارية تعمل في إطار ميثاقها، وتتكون جميع المؤسسات على أساس جبهوي.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى نص محاضرة ألقاها دانيال نعمة في أولانباتور عام 1971 بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة منغوليا الشعبية. يقدم نعمة في هذه المحاضرة تحليلاً تاريخياً لمراحل تطور سورية، مستعرضاً "لمحة تاريخية عن تطور سورية العربية" منذ الحكم العثماني والانتداب الفرنسي. يصف المرحلة الأولى التي قادتها البرجوازية الوطنية الكبرى بعد الاستقلال، والتي حاولت دفع البلاد في طريق التطور الرأسمالي، لكنها عجزت عن تحقيق التقدم الاجتماعي. ثم ينتقل إلى "صفحات مجيدة من نضال الحزب الشيوعي السوري" الذي تأسس عام 1924، ويذكر الإنجازات التي تحققت تحت تأثير نضاله، مثل بناء أول مصفاة للبترول بمساعدة تشيكوسلوفاكيا وتوقيع الاتفاقية الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي عام 1957 التي نصت على بناء سد الفرات.
يخصص نعمة جزءاً مهماً من المحاضرة لتحليل الوحدة المصرية السورية عام 1958 وتداعياتها، مشيراً إلى قوانين الإصلاح الزراعي وقوانين التأميم في تموز 1961 التي وجهت "أول تدبير جدي" ضد البرجوازية الكبرى. ويصف كيف أن انهيار الوحدة في أيلول 1961 قادته البرجوازية والإقطاعية التي ألغت قوانين التأميم. ثم يتابع الأحداث حتى 8 آذار 1963 و23 شباط 1966، معتبراً أن الأخيرة أدت إلى تغييرات كبرى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مثل توسيع الإصلاح الزراعي، واتساع قطاع الدولة الصناعي، واحتكار الدولة للتجارة الخارجية والمصارف. ويؤكد نعمة أن هذه التدابير، رغم تنفيذها من قبل "عناصر غير بروليتارية من البرجوازية الصغيرة"، تحمل في طياتها أثرين كبيرين: أثر النظام الاشتراكي العالمي، وأثر الطبقة العاملة الداخلية ممثلة بالحزب الشيوعي.
ينتقل نعمة بعد ذلك إلى الحديث عن "التغيرات السياسية الكبرى" التي صاحبت هذه التغيرات الاقتصادية، مشيراً إلى غياب أحزاب البرجوازية الإقطاعية التقليدية وظهور أحزاب ديمقراطية ثورية كحزب البعث العربي الاشتراكي. ويعلن في ختام هذه المحاضرة أن سورية قد اختارت "طريق التطور اللارأسمالي" وتسير نحو الاشتراكية، مع تحفظات مهمة بأن السلطة ليست بيد الطبقة العاملة بل بيد البرجوازية الصغيرة الفلاحية، وأن هذا الطريق ليس طريقاً اشتراكياً بعد. ويحذر من خطرين يهددان هذا التوجه: الخطر اليميني الذي يبالغ في دور البرجوازية الصغيرة، والخطر اليساري الذي يقلل من أهمية هذا الدور وينزع إلى العزلة.
يتضمن الفصل بعد ذلك نص كلمة ألقاها نعمة في براغ عام 1971 أمام الاجتماع العالمي لممثلي الأحزاب الشيوعية والعمالية حول مجلة "قضايا السلم والاشتراكية". يشيد نعمة بدور المجلة في توطيد الوحدة الإيديولوجية للحركة الشيوعية العالمية، ويشرح حاجة الحزب الشيوعي السوري الماسة لهذه المجلة خاصة في ظل تطور سورية في الطريق اللارأسمالي. ويصف الصعوبات التي واجهت توزيع المجلة في سورية، فقد كانت توزع سراً ثم أصبحت تباع علانية بعد جهود مشتركة مع الحزب الشيوعي اللبناني، لكنها بقيت خاضعة للرقابة، مستشهداً بمثال إتلاف الصفحات المكرسة للدفاع عن الحزب الشيوعي السوداني في عدد سابق. يقدم نعمة اقتراحات لتطوير المجلة، مثل زيادة الاهتمام بفضح العداء للسوفييت والصهيونية، وشرح قضايا التطور اللارأسمالي، ومعالجة القضايا بشكل ملموس.
الجزء الأخير من الفصل هو رسالة داخلية كتبها دانيال نعمة عام 1972 إلى اللجان الحزبية في الحزب الشيوعي السوري حول "قيام الجبهة الوطنية التقدمية". يشرح نعمة أن الجبهة كانت شعاراً رئيسياً للحزب وحاجة موضوعية تطلبتها الظروف السياسية. ويعدد النقاط الإيجابية في ميثاق الجبهة، مثل النضال ضد الاستعمار والصهيونية، وتحرير الأراضي المحتلة، وحماية التحولات التقدمية، وتعزيز الصداقة مع الاتحاد السوفييتي. ثم يقدم بصراحة "الملاحظات" التي سجلتها اللجنة المركزية للحزب على الميثاق والنظام الأساسي، وفي مقدمتها الفقرة التي تتحدث عن قيادة حزب البعث للجبهة، والفقرة المتعلقة بوقف النشاط التنظيمي للأحزاب الأخرى في قطاع الطلاب، وبعض المواد المتعلقة باتخاذ القرارات بالأكثرية والفصل من الجبهة.
رغم هذه التحفظات، يوضح نعمة أن الحزب قرر الدخول في الجبهة والموافقة على الميثاق لأنه رأى أن الأفاق التي يمكن تحقيقها من داخل الجبهة أفضل من البقاء خارجها. ويؤكد أن وجود الحزب داخل الجبهة سيمكنه من تقوية الاتجاهات التقدمية، وأن عملية التعاون ستتطلب حنكة وخبرة وإخلاصاً للقضية المشتركة، وأن التحفظات قد تتقلص من خلال الممارسة والثقة المتبادلة. يختتم الفصل بنص مداخلة ألقاها نعمة في ندوة نظرية عقدتها مجلة "قضايا السلم والاشتراكية" في براغ عام 1972، حيث يعود لتحليل مراحل تطور سورية، ويميز بين مرحلتين رئيسيتين: مرحلة التطور الرأسمالي بقيادة البرجوازية، ومرحلة التطور اللارأسمالي الحالية بقيادة الديمقراطيين الثوريين. ويصف مميزات حزب البعث الحاكم، مؤكداً انفتاحه على القوى التقدمية وإقامته للجبهة الوطنية التقدمية، التي يعتبرها إنجازاً تاريخياً.
يقرّ المؤلف ضمنياً بوجود حدود وتحفظات في التحليل المقدم، فهناك إشارات متكررة إلى "النواقص والثغرات" في التدابير التقدمية، وإلى "الحساسيات" بين أطراف الجبهة، وإلى "الصعوبات الموضوعية والذاتية" التي تواجه الحزب. كما يترك أسئلة مفتوحة حول احتمالية "ردات" في البلاد، مستشهداً بتجربة تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وحول كيفية التعامل مع "الانحرافات اليمينية واليسارية". يُظهر الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها التوفيق بين الانتقاد الجذري لدور حزب البعث وفكرة "قيادته للجبهة" من جهة، والقبول بالدخول فيها والتعاون معه من جهة أخرى، معتبراً ذلك "تنازلات متبادلة" وضرورة نضالية تستند إلى "نسبة القوى في البلاد". كما أن التأكيد المتكرر على دور الاتحاد السوفييتي كعامل حاسم في دعم التطور اللارأسمالي، وربط مصير سورية به، يعكس التوجه الأيديولوجي الوثيق للمؤلف والحزب الذي يمثله.
