راشد-العيسى السينما الوثائقية السورية الخروج إلى الشارع
الكتاب الذي بين أيدينا هو دراسة شاملة للسينما الوثائقية السورية، صدرت في تشرين الأول/أكتوبر 2018، وتحصي ما يزيد على مائتين وثلاثين فيلماً وثائقياً أُنتجت منذ عام 1967 وحتى تاريخ إعدادها. لكن الدراسة لا تكتفي بالعد والإحصاء، بل تطرح أطروحة مركزية واضحة: هذه الأفلام لم تُنتج كلها بعد الثورة فقط، بل إن تجاهل ما أُنجز قبلها كان مقصوداً، لأن السينما الوثائقية السورية الحقيقية ازدهرت في مواجهة النظام السوري، وكان لتلك المواجهة الفضل في ازدهارها. يذهب الكتاب إلى أبعد من ذلك، ليتساءل إن كان الفيلم الوثائقي، بحسب الأصول، يمكن أن يكون في صف النظام أو منتجاً من قبله أصلاً، فطبيعة هذا الفن تقوم على مطاردة الحقيقة، وهي في الحالة السورية تشير إلى النظام بوصفه سبباً واضحاً وراء الوحشية المرتكبة في البلاد.
يميز الكتاب بين قسمين كبيرين من السينما السورية. الأول هو السينما الروائية التي تميل إلى رواية النظام أو تقع على الأقل في المنطقة الرمادية، حيث الخيال يتيح مجالاً أكبر للتلاعب بالواقع، كما أن النظام يمتلك البنية اللازمة لإنتاجها من مؤسسات وطاقم ممثلين وتقنيين لا تتوافر للمعارضة بالقدر نفسه. أما الثاني فهو السينما الوثائقية التي ازدهرت كمواجهة مع النظام، وهي سينما الحقيقة والتغيير. يعود هذا الجدل القديم بين أنصار الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي؛ حيث تمسك "الوثائقيون" بنظرية تقول إن الفيلم الوثائقي أقدر على التغيير بينما يحتمل الروائي التلاعب.
قبل أن تأتي الثورة السورية عام 2011، كانت السينما الوثائقية السورية تعيش تحت وطأة رقابة صارمة. أنتجت مؤسسات النظام أفلاماً تندرج ضمن سياق "بروباغندا المدن"، التي تمجد التقدم والعمران والاقتصاد، أو أفلاماً اجتماعية محايدة، أو أفلاماً عن الصراع العربي الإسرائيلي، وهو الموضوع الأثير الذي كان يحظى بالتشجيع الإنتاجي وعوائق رقابية أقل، مثل أفلام "فلسطين الجذور" و"القنيطرة حبيبتي". وقد استهلكت حرب تشرين 1973 وحدها عدداً لا يستهان به من الأفلام التسجيلية التي صورت "المجد". من بين كل تلك الأعمال، يحتفظ المتابعون بعدد قليل من الأفلام الجادة، أبرزها أفلام عمر أميرالاي مثل "الحياة اليومية في قرية سورية" (1972) وصولاً إلى "طوفان في بلاد البعث" (2003)، الذي كان نقداً كبيراً للنظام أُنجز من داخل البلاد، وتعرض أميرالاي بسببه لمضايقات ومراجعات أمنية. لم يكن وحده، فقد تعرضت هالة العبد الله لمضايقات بسبب فيلمها "رحلة إلى الذاكرة" (2006) عن سجن تدمر، وطارد النظام فيلم ريم علي "زبد" (2008) في مهرجان "قرطاج للأفلام السينمائية"، وقبل ذلك أُحرق فيلم "المدرسة" لـ نبيل المالح. يذكر الكتاب أسماء كثيرة ساهمت في هذا الفن، لكن بصمة عمر أميرالاي تبقى خاصة كونه مخرجاً مكرساً للوثائقي، وساعياً لتدريب جيل جديد من السينمائيين عبر "مؤسسة الفيلم العربي" في دمشق. ومع ذلك، ظل 230 فيلماً خلال أربعة عقود رقماً ضئيلاً، وكثير منها جاء انصياعاً لأجندات النظام، أو من إنتاجه المباشر تحت رقابة "دائرة الإنتاج السينمائي" في التلفزيون أو "المؤسسة العامة للسينما". كان التصوير شبه مستحيل في بلد تنتشر فيه لافتات "ممنوع الاقتراب والتصوير" و"منطقة عسكرية"، مما دفع عمر أميرالاي إلى التحايل بتقديم سيناريو عن الآثار كغطاء لفيلمه الناقد.
