Almawred
عربي

درعا والسويداء في مواجهة الفتنة - همام الخطيب محرر

1 janvier 2015arمركز دراسات الجمهورية الديمقراطية

يتمحور الكتاب حول محاولة فهم التحول في العلاقة بين محافظتي درعا والسويداء خلال الحرب السورية، وتحديداً بعد معركة "قادسية بصرى" التي شنتها فصائل المعارضة المسلحة في آذار/مارس 2015. يدافع الكتاب عن أطروحة رئيسية مفادها أن هذه المعركة شكلت مفصلاً استراتيجياً في مسار الثورة السورية، لا على المستوى العسكري فحسب، بل على المستوى الاجتماعي والسياسي أيضاً، وذلك من خلال إفشال خطة النظام السوري الهادفة إلى بث الفتنة الطائفية بين المحافظتين، وإحداث "انزياح" في الرأي العام في السويداء نحو معارضة النظام.

يسير الكتاب وفق منطق تحليلي متسلسل يبدأ بتشريح طبيعة العلاقة التاريخية بين المحافظتين الجارتين، ثم يكشف عن الاستراتيجية التي اتبعها النظام السوري لإذكاء الفتنة بينهما، قبل أن ينتقل إلى سرد تفصيلي لأحداث معركة "قادسية بصرى" وردود فعل الأهالي، ليخلص في النهاية إلى تحليل نتائج هذه المعركة وتداعياتها على المزاج العام في محافظة السويداء. يربط الكتاب بين هذه الأجزاء عبر مفهوم "الفتنة" التي يسعى النظام لتوطينها، ومقابلها "مقاومة الفتنة" التي تجسدت في سلوكيات كل من المجتمع المدني والفصائل العسكرية في درعا، والتي أدت إلى تراجع حدة التوتر الطائفي.

يسرد الكتاب منذ البداية الخلفية الاجتماعية المعقدة بين المحافظتين. فمنذ انطلاق الثورة السورية، انقسم المجتمع في السويداء بين مؤيد ومعارض، لكن البنية التضامنية للمجتمع الدرزي ساعدت في مقاومة محاولات زرع الفتنة مع درعا. ظهرت ظاهرة "مشايخ الكرامة" كقوة مجتمعية مقاومة لسياسات النظام، حيث قاموا بأعمال تحدٍ واضح، مثل إطلاق سراح محتجزين من معسكر سد الرهوة، وتخريب خيمة احتفال بـ"انتخابات الرئاسة"، وهدم حواجز أمنية. يذكر الكتاب اعتقال الشيخ "لورانس خطار"، وإطلاق سراحه لاحقاً بعد مظاهرات حاشدة. يشير المحرر إلى أن هذه التحركات تزامنت مع أسباب هيكلية عمقت الاستياء في السويداء، منها سوء المعيشة وقلة المواد التموينية، وكثرة القتلى من أبناء المحافظة في جيش النظام، وسوء معاملة الأجهزة الأمنية، وقتل شباب تحت التعذيب، والفوضى الأمنية وانتشار الخطف والنهب.

يكشف الكتاب عن الآلية الدقيقة التي يستخدمها النظام لبث الفتنة، والتي يتزعمها "وفيق ناصر" رئيس فرع الأمن العسكري في المحافظة، عبر شخص يدعى "جلال البلعاس"، مستغلاً حساسيات دينية ومناطقية. فقبل أيام من معركة بصرى، قامت مجموعة من المؤيدين وميليشيا الدفاع الوطني بإطلاق نار عشوائي في بلدة "بكا" ليتم اتهام أهالي درعا زوراً بمحاولة اقتحام البلدة. يوضح الكتاب أن لهذه الاستراتيجية غايتين: سياسية اجتماعية لربط أهالي السويداء عضوياً بالنظام كحام للأقليات، وتفتيت النسيج الاجتماعي، وعسكرية لإشراك أهالي السويداء في حرب بالوكالة عن النظام.

في تفاصيل معركة "قادسية بصرى"، يصف الكتاب كيف أن الفصائل الإسلامية والجيش الحر أدركت صعوبة اقتحام بصرى إلا من خلال محور يمر بقرى تابعة للسويداء مثل "بكا" و"ذيبين" و"بزّد". وبالفعل، تحرك الجيش الحر نحو قرية "صماد"، ليبدأ اشتباك مع عناصر الدفاع الوطني، يسقط فيه ثلاثة قتلى منهم. هنا، يثبت الكتاب حكمة الجيش الحر، الذي رغم قدرته على تدمير قرى السويداء، اكتفى بإطلاق أربع قذائف تحذيرية سقطت بجانب خزان في ذيبين، كرسالة واضحة أن هدفهم هو بصرى وليس السويداء. وفي اليوم التالي، أرسل النظام ستة باصات من دمشق تحمل ميليشيات شيعية، لكن الجيش الحر استهدف أول باصين بصواريخ موجهة، مما أسفر عن نقل أكثر من خمسين جثة إلى مشفى السويداء، في مشهد كشف حقيقة الموقف للأهالي.

يركز الكتاب على أربعة مواقف بارزة للجيش الحر والفعاليات المدنية في درعا لوأد الفتنة: أولاً، استخدام القذائف التحذيرية وليس القاتلة تجاه قرى السويداء. ثانياً، بعد تحرير بصرى، تم تطويق أكثر من خمسة وثلاثين عنصراً من ميليشيات السويداء في قلعة بصرى، فناداهم الجيش الحر بمكبرات الصوت قائلاً لهم "ارموا أسلحتكم وعليكم الأمان"، وأبلغوهم "أنتم جيراننا" وطلبوا منهم الاتصال بحاجزهم في بكا لضمان سلامتهم. ثالثاً، إصدار بيان من أهالي ومثقفي درعا يؤكد على وحدة الشعب السوري والتاريخ المشترك، وحذر من الفتنة، ووقع عليه شخصيات بارزة والزعيم الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط. رابعاً، قيام مشايخ من السويداء بزيارة أهالي بصرى للتهنئة، واستقبالهم بشكل مميز، وتقديم صور لشهداء من الطائفتين كـ"كمال جنبلاط" و"سلطان الأطرش".