2.تطورات الوضع السياسي في ضوء التغيرات الأخيرة في مصر العربية / إنجاز جديد ومهام كبيرة في ضوء متطلبات 81–134▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل من كتاب دانيال نعمة مراجعةً معمّقة للمسار السياسي السوري بين 1955 و2004، مركزاً على دور الجبهة الوطنية التقدمية كإطار للتحالف بين القوى الوطنية والتقدمية، وعلى التحديات التي واجهتها من الداخل والخارج.
يبدأ الفصل باستعراض نتائج الاستفتاء الشعبي على الدستور الدائم في آذار 1973، ويصفه بأنه "إنجاز تقدمي"، لكنه يؤكد أنه تحقق في ظل تعقيدات شديدة؛ منها استمرار العدوان الإسرائيلي والضغوط الإمبريالية المتعلقة بمشروع روجرز. ويشرح المؤلف كيف تحركت "الرجعية" – ممثلة بـ جماعة الإخوان المسلمين وعناصر مرتبطة برجال الدين – لعرقلة الدستور، متسترةً بالدين. في المقابل، يبرز دور الحزب الشيوعي السوري الذي أصدر بياناً في بداية آذار دعا فيه للتصويت بنعم على الدستور رغم ملاحظاته الانتقادية، ويُعدّ هذا الموقف تجسيداً لإرادة الشعب في الدفاع عن المنجزات الوطنية.
ثم ينتقل الفصل ليعدد التدابير الأساسية التي يراها ضرورية في تلك المرحلة: مراجعة انتقادية للفترة الماضية، تطبيق جدي للدستور، تعزيز أسس الجبهة الوطنية التقدمية وزيادة حيويتها، العمل على رفع القدرة القتالية وتطوير الاقتصاد لخدمة تحرير الأراضي المحتلة، وتوطيد الثقة بأن الاشتراكية هي الطريق الوحيد للتخلص من التخلف وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما يشدد على ضرورة معالجة القضايا المعيشية للجماهير ومكافحة الغلاء.
يحلل الفصل أيضاً التحركات "المشبوهة" التي شهدتها سورية، والتي تتستر بالدين، ويكشف عن أهدافها الرجعية المتمثلة في النضال ضد المنجزات والتقدم الاجتماعي والاتجاه الاشتراكي. ويربط المؤلف هذه التحركات بمخططات العدو الإمبريالي واعتداءات العدو الصهيوني، مشيراً إلى دور السعودية وبعض النشاطات الدينية في ليبيا. ويخلص إلى أن من الضروري مواجهة هذه التحركات بالاعتماد على جماهير العمال والفلاحين، وتأكيد الخط التقدمي، ومراجعة سياسات التساهل الاقتصادي، وتقوية العلاقات مع الدول العربية التقدمية والاتحاد السوفييتي الصديق.
يتضمن الفصل حواراً مفصلاً مع دانيال نعمة نفسه (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري وعضو القيادة المركزية للجبهة)، يُحلل فيه العوامل الخارجية والداخلية وراء الأحداث التي شهدتها سورية حوالي عام 1980. خارجياً، يرى أن الإمبريالية تسعى لإضعاف سورية لمقاومتها اتفاقيات كامب ديفيد. داخلياً، يحدد القوى المحركة للأحداث بـ"البرجوازية الطفيلية" وكبار الملاكين والتجار وبقايا الإقطاع، قاعدتها الاجتماعية "الإخوان المسلمون". وينتقد نعمة ضعف دور الطبقة العاملة بسبب عدم شعورها بأنها مستفيدة من النظام الاقتصادي، ويدعو إلى تحسين أوضاعها وزيادة وعيها. كما يناقش أهمية تطوير الجبهة الوطنية التقدمية وتوسيعها، ويقدم تفاصيل عن تشكيل لجان للعمل الجبهوي بين المحامين والأطباء، وعن الخطوات العملية التي أنُجزَت مثل الإفراج عن معتقلين سياسيين وزيادة الحد الأدنى للأجور.
أخيراً، يخصص الفصل قسماً طويلاً لقضايا الجبهة الوطنية التقدمية من منظور الحزب الشيوعي السوري، حيث يُظهر الاهتمام الكبير الذي أولاه المؤتمر الخامس للحزب لهذه الجبهة. يستعرض هذا القسم تاريخ الحزب في العمل الجبهوي منذ ثلاثينيات القرن العشرين، مروراً بـ الخمسينيات (تكوين نواة الجبهة البرلمانية) وصولاً إلى تأسيس الجبهة في أوائل السبعينيات، والتي ضمت خمسة أحزاب. ويشير الفصل إلى أن التيار الذي مثّله رياض الترك في ذلك الوقت عارض تأسيس الجبهة، وهو ما يعتبره الفصل امتداداً لموقف "مخزٍ".
ويحلل الفصل المواقف المختلفة داخل الجبهة وحولها: موقف "انهزامي يميني" يستغل النواقص لتقوية مواقع اليمين، وموقف "وطني تقدمي حازم" يتمثل في الحزب الشيوعي وشخصيات بعثية، وموقف "سلطوي إصلاحي" يرى الصعوبات وينسب أسبابها للعوامل الخارجية فقط، وموقف يرى المعركة وطنية فقط وينكر بعدها الطبقي. كما يعدد المواقف من الجبهة نفسها: مواقف معادية لها تلتقي فيها قوى اليمين وبعض أدعياء اليسار، ومواقف مؤيدة ترغب في جعلها جبهة فعالة، ومواقف "بين بين" لأشخاص ضد الإمبريالية ولكنهم ضد الجبهة القائمة بسبب نواقصها.
ويختتم الفصل بالتأكيد على أن إقامة الجبهة كانت انتصاراً للحزب الشيوعي السوري، وأنه رغم النواقص والأخطاء، يظل الحزب ماضياً في نضاله من أجل تطويرها وجعلها أداة فعالة لمواجهة الهجمة الإمبريالية الصهيونية الرجعية وتحقيق أهداف التقدم الاجتماعي والوحدة العربية، مستشهداً باستشهاد الرفيقين عمر عوض وأنطوان صراف في حلب كدليل على تضحيات الحزب.
من المهم الإشارة إلى أن الفصل يمثل وثيقة حزبية تعبر عن رأي الحزب الشيوعي السوري في تلك المرحلة، وهو مليء بالتحليلات والمواقف الإيديولوجية التي تعكس الصراع السياسي والطبقي في سورية خلال تلك الفترة. يقرّ الفصل بوجود نقاط ضعف وأخطاء، ويطرح أسئلة حول تطوير العمل الجبهوي وحرية نشاط الأحزاب، مما يجعله مادة غنية للنقاش حول طبيعة التحالفات السياسية في سياقات النضال الوطني والتقدمي.
3.حول نشاط الحزب الجبهوي وحول آفاق وأوضاع الجبهة الوطنية التقدمية / دراسة نظرية موجزة حول التحالفات / 135–286▼ résumé
ملخص الفصل
يدور هذا الفصل حول سياسة التحالفات التي يتبناها الحزب الشيوعي السوري، وتطبيقها العملي في إطار الجبهة الوطنية التقدمية في سورية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن التحالفات ليست هدفاً بذاتها، بل وسيلة ضرورية لتحقيق أهداف الطبقة العاملة، وأن نجاحها يعتمد على التمسك بمبادئ أساسية مثل استقلالية الحزب، والدفاع عن مطالب الجماهير، والحفاظ على التعاون مع القوى الوطنية الأخرى، مع ضرورة الإقرار بأن التحالف يتضمن صراعاً وتنازلات متبادلة.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بمناقشة نظرية حول مفهوم التحالفات من منظور ماركسي-لينيني، مستنداً إلى كتابات ماركس وإنجلز ولينين. يؤكد المؤلف أن نظرية متكاملة حول التحالفات غير موجودة، وأن ما هو متاح هو مبادئ أساسية يجب تطبيقها وفقاً للظروف الملموسة. يناقش أسس التحالفات (تطابق المصالح الموضوعية)، وتركيبها (تحديد القوى الطبقية ذات المصلحة في أهداف المرحلة)، وأهدافها (ضمان الدور القيادي للطبقة العاملة ورفع مستوى النضال المشترك)، والمبادئ الناظمة للعلاقات بين القوى المتحالفة (مبدأ استقلالية البروليتاريا، والاعتراف بالصراع داخل التحالف، وضرورة تغيير التكتيك وفقاً لمزاج الجماهير).
