Almawred
دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني
عربي

دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني

1 janvier 2010arمنشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة - دمشق

دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني كتاب يتناول أوضاع مدينة دمشق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، وتحديداً في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. الموضوع المحوري للكتاب هو رسم صورة شاملة للمجتمع الدمشقي في لحظة تحولية، حيث يتعرض لتأثيرات متضاربة: من جهة، سياسات الإصلاح العثماني ومحاولات التحديث، ومن جهة أخرى، التغلغل الاقتصادي والثقافي الأوروبي المتزايد. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف واضح: يقدم تحليلاً نقدياً للظروف التي أدت إلى تبعية الاقتصاد المحلي وإفقار الفئات الشعبية، مع إشارات إلى تفكك النسيج الاجتماعي التقليدي تحت ضغط الاستغلال الداخلي والخارجي، دون أن يخلو ذلك من الإشادة ببعض الإنجازات العمرانية والإدارية.

يسير الكتاب عبر فصوله المتعددة وفق منطق تراكمي، حيث يبدأ برسم خريطة للفئات الاجتماعية الكبرى داخل المدينة وخارجها. يبدأ بـ"فئة العامة" (الحرفيون، التجار الصغار، الفلاحون)، ويظهر معاناتهم من تدهور اقتصادي حاد بسبب تدفق البضائع الأوروبية الرخيصة واستغلال الصيارفة (مع التركيز على الدور الذي لعبه الصيارفة اليهود) والأعيان المحليين. ثم ينتقل إلى "مجتمع البادية" المجاور لدمشق، موضحاً تحول البدو من رحّل يعتمدون على النقل التجاري إلى ملاك أراضٍ وزعماء قبائل، متأثرين بقانون الأراضي العثماني وتوقف حركة القوافل بعد افتتاح قناة السويس والسكك الحديدية. بعد ذلك، يركز على "فئة المستأمنين والمتفرنجين" وهي البرجوازية الوسيطة التي تكونت من أجانب ومحليين حصلوا على حماية قنصلية أجنبية، ويصورهم كأداة للنفوذ الأوروبي ووسيط اقتصادي منفصل عن المجتمع الدمشقي التقليدي. هذا الانتقال من الفئات الأدنى إلى الفئات الوسيطة يبني صورة متكاملة لهرم اجتماعي متصدع.

بعد استعراض البنية الاجتماعية، ينتقل الكتاب إلى مناقشة مؤسسات الرعاية الاجتماعية والقضاء والصحة، عبر فصل عن "صندوق مال الأيتام"، ويشرح آلية عمله في استثمار أموال الأيتام عبر الإقراض بالمرابحة، مستخدماً حيلاً شرعية صورية لتفادي تحريم الفائدة، ويعرض نماذج من وثائق تظهر هذه الممارسات. ثم ينتقل إلى تفصيل الحياة اليومية والعادات الاجتماعية عبر فصول متتالية عن "الزواج" وعن "أوضاع المرأة الدمشقية". في فصل الزواج، يصف مراسيم الزواج عند المسلمين والمسيحيين واليهود والبدو، ويظهر كيف كانت المناسبة انعكاساً للهيبة الاجتماعية والانتماء الطبقي، بينما في فصل المرأة، يفند الصورة النمطية عن خمولها الاقتصادي، مستنداً إلى وثائق المحاكم الشرعية التي تثبت أن نساء من الطبقات العليا مارسن البيع والشراء والإقراض وتأسيس الشركات. يختتم هذا القسم بفصل عن "وسائل اللهو والتسلية"، يصف قافلة الحج كمحور للحياة، والمقاهي (التي بلغ عددها أكثر من 178 مقهى)، وظهور المسرح، والنزهات إلى وادي الربوة.

الجزء الأخير من الكتاب مكرس للاقتصاد والعمران. يبدأ بفصلين متكاملين عن الزراعة والصناعة. في الزراعة، يحلل النظام الإقطاعي الظالم الذي استنزف الفلاح عبر ضرائب "الأعشار" وفوائد المرابين الفاححة التي بلغت 30% وأكثر، وسيطر التجار والقناصل الأجانب على المحاصيل. في الصناعة، يصف تراجع الصناعة الدمشقية العريقة (كالنسيج والصباغة) بسبب الغزو التجاري الأوروبي، مستشهداً بقضايا من المحاكم التجارية تُظهر كيف كانت الشركات الأجنبية تجبر الحرفيين على استلام بضائع رديئة. ثم ينتقل فصل "التجارة" ليركز على دور القناصل والتراجمة، والمحاكم المختلطة التي كانت تصدر أحكاماً لصالح الأجانب، وشركات مثل بير بياجني الإيطالية التي استنزفت المزارعين والتجار. يختتم الكتاب بفصلين عن "ولاة دمشق وأعمالهم العمرانية" و"خصائص الدور الدمشقية"، حيث يسلط الضوء على إنجازات ولاة مثل مدحت باشا وحسين ناظم باشا الذي بنى حي المهاجرين وجلب مياه عين الفيجة، ويصف تطور العمارة السكنية من الدور التقليدية المغلقة نحو الداخل إلى القصور التي تأثرت بالطراز الأوروبي، مع ذكر نماذج شهيرة مثل دار يوسف عنبر التي بلغت كلفة بنائها 5,600,000 قرش.

الأرقام والوقائع اللافتة في الكتاب كثيرة ومندمجة في السياق. من أبرزها: تدني أجور العمال إلى 54 قرشاً في الشهر لخادم، وغرامة قدرها 1865 قرشاً فرضتها شركة إيطالية على خياط دمشقي. تظهر وثائق أخرى ديوناً تراكمت بفوائد فاحشة، مثل دين 79 قرشاً لفلاح من قرية دوماء، وديون شركة بياجني على تجار وصناع بين عامي 1886 و1890م. في مجال العمران، يُذكر أن تكلفة إعادة بناء الجامع الأموي ومد خط مياه عين الفيجة بلغت 11,000 ليرة ذهبية عثمانية، وأن عدد دور دمشق بلغ 15,959 داراً في تقرير عام 1897م. أما في مجال التسلية، فيذكر وجود أكثر من 178 مقهى في دمشق، وتكلفة قافلة الحج السنوية التي تراوحت بين 194 و215 ألف جنيه إسترليني.

يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة في عدة مواضع. على سبيل المثال، في فصل المرأة، يعترف ضمنياً أن النشاط الاقتصادي الموثق كان مقتصراً على بنات الأعيان والذوات، وأن الحياة العامة للمرأة بقيت تقليدية، تاركاً أسئلة مفتوحة حول مدى انتشار هذه الظاهرة. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول سبب حصول اليهود والمسيحيين على الحماية الأجنبية دون المسلمين، معترفاً بأن التفسيرات المنطقية تحتمل عدة احتمالات منها تحامل الأوروبيين أو رفض السلطات العثمانية. في فصل الزواج، يعترف النص بأن الوصف يعتمد على مذكرات شخصية ومؤلفات معاصرة قد لا تخلو من الذوق الشخصي، ويفتقد التحليل الاقتصادي العميق. في فصل الصناعة، يشير إلى صعوبة تحديد القيمة الحقيقية للتجارة لغياب البيانات الكاملة عن التجارة البرية ولاختلاف تقديرات القناصل.

تحتوي الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح. أبرزها الاتهام المباشر لليهود بممارسات الغش والسرقة كخصائص دينية، بناءً على وثيقة واحدة، وهو تعميم يمكن أن يُنظر إليه بشكل مختلف. كما أن رؤية المؤلف بأن تحالف الأقليات مع الأجانب لم يكن مبرراً بأي ظلم عثماني، بل كان بدافع اقتصادي محض، تطرح تساؤلات حول مدى دقة هذا التوصيف، خاصة مع الإقرار بوجود ظلم يطال الجميع. أيضاً، وصف المؤلف لممارسات الإقراض في "صندوق مال الأيتام" على أنها "التفاف على الشرع" و"بيع صوري" يعكس وجهة نظر نقدية، بينما يمكن تفسيرها فقهياً كاجتهادات للحفاظ على مال اليتيم. الحجج التي تظهر تواطؤ القضاء العثماني مع المصالح الأجنبية في قضايا التجار، رغم قوتها داخل بنية النص، تظل قابلة للنقاش حول مدى تعميمها.

Chapitres(13)

1.ولاة دمشق في الفترة المدروسة وأعمالهم العمرانية317–336▼ résumé

بدأ المؤلف هذا الفصل بعرض قائمة وافية لولاة دمشق الذين تعاقبوا على حكم المدينة في الفترة المدروسة، والتي تمتد من النصف الثاني للقرن التاسع عشر حتى 1918م، حيث غادر آخر والٍ عثماني، وهو شكري باشا، المدينة مع الجيش العثماني في 26 ذي الحجة 1335هـ الموافق 1918م، منهياً بذلك الحكم العثماني لسورية. يوضح المؤلف أن الموضوع المحوري للفصل هو استعراض الأعمال العمرانية التي قام بها هؤلاء الولاة، والتي ساهمت بشكل كبير في توسع دمشق وازدهارها، مؤكداً أن بعضهم ترك أثراً طيباً في نفوس أهل المدينة ومؤرخيها، نظراً لإسهاماتهم في تحسين صورتها.

يسير الفصل وفق بنية واضحة، فهو يبدأ بعرض قائمة بأسماء الولاة وتواريخ ولاياتهم، بدءاً من محمد رشدي باشا الذي حكم في منتصف القرن التاسع عشر، مروراً بـأحمد جودت باشا (والٍ لمدة تسعة أشهر وثلاثة أيام وعُرف بتأسيسه النهضة العلمية في دمشق)، ومدحت باشا (1181هـ - 1294هـ / 1867م - 1877م) وهو أحد أبرزهم، وأحمد حمدي باشا، وراشد ناشد باشا، وعثمان نوري باشا، وشريف رؤوف باشا، وصولاً إلى حسين ناظم باشا الذي كانت ولايته الأطول (اثنتا عشرة سنة) وشهدت نهضة عمرانية كبيرة. ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل إنجازات كل والٍ، مستخدماً أدلة متنوعة تشمل نصوصاً من وثائق عثمانية أصلية وأقوال المؤرخين.

في سياق الحديث عن التوسع العمراني، يذكر المؤلف أن دمشق توسعت نحو الشمال والغرب لتضم أراضي وبساتين الضواحي المجاورة مثل الصالحية والمهاجرين، حيث تم فرز الأراضي ومنح سندات الطابو بعد استيفاء الرسوم. ويقدم نموذجاً من الوثائق يشرح إجراءات شراء العقارات وتسجيلها في الدفتر الخاقاني، مما يدل على تنظيم العملية العقارية في ذلك الوقت. كما يقدم وثيقة لقضية بين شخصين حول ملكية دار وأرض في محلة المهاجرين، مما يوضح التطبيق العملي لهذه الإجراءات.

يخصص المؤلف جزءاً موسعاً للحديث عن إنجازات الوالي مدحت باشا، واصفاً إياه بـ"المصلح العثماني القدير". ويسرد أعماله كبناء المدارس الحديثة، تنظيم الطرق، تنظيف نهر بردى، تأسيس مكتب الصنائع، تنظيم دوائر العدل والشرطة، تشجيع غرفة تجارة دمشق، وإنشاء السوق الشهير سوق مدحت باشا. ويذكر أن إحدى محلات مدينة سالونيك (اليونانية) سميت باسمه أيضاً.

ثم يتناول الفصل بالتفصيل قصة بناء سوق الحميدية، وهو أبرز مثال على الأعمال العمرانية في تلك الفترة. يوضح أن السوق بني على مرحلتين: الأولى في عهد السلطان عبد الحميد الأول (عام 1190هـ/1720م) ببناء القسم الغربي، والثانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني والوالي راشد ناشد باشا (عام 1302هـ/1885م) ببناء القسم الشرقي. ويصف السوق بأنه أصبح من أهم أسواق العالم جمالاً، ويقدم وثائق توضح عملية توسيعه وهدم الدكاكين القديمة واستملاك الأراضي من خندق قلعة دمشق، مع تعويض ناظري الوقف، مما يبرز الجانب القانوني والإداري في تنفيذ المشروع.

لم يكتف الفصل بعرض الإنجازات، بل أشار إلى بعض التحفظات، فذكر أن الوالي راشد ناشد باشا وصفه المؤرخون بـ"الطماع" وأن طمعه أفسد مزاياه الإدارية وأدى لكثرة الرشوة في زمانه. كما أشار إلى فصل بيروت عن ولاية دمشق أثناء ولايته لتشكل ولاية مستقلة بسبب كثرة المصالح الأجنبية فيها، تاركاً هذا الحدث المهم كمسألة مفتوحة دون تفصيل.