جاءت الثورة السورية عام 2011 لتقلب المشهد رأساً على عقب. أول ما فعله المتظاهرون هو أنهم رفعوا كاميرات هواتفهم في وجه قوات النظام، لتوثيق التظاهرة وإيصالها للعالم، لأن غياب الصورة يعني أن التظاهرة لم تحدث. أصبحت كاميرا "الموبايل" هي البطل رقم واحد في مواجهة العسكر والأمن، وأرادت هذه الكاميرات هي الأخرى أن تتنفس وتطالب بحريتها. مع إنكار إعلام النظام لما يجري، لجأ المتظاهرون إلى إظهار تاريخ التظاهرة أمام الكاميرا عبر عرض صحيفة، أو إضافة صوت المصور وهو يعلن التاريخ والمكان. علامة فارقة في تاريخ الثورة كان فيديو لشاب اسمه أحمد البيابي من قرية البيضا في بانياس، يفند بالصورة كذب النظام الذي زعم أن إهانة المواطنين بالدوس على أجسادهم حدثت في بلاد أخرى. هكذا تحول المواطنون إلى صحافيين يوثقون الكفاح والتظاهرات والجنازات والقصف والاعتقالات والمجازر وتدمير البيوت والنزوح والموت على الحدود، مكونين أرشيفاً ضخماً من الصور والفيديوهات التي لم يستثمر منها إلا القليل.
تدفقت الكاميرات الصغيرة سهلة الإخفاء، وبدأ الشبان يتلقون تدريباً على التصوير والمونتاج، وحتى على كتابة السيناريو، عبر مؤسسات أهلية تأسست بعد الثورة مثل "مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية" التي أنجزت واحداً من الأفلام المبكرة بعنوان "تبريب 23 دقيقة ثورة" عن مدينة درعا. تأسست أيضاً "مؤسسة الشارع" التي عرفت دور كاميرا الموبايل، وأنشأت مهرجاناً لأفلام الموبايل. من أبرز الأفلام التي قدمتها مؤسسات أخرى "بلدنا الرهيب" لمحمد علي وزياد كلثوم، والذي يصور رحلة مع الكاتب والمعتقل السياسي السابق ياسين الحاج صالح من دوما في غوطة دمشق مروراً بالقلمون وصولاً إلى الرقة ثم تركيا. أصبحنا أمام جيل شجاع، كما يصفه الكتاب، مع تأكيد على الفيديو الشهير الذي يصور صاحبه قوات النظام تتجه إليه وهو يقول: "صورني خلي العالم كلها تشوف". وصل التدريب إلى الناشطين عبر السكايب أو حضور مدربين محترفين مثل السينمائي باسل شحادة، الذي قضى برصاص النظام تحت الحصار في حمص. هكذا وضع بين أيدي العالم عدد كبير من الساعات المصورة، وظهرت أسماء جديدة وكبرى. يصف الكتاب ولادة السينما التسجيلية السورية الجديدة بأنها كانت عسيرة ومحفوفة بالمخاطر، وكانت المواجهة القصوى بين عين الكاميرا وفوهة بندقية القناص أكثر من فيديو سجل تلك المواجهة القاتلة. يشير الكتاب إلى أن الموت المباشر لحامل الكاميرا أصبح موضوعاً للبطولة الصحفية منذ فيلم "معركة تشيلي" (1975) لباتريسيو غوزمان. كانت سنوات الثورة بمثابة مطاردة بين جيش النظام والكاميرا وأجهزة الاتصال، لكن الأفلام الوثائقية ولدت رغم ذلك، ووجد السينمائيون أنفسهم يكبرون ويحرقون المراحل في تجربة استثنائية، وتجربة ذلك الشاب الذي لم يكمل دراسته في السينما لكنه صور يوميات القصف على مخيم اليرموك، حيث قال إن أول ما صادفه بعد قصف طائرات الميغ كان جسداً حياً مشطوراً إلى نصفين عيناه تحدقان، وكان يعلم أنه لا سبيل لإنقاذ الجريح، فلأمضي في توثيق المخيم. هذا الشاب، والشاب صاحب الفيلم "22 يوم" عن قصف اليرموك الذي يعتبر من أوائل أفلام الثورة، كونا نواة لجيل من السينمائيين. هناك فيلم ممتاز آخر هو "عم تسجّل" لسعيد البطل وغياث أيوب، المصنوع من حوالي أربعمئة ساعة صورت تحت الحصار في الغوطة الشرقية، ويطرح الفيلم نفسه أسئلة عن السينما في قلب الحرب، ويأخذ عنوانه من إشارة من شخصيات في آخر الفيلم إلى أن الكاميرا ما زالت تعمل.