ينتقل الفصل بعد ذلك من الجانب النظري إلى التطبيق العملي في سورية. يشرح العوامل التي أدت إلى قيام الجبهة الوطنية التقدمية في 7 آذار عام 1972، ومنها العوامل الداخلية كالحاجة إلى الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات، والعوامل الخارجية كالصراع مع الإمبريالية والصهيونية والعلاقة مع الاتحاد السوفييتي. يصف المؤلف الظروف التي سبقت تأسيس الجبهة، مثل التعاون المتقطع بين الحزب الشيوعي وحزب البعث بعد إجراءات التأميم في منتصف الستينيات، وصولاً إلى الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني عام 1970 بقيادة الرئيس حافظ الأسد والتي فتحت الباب لتشكيل الجبهة.
يحلل الفصل ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي، مشيراً إلى جوانبه الإيجابية مثل التأكيد على العداء للإمبريالية والصهيونية والصداقة مع البلدان الاشتراكية، وجوانبه السلبية مثل حظر العمل الحزبي بين الطلاب والاعتراف بالدور القيادي لحزب البعث. يقر المؤلف بأن الحزب الشيوعي قدم تنازلات لم تكن مبدئية، لكنه دافع عن ضرورة البقاء في الجبهة نظراً لاستمرار العوامل التي دعت لتأسيسها، وأهمها مواجهة الخطر الإمبريالي والرجعي.
يتناول الفصل بالتفصيل واقع العمل الجبهوي، معترفاً بنواقصه الكبيرة. يوجه انتقادات واضحة لممارسات حزب البعث، مثل هيمنته على قرارات الجبهة، والتضييق على الحريات، ومعاملة الحزب الشيوعي بحذر وشك بدلاً من معاملته كحليف مخلص. يورد أمثلة على هذه الممارسات كمنع سفر الشيوعيين واستبعاد مرشحيهم من الانتخابات. في المقابل، يعترف بنواقص الحزب الشيوعي نفسه، كالتقصير في الدفاع عن مطالب الجماهير وعدم الاستفادة الكافية من المؤسسات الجبهوية لنشر سياساته.
يترك الفصل عدة أسئلة مفتوحة حول مدى احترام ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي، وأسباب توقف اجتماعاتها الدورية، وأسباب عدم تفعيل مكاتبها المختصة. تبقى هذه الأسئلة دون إجابات قاطعة، مما يعكس حالة من الإحباط والقلق بشأن فعالية الجبهة.
حجج الفصل قابلة للنقاش بوضوح. فالمؤلف، وهو منتمٍ للحزب الشيوعي، يقدم تبريراً نظرياً وعملياً لسياسة التحالفات، ويحاول التوفيق بين الحاجة إلى الوحدة الوطنية مع القوى الأخرى (خاصة حزب البعث الحاكم) وبين ضرورة الحفاظ على هوية الحزب واستقلاليته. هذا الموقف دفاعي في جوهره، حيث يحاول الإجابة على انتقادات داخلية من "يساريين انعزاليين" يرون أن التحالفات مع النظام الحاكم تؤدي إلى فقدان الاستقلالية، وانتقادات من الجماهير التي فقدت الثقة بالجبهة. النص يظهر بوضوح معاناة الحزب الشيوعي في موقع الحليف الأضعف ضمن تحالف غير متوازن، حيث يقدم تنازلات ويواجه ممارسات هيمنة من الحزب الحاكم، بينما يسعى في الوقت نفسه لتوسيع تأثيره الجماهيري والدفاع عن مصالح الطبقة العاملة.
4.الجبهة الوطنية التقدمية في ضوء سياسة التحالفات / المؤتمر السابع وتوجهات العمل الجبهوي / الجبهة الوطن287–336▼ résumé
يسعى هذا الفصل إلى تقديم تحليلٍ وثائقي لسياسة التحالفات التي يتبناها الحزب الشيوعي السوري (الموحد) بعد انعقاد المؤتمر السابع الموحد في خريف عام 1991، مع التركيز على رؤية الحزب لتطوير الجبهة الوطنية التقدمية وتفعيل عملها. الإجابة المحورية التي يطرحها النص هي أن الجبهة تمثل إنجازاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه، لكنها تحتاج إلى عملية تطوير جريئة في ميثاقها ونظامها الأساسي وآليات عملها، لكي تستجيب للمتغيرات الدولية والداخلية، وتتخلص من النواقص التي تراكمت خلال عقدين من الممارسة، وتعزز دورها كإطار جامع لكل القوى الوطنية والتقدمية.
يبدأ الفصل بتقديم تقرير كامل لمكتب الجبهة أمام اللجنة المركزية للحزب في اجتماعها المنعقد بتاريخ 10 و11 أيلول 1992. يتألف التقرير من ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول يحدد المنطلقات الفكرية والسياسية للعمل الجبهوي استناداً إلى وثائق المؤتمر السابع الموحد، مؤكداً أن التحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي هو “تحالف استراتيجي” وليس تكتيكياً. يرفض التقرير الدخول في مناقشات نظرية مجردة حول الجبهة، ويصر على التركيز على القضايا العملية الملموسة لتطوير أدائها.
أما القسم الثاني، فيتناول نشاط الحزب الجبهوي بعد المؤتمر، معترفاً بوجود نقاط ضعف جوهرية. يشير التقرير إلى اجتماعين موسعين عُقدا في 10 نيسان و8 أيار 1992، الأول خُصص للإدارة المحلية والثاني لقضايا الجبهة. يُقر التقرير بأن التجاوب من المناطق كان متفاوتاً وضعيفاً في كثير من الأحيان، ويعزو التقصير إلى أسباب ذاتية تتعلق بطبيعة تركيب المكتب والسكريتاريا، والصفات الشخصية للأعضاء، وانشغال الجميع بالانتخابات في مناطقهم. يخلص هذا القسم إلى تحديد ست مهام رئيسية للعمل المستقبلي، في مقدمتها إعداد وثيقتين أساسيتين حول الإدارة المحلية والجبهة، وتحسين التعاون مع جميع أطراف الجبهة خصوصاً حزب البعث، والتمسك بالنقد والنقد الذاتي.
القسم الثالث هو الأكثر تفصيلاً ويقدم الاتجاهات العامة لاقتراحات الحزب لتعديل ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي. يبدأ هذا القسم بتأكيد أن مهمة الحزب هي “تطوير وتجديد” الجبهة وليس “إعادة بناء أو نسف” لها. يقترح النص تعديلاً جذرياً في المقدمة بحذف عبارات مثل “فصائل الثورة العربية”، والتأكيد على “التعددية الحزبية والسياسية” والعلاقات الرفاقية القائمة على المشاركة لا الردافة. من أبرز الاقتراحات العملية: إلغاء الفقرة التي تحظر نشاط أحزاب الجبهة بين الطلاب، وحذف الفقرة المتعلقة بـ”التنظيم السياسي الواحد” واستبدالها بتأكيد التعددية، والسماح بفتح مقرات خاصة لكل حزب، وتحويل صحافة الأحزاب من صحافة داخلية إلى صحافة علنية بقانون عصري، وإلغاء كل أشكال التمييز. كما يُقترح تعديل تركيبة القيادة المركزية للجبهة لتصبح أكثر توازناً بين ممثلي حزب البعث وباقي الأحزاب، وتطوير آلية العمل بعقد دورات اجتماعات منتظمة ومؤتمرات دورية.