يتناول الفصل بعد ذلك أعمال واليين آخرين، مثل عثمان نوري باشا الذي اهتم بشؤون الجند والإدارة، وسميت إحدى جادات دمشق باسمه (جادة نوري باشا)، حيث يقدم وثيقة تصف داراً فخمة بناها هناك. وينتقل إلى شريف رؤوف باشا، الذي شهد عهده تجديد إعمار سوق مدحت باشا، وبناء دار المعلمين، ومد خط سكة حديد بين المزريب ودمشق ثم بين بيروت ودمشق، مع ذكر حريق كبير في الجامع الأموي وقع في عهده (1100هـ/1688م) دون تفصيل.

يختتم الفصل بالتركيز على الوالي حسين ناظم باشا، فهو أطولهم عهداً وأكثرهم ميلاً للعمران. يخصص له مساحة كبيرة، مسلطاً الضوء على مشاريعه الضخمة مثل:

  • بناء حي المهاجرين: وزع الأراضي مجاناً، مما أدى لنمو المدينة نحو الغرب.
  • تنظيم جلب مياه عين الفيجة: أنشأ قساطل وجسور حديدية بطول 20 كم لتوزيع المياه بنسب هندسية عادلة على جميع الأحياء، بكلفة بلغت 11000 ليرة ذهبية عثمانية.
  • ربط دمشق بخط البرق الواصل إلى المدينة المنورة، ونصب تذكاري في ساحة المرجة.
  • سقف أسواق دمشق بصفائح معدنية لمنع الحرائق.
  • بناء السرايا الجديدة (مقر وزارة الداخلية حالياً) على طراز معماري أوروبي، ونصب تذكاري في حديقتها يؤرخ لمرور ربع قرن على جلوس السلطان عبد الحميد الثاني.
  • بناء مستشفى الغرباء (الوطني) بتكلفة تجاوزت 80000 قرش، وتم بناؤه مراعياً قبوراً لبعض العلماء منهم ابن تيمية وابن كثير.
  • إنشاء أول مدرسة للطب في دمشق (مدرسة الحياة) في اللغة التركية، والتي انتقلت لاحقاً إلى مبنى خلف المستشفى.

في هذا الفصل، تظهر حجج المؤلف بشكل واضح من خلال الأدلة الوثائقية التي يقدمها، والتي تُظهر أن النهضة العمرانية في دمشق لم تكن مجرد صدفة، بل كانت نتيجة جهود مباشرة وسياسات منظمة من قبل بعض الولاة العثمانيين، خاصة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. كما أن اعتماد المؤلف على الوثائق الرسمية يمنح الفصل مصداقية عالية ويدعم حجته بأن الدولة العثمانية كانت تولي اهتماماً بتنظيم المدن وتحديثها. ومع ذلك، يمكن القول إن الفصل يركز على الجانب الإيجابي من أعمال الولاة، مع إشارات محدودة إلى الجوانب السلبية (كوصف راشد ناشد باشا بالطماع)، مما قد يترك انطباعاً غير متوازن تماماً، خاصة عند مقارنة حجم التفصيل بين إنجازات بعضهم وسلبيات الآخرين.

1.الزواج127–137▼ résumé

يقدّم هذا الفصل من كتاب "دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني" دراسةً تفصيليةً لعادات الزواج في المجتمع الدمشقي خلال تلك الفترة، ويُظهر كيف كانت هذه المناسبة تُعَدّ انعكاساً للهيبة الاجتماعية والانتماء الطبقي، وليس مجرد رباط أسري. يوضح المؤلف أن المجتمع الدمشقي أولى اهتماماً بالغاً بإقامة حفلات الزواج على مستوى عالٍ حفاظاً على مكانة العائلة، ويسوق مثالاً من ذكريات بشير العظمة عن جده الذي اضطر للاستدانة بفائدة فاحشة لتمويل عرس ابنته، بل ورهن أرضاً اضطر للتنازل عنها لاحقاً، مما يبرز ثقل العادات الاجتماعية حتى على كبار العائلات.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل الزواج، بدءاً بالتنظيم العثماني للعقود. يذكر أن الإدارة العثمانية أصدرت أوامر سلطانية تُلزِم الأئمة والقساوسة بإبلاغ دائرة النفوس بصكوك الزواج، وتقديم نسخ عنها لاستيفاء رسم قدره 10 قروش كضريبة تمغة لكل ورقة تصريح، و25 قرشاً غرامة على كل ممتنع عن الإبلاغ، وذلك لضبط الأحوال الشخصية وحفظ حقوق الخزينة.

ثم يتفرّع الفصل لاستعراض عادات الزواج عند الطوائف المختلفة، مبتدئاً بالمسلمين. تبدأ القصة عندما يتفق والدا الشاب على الزواج، فتخرج أمه وفريباتها للتفتيش عن عروس بين سن الخامسة عشرة والخامسة والعشرين، يدخلن الدور ويلاحظن الفتيات في تقديم القهوة والشراب ليتأملن قدّهن وأدبهن. بعد الاختيار، يذهب الأب مع أقاربه لخطبة الفتاة من أبيها، ثم يُستشار أهل العروس للتحري عن حال الخطيب، ويتفق الطرفان على المهر الذي ينقسم إلى قسمين: مُقدّم يُدفع عاجلاً، ومؤجّل يبقى في ذمة الزوج يُستحق عند الوفاة أو الطلاق.

يلفت الفصل الانتباه إلى تفاصيل الجهاز (المهر الذي تجلبه العروس) وتطوره من القديم إلى الحديث. كان الجهاز القديم مؤلفاً من سجادة وثلاثة مقاعد ومخدات محشوة بالقطن أو الصوف وصندوق ملابس وصينية نحاسية وأوانٍ فضية، وكان يُصنع محلياً لتبقى أمواله في البلاد. أما الجهاز الحديث فتحول إلى مقاعد أفرنجية (كنبات) وسجادات وخزائن بلورية ومغاسل ذات مرايا وطقم سرير، وأصبحت أثمانه تذهب إلى المصنوعات الأجنبية. ويشير الفصل إلى عادة نقل الجهاز إلى دار العريس محمولاً على الرؤوس في موكب يشهده شيوخ المحلة لإشهاره، وتدوينه أحياناً عند شيخ الحارة توثيقاً له.

يكرّس الفصل حيزاً لوصف مرحلة نقل العريس والعروس. يصف موكب العريس الذي يبدأ بين صلاتي المغرب والعشاء، حيث يرتدي العريس ثيابه ويتقدم الموكب رجل يُدعى "المجمري" بلباسه الأحمر المزركش وعمامته المطرزة، يحمل مجمرة فيها جمر متقد ويصيح بعبارات دينية مثل "سعيد من يصلي على النبي"، ويسير أمام العريس والأقرباء ومعهم الطبول والمزامير. أما العروس فتُنقل إلى بيت العريس في هودج (تختروان)، وتستقبلها النسوة بالزغاريد، ثم يتناولن العشاء ويرقصن ويغنين حتى يأتي العريس ليأخذ بيدها ويذهبان إلى غرفتهما، وتستمر الاحتفالات أسبوعاً كاملاً.

يتناول الفصل أعراس الريف في غوطة دمشق، حيث يُحضر نَقّارون ماهرون لضرب الطبل، ويصاحبهم زمّار، وتدوم أوقات الطرب ثلاثة أيام. في اليوم الرابع، يُزَفّ العريس حول القرية مع الشموع المشتعلة، ثم تُزَفّ العروس راكبةً حصاناً أو جملاً، ويرمي العريس النقود والحلوى على الحاضرين تفاؤلاً بالخير. حتى أن العروس تٌعطى قطعة عجين لتلصقها على عتبة الباب قبل الدخول، وهذه التقاليد مشتركة بشكل عام بين قرى دمشق وبلاد الشام مع اختلافات طفيفة، حيث يذبح الأغنياء الذبائح ويولمون الولائم ويتلقون الهدايا بالمقابل.

أما أعراس البدو، فيذكر الفصل أن سن الزواج يتراوح بين 15 و25 ونادراً ما يصل إلى 30 سنة، ولا يتزوج البدوي إلا ممن يوازيه حسباً ومنزلة داخل القبيلة. لا تُستشار الفتاة البدوية إلا عند عقد القران، وتتم الخطبة بأخذ رأي والديها، ثم يأتي ولي العريس مع جماعة من ذوي الجاهة وذبائح وطعام لتأكيد الخطبة. تُقام الاحتفالات ليلة الزفاف حيث تشكل القبيلة قافلة (قطار) على ظهور الخيل مع إطلاق الأعيرة النارية، وتذهب النساء لتجهيز العروس وتحميمها. وفي الصباح، تُحمل العروس إلى خيمة العريس المُسمّاة "البرزة"، ثم يقدم لها العريس نقوداً (نقوطاً)، وبعد أسبوع تزور العروس أهلها حاملة الهدايا وتعود بمثلها.

يُخصّص الفصل فقرات للزواج عند المسيحيين مستشهداً بوصف القساطلي، الذي يشير إلى أن عادة اختيار العروس كانت كعادة المسلمين في السابق حيث لا تظهر النساء للرجال، وهي عادة ضارة عند المسيحيين لأنهم لا يملكون الطلاق خوفاً من التحايل. وقد تغير الحال لاحقاً، وصار الخطيب قادراً على رؤية عروسه. كانت الأعراس سابقاً تستمر سبعة أيام يتلقى خلالها المدعوون هدايا تُسمى "حمولة"، ثم اقتصرت على يومين أو يوم واحد في فترة الدراسة. يُقام العرس يوم الأحد، حيث يذهب الـ"أشبين" (وكيل العريس) مع المدعوين حاملين الشموع لاصطحاب العروس من دارها إلى الكنيسة لتتم مراسم الإكليل، ثم إلى دار العريس للمشاركة في صلاة الخوري والغناء. ويشدد الفصل على أن الكنيسة تمنع الزواج خارج أصولها وتعده باطلاً، ويصدر صك الحرمان بحق المخالفين، فيذكر أن البطريرك غريغورس الرابع أصدر حرماناً بحق شخصين تزوجا خلافاً للزواج الشرعي في بلدة صحنايا، وكانت والدة العروس هي رأس الفتنة بحسب كاهن الرعية.

يختتم الفصل بوصف أعراس اليهود، مشيراً إلى أن الزواج يتم في سن مبكرة تصل إلى 15 سنة، أو حتى قبل الزواج بأشهر، وأحياناً بين الأقرباء. يُسأل الشاب عن الفتاة وما تملكه من مال ومهر، وبعد الخطبة يكتب عقد يُسمى "قنيان" يحدد المهر والشروط. يمر الزواج بمرحلتين: مرحلة تُسمى "أُسِيد" يتسلم فيها الزوج الأمتعة والنقود، وبعد ثلاثة أيام يُقام حفل الزفاف "حنّة" الذي يستمر سبعة أيام. يُذكر أن نساءً مسلمات ومسيحيات كُنّ يُدعَيْنَ للعرس اليهودي، ويشترك الرجال والنساء معاً في الاحتفال، وتجلس العروس مغطاة بحجاب القز الأحمر الشفاف والمجوهرات، وخلفها ثلاث شموع ضخمة، وخلال الأسبوع يظهر المهرجون والموسيقى.

يمكن القول إن هذا الفصل يتسم بالثراء الوصفي والإثنوغرافي، لكنه يفتقر إلى نقد المصادر التي يعتمد عليها بشكل أساسي، فهي في غالبيتها مذكرات شخصية ومؤلفات معاصرة لا تخلو من الذوق الشخصي. كما أن اعتماد المؤلف على فكرة "الانتماء الطبقي" و"الهيبة الاجتماعية" كدوافع رئيسية للعادات، مع غياب شبه تام للتحليل الاقتصادي العميق أو نظرة النساء أنفسهن لهذه العادات، يجعل العرض أقرب إلى السرد التقليدي منه إلى التحليل الاجتماعي المُعمّق.

1.فئة العامة (الحرفيون والتجار والفلاحون)47–58▼ résumé

يسعى هذا الفصل إلى رسم صورة شاملة لواقع "فئة العامة" في دمشق خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وهم那群 الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان لكنهم كانوا خارج دائرة السلطة وصنع القرار. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفئة، التي ضمت الحرفيين والتجار الصغار والفلاحين، عانت من تدهور اقتصادي واجتماعي حاد نتيجة لعوامل داخلية كاستغلال الأعيان وصرافي اليهود، وخارجية تمثلت في تغلغل البضائع الأوروبية الرخيصة بعد الثورة الصناعية والتدخل الأجنبي المباشر في شؤون الدولة العثمانية، مما أدى إلى إفقارها وتفكك نسيجها التقليدي دون أن تتمكن من تشكيل طبقة عمالية قوية ومنظمة على النمط الأوروبي.

