Almawred
عربي

راتب شعبو أحرار الشام بين الجهادية والإخوانية

ar

بدأ الكاتب راتب شعبو، في هذا الكتاب، من سؤال جوهري: كيف استطاعت حركة أحرار الشام الإسلامية، وهي وليدة الحرب السورية، أن تنشأ وتحافظ على وجودها في منطقة قلقة بين تيارين إسلاميين كبيرين، هما السلفية الجهادية التي تمثلها القاعدة، والإسلام السياسي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين؟ الإجابة التي يدافع عنها الكتاب هي أن الحركة نجحت في شق طريق خاص بها، يقوم على مزج pragmatism عسكري وسياسي، مما جعلها "حصان الرهان" المفضل لدول إقليمية مثل تركيا وقطر، اللتين سعتا إلى دفع الثورة السورية باتجاه إحداث تغيير إسلامي، دون أن تثقا بقدرة الإخوان المسلمين على تحقيق ذلك على الأرض.

يسير الكتاب في حجته عبر تتبع تاريخ الحركة منذ تأسيسها في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، مروراً بمحطاتها المفصلية، وصولاً إلى تحولاتها الفكرية والتنظيمية. يبدأ الكاتب بتقديم الإطار الأوسع، فيشرح لماذا لم تراهن أنقرة والدوحة على جماعة الإخوان المسلمين على الرغم من علاقاتهما الوثيقة بها. السبب، بحسب الكاتب، هو أن الجماعة أثبتت فشلها في الاستجابة للواقع الثوري السريع والمتحرك؛ إذ وصفتها المصادر بأنها "نادٍ للمتقاعدين" و"تفتقر إلى أي قدرة على السيطرة على الأحداث على الأرض". بالإضافة إلى ذلك، كانت الجماعة تحمل عقدة العمل المسلح من تجربة الثمانينيات، مما جعلها غير قادرة على تقديم الرد العسكري المطلوب في نظر العديد من الثوار. وهكذا، تشكلت الحاجة إلى تنظيم جديد، يكون "ريفياً" أكثر منه حضرياً، "مرناً" في قبوله للأعضاء، والأهم أن يكون متحرراً من أعباء الخلافات الداخلية للتنظيمات القديمة، وأيضاً من تبعات الارتباط بـ القاعدة، التي تثقل سمعة أي فصيل في نظر المجتمع الدولي والشارع السوري.

يصف الكتاب مسار الحركة بأنه خط متعرج تحت تأثير "قوتي شد" متعارضتين: القوة الجهادية العالمية (المتمثلة في داعش وجبهة النصرة)، والقوى غير الجهادية (مثل الجيش الحر والمعارضة السياسية). الدافع الأساسي للكتاب هو تتبع كيف أن الميل العام لمسار الحركة، من زعيمها الأول حسان عبود (أبو عبد الله الحموي) وحتى زعيمها اللاحق هاشم الشيخ (أبو جابر)، كان باتجاه الابتعاد عن السلفية الجهادية، والاقتراب من "الإخوانية" كتعبير إسلامي يحرص على القبول العام والعالمي. ويقدم الكتاب دليلاً لافتاً على هذا التحول، وهو تصريح المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، محمد حكمت وليد، الذي تحدث عن "قواسم مشتركة" بين الجماعة وأحرار الشام، ودعا إلى "التكامل بين السياسي والعسكري"، وهو عرض لم تعلقه الحركة رسمياً، لكنه يشير إلى تقارب في الرؤى.

ولكن الكتاب لا يختزل الحركة في وجهها "المعتدل" فقط، بل يقدم صورة مركبة ومعقدة. فمن ناحية، تؤكد الحركة في بياناتها أنها "حركة إسلامية سورية أصيلة"، لا علاقة تنظيمية لها بـ القاعدة، وترفع شعار "الجيش الوطني" بدلاً من الجيش الأممي، وتراعي مظهر وعادات المجتمع السوري، وتشارك في المظاهرات وترفع علم الثورة. هذا الموقف أوصلها إلى دعوة مؤتمر المعارضة في الرياض (كانون الأول/ديسمبر 2015) وقبولها كشريك في مفاوضات جنيف. ومن ناحية أخرى، يوثق الكتاب "المستندات" التي تجعل القول بارتباطها بـ القاعدة قوياً. فالحركة تأسست بمباركة مندوب الظواهري إلى سوريا، أبي خالد السوري، الذي اغتيل لاحقاً. كما أن الظواهري وضع حسان عبود في المرتبة نفسها مع أبي محمد الجولاني وأبي بكر البغدادي. والأهم من ذلك هو التحالفات المتكررة مع جبهة النصرة، والتي تجلت في عمليات عسكرية مشتركة كبرى مثل السيطرة على معسكري الحامدية ووادي الضيف، وفي تأسيس "جيش الفتح" الذي ضمهما معاً، واتفاقهما على رفض "ائتلاف قوى الثورة والمعارضة" والدعوة إلى "تأسيس دولة إسلامية عادلة".