في الجزء الثاني من الفصل، يُدرج نص مقابلة صحفية مع دانيال نعمة نفسه نُشرت في جريدة “الشعب” الجزائرية بتاريخ 28 كانون الأول 1995، وفي مقال بمناسبة العيد الفضي للجبهة. يعود نعمة في المقابلة إلى تاريخ تشكل الجبهة، مشيداً بدور الرئيس حافظ الأسد وقائد الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970، الذي يحسب له أنه “حول فكرة الجبهة إلى واقع ملموس” وكرسها في الدستور. يوضح نعمة أن الجبهة ولدت من رحم الصراعات السابقة كبديل واقعي لتجنب الصراع على السلطة، وأنها أتاحت إرساء تعددية حزبية وسياسية واقتصادية محدودة لكنها حقيقية. ويرد على من يصف الجبهة بأنها “راكدة”، مؤكداً أن العمل الجبهوي يمتد أبعد من اجتماعات القيادة ليشمل الوزارة ومجلس الشعب والإدارة المحلية والنقابات، معترفاً في الوقت نفسه بالحاجة إلى تحسين الأداء.
يعترف الفصل صراحة بعدة حدود وتحفظات: فالحزب يعترف بوجود نقص في الأداء ويعزو ذلك لأسباب ذاتية وتنظيمية. كما يقر بأن اقتراحاته حول تعديل الميثاق والنظام الأساسي يجب أن تبقى “داخلية” وليس علنية لعدة أسباب منها الضغوط الخارجية، معبراً بمثل “نريد عنباً وليس قتل الناطور”. ويترك السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق “وحدة الإرادة والعمل” في الحزب دون أن تتعارض مع مفهوم الديمقراطية وحرية الرأي، مما يشير إلى جدل داخلي مستمر.
أخيراً، يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش: أولاً، التناقض الظاهر بين التأكيد على “التحالف الاستراتيجي” مع حزب البعث، وفي الوقت نفسه المطالبة بتعديلات جوهرية في الميثاق تخفف من هيمنته، مما يعكس حالة من التردد أو الرغبة في موازنة القوى داخل الإطار ذاته. ثانياً، يمكن مناقشة ما إذا كانت التعديلات المقترحة، رغم طابعها الإصلاحي، ستؤدي فعلاً إلى تحويل الجبهة من مؤسسة شكلية إلى فاعل مركزي، أم أنها ستبقى أسيرة البنية السلطوية القائمة.
5.في المواضيع السياسية والفكرية والتنظيمية لعمل الجبهة / الجبهة الوطنية التقدمية سنوات الإنجاز العظيم 337–380▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على الجبهة الوطنية التقدمية في سورية كموضوع محوري، ويقدّم إجابة مطوّلة عنها من منظور الحزب الشيوعي السوري، ممثلاً بأحد قادته البارزين. يهدف الفصل إلى شرح أسباب نشأة الجبهة، وآليات عملها، ودورها في الحياة السياسية والاجتماعية السورية، وتقييم مسيرتها على مدى ثلاثة عقود، مع مناقشة التحديات التي تواجهها وسبل تطويرها مستقبلاً.
يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية، بدءاً من سرد تاريخي لتأسيس الجبهة. يذكر النص أن الجبهة تأسست في السابع من آذار عام 1972 بمبادرة من الرئيس حافظ الأسد، بعد أيام من الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970. تألفت الجبهة في البداية من خمسة أحزاب هي: حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الشيوعي السوري، حركة الاشتراكيين العرب، الاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب الوحدويين الاشتراكيين. مع مرور الوقت، توسعت لتضم سبعة أحزاب، بالإضافة إلى تمثيل الاتحاد العام للعمال، الاتحاد العام للفلاحين، وشبيبة الثورة في قيادتها المركزية. يُشير الفصل أيضاً إلى وجود أحزاب أخرى، مثل حزب الاتحاد العربي الديمقراطي، تعمل خارج إطار القيادة المركزية لكنها ممثلة في الحكومة ومجلس الشعب.
يقدم النص شرحاً وافياً لموقف الحزب الشيوعي السوري الداعم تاريخياً لفكرة الجبهة. يُعزى هذا الدعم إلى أسباب عدة، منها: سعي الحزب التاريخي لتوحيد القوى الوطنية منذ أواسط الثلاثينيات، وعلاقاته التحالفية مع حزب البعث منذ ستينيات القرن الماضي، واعتبار الدعوة للجبهة تراجعاً عن مبدأ الحزب الواحد واعترافاً بالتعددية السياسية، وأخيراً ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية في ظل الظروف الصعبة التي أعقبت حرب حزيران. يُفصّل الفصل آلية تشكيل الجبهة، حيث تشكلت لجنة من ممثلي الأحزاب برئاسة محمود الأيوبي وعضوية عبد الله الأحمر، وعملت لمدة عام كامل لإعداد الميثاق والنظام الأساسي، اللذين تم التوقيع عليهما في الاجتماع التأسيسي برئاسة الرئيس الأسد.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تقييم أداء الجبهة، معتبراً إياها نموذجاً فريداً في العالم الثالث نجح في تحشيد القوى الوطنية ومنع تصارعها، خصوصاً في حرب تشرين التحريرية والأحداث الدامية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. يُشدد النص على أن الجبهة تمثل ترجمة مبكرة لمفهوم التعددية السياسية، وأنها مكّنت سورية من التميز عن أنظمة الحكم الشمولي في المنطقة. ومع ذلك، يقرّ الفصل بوجود حدود وتحفظات، مؤكداً أن التقييم الإيجابي لا ينبغي أن يمنع النظرة النقدية البناءة. يعترف النص بأن الظروف التي نشأت فيها الجبهة قد تغيرت جذرياً، داعياً إلى إعادة النظر في العديد من القضايا وتطوير عمل الجبهة بناءً على الاقتراحات المطروحة من جميع الأحزاب.
يستعرض الفصل بالتفصيل آليات عمل الجبهة وتكاملها مع مؤسسات الدولة الأخرى، مثل مجلس الشعب والحكومة والنقابات. يُظهر الحوار الذي أُجري مع دانيال نعمة كيف يُساهم الحزب الشيوعي من خلال ممثليه الأربعة في مجلس الشعب في مناقشة القوانين والموازنة العامة. كما يوضح مشروع ورقة العمل المقدمة من الحزب الشيوعي في 6 كانون الثاني 1999 سبل تنشيط عمل الحزب داخل المؤسسات الجبهوية، مع التركيز على أهمية وضع خطط واقعية، وتحسين العلاقات مع الأحزاب الأخرى من خلال الحوار والاحترام المتبادل، واعتماد أشكال تنظيمية مرنة مثل فرق العمل النوعية.