يبدأ الفصل بتعريف دقيق لمن هم "العامة"، فيصفهم بأنهم كل من ليس له مكان في السلطة، ويتوزعون في المدينة وريفها ليشملوا الصناع، وأصحاب المهن، وتجار البازار الصغار، والفلاحين في الغوطة والأرياف. ويفرق المؤلف بين طبقتين داخل التجار: كبار التجار الذين يصنفهم مع "الخاصة" والأعيان لقوة ثرواتهم وصلاتهم بالحكام، وصغار التجار الذين يبقون ضمن خانة العامة. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن الدور المحوري للطوائف الحرفية في دمشق، التي بلغت أوج تنظيمها في العهد العثماني، لكنها تلقت ضربة قوية مع تدفق البضائع الأجنبية في القرن التاسع عشر والتي قضت على الكثير من الحرف المحلية. يقدم المؤلف أمثلة على طوائف ازدهرت أو اندثرت، مثل ظهور طائفة "الطواقية" في الربع الأول من القرن الثامن عشر لصنع الطرابيش، وازدهار طائفة مهتمة بالتبغ بعد فتوى العلامة عبد الغني النابلسي التي أباحت التدخين.

يتعمق التحليل في الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالحرفيين والعمال. يستشهد الفصل بوثائق من المحاكم الشرعية في دمشق تُظهر تدني الأجور بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، تذكر وثيقة أن خادماً استأجر بأجرة ثلاثة ريالات مجيدي في الشهر (الريال المجيدي يعادل 18 قرشاً، أي أن الأجرة الشهرية كانت 54 قرشاً فقط)، وهو مبلغ زهيد جداً. كما تذكر وثيقة أخرى عاملاً عمل 20 يوماً بأجرة ريال مجيدي واحد في اليوم، وعاملاً آخر مع ولده بأجرة 11 قرشاً في اليوم لكل منهما. يُعزى هذا الانخفاض الحاد في الأجور إلى هجرة أعداد كبيرة من الفلاحين وعمال الريف إلى المدينة هرباً من الضائقة الاقتصادية، مما خلق فائضاً في اليد العاملة. ونتيجة لهذه الأوضاع، اضطر العديد من الحرفيين للإفلاس والتوجه نحو الزراعة أو العمل كعمال مياومين، منفصلين بذلك عن جذورهم الطائفية والحرفية.

يوضح الفصل أنه على عكس أوروبا، لم تنشأ في دمشق طبقة عمالية متخصصة وقوية. ويطرح السؤال عن سبب ذلك، ليجيب بأن العامل المأجور أو الحرفي ظل مندمجاً في تقاليد إقطاعية أو عشائرية قديمة، مع استمرار استخدام وسائل الإنتاج التقليدية ورفض إدخال الآلة الحديثة في الحرف الدمشقية. كما أن رأس المال المحلي ظل معتمداً على هذه التقاليد ولم يسعَ لإنشاء قاعدة صناعية متينة، مفضلاً المشاريع سريعة الربح. ونشير هنا إلى أن هذا الطرح، القائم على مقارنة تطور الطبقات في الشرق والغرب، يمثل حجة رئيسية في الفصل يمكن أن تكون قابلة للنقاش الأكاديمي. كما يلفت الفصل إلى أن هذه الطبقة العمالية الناشئة لم تكن تتمتع بأي حقوق قانونية تذكر حتى قيام "ثورة تركية الفتاة" عام 1908.

إلى جانب الأزمة الاقتصادية، يسلط الفصل الضوء على دور السماسرة والوسطاء (القومسيونجية) الذين نهبوا جهود العمال لصالح الشركات الأجنبية، وغالباً ما كان العمال مجبرين على استلام بضائع أجنبية رديئة. تورد إحدى الوثائق مثالاً على شركة إيطالية تدعى "بير بياجني" أجبرت خياطاً دمشقياً على استلام جوخ غير مطابق للمواصفات وغرّمته 1865 قرشاً. يربط المؤلف هذه الأزمات الاقتصادية بالتدخل الأجنبي والنهب الاستعماري، الذي أدى إلى اضطرابات اجتماعية ونجح في تفتيت التضامن الاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين، وهو التضامن الذي كان قائماً في السابق، عبر الدسائس والمبشرين والقنصليات، مما قسم المجتمع إلى فئات دينية وسياسية متصارعة.

في معرض الحديث عن الاستغلال المالي، يركز الفصل بشكل خاص على الدور الخطير الذي لعبه الصيارفة، الذين كان غالبيتهم من اليهود ثم المسيحيين فيما بعد. فقد استغلوا الضائقة المالية لأهالي دمشق وريفها فأقرضوهم بفوائد فاحشة، وعند عدم السداد كانت الفائدة تعادل رأس المال، وكانوا يلجؤون إلى المحاكم للحجز على ما يملك المدين من أرض أو عقار. يورد الفصل أسماء عائلات يهودية معروفة في دمشق مثل نسيم عبادة، هارون عبادة، و يوسف فارحي الذين تحسنت أحوالهم على حساب إفلاس المزارعين وانتقال أراضي دمشق وقرى بأكملها مثل زبدين وحديثة إلى ملكيتهم. وقد احتمى هؤلاء الصيارفة بالحماية الأجنبية، حيث حملوا تبعية دول مثل إنكلترا وإيطاليا، مما جعلهم في منأى عن العقاب. ويدرج المؤلف أرقاماً من وثائق تُظهر حجم هذه الديون، مثل دين 79 قرشاً على فلاح من قرية دوماء لصالح استير ابنة شمعون، أو دين 2155 قرشاً من وثيقة أخرى.

يختم الفصل بالإشارة إلى أن الطبقة التجارية الدمشقية الكبيرة والأعيان (وهم ملاك الأراضي والإقطاعيون) تعرضوا بدورهم للإفلاس نتيجة الضائقة المالية العامة، واضطروا للاستدانة من الصيارفة اليهود بفوائد عالية. ومع ذلك، بقيت هذه المجموعة هي المسيطرة على المشهد الاقتصادي والاجتماعي، وإن كانت ضعيفة وغير قادرة على بناء قاعدة اقتصادية مستقلة وقوية، وفضلت الارتباط برأس المال الأجنبي كوسطاء وممولين للحرفيين. باختصار، يقدم الفصل تحليلاً قاتماً لواقع العامة الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة استغلال الأعيان والصرافين المحليين وسندان التدخل الاقتصادي الأجنبي، مما حال دون أي نهوض اقتصادي حقيقي لمدينة دمشق في تلك الحقبة.

2.خصائص الدور الدمشقية337–349▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل دراسةً تفصيليّةً لخصائص الدور الدمشقية خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، مركزاً على تحولاتها المعمارية والعمرانية. يجيب المؤلف عن سؤال محوري: كيف تطورت عمارة الدور الدمشقية في تلك الحقبة، وما العوامل التي أثرت في شكلها ووظيفتها؟ يخلص الفصل إلى أن هذه الدور جمعت بين الأصالة والتأثيرات الأوروبية، بينما عكست التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المدينة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً بتأريخ التحولات العمرانية في دمشق، حيث يذكر أن عمران المدينة كان يخضع في البداية لمحورين رئيسيين: المحور الاجتماعي (الديني-التجاري) المتمثل في طريق الحج، والمحور السياسي المتمثل في الهجرة. ثم يشير إلى أن السكن كان يتراوح بين المنازل الضخمة والمتوسطة، والتي كانت منفتحة نحو الداخل ومغلقة نحو الخارج. لكن مع أواخر القرن التاسع عشر، بدأت العمارة الأوروبية تغزو المدينة، مما أدى إلى تغير طابعها المعماري. ويذكر الفصل أن بعض ولاة دمشق العثمانيين تركوا بصمات عمرانية من خلال بناء القصور الفخمة وتحسين الطرقات وإقامة الضواحي وإسكان المهاجرين.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى وصف خصائص الدور الدمشقية القديمة. يرى المؤلف أن عمارتها وتخطيطها لا يختلفان كثيراً عن البيوت الدمشقية الحالية، لكن ضيق المساحة داخل المدينة حدّ من تطورها الكامل، فعدد الغرف والأواوين وحجمها يتسع أو يضيق حسب المساحة المتاحة. ويوضح الفصل أن البيوت المتكاملة في عناصر مخططها كانت توجد خارج أسوار المدينة القديمة أو في المناطق الشرقية. ويقدم مثالاً على ذلك من خلال وثيقة تصف منزلاً في محلة باب توما، حيث تذكر الوثيقة أجزاء البيت بالتفصيل (بركة، بئر، قبليات، مطبخ، بيت مونة، مربعين، سلم، فرنكة).

يُفرد الفصل مساحة خاصة للحديث عن أبواب الدور الدمشقية، معتبراً أنها ما جعل الدور غنية وعريقة. يذكر أن طرازاً من الأبواب ظهر في القرن الثامن عشر في دمشق بشكل واضح، وزُيّنت به الأزقة والدروب، واتسمت بأطر جميلة وأشكال ورود محفورة، واستمر هذا الطراز حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث حلّ محله الطراز الأوروبي. ويصف الفصل أدوات هذه الأبواب، من الحلقة الحديدية البسيطة إلى المطرقة البرونزية المزينة بالفضة.

ثم يتناول الفصل الدور الكبرى، مشيراً إلى أنها كانت واسعة وتحتوي على باحات سماوية وإسطبلات وغرف للمؤونة وغرف صيفية وشتوية وقاعات للحرملك والسلاملك. ويذكر أن تجاور هذه البيوت مع الأسواق يدل على وجود صلة بينها وبين النشاطات الاقتصادية. ويشير الفصل إلى أن هذه الدور كانت تخلو من العنبر، وكانت بحاجة لصيانة دائمة بسبب الأمطار والثلوج، حيث كانت كسوتها الخارجية من الطين. وكان المرحاض في هذه الدور يُستخدم كوقود، وتوقد النار بالحطب. ويوضح الفصل أن التغيرات طرأت على الدور بسبب تزايد السكان والفقر، والميل إلى تقليد النموذج الغربي، مما حرم الدور من تجدد الهواء ووصول الماء، وفقدت بهاءها. ويستشهد الفصل بملاحظات القاياتي أثناء زيارته لدمشق أواخر القرن التاسع عشر، حيث لاحظ بناء بيوت حديثة على النمط الأوروبي القادم من بيروت، بدءاً من ساحة المرجة حتى منطقة الجسر الأبيض، ثم امتدت بعدها إلى جميع الجهات.

يوضح الفصل دور مؤسسات البناء، حيث كان ديوان الحسبة يتولى كل ما له علاقة بالبناء والخدمات حتى أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تتولاها البلديات في بداية القرن العشرين. وينتقد عبد العزيز العظمة عمل تلك البلديات التي تركت كل بان يبني كيف يشاء. وفي المقابل، نظمت الإدارة العثمانية إدارة البناء والعقارات فعيّنت مديراً للأبنية بدمشق يراقب متانة البناء وطريقة الإنشاء. يقدم الفصل مثالاً على ذلك من وثيقة تتعلق بـ"توجه رفعتلو إسماعيل أفندي مدير الأبنية بدمشق للكشف والمعاينة" على حائط مخالف، ووثيقة أخرى عن دعوى كشف المنازل على بعضها نتيجة بناء المخالفات، حيث طالب المدعي الحاج محمود عثمان الغفري المدعى عليها الحرمة نرجس بنت الدادا بتستير كشف غرفة في دارها تطل على دهليز داره.

يصف الفصل بالتفصيل عناصر البيت الدمشقي، حيث كان يوجد في كل صحن دار بحرة (بركة ماء) تقام في الوسط أو في زاوية بأشكال متعددة (مستطيلة، مربعة، سداسية، أو على شكل نجمة). وقد اعتاد الدمشقيون تزيين الدور من داخلها. ويحدد الفصل ثلاثة أهداف لبناء الدور: المحافظة على الدين والصحة، مراعاة طبيعة المناخ، ومراعاة وجود المنافذ لدخول الهواء والنور. ويوضح أن الإيوان والمشارق صُمما بعيداً عن أنظار الغريب والقريب. وتدخل الشمس صحن الدار حتى المساء مع الهواء، وتُغرس في الأحواض أشجار الليمون والنارنج والكباد والزهور. ويستشهد الفصل بوصف من كتاب "الروضة البهية" لصحن الدار: "كل دار لا تخلو من إيوان قبلي وبه بركة ماء في منتصف...". ويشرح الفصل نظام الماء في الدور، حيث كانت البرك (البحرات) تستخدم للتبريد أيام الحر، وما يفيض عنها يجري ضمن قساطل لقضاء الحاجة ثم يذهب إلى النهر الكبير المسمى نهر بانياس. ويتحدث عن نزاعات المياه بين الجيران، مستشهداً بوثيقة تفيد بأن المدعي له بذمة المدعى عليه مبلغ 571 قرشاً مقابل تسليك وتنزيل سياق مالح داره. ويخلص إلى أن دمشق كانت منظمة من حيث المياه العذبة وجريها إلى المنازل، وبأن في كل دار كان هناك بئر ماء عذب تستخرج مياهه إما بالدلو أو بـالكبّاس، وقد بقيت هذه الآبار حتى بعد إدخال مياه الفيجة ثم ردمت.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن الأبنية العمرانية الرسمية، فيذكر أن دمشق كانت مقسمة إلى ثمانية أقسام إدارية عرفت بـ"الأثمان" وهي: ثمن القنوات، ثمن العمارة، ثمن القيمرية، ثمن الشاغور، ثمن الميدان التحتاني، ثمن الميدان الفوقاني، ثمن ساروجا، وثمن الصالحية. وفي عام 1305هـ/1888م، في ولاية الوالي نظيف باشا، قُسّمت إلى أربع بلديات لكل منها رئيس، لكن هذا التقسيم لم ينجح فاختُصر إلى بلديتين فقط في ولاية الوالي شكري باشا سنة 1308هـ.