يقدم الكتاب وقائع وشهادات ميدانية لافتة تكشف التناقضات الداخلية للحركة. فعلى الصعيد العسكري، اعتمدت الحركة بشكل كبير على خبرات مقاتليها الذين اكتسبوها من الجهاد في العراق وأفغانستان، وبرعت في استخدام العبوات الناسفة الفعالة. لكنها في الوقت نفسه تجنبت تسمية عملياتها بـ "الانتحارية" مفضلة "الاستشهادية"، مما يعكس فرقاً شرعياً عن تنظيم القاعدة. أما على الصعيد السياسي، فسعت الحركة جاهدة للحفاظ على تمايزها، لكنها وقعت في مواقف محرجة. يذكر الكتاب كيف أن الحركة "تساهلت" مع جبهة النصرة في الرقة، مما دفع الكاتب إلى وصف الموقف بـ"التواطؤ الصامت"، حيث تركت جبهة النصرة تظهر بمظهر "الأخ الشرير"، بينما ظهرت هي بمظهر "الرحيم"، في مسعى مضطرب لحماية صورتها. هذا الموقف تكرر في صراعات أخرى، مثل تصفية جبهة النصرة لـ "جبهة ثوار سوريا"، حيث وقفت أحرار الشام على الحياد.

من الأرقام والشهادات التي يصعب نسيانها في الكتاب، الإشارة إلى حادثة رام حمدان الغامضة في 31 آذار/مارس 2014، حيث قُتل نحو خمسين من قياديي الحركة وشرعييها، من بينهم مؤسسها حسان عبود. هذه "النكسة الكبيرة" التي كانت ستكون قاضية على أي تنظيم آخر، استطاعت الحركة امتصاصها بسرعة واختيار قيادة بديلة، مما يدل على عمق هيكلها التنظيمي. وهناك شهادة أحد مقاتلي الحركة من أبناء تل أبيض، الذي قال بعد هزيمتهم أمام داعش: "كان من الممكن أن نهزم داعش، لكن قادتنا كان لهم سياسة أخرى"، متهماً إياهم بالخيانة وأوامرهم بالانسحاب دون اشتباك. هذا الكشف يكشف عن انقسام داخلي حاد بين التيار "الانفتاحي" الممثل بـ أبي يحيى الحموي ولبيب نحاس، والذي يدعو للتعاون مع المجتمع الدولي، والتيار "المتشدد" القريب من النصرة والممثل بـ أبي صالح طحان وأبي محمد الصادق، الذي رفض الهدن وتمسك بفكرة "الدولة الإسلامية"، وتيار وسط يقوده أبو جابر الشيخ يسعى للحفاظ على وحدة الحركة.

يعترف الكاتب صراحة بحدود هذا المشروع، ويطرح سؤالاً مفتوحاً في الخاتمة. فرغم كل محاولات التمايز والتحول نحو "الإخوانية السياسية"، يرى الكاتب أن الحركة تبقى رهينة "دائرة إسلامية مغلقة". فالإسلامية، كما يشرح، لا تنفتح بسهولة على الوطنية؛ فهما ولاءان غير متطابقين، وإعلاء أحدهما يكون على حساب الآخر. ويضرب مثالاً بأنه يصعب على أحرار الشام أن تتحول إلى تنظيم وطني، كما يصعب على حزب الله في لبنان أن يتحول إلى حزب وطني رغم إنجازاته. هذا الإشكال الجوهري يضع الحركة أمام معضلة مستمرة: فكلما اقتربت من "الاعتدال" لتكسب شرعية محلية ودولية، كلما خسرت جاذبيتها القتالية لدى المقاتلين "المجاهدين" الذين تستهويهم الخطابات الأكثر تطرفاً. وقد ظهرت نتائج هذه المعضلة جلية في هزيمة الحركة أمام داعش في الرقة، وفي انشقاق الكثير من مقاتليها لصالح التنظيمات الأكثر تشدداً.

في النهاية، يقدم الكتاب حجة قابلة للنقاش بشكل واضح. فمقولة إن الحركة كانت مجرد "حصان رهان" إقليمي، تختزل جزءاً من الحقيقة على حساب دور العامل المحلي والدوافع الثورية الحقيقية للكثير من مقاتليها. كما أن التأكيد على "الدائرة المغلقة" قد يبدو حتمياً أكثر من اللازم، إذ أن التاريخ يظهر إمكانية تحول الحركات الإسلامية إلى أحزاب سياسية وطنية في سياقات مختلفة. ورغم ذلك، ينجح الكاتب في تقديم تحليل ثري ومعقد، يخرج بأحرار الشام من كونها مجرد فصيل مسلح، إلى نموذج يعكس أزمة الإسلام السياسي السوري برمته: أزمة البحث عن هوية بين الوطنية والأممية، وبين البراغماتية والثورية، وبين القبول الدولي والجاذبية الجهادية.