أخيراً، يتناول الفصل ملف الإصلاح والديمقراطية في سورية في مطلع الألفية الجديدة. من خلال حوار مع دانيال نعمة نُشر في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 19 شباط 2001، يُؤكد المتحدث على قدرة النظام السوري على تصحيح نفسه من الداخل، مشيراً إلى خطابات الرئيس بشار الأسد التي تعترف بوجود نواقص وركود اقتصادي. يُناقش النص تعقيدات المطالبة بالديمقراطية في ظل تحديات وطنية وقومية ودولية، داعياً إلى ديمقراطية حقيقية تجمع بين الجانبين السياسي والاجتماعي، وترفض الشكلانية وتوظيف الشعارات لأغراض التضليل. يخلص الفصل إلى التأكيد على ضرورة تطوير الجبهة وتفعيلها، وهو ما تجسد في اجتماعات موسعة عُقدت في كانون الأول 2001، حيث تم الإجماع على الحاجة إلى تعديل الميثاق أو وضع ميثاق جديد يتناسب مع المتغيرات، مع التمسك بالجبهة كأداة أساسية للوحدة الوطنية وحشد الطاقات.
6.خطوة هامة على طريق تطوير الجبهة وتفعيلها / تدمير ديمقراطي هام يحتاج إلى إعلان وتعميم / تمتين الأوضاع381–406▼ résumé
يقدّم هذا الفصل من كتاب «جبهويات الحراك السياسي في سورية» تحليلاً مفصلاً لدور الجبهة الوطنية التقدمية وإشكالياتها، مركزاً على المادة التاسعة من ميثاقها التي كانت تحظر نشاط أحزاب الجبهة (باستثناء حزب البعث) في أوساط الطلاب. يطرح الكاتب إشكالية الجبهة التي تأسست في 7 آذار 1972 كأحد أهم منجزات الحركة التصحيحية، ويعترف بدورها الإيجابي، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى نواقصها، معتبراً أن المبالغة في دورها تتجاهل هذه النواقص. يتمحور الفصل حول فكرة أن الجبهة، رغم أهميتها، تعاني من إشكاليات هيكلية منذ نشأتها، وأن معالجتها تتطلب خطوات عملية وإعلانية واضحة.
يسير الفصل على شكل مقالات صحافية متتالية، تعود جميعها إلى جريدة «النور»، لسان حال الحزب الشيوعي السوري. يبدأ النص بالإشادة بـ«التدبير الديمقراطي الهام» المتمثل في رفع الحظر عن عمل أحزاب الجبهة بين الطلاب، والذي أُبلغت به الأحزاب شفوياً. ويرى الكاتب أن هذا الإجراء، وإن كان خطوة إيجابية، إلا أنه يحتاج إلى إعلان وتعميم رسمي ليؤتي ثماره. ويطالب بتعميم علني يُبلّغ الجهات الأمنية ومدراء المدارس والجامعات بأن الانتماء لأي حزب جبهوي لم يعد يشكل عائقاً أمنياً، خاصة في مجالي التربية والتعليم العالي، لخلق مناخ من الثقة لدى الطلاب.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة «تمتين الأوضاع الداخلية»، مؤكداً على الترابط الوثيق بين الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية. ويجادل بأن الدور الحاسم يبقى للأوضاع الداخلية، مستشهداً بانهيار الاتحاد السوفييتي كنتيجة لخلل داخلي، وبأهمية التركيز على قضايا مثل الركود الاقتصادي، والاعتماد على القطاعات الإنتاجية (العام والخاص والتعاوني)، ومكافحة الفساد والهدر. ويشدد على أن الديمقراطية الحقة هي أمضى سلاح في مواجهة الأعداء، محذراً من أن إضعاف الديمقراطية قد يحوّل التدابير الأمنية إلى أداة لإخفاء العيوب. كما يدعو إلى نظرة موضوعية تجاه المثقفين ودورهم، وتوسيع دائرة الأنصار والأصدقاء وتضييق دائرة الأعداء.
يعود النص ليؤكد على ما تم تحقيقه في عهد الرئيس بشار الأسد، مثل فتح مقرات للأحزاب الجبهوية، وإصدار صحفها الخاصة، ورفع الحظر عن العمل الطلابي. لكنه يطرح تساؤلاً جوهرياً حول التطبيق العملي لهذه القرارات. ويحذر من أن استمرار الجهات المعنية في اعتبار الانتماء لحزب جبهوي سبباً أمنياً، حتى لو كان بشكل غير رسمي، سيبقى «سيفاً مسلطاً فوق رقبة» المواطن. ويطالب بوضوح بـ«المساواة» و«إصدار قانون عصري للأحزاب»، بدلاً من امتيازات أو حصص، مشيراً إلى أن هذه الخطوات وحدها يمكن أن تعيد للأحزاب حيويتها وتجيب على الانتقادات الموجهة للتحالف الجبهوي.
في الفقرات الأخيرة، يركز النص على التحديات الخارجية، وخاصة التهديدات الأمريكية ضد العراق (قبل غزو 2003) والعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني. ويؤكد أن الاجتماعات المتكررة للجبهة، بما فيها الاجتماع المشترك بين القيادة المركزية والفروع في كانون الأول 2002، تأتي في هذا السياق الخطير. ويستعرض خطاباً (كلمة افتتاحية) يلقيها الكاتب دانيال نعمة بصفته ممثلاً للحزب الشيوعي، يصف فيه الجبهة بأنها مؤسسة شعبية بالدرجة الأولى، وليست حكومية، ويؤكد على ضرورة تطويرها لمواكبة المتغيرات، والإصغاء للنقد البناء، والارتقاء بصلاتها مع الجماهير الشعبية لمواجهة التحديات الإمبريالية والصهيونية.
يقرّ الفصل ضمنياً بوجود فجوة بين القرارات «التصحيحية» أو «التطويرية» وتطبيقها على أرض الواقع، وخاصة فيما يتعلق بالقيود الأمنية غير الرسمية. ويدعو إلى شفافية أكبر وإلى نقل السلطة من الأجهزة الأمنية إلى المؤسسات المدنية والدستورية. كما أن النص، رغم دعمه للجبهة كمنصة وطنية، يترك الباب مفتوحاً أمام النقاش حول فعاليتها الحقيقية ومدى قدرتها على التحول من «مؤسسة قيادية» إلى حركة شعبية حقيقية، مشيراً إلى مشكلات «الترهل والاتكالية» التي تعاني منها بعض أطرافها. يمكن القول إن الفصل يقدم حالة فريدة من النقد «الداخلي البنّاء» من قبل حزب شيوعي ضمن تحالف يقوده حزب البعث، حيث يطالب بإصلاحات من شأنها تقوية التحالف نفسه، لا تقويضه.
7.مذاهب جبهوية / حدث هام / الوطنية الحقة ومتطلباتها العملية / الجبهة وتعميق الوحدة الوطنية / واقع الجب407–436▼ résumé
يسعى هذا الفصل من كتاب دانيال نعمة إلى تقديم قراءة تحليلية لواقع الجبهة الوطنية التقدمية في سورية خلال الفترة من أواخر عام 2002 حتى أوائل عام 2004، حيث يركز على آليات عملها، وأهدافها المعلنة، والتحديات التي تواجهها. الموضوع المحوري هو دور الجبهة كإطار لتوحيد القوى السياسية تحت قيادة حزب البعث، وكيفية تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية، مع الاعتراف بوجود نواقص داخلية تحتاج إلى معالجة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الجبهة ما زالت أداة ضرورية، لكنها تحتاج إلى إصلاحات جوهرية لتتمكن من تحقيق أهدافها.