يُفرد الفصل مساحة واسعة لذكر نماذج من الدور الدمشقية الشهيرة، ومن أبرزها دار يوسف عنبر التي يعتبرها من أشهر الدور في فترة الدراسة. يصفها الفصل بأنه لا نظير لها حتى في أوروبا، فقد رُصفت أرضها بالرخام الملون المنقوش بأجمل النقوش. ويذكر أن تكلفة بنائها بلغت ألفي ليرة، وهذا مبلغ عظيم نظراً لرخص مواد البناء في دمشق. ويذكر الفصل أنه في تموز من عام 1895م جرى بيع هذه الدار لصالح الإصلاحية والبلديات بمبلغ 75,000 ليرة ذهب انكليزية. ومن الدور الأخرى التي يذكرها الفصل: دار عبد الله بك العظم في سوق البزورية، والتي تحتوي على أجمل القاعات الشرقية وبضع برك واسعة، ويزورها السياح، ويقال إن فيها 360 حجرة. وفي حي النصارى، يذكر دار حبيب أفندي الصباغ التي بُنيت عام 1891م، وتميزت باتساعها وأرضها الرخامية وأعمدتها المرمرية البيضاء، وقد اشتراها حبيب أفندي بأربعة آلاف ليرة. و دار المرحوم انطون أفندي الشامي التي تم بناؤها عام 1891م أيضاً وبلغت نفقتها 25 ألف ليرة، وقد نزل بها ولي عهد إمبراطور روسيا عام 1897م وأشاد بها. ودار شمعايا ودار الخواجة اسلامبولي في حي القصاع، اللتان بُنيتا بين 1885-1893م. ودار سعيد أفندي قوتلي في الكلاسة. يشير الفصل إلى أن العدد الإجمالي لدور دمشق بالتقرير الرسمي لعام 1897م بلغ نحو 15,959 داراً لكل الطوائف.

يختتم الفصل بوصف دار جبري الشهيرة في محلة القيمرية، والتي مازالت قائمة حتى اليوم، كبيت دمشقي عريق يتكون من براني وجواني لكل منهما ساحة سماوية وغرف وساحات، وهو يماثل تماماً الدور الدمشقية المألوفة في تلك الفترة. ويوضح الفصل أن مواد البناء المستعملة كانت مناسبة للظروف المناخية، مثل الطين الأحمر المخلوط بالتبن مع الحجر والخشب. ويؤكد الفصل أن بيوت المسلمين والمسيحيين لم تختلف من حيث التكوين أو الثمن، لكن بيوت الأعيان من المسلمين والنصارى كانت أكثر غلاءً وأبهة. ويختم الفصل بالحديث عن عدم وجود حمامات داخل البيوت الدمشقية بسبب غلاء الوقود وعدم توفر الماء الساخن، مما جعل حمامات السوق ذات أهمية كبيرة، وهي دليل على التطور الاجتماعي والعمراني والاقتصادي في المدينة.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يُقدّم صورة شاملة وموثقة عن العمارة السكنية في دمشق العثمانية، لكنه يكتفي بعرض المعلومات والوصف التاريخي دون تقديم تحليل نقدي عميق للدلالات الاجتماعية أو السياسية لهذه التحولات المعمارية. بعض الحجج، مثل تأكيد الفصل على "أهداف بناء الدور" الثلاثة (الدين والمناخ والمنافذ) أو وصفه للحمامات كدليل حصري على "التطور والرفاه"، تبقى قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، إذ قد تكون هناك عوامل أخرى، كالضوابط الاجتماعية أو القوانين العثمانية، لعبت دوراً في تشكيل هذه العمارة.

2.أوضاع المرأة الدمشقية145–153▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على دراسة أوضاع المرأة في مدينة دمشق خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (ما بين عامي 1876م و1908م)، ويقدّم إجابة مزدوجة: من جهة، يؤكد أن الغالبية العظمى من النساء بقين محصورات داخل الأطر التقليدية، بعيدات عن الحياة العامة والعمل والعلم. ومن جهة أخرى، يكشف الفصل – بالاعتماد على وثائق المحاكم الشرعية – عن وجود فئة من النساء، خاصة من بنات الأعيان والأثرياء، مارسن نشاطاً اقتصادياً واجتماعياً ملحوظاً لم يُسلَّط عليه الضوء في الكتابات التاريخية السائدة.

يسير الفصل خطوة خطوة وفق بنية واضحة. يبدأ برسم صورة عامة عن حياة المرأة الدمشقية، مستشهداً بشهادات شخصيات معاصرة مثل بشير العظمة الذي وصف والدته بأنها "أميّة كبنات جيليها"، وبالرّحالة عبد الجواد القاياتي الذي عدّ تبرّج النساء من "أعظم الدواعي المثيرة المهيجة لسواكن الشهوات". يوضح الفصل أن الحياة الاجتماعية للنساء كانت محصورة في نطاق الأسرة والجيران، وأن أبرز أماكن اللقاء كانت الحمامات العامة، إضافة إلى التنزه في البساتين في فصل الربيع. ويشير إلى دور المرأة الأساسي كربة منزل ومربية للأولاد، معتبراً أن تربية جيل صالح تُعَدّ مساهمة غير مباشرة في نهوض المجتمع.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفنيد الصورة النمطية عن خمول المرأة الاقتصادي، مستنداً بشكل أساسي إلى وثائق المحاكم الشرعية في دمشق. هذه الوثائق تثبت أن المرأة الدمشقية، وخاصة من الطبقات العليا، مارست مجموعة متنوعة من الأنشطة المالية والقانونية. فمن خلال أمثلة مفصّلة، يبيّن الفصل أن النساء بعن واشترين العقارات والأراضي، وأبرمن عقود الشراكة التجارية مع الرجال، وأقرضن المال بفوائد. على سبيل المثال، تذكر الوثائق أن مارينا مصابني، زوجة الثري عبده بك قدسي (قنصل هولندا واليونان)، مارست الصرافة وأقراض المال بفوائد. كما تذكر وثائق أخرى نساءً مثل فاطمة شريفة خانم التي أسست شركة تجارية برأس مال قدره 15,110 غرشاً، والحرمة هدية بنت يوسف فارس التي أقرضت مبلغاً قدره 1,226 غرشاً و11 ليرة فرنساوية، وتوثيق رهن على عقار. وتشير الوثائق أيضاً إلى قيام نساء باستئجار محال تجارية ومقاهي، مثل استئجار "قهوة البرغوتي" من قبل امرأتين.

يستخدم الفصل جداول وبيانات رقمية مستقاة من سجلات المحاكم الشرعية لتقديم صورة ملموسة عن النفقات والمهور. فعلى سبيل المثال، يُظهر جدول "نفقة لمختلف الطوائف في دمشق" أن نفقة الزوجة كانت تتراوح بين مبالغ صغيرة تصل إلى 5 قروش يومياً لامرأة مسلمة، ونفقات أعلى مثل 10 قروش يومياً لامرأة أخرى. كما يورد جدولاً للمهور يوضح التفاوت الكبير في القيم، بدءاً من مهر قدره 2,500 قرش لامرأة عذراء من عامة الناس، وصولاً إلى 150,000 قرش (5,000 ليرة عثمانية) لامرأة من "الذوات" تزوجت من رجل ثري. تُظهر هذه الأرقام أن الحياة الاقتصادية للمرأة لم تكن منعدمة، بل كانت موجودة وفاعلة ضمن طبقات اجتماعية محددة.

يعترف الفصل بحدوده وتحقّقاته بشكل ضمني. فهو لا يدّعي أن النشاط الاقتصادي المذكور كان ظاهرة عامة شملت جميع النساء، بل يركز على أنه كان مقتصراً على "بنات الأعيان والذوات ومن معتبري مدينة دمشق". كما أن الفصل لا يخفي أن الوضع العام للمرأة ظلّ تقليدياً، وأن الخروج عن هذا الإطار كان استثناءً وليس قاعدة. الأسئلة التي يتركها الفصل مفتوحة تتعلق بمدى تأثير هذه الفئة النشيطة اقتصادياً على المجتمع ككل، وكيف تمكنت من ممارسة هذه الأعمال رغم القيود الاجتماعية الصارمة، وهل كانت هذه الممارسات مقبولة اجتماعياً أم أنها واجهت معارضة.

على الرغم من أن الفصل يعتمد على أدلة وثائقية قوية، إلا أن بعض حججه قابلة للنقاش. فاعتماده على وثائق المحاكم الشرعية قد يعطي وزناً زائداً للفئة التي كانت تملك ما يكفي للتقاضي، بينما تبقى حياة النساء الفقيرات ونساء الريف غير موثّقة بشكل كافٍ. كما أن التعارض الظاهري بين الصورة التقليدية السائدة (امرأة المنزل) والأدلة الوثائقية (امرأة التاجرة والمستثمرة) يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هذا النشاط تمثّل "ظاهرة خفية" موازية، أم أنه كان أكثر انتشاراً مما تصفه الكتابات الكلاسيكية عن تلك الفترة.

2.الأعراب (مجتمع البادية المجاور لدمشق)59–79▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على مجتمع البادية المُحيط بدمشق خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، مُقدّماً تحليلاً للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت عليه. يُجيب المُؤلّف عن سؤال محوري: كيف تحوّل البدو من مجتمع رحّل يعتمد على تربية المواشي والنقل التجاري إلى طبقة من ملاّك الأراضي وزعماء القبائل ذوي النفوذ، مُتأثرين بعوامل خارجية وداخلية؟ يبدأ الفصل بتعريف هذا المجتمع الذي تشكّل من مشايخ وزعماء وبدو رحّل، متنقلين بحثاً عن الماء والمرعى، وساكنين على أطراف المناطق الزراعية. يُشير إلى أنهم تأثروا بتغيرات كبيرة حدثت بين عامي 1171هـ/1758م و1254هـ/1838م، غيّرت تركيبتهم الاجتماعية.

يُفصّل الفصل العوامل التي أدّت إلى تحول أوضاع البدو، ويبدأ بمحاولات الدولة العثمانية تثبيتهم وتحويلهم إلى مزارعين، وهي عملية وصفتها المصادر بأنها صعبة وغالباً ما كانت تفشل. ثم ينتقل إلى الأثر السلبي للتطورات الحديثة في النقل، خاصة افتتاح قناة السويس، الذي أدى إلى انخفاض أعداد القوافل التجارية والحجاج العابرة للبادية، وصولاً إلى السكك الحديدية في نهاية القرن التاسع عشر التي قضت على ما تبقى من حركة النقل، مما قلّل مبيعاتهم من الخيول والجمال. يقدّم الفصل أمثلة على اهتمام بعضهم بتربية الأغنام، ومشاكلهم الناتجة عن امتلاك الحيوانات، مستشهداً بوثيقة عن تاجر دمشقي يدّعي ديناً على شيخ من عرب النعيم له ثمانية جمال في البوايك.

يُبرز الفصل دور التراجمة والقناصل الأجانب في دعم شيوخ القبائل، حيث كانوا يتصلون بهم ويحتمون بالقنصليات، مما عزز مراكزهم وجعل تجارتهم تزدهر. ويذكر وثيقة عن ترجمان القنصلية البريطانية يدّعي ديناً على شيخ عرب (عجربا) في القنيطرة. ويصف كيف سيطر الزعماء على المزارعين المستقرين، وأجبروهم على دفع الأتاوة مقابل حماية شكلية، وهو ما تحول إلى استغلال مباشر مع بداية القرن العشرين وتحول هؤلاء الزعماء إلى ملاك للأراضي. يُشير الفصل إلى أن قانون الأراضي عام 1858م وظهور التمايز الاقتصادي بين القبائل، نتيجة خدمة المصالح العثمانية والأوروبية، أدى إلى تركّز الثروات في أيدي الزعامات العشائرية على حساب عامة أفراد القبيلة.

يُحلّل الفصل موقف البدو من مشاريع التحديث التي أرادتها السلطنة، مثل سكة حديد الحجاز، حيث وقفت قبائل مثل الحويطات في وجهها عام 1275هـ/1858م، خوفاً من فقدان سيطرتهم على القوافل. ويختتم هذا القسم بالإشارة إلى أن البدو أدوا دوراً في حماية المواد التجارية وتعاملوا مع الشركات الأجنبية، حيث أخذت كل قبيلة حماية دولة أجنبية، مما ربط مصالحها بتلك الدول، خاصة في البادية باتجاه العراق.