يصف الكتاب الأثر المباشر للمعركة على أهالي السويداء، الذي انقسم إلى مرحلتين: أثناء المعركة، سادت حالة من الخوف والذعر، ودفع ذلك إلى حالات نزوح كبيرة من القرى المجاورة، وبلغ القلق ذروته عندما باع أحد سكان "بكا" ماشيته بثمن بخس لاعتقاده بعدم العودة. لكن بعد انتهاء المعركة، حدث تحول جذري في الموقف، حيث اتجه الرأي العام إلى تحميل الميليشيات الموالية المسؤولية عن بدء الاشتباك. هنا يحلل الكتاب أسباب هذا "الانزياح": أولاً، معاينة الأهالي بأن المقاتلين في حوران هم من أبناء المنطقة وليسوا غرباء كما كانت تروّج دعاية النظام. ثانياً، تراجع قوات النظام وتهربها من حماية أبناء القرى، كما قال قائد الفرقة 15 للأهالي إنه لا يستطيع تقديم سوى ثلاثة عناصر ودوشكا فقط. ثالثاً، حكمة الجيش الحر في التعاطي مع الحدث. رابعاً، صدمة الأهالي من إعلام النظام الذي كان يبث برامج ترفيهية في وقت تحرير بصرى بينما كان أهالي القرى في قلب الحدث.

يقدم الكتاب مؤشرات رقمية مهمة لقياس هذا التحول، عبر عينتين من استطلاع رأي (عشوائية ومنتظمة) تم إجراؤه مرتين: صيف 2014 وبعد معركة "قادسية بصرى" في بداية نيسان 2015. في العينة العشوانية الصيفية، كان هناك 7 موالين للنظام مقابل 4 معارضين. أما بعد المعركة، فانقلبت الأرقام بشكل كبير لتصبح 3 موالين مقابل 11 معارضاً للدولة. في العينة المنتظمة التي استهدفت الموالين فقط، كان الجميع (20 من 20) موالين صيف 2014، لكن بعد المعركة، أصبح هناك 6 موالين فقط، و12 متردداً، و2 معارضين. هذه الأرقام تؤكد حسب المحرر انزياحاً واضحاً في المزاج العام.

يوثق الكتاب نتائج عملية لهذا التحول، منها فشل فعالية "الملعب البلدي" التي دعا إليها النظام لتسليح أبناء السويداء، إذ انفض الشباب عندما أدركوا أن الهدف هو استعادة بصرى لا حماية الجبل. كذلك رفض أهالي "بكا" إنشاء حواجز أمنية غرب البلدة. كما تم إجهاض محاولة النظام تشكيل "جيش حشد شعبي" بقيادة الضابط المتقاعد "نايف العاقل"، الذي نفى الخبر لاحقاً. وقام شباب السويداء بمهاجمة مبنى الأمن الجنائي وحرق ثلاث سيارات تابعة له لاسترجاع معتقلين مطلوبين للخدمة الإلزامية. يخلص الكتاب إلى 11 نتيجة رئيسية للمعركة، أبرزها: تنامي الشعور بضعف النظام، وزيادة التشكيك بإعلامه، وانكفاء الميليشيات الموالية، والميل المتصاعد للنفور من شيوخ السلطة، وظهور شخصيات وطنية جديدة (مشايخ الكرامة).

يقر المحرر بأنه من المبكر الحسم في تطور الرأي بشكل نهائي، فالأمر مرتبط بتنامي العوامل الإيجابية التي ظهرت. ومع ذلك، يطرح الكتاب توصيات عملية، أهمها: العمل على تطوير السلوكيات الإيجابية للجيش الحر لتتحول إلى إستراتيجية وطنية عامة، والانتباه من ردود فعل النظام بعد فشله في إقحام السويداء، وتأسيس لجنة مشتركة بين الفعاليات في المحافظتين لفضح محاولات الفتنة. وكمثال على هشاشة الوضع، يذكر حادثة اختطاف "مرهف ومجيد وبراءة آل أبو لطيف" في 12 نيسان 2015، والتي كادت تعيد إشعال الفتنة لولا تدخل "مشايخ الكرامة" الذين أجبروا الأجهزة الأمنية على إطلاق سراح معتقلين من أبناء درعا مقابل المختطفين في 16 نيسان 2015.

يمثل الكتاب وثيقة ميدانية تحاول فهم الآليات الاجتماعية للصراع، وهي قابلة للنقاش من عدة جوانب: أولاً، اعتماد الكتاب شبه الكلي على شهادات من طرف واحد (معارضون وقريبون منهم)، وعدم وجود مقابلات مع مسؤولين موالين أو عناصر في النظام. ثانياً، صغر حجم العينة في استطلاع الرأي (عشرون شخصاً لكل عينة) يجعل النتائج إرشادية لا إحصائية. ثالثاً، يُظهر الكتاب تماسكاً كبيراً في صفوف المعارضة في درعا، متجاوزاً الخلافات الداخلية المعروفة بين الفصائل، مما قد يبسط الواقع الميداني. وأخيراً، يظل السؤال مفتوحاً حول مدى استدامة هذا "الانزياح" في المزاج العام في السويداء، خصوصاً مع استمرار الحرب وتغير التحالفات.