يبدأ الفصل بتغطية حدث جبهوي محوري، وهو الاجتماع السنوي الثاني المشترك بين القيادة المركزية للجبهة وفروعها، الذي انعقد في دمشق برعاية الرئيس بشار الأسد. يصف الكاتب أجواء الاجتماع بكونها انعقدت في ظروف بالغة الخطورة، تمثلت في استمرار الانتفاضة الفلسطينية والاستعدادات الأمريكية لغزو العراق. ويشير إلى أن الاجتماع ضم ممثلين عن أحزاب الجبهة، بالإضافة إلى أحزاب أخرى مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الاتحاد العربي الديمقراطي. تم تقسيم أيام الاجتماع إلى ثلاثة محاور: الأول خُصص لتطوير العمل الجبهوي، والثاني للقضايا الاقتصادية والاجتماعية، والثالث للسياسة الخارجية. وفي المحور الأول، برزت مطالب بعدد من القضايا الحساسة، مثل وضع ميثاق جديد للجبهة يأخذ بالحسبان المتغيرات، وإصدار قانون عصري للأحزاب، وإلغاء التمييز بين أعضاء حزب البعث وأعضاء الأحزاب الأخرى، وضرورة وجود ثقافة جبهوية يتم نشرها عبر مجلة فصلية. وفي اليوم الثاني، تناول حوالي 35 متحدثاً قضايا اقتصادية كالبطالة والفساد، بناءً على تقرير قدمه رئيس الوزراء آنذاك الدكتور ميرو. أما اليوم الثالث، فشهد تدخلات من 36 متحدثاً في القضايا السياسية، وتمت الإجابة عن أسئلتهم من قبل وزير الخارجية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل أعمق لمفهوم الوطنية الحقة، معتبراً إياها "عنصر التوحيد الأساسي" في سورية. يربط الكاتب هذه الوطنية بضرورة تجميع القوى بغض النظر عن الأديان أو المعتقدات، ويستشهد بأحداث تاريخية مثل معركة ميسلون وشعار "الدين لله والوطن للجميع" كدليل على جذور هذه الروح. ويحذر من أي محاولة لاحتكار الوطنية أو اتهام الآخرين بعدمها. من منظور الحزب الشيوعي السوري (الذي يمثله نعمة)، تؤكد الوطنية الحقة على دعم السياسة الرسمية للدولة في مواجهة التحديات، والعمل على توحيد القوى لا تقسيمها.
يتناول القسم التالي مسألة الوحدة الوطنية بشكل أكثر تفصيلاً، مقدمًا إياها كضرورة ملحة ليس فقط بسبب الأخطار الخارجية، بل لأسباب داخلية أيضًا كالنهوض الاقتصادي ومكافحة البطالة. هنا، يطرح الفصل سؤالاً جوهرياً: إذا كانت الجبهة موجودة منذ ثلاثة عقود، فلماذا لم تحقق هذه الوحدة حتى الآن؟ يقر الكاتب بوجود نقاط ضعف، ولكنه يدافع عن الجبهة معداً إياها أداة فعالة في أوقات سابقة مثل حرب تشرين التحرير والتصدي للردة الظلامية في أواخر السبعينيات. ثم يلخص الإجماع الذي توصلت إليه لقاءات الجبهة في عامي 2001 و2002 حول أسباب الضعف، وهي: غياب الثقافة الجبهوية، الانقسامات التي تعرضت لها أحزاب الجبهة، والتمييز الصارخ لصالح أعضاء حزب البعث. ويختتم هذا القسم باقتراح إصلاحات تشمل وضع ميثاق جديد، وتوحيد الأحزاب المنقسمة، وإصدار قانون للأحزاب، وتنظيم الانتخابات على أساس برامج موحدة.
أما القسم الأخير، فيأخذ شكل حوار مع دانيال نعمة نفسه، حيث يدافع عن مسيرة الحزب الشيوعي السوري (جناح يوسف الفيصل). يرفض نعمة اتهام الحزب بالانشقاق عن خالد بكداش، ويؤكد أن الانقسامات كانت بفعل عوامل أخرى. وعند سؤاله عن أسباب بقاء نفس القيادة لسنوات طويلة يوضح أن التجديد ضروري لكنه يجب أن يكون على أسس مبدئية وليس ميكانيكياً، ويعرض بعضاً من تاريخه النضالي. ويرد بحدة على فكرة أن أحزاب الجبهة هي مجرد واجهة للنظام، معتبراً أن من يقول بذلك (مثل رياض الترك) كان مخطئاً. ويعترف بوجود تمييز لصالح حزب البعث وبأنه واقع يجب تصحيحه، مشيراً إلى أن القرار رقم 408 الصادر عن القيادة القطرية للحزب هو حلقة في هذا الطريق. ويختتم الحوار بمقارنة مع الأنظمة الديمقراطية التقليدية، معتبراً أن هيمنة الحزب الأقوى على القيادة هي ظاهرة طبيعية في التحالفات.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الفصل يقدم سرداً "رسمياً" و"دفاعياً" عن الجبهة الوطنية التقدمية، حيث يتجنب الخوض في التناقضات الأيديولوجية أو الصراعات الحادة داخل هذه الجبهة. الحجج التي يطرحها قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بدور الجبهة الفعلي مقابل الدور المنشود ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها على أرض الواقع، خاصة وأن الفصل نفسه يعترف بفشلها الذريع في مجالات مثل الثقافة الجبهوية وتحقيق المساواة بين أعضائها. كما أن دفاع نعمة عن بقاء القيادة لفترات طويلة والاعتماد على تاريخه النضالي يمكن أن يُرى كتبرير لغياب آليات ديمقراطية داخلية في الحزب الشيوعي السوري نفسه.
8.الملحق١- خطاب في طرطوس بمناسبة الانتخابات التكميلية / الملحق٢- الجبهة الوطنية طريق القضاء على المؤام437–470▼ résumé
يُقدّم هذا الفصل، الذي يتألف من ملاحق متعددة، وثائق حزبية وسياسية تعود لفترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وتدور حول مفهوم الجبهة الوطنية بوصفه أداةً سياسيةً لمواجهة التحديات التي واجهتها سورية. الموضوع المحوري للفصل هو الدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية واسعة تجمع القوى الوطنية والتقدمية، ويقدم المؤلف هذه الوثائق كأدلة على كيفية فهم القوى السياسية آنذاك لهذه الأداة وشروط تطبيقها.
يبدأ الفصل بخطاب أو بيان سياسي (الملحق الأول والثاني) يُحدد المهمات الكبرى التي تواجه سورية بعد انفصالها عن مصر في نهاية عام 1961، وهي: توطيد الاستقلال السياسي، ومحاربة الاستعمار، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وإطلاق الحريات الديمقراطية، والقيام بإصلاح زراعي جذري. يرى الكاتب أن هذه الأهداف تصب في مصلحة الأغلبية وتمهد الطريق نحو أهداف اشتراكية أرقى. ثم ينتقل الكاتب إلى مناقشة العقبات التي تعترض تحقيق هذه الأهداف، ويحددها في قوى خارجية هي المستعمرون الإنكليز والأمريكيون والألمان الغربيون، الذين يسعون بطرق مختلفة للقضاء على استقلال البلاد. ويشير إلى أن هؤلاء المستعمرين يستندون إلى قوى اجتماعية داخلية، مثل الإقطاعيين والعناصر الرجعية، بل وحتى بعض العناصر التي كان لها نضال سابق لكنها عجزت عن مواكبة تطور المجتمع.