في الختام، يُقرّ الفصل بأن تحول مجتمع البادية كان معقداً، ولم يخلُ من تحديات. الحجج المطروحة قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتأثير القوى الخارجية والتحولات الاقتصادية في إعادة هيكلة القبيلة وعلاقاتها الداخلية، مما يطرح تساؤلات حول مدى مسؤولية الدولة العثمانية والتدخلات الأوروبية في هذا التحول الجذري.

3.فئة المستأمنين والمتفرنجين من أهل دمشق (البرجوازية الوسيطة)80–87▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول فئة "المستأمنين" و"المتفرنجين" في دمشق خلال فترة السلطان عبد الحميد الثاني، وهي طبقة البرجوازية الوسيطة التي تكونت من أجانب وسكان محليين حصلوا على حماية أجنبية. يجيب المؤلف بأن هذه الفئة شكلت طبقة اقتصادية واجتماعية متميزة، استفادت من الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية لأوروبا، مما جعلها وسيطاً اقتصادياً قوياً لكنه منفصل عن المجتمع الدمشقي التقليدي. يرى المؤلف أن هذه الفئة، رغم كونها محلية في أصولها، تحولت إلى أداة للنفوذ الأجنبي في دمشق.

يسير الفصل بتفصيل وضع المستأمنين، وهم أجانب مسيحيون من "دار الحرب" حصلوا على الإقامة في دمشق بموجب معاهدات وامتيازات، وأُعفوا بدايةً من دفع الجزية لأن وجودهم كان مؤقتاً. يوضح المؤلف أنه مع كثرتهم في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شكلت الدولة العثمانية أوامر سلطانية باستيفاء الجزية منهم، لكنهم ظلوا قوة قائمة بذاتها تمثل دولاً أجنبية مثل بريطانيا، فرنسا، روسيا، أمريكا، النمسا، واليونان.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن الحمايا أو البراءتلية، وهم سكان محليون دمشقيون (مسيحيون ويهود، ونادراً مسلمون) حصلوا على جوازات سفر أوروبية وحماية قنصلية بموجب البراءة السلطانية. يذكر المؤلف أن هذه الحماية منحتهم ميزات كبيرة مثل الإعفاء الضريبي من الرسوم العثمانية، وعدم التجنيد، وتمثيلهم في البعثات الدبلوماسية أمام السلطات العثمانية. يقدم المؤلف وثائق تثبت أسماء حمايا مثل رزق الله عرقتجي من حماية فرنسا، وسعيد ابن قاسم المغربي من حماية فرنسا أيضاً، وعطية وصقال من حماية دولة أخرى، مما يؤكد أن هذه الفئة ضمت مختلف الطوائف.

يستعرض المؤلف التفسيرات المنطقية لسبب كون حاملي البراءة من غير المسلمين، مشيراً إلى أن السلطات العثمانية ربما كانت ترفض حماية الأوروبيين للمسلمين، أو أن المسلمين الميسورين لم يكونوا بحاجة لهذه الحماية. يورد المؤلف أيضاً احتمال تحامل القناصل الأجانب، كالقنصل البريطاني ريتشارد وود، على المسلمين المحليين ورجال الدين، مما دفعهم إلى منح الحماية لليهود والمسيحيين بشكل أوسع. ينقل المؤلف عن القنصل البريطاني روجرز أن اليهود الموسرين كانوا يطمحون إلى الحماية الأجنبية، وأنهم نجحوا في تغيير وضعهم الاجتماعي والاقتصادي بفضل حماية قناصل أوروبا.

يناقش الفصل الدور الاقتصادي البارز لهذه الفئة، خاصة الصرافين اليهود، الذين تعاملوا مع الإدارة العثمانية وأصبحوا دائنين رئيسيين لخزينة دمشق. يذكر المؤلف وثيقة تظهر ادعاء الحاخام إسحاق أبو العافية الموسوي على خزينة دمشق بمبلغ 178.763 قرشاً بسبب دين قرض شرعي، ووثيقة أخرى تظهر ادعاء شعيا المغربي الموسوي على ورثة نجيب باشا بمبلغ 70.000 قرش ثمن بضاعة إفرنجية. يوضح المؤلف أن الصرافين اليهود، المنتمين لعائلات مثل طوطح، لينادو، ساسون، فارحي وغيرهم، تلاعبوا بالإدارة العثمانية واستغلوا ضائقة المالية لتحقيق أرباح.

يقدم المؤلف أمثلة على ممارسات الغش والسرقة التي اتهم بها اليهود، مستنداً إلى وثيقة يشتكي فيها جرجي نحاس ترجمان قنصلية النمسا والمجر، من اليان مرشاق مدراحي (يهودي دمشقي) اتهمه بإدخال التراب في كمية من السوس مقدارها 135.000 أقة، مما أدى إلى نقص آلاف الأقة بعد طحنها. يشير المؤلف إلى أن هذه الممارسات كانت تعتبر "حلالاً" في عقيدتهم تجاه الأغيار (غير اليهود). كما يورد مثالاً على ثراء اليهود الفاحش من خلال دار يوسف عنبر الفاخرة التي بدأ بناؤها عام 1837م، وبلغت كلفتها 5.600.000 قرش، ووصفها القساطلي بأنها "بعلبك في دمشق" وليس لها نظير في أوروبا نفسها. يذكر أيضاً دوراً أخرى فاخرة مثل دار شمعايا أفندي ودار الخواجة اسلامبولي ودار الخواجة لزبونا التي تجاوزت تكلفة كل منها 5.000 ليرة ذهبية وبنيت بين عامي 1899م و1906م.

يتطرق الفصل إلى طبقة المتفرنجين الذين كونوا طبقة برجوازية متغربة، عملوا كوكلاء تجاريين ومترجمين ووسطاء للجاليات الأوروبية. يذكر المؤلف وثيقة تفيد باستدعاء من الخواجة كوخ بالوكالة عن شركة لوتيكة وشركاه تجار قومسيونجية في الشام. يرى المؤلف أن هذه الطبقة كانت مختلفة في عقليتها عن مسيحيي القرى، فهي أكثر غنى وتميل إلى تقليد أوروبا في كل شيء، مما دفعهم إلى الابتعاد عن المجتمع الدمشقي والارتباط بالمصالح الأوروبية. يوضح أن هذه الطبقة لعبت دوراً بارزاً خلال الضائقة المالية التي مرت بها الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أعلنت إفلاسها وأُسست إدارة الدين العثماني العام بمرسوم محرم 1298هـ.

يقرّ المؤلف في الفصل بحدود وتناقضات واضحة، فهو لا يبرر تحالف الأقليات مع الأجانب بالقول إنهم عانوا من ظلم وتفرقة عثمانية، بل يؤكد أن الظلم كان يطال كل الطوائف. يطرح تساؤلاً مفتوحاً حول سبب حصول اليهود والمسيحيين على الحماية دون المسلمين، ويعترف بأن التفسيرات المنطقية لا تزال تحتمل عدة احتمالات منها تحامل الأوروبيين أو عدم رغبة المسلمين أو رفض السلطات. لا يقدم إجابة قاطعة بل يترك السؤال مفتوحاً.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، رؤية المؤلف الواضحة بأن تحالف هذه الفئة مع الأجانب لم يكن مبرراً بأي ظلم عثماني، بل كان بدافع اقتصادي محض. فهو يرى أن قانون التملك العثماني منتصف القرن التاسع عشر منح الأقليات حقوقها كاملة، مما يجعل توجههم نحو الأجنبي خيانة للوطن. أيضاً، إصرار المؤلف على تعميم ممارسات الغش والسرقة كخصائص دينية لليهود بناءً على وثيقة واحدة فقط، هو حكم قاطع قد يُنظر إليه بشكل مختلف.

4.الرعاية الاجتماعية في دمشق (صندوق مال الأيتام)111–124▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على تقديم صورة شاملة للرعاية الاجتماعية في مدينة دمشق خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، مع تخصيص مساحة أساسية لوصف آلية عمل "صندوق مال الأيتام". يهدف الكاتب من خلال ذلك إلى إظهار كيف تعاملت الإدارة العثمانية مع قضية اجتماعية كبرى، وهي رعاية أعداد هائلة من الأيتام الناتجة عن الحروب المتكررة التي خاضتها الدولة، وذلك من خلال إنشاء مؤسسة مالية وقضائية مخصصة لإدارة أموالهم واستثمارها. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الرعاية كانت موجودة ومُنظمة بقوانين وأوامر سلطانية، لكنها كانت تعاني من ثغرات أخلاقية وقانونية، أبرزها الالتفاف على تحريم الفائدة في الشريعة الإسلامية عبر صيغ شرعية صورية.

يسير الفصل بخط متدرج، فيبدأ بمقدمة عامة عن حالة القضاء والمحاماة في دمشق في تلك الحقبة، كمقدمة لفهم السياق القانوني والاجتماعي. يشرح الكاتب أن مهنة المحاماة لم تكن تتطلب شهادة، بل كان "الوكلاء" من مختلف الديانات يتولون الدفاع عن القضايا. ثم ينتقل إلى الحديث عن القضاء نفسه، مشيراً إلى وجود ست محاكم رئيسية في دمشق هي: محكمة الباب، محكمة البزورية الكبرى، محكمة العمارة، محكمة السنانية، محكمة الميدان، ومحكمة الصالحية. ينتقد الكاتب حالة القضاء واصفاً إياه بأنه كان "غير مستقر" و"مضيعة للحقوق" بسبب كثرة الوساطة والرشاوى، مما جعل الأحكام غالباً ما تصدر لصالح الأقوياء من الأغنياء أو من يتمتعون بحماية القنصليات الأجنبية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحديث عن قطاع الصحة، فيصف كيف أن الطب في دمشق كان يعتمد على الخبرة الموروثة وليس الشهادات الجامعية، حيث كان عدد الأطباء يقتصر على أربعة أو خمسة. يذكر وجود طبيب إيطالي شهير يُدعى البادري مات بشكل مأساوي، وطبيب عثماني يُدعى السير طبيب علي باشا. كما يتحدث عن "المكتب الطبي" في دمشق الذي خرّج تلامذة من مختلف أنحاء سورية، ويضرب مثلاً بوثيقة تذكر طالباً من نابلس وآخر من طوباس. ويشير إلى أن الأثرياء كانوا يدرسون الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن أشهر خريجيها عبد الرحمن الشهبندر. كذلك، يُفرد الكاتب مساحة للحديث عن المشافي، مثل مشفى دمشق (خستخانة دمشق)، وعن الصيدليات، وأقدمها صيدلية سليم فارس في سوق البزورية، ويفرق بين مهنتي "العطار" و"الأجزاجي" (الصيدلي).

يصل الفصل إلى موضوعه المحوري: "ديوان مال الأيتام في دمشق". يوضح الكاتب أن سبب إنشاء هذا الديوان هو العدد الكبير من الأيتام بسبب الحروب مع روسيا واليونان ودول البلقان، والذين كان بعضهم يعاني من الغربة أيضاً. كان يرأس الديوان مدير يعينه القاضي العام، وكانت مهمته الأساسية حفظ أموال الأيتام واستثمارها وتنميتها والإنفاق عليهم حتى بلوغهم سن الرشد. ويدعم الكاتب حديثه باستشهادات من القرآن الكريم، وبأوامر سلطانية تؤكد على ضرورة التدقيق في حسابات الصندوق وتعيين أوصياء على الأيتام والمجانين والمعتوهين من "ثقاة الموثقين"، كما في الأمر السلطاني الموجه إلى قاضي دمشق بشأن تقرير المفتش حسن تحسين أفندي.

يُفصّل الكاتب آلية استثمار أموال الأيتام، والتي كانت تتم غالباً عبر الإقراض بـ"المرابحة"، أي بفائدة تتراوح بين 10% إلى 15%. لكنه يوضح أن هذه الممارسة كانت تتم عبر حيلة شرعية لتجنب تحريم الفائدة، حيث كان يُسجّل القرض على أنه "بيع وفاء" أو كأنه ثمن بضاعة (مثل ساعة أو صابون) اشتراها المقترض. ويقدم الكاتب عدة أمثلة من وثائق حقيقية لشرح هذه الآلية، منها: شراء الحاج راغب بن صالح النديم حصة من بستان ليتيم بصفقة صورية قيمتها 15,550 غرشاً لمدة خمس سنوات، وقرض آخر للحرمة فاطمة الشاوي بمبلغ 10,930 غرشاً، وشراء مدير الصندوق داراً في حارة الشاغور البراني بمبلغ 11,555 غرشاً، وشراء دكان في سوق البزورية، وقرض لشخص من صالحية دمشق، وشراء دار في حارة اليهود من الخواجة ناحيم بن نسيم فارحي. في كل هذه الأمثلة، يُظهر الكاتب كيف أن جزءاً من المبلغ يُسجل كـ"قرضة حسنة" والجزء الآخر كـ"ثمن ساعة" أو بضاعة، للالتفاف على النص الشرعي.