ينتقل الكتاب إلى تصنيف الأفلام بحسب صناعها. هناك الأفلام التي أنجزها ناشطون ومواطنون صحافيون، وأفلام أنجزها مراسلون أجانب أو بتكليف من قنوات فضائية، ثم أفلام سينمائيين سوريين محترفين. يثير الكتاب موضوعاً شائكاً هو استغلال المنتجين والقنوات الفضائية للناشطين، الذين يملكون المواد الخام لكنهم يفتقرون للخبرة، فاشتروا صورهم وفيديوهاتهم بأبخس الأثمان. ومثال آخر على التوجيه الخاطئ فيلم "رسائل من اليرموك" للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، الذي حصل على مواد من الناشط نيراز سعيد (الذي قتل لاحقاً تحت التعذيب) وصنع فيلمه بحيث عزز حضور المخرج وحده لا صاحب القضية، وكرر المخرج السوري أسامة محمد الفعل نفسه مع الناشطة وثام بدرخان في حمص. هناك نماذج مختلفة مثل فيلم صوفيا عمارة التي تسللت إلى سورية عام 2011 وصورت التظاهرات الأولى السلمية الحالمة، وفيلم "وداعاً حلب" الذي حاز أربع جوائز عالمية بعد تكليف من "بي بي سي" لأربعة ناشطين سوريين صوروا سقوط شرق حلب في خريف 2016. وفيلم "الصرخة المخنوقة" للصحافية الفرنسية مانون لوازو الذي عرضته قناة "فرانس 2" عام 2017، وتحدث إلى نساء يروين تجاربهن في معتقلات النظام السوري حيث اغتصبن اغتصاباً ممنهجاً وبدون خجل. يجدر بالذكر أن الكتاب يُدرج في السينما الوثائقية السورية الأفلام التي أنتجتها مؤسسات غربية أو عربية عن سورية، طالما أن موضوعها سوري أو شارك فيها سوريون، مثل فيلم "الخوذات البيضاء" الذي حاز جائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير، ووثق لعمل رجال الدفاع المدني في شمال سورية. وفيلم "آخر الرجال في حلب" لـ غراس فياض الذي رُشح لأوسكار أيضاً، ومنع النظام عرضه في الجزائر عبر حلفائه.
أما السينمائيون السوريون المحترفون، فيبرز منهم باسل شحادة الذي عاد من دراسته في الولايات المتحدة إلى حمص، وبدأ فيلمه عن القنص قبل أن يقتل، وأتم المخرج دلير يوسف فيلمه من بعده بعنوان "خلايا النحل". وزياد كلثوم الذي كان في الخدمة العسكرية الإلزامية وقت اندلاع الثورة، وزُج في حملة عسكرية على الغوطة الشرقية، فقرر أن يهرب، لكنه سجّل يومياته العسكرية بكاميرا هاتفه ليكون فيلمه "الرقيب الخالد"؛ في معارضة ضمنية مع شعار "القائد الخالد". معظم أفلامهم تدور حول مدينة ثائرة، مثل فيلم غطفان غنوم عن مدينة القصير. وهناك طلال ديركي الذي عاد مرتين إلى داخل البلاد لينجز فيلمين؛ الأول "العودة إلى حمص" عن المطرب الشعبي عبد الباسط ساروت، والثاني "الآباء والأبناء" عن حياة الجهاديين في الشمال السوري وعلاقة الآباء بأبنائهم، وقد بلغ القائمة القصيرة لجائزة الأوسكار. ومن الأفلام المبكرة المهمة أيضاً فيلم "شمس الثورة" للمخرج عبار علي، الذي يربط بين ولادة طفلته الأولى والثورة. كما تذكر الدراسة أفلاماً عديدة مثل "ذاكرة باللون الخنافسي" و"الخوذة" وأفلام "كسرة خبز" وغيرها، وتشير إلى مجموعة "أبو نضارة" التي تأسست في سورية عام 2006 وألزمت نفسها بإنتاج فيلم تسجيلي قصير كل أسبوع بصفته طريقة خاصة في الاحتجاج والتظاهر، واستطاعت في ظل النظام أن تكون مستقلة بالكامل وتنجو بجلدها من القيود.
في ختام فصوله، يخلص الكتاب إلى أن السينما الوثائقية السورية في السنوات الأخيرة أنتجت عدداً كبيراً من الأفلام ذات النوعية الجيدة، بعضها حصل على جوائز عالمية. ويؤكد أن السوريين كسروا حاجز الخوف، وهذا ينطبق قبل كل شيء على مجال السينما الوثائقية التي كان لها الفضل في وضع سورية على رادارات العالم الشرقي والغربي، وكانت أقوى سلاح وأكثرها فاعلية. الأفلام التي أنتجت خلال الثورة تدين بهويتها للثورة نفسها التي منحتها الحرية وحطمت كل القيود التي كانت تكبل التصوير. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول كيفية الاستفادة من الأرشيف الضخم من المواد الخام التي لم تستثمر بعد، وحول العلاقة الإشكالية بين السينمائيين المحترفين والناشطين أصحاب المواد، وحول مستقبل هذا الجيل من السينمائيين في ظل النزوح والشتات وتغير الأولويات مع مرور الزمن. هذه الأسئلة تدعو إلى بحث مستقل، كما تشير بعض إشارات الكتاب.