يوضح النص أن الطريق لمواجهة هذه المؤامرات هو توحيد الصف الوطني، مستشهداً بتاريخ سورية الذي يُظهر أن الانتصارات الكبرى، مثل الجلاء وإحباط المؤامرات الاستعمارية، تحققت بفضل تضافر القوى الوطنية. ويُعتبر انتفاضة 28 أيلول ضد الحكم الناصري دليلاً على قوة الجبهة الوطنية. ينتقد الكاتب أولئك الذين اتهموا الجبهة الوطنية بأنها سلاح بيد الشيوعيين، معتبراً هذه التهمة مكشوفة، وينتقد أيضاً حكام القاهرة الذين عملوا على ضرب الجبهة الوطنية. ويخلص الكاتب إلى أن الجبهة الوطنية ليست اختراعاً عقائدياً، بل هي ضرورة يفرضها الواقع الموضوعي، وأنها الأداة الوحيدة القادرة على توحيد القوى ذات المصالح المختلفة حول أهداف مشتركة، على عكس الأحزاب الواحدة أو التنظيمات القومية.
يتطور التحليل في الوثيقة ليصف كيف يتغير دور القوى داخل الجبهة الوطنية مع تطور الظروف. فبينما لعبت البرجوازية دوراً أساسياً في مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، فإن دورها تراجع بعد الاستقلال، إما لبحثها عن تفاهمات مع الاستعمار أو لخوفها من نضال الجماهير. في المقابل، ازداد دور الطبقة العاملة والفلاحين بشكل كبير، وأصبحا القوة الأساسية القادرة على قيادة النضال داخل الجبهة، نظراً لأن مصالحهما تتطلب القضاء التام على الاستعمار وتحقيق إصلاحات اجتماعية عميقة. ويدعو الحزب الشيوعي في ختام هذا القسم إلى جبهة وطنية واسعة تكون هذه الطبقات قائدتها الأساسية، بهدف إقامة حكم وطني ديمقراطي يمهد للانتقال السلمي نحو الاشتراكية.
يقدم الملحق الثالث "مشروع ميثاق الجبهة" نصاً اتفاقياً بين الحزب الشيوعي السوري وحركة الاشتراكيين العرب (جماعة أكرم الحوراني). يدين الميثاق حكم الجمهورية العربية المتحدة واصفاً إياه بالديكتاتورية، ويعدد سلبياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. يتضمن الميثاق بنوداً محددة تشمل: إقامة وحدة على أسس شعبية مع حكومتين لكل إقليم، نشر الحريات الديمقراطية وإلغاء القوانين التعسفية، إطلاق سراح السجناء السياسيين، إعادة الضباط الوطنيين إلى الجيش، إنهاض الاقتصاد الوطني وتشجيع الصناعة، إصلاح التعليم، دعم العمال والفلاحين، محاربة الغلاء، إجراء إصلاح زراعي فعال، واتباع سياسة خارجية مستقلة وداعمة لحركات التحرر وفي مقدمتها الجزائر وفلسطين.
أما الملحق الرابع، وهو مقال من جريدة الأخبار اللبنانية عام 1964، فيركز على ضرورة الجبهة الوطنية لمواجهة حكم البعث. يصف المقال الأوضاع في سورية بأنها مؤلمة بسبب الخراب الاقتصادي وكبت الحريات، ويرى أن أياً من القوى التقدمية منفردة لا تستطيع تغيير الأوضاع، وأن الحل الوحيد هو جبهة وطنية تضم جميع القوى التقدمية. يهاجم المقال بشدة العناصر التي تسعى لإبعاد الشيوعيين عن الجبهة الوطنية، معتبراً أن هذه العناصر، سواء عن حسن نية أو سوئه، تخدم أعداء الشعب وتضعف الجبهة. ويصف حملة "بعبع الشيوعية" بأنها فزاعة كُشف أمرها، وأن وجود الشيوعيين في أي جبهة هو ضمان لجديتها وفعاليتها، مستشهداً بتجارب كوبا والجزائر وإندونيسيا.
يقدم الملحق الخامس "ميثاق الجبهة الوطنية" الثاني، والذي جرى نقاشه قبل تأميمات عام 1965، تفاصيل أكثر تنظيماً لأهداف الجبهة. ينقسم الميثاق إلى عدة أقسام رئيسية: نظام الحكم، ويدعو إلى حكم الشعب عبر انتخابات حرة، وحياد الجيش عن العمل السياسي، وإلغاء الطوارئ، ومنع التعذيب، وتشكيل حكومة ائتلافية لوضع دستور جديد. التحرر الوطني وإسرائيل، ويحث على مقاومة الاستعمار الجديد، وتبني سياسة عدم الانحياز الفعلية، ودعم القضية الفلسطينية، والإعداد العسكري لمواجهة إسرائيل. التنمية والاستقلال الاقتصادي، ويؤكد على دور القطاع العام في التنمية مع إفساح المجال للقطاع الخاص، ويدعو إلى الإصلاح الزراعي وتصفية الإقطاع، وتأميم البنوك والصناعات الأساسية، مع ضمان حقوق العمال والفلاحين. الوحدة العربية، ويُعرّفها بأنها وحدة نضالية مرحلية تهدف إلى التكامل الاقتصادي والسياسي.
أخيراً، يُقدم الملحق السادس مذكرة من الحزب الشيوعي السوري إلى رئيس مجلس الوزراء في أيار 1967، عشية حرب حزيران. تشير المذكرة إلى تصاعد التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية ضد سورية، وتعتبر أن مؤامرة الثامن من أيلول والعدوان الإسرائيلي في السابع من نيسان هي حلقات في سلسلة تآمر واحدة. تقترح المذكرة تدابير عملية لمواجهة الخطر، أبرزها: تشكيل لجان دفاع شعبية، ودعوة ممثلين عن الرأي العام (وتقترح أسماء شخصيات مثل بشير العظمة وجمال الأتاسي وزكي الأرسوزي) للاجتماع مع القيادة لتوحيد الصف، وتوجيه رسائل إلى الدول الصديقة، واتخاذ تدابير تموينية، وعزل كبار التجار الرجعيين مع مراعاة مصالح صغار المنتجين. تختتم المذكرة بتأكيد حرص الحزب على حشد كل الطاقات للدفاع عن الوطن والنهج التقدمي.
يمكن القول إن الفصل يُظهر بوضوح تطور الفكر السياسي لليسار السوري خلال فترة حاسمة، حيث ينتقل من الدعوة النظرية للجبهة الوطنية إلى محاولات صياغة ميثاق سياسي وتقديم اقتراحات عملية في لحظات الخطر. النقاش حول دور الشيوعيين وضرورة إشراكهم أو استبعادهم يظهر كإحدى القضايا الخلافية الأساسية التي يعالجها النص، ويبدو أن المؤلف، من خلال اختيار هذه الوثائق، يؤكد على مركزية هذا المفهوم في الخطاب السياسي لتلك الحقبة.
9.الملحق٦- مذكرة الحزب الشيوعي السوري في أيار 1967 / الملحق٧- ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية / الملحق٨-471–518▼ résumé
الملحق السابع يتضمن ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية في سورية، الذي صدر في 7 آذار 1972 ووقعه الأمناء العامون للأحزاب المشتركة في 13 آذار 1972. يقدم الميثاق نفسه على أنه خطوة أولى نحو توحيد فصائل الثورة العربية في سورية، بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي. يبدأ الميثاق بمقدمة نظرية تؤكد أن النهضة العربية تتميز بتلاحم النضال الوطني بالقومي، وأن أهداف الأمة العربية هي الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي المبادئ التي بشر بها حزب البعث وأغناها جمال عبد الناصر بثورة 23 تموز في مصر. يعلن الميثاق أن تأسيس الجبهة جاء استجابة لدعوة الرئيس حافظ الأسد، بهدف تجاوز واقع التجزئة التنظيمية للقوى التقدمية وتوحيد إرادتها لمواجهة الهجمة الاستعمارية الصهيونية.