في ختام الفصل، يُشير الكاتب إلى أن هذا التوجه في الرعاية الاجتماعية كان جزءاً من رؤية السلطان عبد الحميد الثاني للإصلاح، والتي جعلت من التعليم أساساً لكل تطور، فشهدت الفترة زيادة في عدد المدارس والمعاهد العليا مثل مكتب الملكية وجامعة استنبول. أما بالنسبة للفصل نفسه، فيمكن القول إن المادة التي يقدمها غنية بالتفاصيل والوثائق، مما يعطي صورة دقيقة عن واقع الرعاية الاجتماعية. ومع ذلك، فإن الحجج التي يقدمها الكاتب، خاصة فيما يتعلق بـ"الحيل الشرعية"، تبقى قابلة للنقاش، حيث أن الكاتب يصفها كـ"التفاف على الشرع" و"بيع صوري"، مما يعكس وجهة نظر تنتقد هذه الممارسة، بينما يمكن تفسيرها من منظور فقهي آخر على أنها اجتهادات للحفاظ على مال اليتيم من الضياع في ظل نظام اقتصادي معين.

6.وسائل اللهو والتسلية172–180▼ résumé

يُعالج هذا الفصل موضوع وسائل اللهو والتسلية في المجتمع الدمشقي خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، مركزاً على دور قافلة الحج الشامي كمحور رئيسي للحياة الاقتصادية والدينية والاجتماعية، ثم ينتقل إلى تفصيل أنماط الترفيه المنزلية والعامة التي ظهرت أو تطورت في تلك الحقبة. يقدم المؤلف إجابة ضمنية مفادها أن التسلية في دمشق كانت متنوعة وتعكس تداخل التقاليد المحلية مع التأثيرات الغربية والأجنبية المتزايدة، وذلك في ظل ضعف الدولة العثمانية وعدم قدرتها على مواجهة هذا التغلغل الثقافي.

يبدأ الفصل بوصف تنظيم السلطنة العثمانية لقافلة الحج، فيذكر أنه في سنة 1111هـ/ 1886م، تم تحديد تعرفة أجور الحجاج ونقلياتهم، حيث بلغت حمولة الجمل أكثر من 150 أقة، وخصصت أجرة للجمل الواحد بمبلغ يصل إلى 175.5 ليرة ذهبية عثمانية. كانت تكلفة القافلة السنوية تتراوح بين 194 و215 ألف جنيه إسترليني، منها مئة ألف جنيه تتولى أمرها "الصرة" والتي أشرف عليها في ذلك العام شخص يُدعى باقي بك، وهو أوراق مديري (مدير الأرشيف) في الصدارة العظمى. أما المبلغ المتبقي والذي يتراوح بين 50 و71 ألف جنيه، فكان يُخصص لشراء المؤن والهدايا التي تشمل العباءات المطرزة والقنابيز والقبعات المغربية الحمراء، لتُمنح لشيوخ القبائل على طول الطريق. يُشير المؤلف إلى نجاح قافلة الحج كان يُعتبر نجاحاً لوالى دمشق والسلطان العثماني في أعين المسلمين، لكنه يلفت الانتباه إلى أن الحجاج الأتراك تحولوا لاحقاً إلى الطريق البحري عبر قناة السويس، مما ألحق خسارة بالتجارة الشامية الداخلية بين مدن مثل دمشق وحمص والقدس، إذ تحولت التجارة مع الروم والآستانة وبر الأناضول إلى الموانئ البحرية. كما يذكر أن تجمع الحجاج في دمشق سنوياً أغنى الحياة الثقافية، إذ كان يأتي العلماء المسلمون ويتبادلون الأفكار، وساعد ذلك في نشر طرق التصوف مثل الطريقة النقشبندية التي أدخلها الشيخ محمد مراد النقشبندي القادم من بخارى والمتوفى سنة 1137هـ، وهو مؤسس آل المرادي بدمشق. ويختتم المؤلف هذا القسم بملاحظة مهمة: رغم اهتمام سلاطين آل عثمان بقافلة الحج، لم يقم أي منهم بأداء فريضة الحج، بما في ذلك السلطان عبد الحميد الثاني الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين وحامي الحرمين الشريفين.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تفصيل وسائل التسلية واللهو داخل البيوت الدمشقية، حيث يصف حب أهل دمشق للاجتماع والمرح. ففي ليالي الشتاء الطويلة، كانت السهرات المنزلية هي الوسيلة الوحيدة لتخفيف المشاق، حيث يجتمع الأهل والأصحاب في "البراني" أو "السلاملك" المستقل عن الدار. ويذكر أن بعض الأعيان والأغنياء من أصحاب "القناقات" كانوا يعقدون سهرات الطرب والكيف، وقد تضم هذه القناقات جوقات موسيقية بأشهر المطربين. كانت هذه السهرات تُعقد إما في دار واحدة أو بالتناوب، وتخلو من المراهنات، ويُمارس فيها لعب الورق والشطرنج ورواية النوادر، وتُختتم بتقديم الحلويات والشاي والقهوة. ويشير المؤلف إلى أن بعض هذه السهرات الشرقية تحولت في الفترة المدروسة إلى سهرات ذات طابع غربي في الغناء والموسيقى.

أما خارج المنازل، فكانت المقاهي الملاذ الرئيسي للتسلية. يكشف الفصل عن وجود أكثر من 178 مقهى في مدينة دمشق، وهو ما يعتبره المؤلف دليلاً على كثرة روادها من الناس لقضاء أوقات الفراغ، وحضور عروض "خيال الظل" (الكوميديا) أو "قرة كوز"، واستماع "الحكواتي" الذي كان يقص على الناس أخبار عنترة والظاهر بيبرس. يُفصّل المؤلف وصف المقاهي مستشهداً بعدة وثائق تُظهر مواقعها في أحياء مثل كفرسوسة والعمارة والقنوات والمحايري وسويقة الميدان وسوق الخيل والشاغور، وكان ملاكها وموظفوها من الوجهاء والأعيان، مثل يحيى الكركوتلي الذي استأجر مقهى من نائب قضاء دوما عبد الحميد الأسطواني. وتتنوع إيجارات هذه المقاهي، فبينما بلغ إيجار مقهى في سوق الخيل 1450 غرشاً سنوياً، كان إيجار مقهى في الشاغور 360 غرشاً. ويصف الفصل أصناف المقاهي، فمنها "البلدي" حيث يجلس الناس على الحصر والكراسي المصنوعة من الخشب أمام مناضد خشبية، ويقدم فيها النراجيل والقهوة، ويمارسون ألعاباً مثل الضاما والدومينو والورق والنرد. أما المقاهي "المدنية" فكانت راقية بمقاعدها الكراسي وتحتوي على ألعاب مثل الشطرنج والبيلارد والبوكر والباشكا. ومن أقدم وأشهر المقاهي كان مقهى ديمتري اليوناني في مرجة دمشق، الذي كان مجتمعاً لأرقى طبقة من الدمشقيين الذين لا يرتادون القناقات. وانتشر أيضاً ما يُسمى بـ "الكازينو خانة" في سوق الخيل، والتي استأجرها ضابط عثماني يُدعى رفعتلو مصطفى يوزباشي، وكانت أماكن للسمر والسهر. كما يذكر الفصل لعبة شعبية تُدعى "المنقلة"، والتي كانت تُمارس في الساحات العامة، وتتكون من قطعة خشب طولها 60 سم وعرضها 10 سم وسماكتها 5 سم، تحوي 14 حفرة موزعة في صفين، وتتطلب سبع حصيات في كل حفرة.

في وصفه للانغماس في الحياة الليلية، يتناول الفصل دور حي اليهود في مدينة دمشق، حيث كان البعض يسعون للتمتع بالحياة واقتناص الفرص، فيقضون السهرة مع أصدقائهم بصحبة الفتيات والراقصات (اليهوديات)، ويشربون الخمر. ويورد المؤلف هنا تحفظاً خطيراً، متهماً بعض اليهود بأنهم سمحوا لبناتهم بذلك بقصد جذب الشباب من الطوائف الأخرى وجعلهم يبتعدون عن التدين والإدمان على النساء والخمور، بهدف إضعاف المجتمع الدمشقي لتسهل السيطرة عليه من قبل الغرب. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن ظهور فن التمثيل والمسرح في دمشق، فبعد أن انتشرت "القوميدا" (خيال الظل)، دخلت المغنية الموسوية خانم بنت يحوز لاطي العثمانية مهنة التمثيل، وأصبحت هناك حرفة يُدعى صاحبها "ممثل"، يؤلف شركة من أشخاص يمثلون روايات في محل مخصص يُعرف ب "المسرح". وقد راجعت هذه الحرفة منذ عام 1295هـ/1878م وما بعده لمدة ست سنوات، ونشأت عنها مفاسد أدت إلى صدور أمر بمنعها من مقام الصدارة، لكنها عادت بعد ذلك. ويدعم المؤلف انتشار العمل المسرحي بوثيقة حول نزاع بين عبد العزيز الجاهلي وسليمان صدقي بسبب إيجار ألبسة وبنات ممثلات لأجل تمثيل رواية "عمرو بن العاص". وفي بعض المسارح، كانت تغني فرق مصرية وعلى رأسها الماظ وعبده الحامولي، ويختم المؤلف هذا القسم برأيه الشخصي بأن انتشار العمل المسرحي الهادف في مصر وسورية هو دليل على انتشار الوعي القومي والثقافي المؤدي إلى النهوض والتقدم والتحرر من الجهل.

وأخيراً، يخصص الفصل فقرة للنزهات الدمشقية المميزة التي كان الدمشقيون يقضونها خارج المدينة على ضفاف الأنهر وفي المروج الخضراء بعد انقضاء الشتاء، ويُسمونها "السيران". كان يحيط بدمشق جنائن وبساتين مليئة بأشجار الفاكهة، ومن أهم وأعظم هذه المتنزهات يذكر وادي الربوة، ثم المرجة الخضراء، وساحة بوابة الميدان الفوقاني، وساحة السخانة.

8.أ - الزراعة184–211▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني" دراسةً تفصيليةً للقطاع الزراعي في مدينة دمشق وريفها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى عام 1908م، ويُقدّم إجابةً واضحة على سؤال محوري: لماذا ظلّ القطاع الزراعي متخلفاً على الرغم من الطلب الأوروبي المتزايد على المحاصيل؟ يُرجع المؤلف السبب إلى بنية اجتماعية-اقتصادية إقطاعية ظالمة تآمرت فيها قوى متعددة (الإدارة العثمانية، ملاك الأراضي، التجار، المرابون، والقناصل الأجانب) لاستنزاف الفلاح، مما حال دون تطوير أساليب الإنتاج وأبقى الفلاح في دائرة الفقر والديون.

يسير الفصل وفق بنية متسلسلة، يبدأ بوصف النظام الإقطاعي السائد، حيث كانت الملكية الزراعية مركزة بيد فئة صغيرة من "الأعيان" و"الأغاوات" الذين يعيشون في المدينة، بينما كان الفلاح يعمل في الأرض التي لا يملكها ولا يحصل منها سوى على "القليل ليسد به رمقه". ويؤكد المؤلف أن التوجه الأوروبي نحو المشرق بعد الثورة الصناعية للحصول على المواد الخام لم يُحسّن وضع الفلاح، بل استفاد منه مالك الأرض والدولة العثمانية فقط عبر فرض ضرائب نقدية جديدة، بينما بقيت أساليب الزراعة بدائية.

يستخدم المؤلف بكثافة الوثائق القانونية (سجلات محكمة تجارة دمشق) كأدلّة رئيسية، فيسرد عشرات القضايا التي توضّح آليات الاستغلال، مثل اغتصاب أراضي الفلاحين (كما في قضية محمد محي الدين عجينة الذي اغتصب الشيخ محمد العاني أرضه أثناء سفره، أو قضية اغتصاب أرض فاطمة بنت عبد الرزاق). ويوضح الفصل آلية "المالكانات" التي جعلت قرى بأكملها، مثل قرى دوما، ملكاً لولاة ووجهاء، كما في حالة والي الموصل مصطفى بيك الذي امتلك حصصاً في قرى متعددة. ولم تقتصر المعاناة على الاغتصاب، بل امتدت إلى نظام ضريبة "الأعشار" القاسي، حيث كان الملتزمون (جباة الضرائب) يبتزون الفلاحين، وكثيراً ما كان نصف المحصول أو أكثر يذهب كضريبة وفوائد، كما في قضية أحمد البقاعي المفصّلة حول أنواع المحاصيل المدفوعة كعشور.

يُفرد الفصل مساحة كبيرة لدور المرابين والتجار (مثل آل الزلحف وآل الشاوي) الذين استخدمهم رأس المال الأجنبي، ويشرح كيف أن ديوناً صغيرةً كانت تتراكم بفوائد "فاحشة" (تصل إلى 30% وأكثر) تؤدي إلى مصادرة الأراضي. ومن أبرز الأدلة، حالة التاجر يوسف الزلحف الذي وصلت ديونه على فلاحي قرى دوما وحمورة إلى آلاف الغروش والليرات، بينما كان الفلاحون يضطرون لرهن محاصيلهم قبل الموسم بأسعار زهيدة. كما يسلّط الضوء على دور "حجر الضيعة"، وهو نظام تضامني جعل القرية بأكملها مسؤولة عن ديون أفرادها، مما أدى إلى بيع قرى بأكملها بسبب ديون متراكمة لم يستطع سكانها سدادها.

لا يغفل الفصل عن ذكر محاولات تطوير زراعية محدودة، مثل إنشاء "المصرف الزراعي الحكومي" عام 1888م، لكنه يصفها بأنها كانت فاشلة، إذ كانت القروض صغيرة جداً (بين 3 و10 جنيهات إسترلينية) ويتعذر الحصول عليها، بينما كان المصرف ينتزع الأرض عند العجز عن السداد. ويشير إلى أن بناء خطوط سكك حديد الحجاز سهلّ تصدير الحبوب من حوران لكنه لم يغيّر من أساليب الزراعة البدائية. أما بالنسبة للمحاصيل، فيذكر أن دمشق اشتهرت بزراعة الزيتون في الريف (دوما، صحنايا، داريا، قطنا) والخضراوات المتنوعة في الغوطة، ويصف براعة الدمشقيين في فن البستنة والتطعيم، ناقلاً عن أبو البقاء البدري أن الشجرة الواحدة كانت تطرح أربعة أو خمسة أنواع من الفاكهة.

في القسم الأخير، يحلل الفصل التغلغل الأجنبي المباشر، معتبراً القناصل الأجانب من أصل دمشقي (مثل عبده بك قدسي وابنه الياس قدسي، قنصل هولندا) أدوات رئيسية لربط الاقتصاد الزراعي بالسوق الأوروبي. ويورد وثائق تُظهر أن عبده بك قدسي وحده استثمر خلال عامين (بين 1292هـ-1294هـ/1875م-1877م) ما يقارب 11,000 ليرة فرنساوية في شكل ديون على فلاحين، وأنه كان يحجز على أراضٍ كاملة في قرى مثل بيت سابر مقابل ديون صغيرة. ويصوّر الفصل الصرافين اليهود (مثل نسيم وهارون عبادة) كعنصر استغلالي فاعل، حيث بلغت ديونهم على فلاحي الريف آلاف الليرات، مستفيدين من حمايتهم القانونية كرعايا أجانب. خلاصة الفصل قاتمة: فالفلاح في ريف دمشق كان ضحيةً لشبكة استغلال معقدة، حيث تعاونت الإدارة العثمانية، وملاك الأراضي، ورأس المال التجاري المحلي والأجنبي، والمؤسسات المالية، لإبقائه في حالة من العوز والتبعية، مما جعل القطاع الزراعي عاجزاً عن التطور بقي إلى حد كبير على حاله منذ قرون.

9.ب - الصناعة212–229▼ résumé

يتناول هذا الفصل موضوع الصناعة في مدينة دمشق خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن الصناعة الدمشقية العريقة تراجعت واضمحلت بشكل كبير تحت تأثير الغزو التجاري والصناعي الأوروبي، الذي استغلّ الامتيازات الأجنبية والمعاهدات التجارية غير المتكافئة لتحويل دمشق وسوريا إلى سوق لتصريف منتجاته ومصدر للمواد الخام.

يبدأ الفصل بالتأكيد على عراقة الصناعة الدمشقية وأهميتها، مستعرضاً براعة الدمشقيين في صناعات متنوعة كالنسيج والزجاج والصناعات التقليدية، التي ذاع صيتها عالمياً. ويذكر أن أسماء بعض المنتجات مثل الدامسكو والبروكار والديماء أصبحت تدل على نفسها في لغات أخرى. ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن التحولات التي طرأت على التجارة العالمية، حيث أدى تطور المواصلات كالسفن البخارية والثورة الصناعية في أوروبا إلى تحول الأسواق العربية إلى أسواق للمصنوعات الأوروبية ومصادر للمواد الخام.

يوضح المؤلف أن تراجع الصناعة الدمشقية لم يكن بسبب رداءة النوعية، بل على العكس كانت تتمتع بسمعة طيبة في أوروبا نفسها. ويعزو السبب إلى عوامل عدة: الثورة الصناعية التي غيرت المفاهيم الاقتصادية، والنظام الاقتصادي الدمشقي الضعيف، وسيطرة أوروبا على الاقتصاد العالمي، وصعوبة حصول الصناعة المحلية على المواد الخام الوطنية الأولية بينما حصلت أوروبا عليها بسهولة بفضل الامتيازات التجارية. على الرغم من ذلك، استمرت بعض الصناعات المحلية الرئيسية، خاصة النسيج الذي حافظت فيه دمشق على شهرتها في صناعته اليدوية.

يتناول الفصل بالتفصيل تنظيم الحرف والطوائف الصناعية في دمشق. فقد كانت الطوائف الحرفية تتحكم في نوعية الإنتاج ومواصفاته وأسعاره، وكان العمل فردياً في الغالب، مما حدّ من تضخم الثروات والتفاوت الكبير بين الحرفيين. وكان لهذه الطوائف دور مهم في تنظيم العلاقة مع السلطة العثمانية، وفي ضمان حسن الإنتاج، وفي رعاية الفقراء والمفلسين منهم. كما تولّت الطوائف عملية توزيع المواد الخام المستوردة على العاملين، وفرضت نظاماً صارماً للترقي المهني من مبتدئ إلى صانع معلم أو شيخ كار، عبر طقوس خاصة تسمى "الشد".

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف الواقع الصناعي المأزوم، حيث كانت الصناعة المحلية في منافسة غير متكافئة مع البضائع الأجنبية. يذكر الفصل محاولات بعض الصناعيين مثل يوسف الخوام الذي طور صناعة قماش الديماء وجعله منافساً للنسج الإفرنجية، لكن هذه المحاولات بقيت فردية. ويطرح الفصل سؤالاً حول عدم تضخم ثروات الصناع، ويجيب بأن الأنظمة الحرفية كانت تشجع العمل الفردي المحدود، وأن القاضي كان أحياناً يطلب من أفراد الطائفة العمل كل في دكان مستقل، مما حال دون تكوّن رؤوس أموال كبيرة. وكانت السوق محدودة والطلب يتحول نحو البضائع الأجنبية، مع غلاء الوقود وندرة المواد الأولية والعمالة الماهرة، وغياب دعم الحكومة للصناعة.

يفصل الكتاب بعد ذلك أهم الصناعات الدمشقية، ويبدأ بصناعة الغزل والصباغة. كانت الصباغة عملية مهمة، لكنها تحولت نحو استخدام الأصبغة المستوردة من أوروبا بدلاً من النباتية المحلية. وعانى الصباغون من الفقر والإفلاس بسبب ضعف النسيج المحلي ومنافسة الأجنبي، وتم حجز مصابغهم من قبل السلطة القضائية العثمانية. وكذلك الأمر بالنسبة للغزالين، الذين لم يستطيعوا الصمود في وجه الغزل الأجنبي المستورد بكميات كبيرة، مما اضطرهم للتكيف باستخدام الغزل الأجنبي نفسه، وأصبحت معظم محلات صناعة الأقمشة تعمل على الماع وقليل منها على البخار.

ثم يتناول الفصل صناعة النسيج باعتبارها الأهم، ويصف كيف تعرضت للانهيار بسبب تدفق البضائع الإفرنجية، مما أدى إلى إفلاس العاملين وتدهور قيمة الأنوال ومحلات العمل. ويروي الفصل معاناة العمال من تحول محلات النسيج والصباغة إلى إسطبلات وغرف سكنية. ويذكر أن عدداً كبيراً من الأنوال كان يعمل في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكنه تراجع بشكل حاد في الفترة المدروسة. يعرض الفصل جدولاً يوضح أعداد الأنوال والعمال بين عامي 1887 و1889، والتي تظهر انخفاضاً ملحوظاً، مؤكداً أزمة الحرف التقليدية العميقة التي أدت إلى إفلاس أصحابها. ويعدد أسباب هذا التراجع: المزايا الجمركية للأوروبيين بموجب المعاهدات، والرسوم الداخلية الباهظة على الصناعات المحلية مقابل تعرفة واحدة للبضائع الأجنبية. كما يشير إلى أن محاولات إدخال مصانع حديثة أو مراكز صناعية تعليمية فشلت بسبب نقص العمال الميكانيكيين المدربين.

بعد النسيج، يتطرق الفصل إلى صناعات متفرقة مثل صناعة الصابون، ومعامل النشاء، والمطاحن، ومعاصر الزيت والدبس. وأخيراً، يخصص الفصل قسماً مطولاً لأحوال الصناع الدمشقيين. وتبرز هنا صورة واضحة من الاستغلال الأجنبي، حيث عملت المحاكم على ملاحقة المفلسين وجرد ثرواتهم وسجنهم. ولعبت الشركات الأجنبية الموردة للمواد الأولية دوراً احتيالياً، فكانت تجلب مواد غير مطابقة للمواصفات وتجبر الحرفيين على استلامها بدعم من قنصليات دولهم، وهو ما يعتبره الفصل "الغش عند الأجانب". ويورد الفصل مثالاً ملموساً على ذلك: تاجر إيطالي رفع دعوى على خياط دمشقي رفض استلام جوخاً وصل متأخراً وبمواصفات مختلفة، ومع أن القانون العثماني يعطي المشتري حق الخيار عندما يرى البضاعة ويختار استلامها أو ردها، إلا أن المحكمة حكمت على الخياط باستلام الجوخ ودفع ثمنه. ويخلص الفصل من هذه الواقعة إلى أن المحاكم العثمانية كانت تجيز بيع "المسطرة" (أي البضاعة غير الموجودة) باطلاً شرعاً، خدمة للمصالح الأجنبية.

ويذكر الفصل أن هذه الضائقة الاقتصادية دفعت العمال والحرفيين للهجرة نحو الزراعة أو مدينة بيروت التي أصبحت مركزاً تجارياً أوروبياً، حيث كانت الأجور أفضل. وفي مجال الخياطة، استخدم الحرفيون ماكينات الخياطة، وذكر الفصل وجود شركة أجنبية لماكينات الخياطة افتتحت فرعاً في دمشق، وكانت تبيع بالتقسيط لتشجيع الترويج ومنع أي محاولة لتصنيع آلات وطنية. بشكل عام، استنتج الفصل أن معظم الصناعات المستخدمة في دمشق أصبحت أجنبية الصنع، وانتشرت البضائع الإفرنجية من أبسط الأشياء إلى أعقدها، في حين أن الفائدة كانت تعود على أوروبا وليس على الوطن.

أما بخصوص الحجج القابلة للنقاش، فيمكن الإشارة إلى الاتهام الذي يوجهه الفصل إلى القضاء العثماني بأنه كان أداة لخدمة المصالح الأجنبية على حساب القواعد الشرعية والمصالح الوطنية، وهو ما تجلى بوضوح في قضية تاجر الجوخ الإيطالي. هذا الموقف يعكس نظرة الفصل النقدية الشديدة للإدارة العثمانية التي يراها متواطئة مع القوى الاستعمارية. ومع ذلك، يقدّم الفصل نفسه أدلة ووثائق محددة تدعم هذه الرواية، مما يجعلها حجة متماسكة داخل بنية النص.

10.التجارة235–314▼ résumé

بدأ المؤرخ محمد كرد علي فصله بالإشارة إلى أن اشتراك أهل البلد الواحد في عمل اقتصادي يرفع مستوى القومية ويعلم الناس التكافل الوطني، مستشهداً بتجارب أوروبا. انتقل بعدها إلى الحديث عن واقع الصناعة الدمشقية التي قلدت أحياناً الصناعات الأوروبية، لكنها أضافت إليها اللون المحلي. نجح بعض هذه المنتجات وتفوق على الأجنبي، وحاول المصنعون تصديرها إلى أوروبا نظراً لرخص أسعارها وجودتها العالية. في المقابل، أغرت الأزياء الأوروبية المستهلك المحلي، مما شكل ضغطاً على الصناعيين للحفاظ على الجودة والتأقلم مع الأذواق المتغيرة. ويذكر كرد علي تقريراً قنصلياً من عام 1875م يفيد بأن مدير مصانع لانكشاير طلب الحصول على نماذج من الأقمشة السورية لمحاكاتها. ركزت الصناعة المحلية على الأقمشة الدقيقة والمطرزة وأغطية الرأس التي يصعب على الأجنبي محاكاتها.

يشير النص إلى أن عملية التنويع المتعمد للأذواق كانت متغيرة ومعروفة لمصممي الأزياء في أوروبا، وأن بعض التصاميم التي تحاول تقليدها دمشق كانت قد انتهت في مدن مثل مانشستر. تضمنت العملية أيضاً رغبة المستهلكين في استبدال التصاميم القديمة بأخرى جديدة وبانتظام. ينتقل كرد علي بعدها لنقد الحالة الشرقية مستشهداً بالحصني، مشيراً إلى افتقاد التضامن والاتحاد في المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. فالتجارات الكبرى والمدارس الأهلية في الشرق تقوم على فرد واحد، فإذا مات أو توقف تدهور كل شيء، بخلاف الغرب حيث تقوم المشاريع على الجماعات والشركات المساهمة التي يديرها خبراء، مما يضمن بقاءها ونموها. يدعو المؤلف العرب والمسلمين إلى التحدي والتضامن وتأسيس الشركات التجارية والمصارف.