يحدد الميثاق مهمات الجبهة على الصعيد القطري في عشر نقاط أساسية. أولاها وأهمها هي تحرير الأراضي العربية المحتلة بعد الخامس من حزيران، على أن تتقدم جميع الأهداف المرحلية الأخرى. تشمل المهام الأخرى إقرار مسائل السلم والحرب، ووضع الخطط الخمسية للاقتصاد مع التركيز على الزراعة والقطاع العام، ورسم خطط التثقيف القومي الاشتراكي، واستكمال بناء النظام الديمقراطي الشعبي، وتطوير المنظمات الشعبية والمهنية، وتطوير القوات المسلحة كعماد للدفاع مع تعهد الأطراف غير البعثية بعدم القيام بأي تنظيم حزبي داخل الجيش. كما تنص المادة السابعة على أن الطلاب بحاجة إلى إنهاء التنافس الحزبي في أوساطهم، لذلك تتعهد أطراف الجبهة من غير البعث بوقف نشاطاتها التنظيمية والتوجيهية في هذا القطاع.
على الصعيد القومي، يلتزم الميثاق بستة مبادئ، أبرزها أن الوحدة العربية يجب أن تنبثق عن إرادة حرة بين أقطار عربية متحررة، وأن الجبهة تدعم دولة اتحاد الجمهوريات العربية كنواة للوحدة الشاملة. كما يؤكد على ضرورة التعامل مع الثروة البترولية كقضية قومية مرتبطة بفلسطين، وضرورة توحيد القوى الوطنية التقدمية العربية. وفيما يخص القضية الفلسطينية، يعلن الميثاق رفضه المطلق للصلح أو التفاوض مع الدولة الصهيونية، ويدعم المقاومة الفلسطينية دعماً كاملاً. على الصعيد الدولي، يعتبر الميثاق الصهيونية العالمية وإسرائيل العدو الأول، ويؤكد على الصداقة مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، ويسعى لتوسيع العلاقات مع الدول الإسلامية ودول العالم الأخرى والاستفادة من مواقفها الإيجابية.
يختتم الميثاق بنظام أساسي للجبهة يحدد أطرافها المؤسسة: حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب الشيوعي السوري، حزب الوحدويين الاشتراكيين، حركة الاشتراكيين العرب (وانضم لاحقاً الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي عام 1988، والاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد العام للفلاحين عام 1980). تنص المادة الثامنة على تشكيل القيادة المركزية من رئيس (رئيس الجمهورية والأمين العام لحزب البعث) و17 عضواً، تسعة منهم يمثلون حزب البعث وثمانية يمثلون بقية الأطراف. تمارس أطراف الجبهة نشاطها السياسي العام في إطار الجبهة، في حين تحتفظ بحرية نشاطها الخاص في مجالاتها ومنظماتها الخاصة.
الملحق الثامن هو رسالة داخلية من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري، تعود لأوائل عام 1976، تصف توتراً خطيراً في العلاقات مع حزب البعث. يشكو الحزب من إجراءات تقييدية، منها منع أمينه العام خالد بكداش من السفر ومصادرة جوازات سفر قادة شيوعيين. يذكر أن التوتر بدأ مع معارضة الحزب لاتفاقية التنقيب عن النفط مع شركة تريبكو الأمريكية، وتصاعد بعد لقاء في 19 تشرين الثاني 1975 طالب فيه عبد الله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب البعث) الحزب الشيوعي بإخضاع نشاطه الخارجي للجبهة وحل منظمات نسائية وشبابية تابعة له.
يحلل الحزب الشيوعي الأسباب العميقة لهذا التوتر، ويراها طبقية، وإيديولوجية، وسياسية. طبقياً، يشير إلى ظهور طبقة من "الأغنياء الجدد" و"الرأسمال الطفيلي البيروقراطي" الذي يسعى لتوسيع مصالحه والتأثير على الدولة. إيديولوجياً، يلاحظ تزايد الحد من تأثير الفكر الماركسي وتشجيع الانقسامات في الأحزاب الأخرى. سياسياً، يرى ضغوطاً من دوائر إمبريالية ودول النفط (خاصة المملكة العربية السعودية) لجر سورية نحو التسويات وتقليص العلاقات مع الاتحاد السوفييتي. يعتبر الحزب أن هذه التدابير تمثل "تصعيداً نوعياً" وتحذيراً من "خطرين": التساهل مع الظواهر اليمينية، أو التطرف والخروج من الجبهة، مؤكداً تمسكه بالتعاون داخل الجبهة وميثاقها، ومعلناً وحدته وتصميمه على الدفاع عن استقلاليته.
الملحق التاسع هو اقتراحات تقدم بها دانيال نعمة (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي) إلى قيادة الجبهة في 9 تشرين الثاني 1988. تهدف الاقتراحات إلى تطوير عمل الجبهة من خلال تسعة بنود، منها عقد اجتماعات دورية للقيادة المركزية، وتنشيط عمل الفروع الجبهوية في المحافظات، وإصدار صحيفة للجبهة، وتفعيل المكاتب التابعة للقيادة المركزية (مثل مكتب الدعاية ومكتب التنسيق)، وإنشاء "مكتب اقتصادي" جديد من اختصاصيين. كما تقترح توسيع العلاقات مع المؤسسات الجبهوية في البلدان الصديقة، وعقد مؤتمر عام للجبهة.
الملحق العاشر هو اقتراحات أوسع وأشمل قدمها الحزب الشيوعي في 5 تشرين الثاني 1992، تدعو إلى تطوير الجبهة "ميثاقاً وألية عمل وصلات بأوسع الجماهير الشعبية". يقترح الحزب الاحتفاظ بالميثاق الحالي كوثيقة تاريخية، ووضع وثيقة جديدة تأخذ بالاعتبار التطورات الكبيرة منذ 1972، مثل حرب تشرين (1973)، والقضاء على مؤامرة الإخوان المسلمين، والمتغيرات الدولية. تشمل المقترحات تأكيد الهدف الأساسي المتمثل في تحرير الجولان والأراضي المحتلة وفق قرارات مجلس الأمن 242 و338، وتحسين الأوضاع المعيشية للطبقات الكادحة، وتأكيد الطابع الديمقراطي الاجتماعي للدولة مع المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية ورفع حالة الطوارئ. كما تدعو إلى ضمان التعددية السياسية بشكل أوسع، بما في ذلك إصدار قانون للأحزاب والصحافة، وإلغاء النصوص التي تمنع العمل السياسي بين الطلاب باستثناء حزب البعث.
الملحق الحادي عشر هو مشروع اقتراحات قدمه الحزب الشيوعي عام 1999، مستلهماً خطاب القسم للرئيس حافظ الأسد في ولايته الدستورية الخامسة. يرى الحزب أن الخطاب شجع على الديمقراطية والحوار، وطرح ستة مقترحات عملية لتفعيل الجبهة. تشمل عقد اجتماعات موسعة للقيادة المركزية مع فروع الجبهة لدراسة التوجهات العامة، وعقد لقاءات تخصصية مع وزراء (مثل وزير الزراعة والصناعة) وخبراء وممثلي النقابات لمعالجة قضايا محددة مثل تطوير القطاع العام وزيادة الأجور. كما تقترح عقد اجتماعات لبحث التضامن العربي والتكامل الاقتصادي، واجتماعات استراتيجية لمواجهة تحديات "القطب الواحد" وإسرائيل. يختتم الملحق بملاحظة تشير إلى أن ممثل الحزب طرح هذه الأفكار في أول اجتماع للقيادة المركزية بعد الخطاب، وأن الرد كان بطلب تحضير وجهات نظر من كل حزب، لكنه يلاحظ أن شيئاً من ذلك لم يحدث رغم التذكير.
Analyse & mots-clés
Mots-clés