يوضح كرد علي أن الصناعة الحرفية في دمشق عانت من منافسة البضائع الأوروبية، مما أضعفها وأفقر أصحابها وضر بالاقتصاد المحلي. يعود السبب إلى أن أوروبا في فترة الثورة الصناعية لم تبادل منتجاتها بالمنتجات المحلية كما في السابق، بل اقتصر استيرادها من المشرق على ما يغذي صناعاتها المتطورة. كسدت بالتالي المنتجات التي لم تعد تلائم أغراض الصناعة الجديدة، ووجد المشرق نفسه مضطراً لدفع ثمن البضائع المستوردة بالعملة النقدية بدلاً من المنتجات المحلية، مما أرهق الميزان التجاري. في قسم التجارة والمواصلات، يذكر المؤلف أن تجارة السلطنة كانت مجالاً واسعاً للتجار الأوروبيين، مما حول بلاد الشام من سوق تغذي أوروبا بالبضائع إلى سوق تتغذى من بضائعها المصنعة. هذا التوجه جعل التجارة الخارجية المجال الوحيد المطمئن لرأس المال الوطني لوجود حماية نسبية فيه، على عكس الداخل الذي تعرض للنهب العثماني. لكن نشاط التجار المحليين اصطدم بالمنافسة الأوروبية المحمية بنظام الامتيازات الأوروبي.

اتجهت تجارة دمشق الجنوبية إلى مصر، واحتفظ الدمشقيون بدور قومي عربي فيها، بينما اتجهت تجارتها الشمالية إلى تركيا وأوروبا. منذ أوائل القرن التاسع عشر، تدفقت المنسوجات الأوروبية الرخيصة المصنعة آلياً عبر موانئ الشام، وبرز ميناء بيروت كأهمها، وأفادت دمشق من نموه بشكل كبير. لكن المؤلف يحذر من اعتبار ازدهار النشاط التجاري دليلاً على العافية الاقتصادية، لأن الأرباح عادت على الأوروبيين وبعض الفئات النافذة المحلية من التجار الذين سهلوا تجارة أوروبا. في قسم التجار الأجانب وعلاقاتهم بالمحليين، تصف سجلات محاكم دمشق تحول الفعاليات الاقتصادية لخدمة التجارة الأوروبية. ظهر فرز اجتماعي وطبقي جديد، حيث ظهرت فئة الملاك وكبار التجار الذين عملوا في القنصليات من مختلف الطوائف. يذكر النص أن الإنجليز اتخذوا قناصل من كل الطوائف، وأن عمليات الصرافة وعقد الديون بفوائد احتكرها اليهود. تأسست شركات محلية تجارية، ولكنها غالباً ما كانت تعمل كوكلاء للشركات الأجنبية، مستوردة البضائع الأجنبية ومؤمنة المواد الأولية من الأرياف.

أدت الضائقة المالية والمنافسة إلى إفلاس الكثيرين وهجرتهم إلى الخارج، خاصة الأمريكتين، هرباً من الديون والملاحقة. انتشرت حالات الإفلاس بين صغار التجار والحرفيين منذ أواسط القرن التاسع عشر وتفاقمت في نهايته. راجت التجارة مع الحجاز، حيث صدرت البضائع الدمشقية والمواد الزراعية. يوضح النص تدخل القناصل والتراجمة في القضايا التجارية عبر المحاكم المختلطة، التي كانت تصدر أحكامها غالباً لمصلحة الطرف الأجنبي، مما يثبت تنامي التدخل الأجنبي في شؤون السلطنة. تسبب هذا في خنق الفعاليات الاقتصادية المحلية، حيث أقرض الأجانب الفقراء والصناع والتجار الصغار أموالاً بتسهيلات، مما أدى إلى كساد الأسواق وإفلاس المدينين وحجز ممتلكاتهم. توجه التجار الأجانب ووكلاؤهم إلى الريف لشراء المحاصيل من الفلاحين قبل نضجها، وروجوا للبضائع الأجنبية عبر عروض مغرية وتقسيط. رغم أن الاتفاقات تضمنت شروطاً لرد البضاعة غير المطابقة، إلا أن المحاكم التجارية كانت تجبر التاجر المحلي على الاستلام والدفع. تم إدخال العمليات المصرفية مثل الكمبيالات (البوالص) إلى دمشق، وتعلمتها مجموعة من التجار والأقليات، وكثيراً ما كانت محررة من تجار أجانب أو شركاتهم.

مارست الشركات الأجنبية، مثل شركة بياجني الإيطالية ولوتيكا الألمانية، دوراً كبيراً في السيطرة على التجارة. كانت تستورد البضائع، وتعقد الديون مع المزارعين قبل الحصاد بأسعار متدنية، ثم تحجز على المحاصيل والعقارات عند عدم الدفع، مستندة إلى الامتيازات الأجنبية. لجأ بعض التجار المحليين ودافعي الضرائب إلى حماية القناصل الأجنبية (البراءة) للتهرب من دفع الضرائب، وتمتعوا بامتيازات وحماية مسيئة للدولة العثمانية. لعب يهود دمشق دوراً تجارياً مهماً كصرافين ومقرضين بفوائد فاحشة، وغالباً ما كانوا يتبعون دولة أجنبية توفر لهم الحماية. اهتم التجار الأجانب أيضاً بتجارة الخيول العربية الأصيلة من ريف دمشق، واشتروها لتحسين نسل الخيول الأوروبية وللاستخدامات العسكرية. في قسم الميزان التجاري، يوضح المؤلف أن منطقة شرق البحر المتوسط كانت مصدرة للذهب حتى أواخر القرن الثامن عشر، لكنها تحولت بعدها إلى مستوردة للسلع المصنعة من أوروبا. تظهر الأرقام أن الواردات من فرنسا فاقت البريطانية، بينما تفوقت الصادرات إلى إنجلترا وكانت من مواد أولية.

أنشئت محكمة تجارية في دمشق عام 1850م، وضمت في تشكيلها لاحقاً أعضاء من الأجانب، مما يثبت مدى تدخلهم. حصر النص شركتين أجنبيتين رئيسيتين هما شركة البير بياجني الإيطالية وشركة لوتيكا الألمانية، وأوضح بالتفصيل آلية عملهما في إقراض المزارعين والتجار واستنزافهم بالفوائد والديون، وصولاً إلى إفلاسهم ومصادرة ممتلكاتهم. قدم النص إحصاءات لديون شركة بياجني على تجار وصناع وزراع بين عامي 1886 و1890م. في المقابل، أشار الفصل إلى تأسيس شركات وطنية كرد فعل على التحدي الأجنبي، جمعت شخصيات من طوائف مختلفة بهدف تجميع الأموال لممارسة التجارة، لكن بعضها تحول لوكلاء للشركات الأجنبية. نشأت طبقة برجوازية محلية ارتبطت مصالحها بأوروبا، لكنها عانت أيضاً من الأزمات والإفلاس. ختم الفصل بوصف الأسواق والخانات في دمشق، كسوق الحميدية وخان أسعد باشا، مع تفصيل لأسعار العقارات والمحلات والمواد الغذائية في تلك الفترة. أقر المؤلف بصعوبة تحديد القيمة الحقيقية للتجارة لغياب البيانات الكاملة عن التجارة البرية ولاختلاف تقديرات القناصل. أشار إلى أن الإجراءات الجمركية المعقدة أنتجت الفساد والخطأ، وأن الأرقام المتوفرة هي حول ميناء بيروت فقط.

13.الخاتمة355–411▼ résumé

يطرح هذا الفصل الختامي من كتاب "دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني" خلاصة تحليله لتطور مدينة دمشق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يجيب المؤلف عن سؤال محوري هو: كيف أثرت السياسات العثمانية والتدخلات الأجنبية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على بنية المجتمع الدمشقي وعمرانه واقتصاده خلال هذه الفترة؟ يخلص الفصل إلى أن دمشق شهدت تحولات عميقة، شملت توسعاً عمرانياً هائلاً، ونمواً لطبقة بيروقراطية وتجارية جديدة، وفي المقابل، تبعية اقتصادية متزايدة للغرب، مما أدى إلى تناقضات طبقية واضحة.

يبدأ الفصل بتسليط الضوء على الإنجازات العمرانية الكبرى، وفي مقدمتها إعادة بناء الجامع الأموي بعد حريقه. يصف المؤلف بالتفصيل عملية الترميم على أربع مراحل، بدءاً من إعادة بناء القسم الشرقي، ووصولاً إلى افتتاح الجامع بالكامل في 28 جمادى الأولى سنة 1311هـ/نوفمبر 1893م. يبرز المؤلف دور حرفيين بارزين مثل الشيخ محمد بن أبي نجيب الدهان وأخيه في صنع الشبابيك الرائعة، ويشير إلى مساهمة أحد تجار القاهرة في تمويل إعادة بناء بابين محروقين. يختم حديثه عن الجامع بذكر أبيات من الشعر كتبت تحت قبة النسر تؤرخ للتجديد في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، مشيراً إلى تجديدات لاحقة في عهد الرئيس حافظ الأسد.

يتناول الفصل بعد ذلك التوسع العمراني والسكاني، موضحاً أن دمشق توسعت غرباً وشمالاً وجنوباً بفضل حركة عمرانية شجعها بعض الولاة. كانت هذه التوسعات نتيجة لهجرات واسعة، خاصة من الأكراد والشركس الذين استوطنوا سفح جبل قاسيون والصالحية وحي المهاجرين، بالإضافة إلى هجرات من مناطق خسرتها السلطنة في الحروب. ويذكر المؤلف أن الإدارة العثمانية اهتمت بأحوال المهاجرين، وشيد الولاة أعمالاً مهمة مثل سوق الحميدية، وترميم الجامع، وتنظيم جلب مياه عين الفيجة. ويصف الفصل طراز الدور الدمشقية وما يرافقها من ملحقات كالبايكة والإخور لربط الدواب.

ينتقل الفصل إلى تحليل البنية الاجتماعية، مؤكداً على أهمية الوظيفة الحكومية التي وصل منها كثير من الدمشقيين إلى مراتب عليا كالوزارة والمشيخة. ويبرز دور طبقة العلماء ورجال الدين والطرق الصوفية كالنقشبندية والسعدية، ونظار الأوقاف الذين شكلوا طبقة اجتماعية مهمة. كما يتحدث بالتفصيل عن دور الأعيان أو "الوجهاء" من عائلات مثل آل حمزة وآل نصري والصلاحي والمرتضى وآل العظم والشهابي والأطرش، الذين امتلكوا نفوذاً واسعاً ككبراء الملاك وزعماء العسكر.

في الجانب الاقتصادي، يشير الفصل إلى أن الصناعات التقليدية تطورت نتيجة تبدل العادات الاجتماعية، لكنها تعرضت لاهتزاز شديد بسبب منافسة البضائع الأجنبية التي روجتها الشركات الأوروبية بأساليب مختلفة. ويصف المؤلف تفاصيل دقيقة عن هذه المنافسة غير المتكافئة، موضحاً كيف عمل التجار والقناصل الأجانب، مثل نصوح بك قدسي قنصل هولندا واليونان، كمستثمرين في الريف الدمشقي، مقدمين القروض للفلاحين بفوائد فاحشة، مما أدى إلى تراكم الديون وإفلاس الكثيرين. ويذكر أن عمليات الصرافة وعقد الديون احتكرها اليهود الدمشقيون، مما زاد في الأمر سوءاً.

يتناول الفصل أيضاً الدور المتزايد للتدخل الأجنبي، حيث ازداد التبشير وتقسيم الطوائف المسيحية، لكنه ينفي في الوقت نفسه الاتهامات بالتمييز الديني ضد العثمانيين، مؤكداً أن أهل الذمة (المسيحيين واليهود) تمتعوا بحقوقهم ووصلوا لمناصب رفيعة. في المقابل، ينتقد المؤلف المستأمنين والحاصلين على الحماية الأجنبية الذين استغلوا مراكزهم وانعزلوا عن مجتمعاتهم متوجهين نحو الغرب.

أخيراً، يعرض الفصل لمحات من الحياة الاجتماعية واليومية، منها دور المرأة المميز كأم ونشاطها الاقتصادي المحدود، وتنوع الأزياء وإقبال الناس على الملبوسات الأوروبية مع الحفاظ على الزي التقليدي لدى البعض حتى منتصف القرن العشرين، وكثرة انتشار المقاهي التي لعب فيها اليونان دوراً مهماً. ويختتم المؤلف بالإشارة إلى نظام "ديوان مال الأيتام" الذي شكله الدولة لرعاية أموالهم، قبل أن يقدم قائمة واسعة من المصادر والمراجع والملاحق التي شكلت أساس بحثه.