Almawred
سوريا الثورة اليتيمة
عربي

سوريا الثورة اليتيمة

زياد ماجدar

في كتابه «سوريا الثورة اليتيمة»، يقدم الكاتب زياد ماجد تحليلاً شاملاً لمسيرة الثورة السورية منذ انطلاقتها في عام 2011 وحتى تحولها إلى حرب مدمرة متعددة الأوجه. الموضوع المحوري للكتاب هو محاولة فهم لماذا فشلت الثورة السورية في تحقيق أهدافها رغم التضحيات الجسيمة، ولماذا تُركت «يتيمة» بلا دعم حقيقي من المجتمع الدولي. الإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن الثورة لم تسقط بسبب ضعف داخلي أو انقسامات ثورية، بل لأنها واجهت ثلاثية قاتلة: نظام استبدادي عنيف ومترسخ، وحلفاء إقليميون ودوليون (إيران وروسيا) قدموا له دعماً مطلقاً، ومجتمع دولي متخاذل رفض تقديم الدعم الكافي للمعارضة المعتدلة، واكتفى بالمراقبة والإدانة الكلامية.

تبدأ حجة الكتاب بتحليل عميق لطبيعة نظام الحكم في سوريا، وهو ما يشكل أساساً لفهم مسار الثورة. يصف المؤلف كيف بنى حافظ الأسد، ومن بعده ابنه بشار الأسد، نظاماً استبدادياً معقداً، لا يعتمد فقط على القمع العسكري، بل أيضاً على عصبية طائفية مهيمنة، وهندسة اجتماعية، ومأسسة للاستبداد عبر قانون الطوارئ الذي فرض منذ 1963، وعلى شبكات محسوبية اقتصادية واسعة. لم يكن الأمر مجرد هيمنة علوية، بل تحالفاً معقداً بين ضباط من أصول ريفية من مناطق مختلفة، في مواجهة نخب المدن. ويضرب المؤلف مثالاً دامغاً على عنف هذا النظام بمجزرة حماة عام 1982، والتي راح ضحيتها ما بين 10 و20 ألف شخص. هذا النظام، الذي طوّر أجهزة قمعية متعددة ومتنافسة (مثل المخابرات الجوية)، وبنى عبادة شخصية لا تهدف إلى الإيمان بل إلى «التصرف وكأننا مصدقون»، هو الذي واجه الثورة. مع تولي بشار الأسد الحكم، سُحق بسرعة «ربيع دمشق» الواعد، واعتمد النظام «الخيار الصيني» المتمثل بتحرير اقتصادي واسع لصالح المقربين (مثل رامي مخلوف) مع إبقاء القبضة الأمنية الحديدية، مما أدى إلى تزايد الفساد وانهيار الزراعة (بانخفاض القروض الزراعية بنسبة تجاوزت 40% ) وتوسع الفقر.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى سرد مسار الثورة نفسها، محاولاً تفسير تحولها من انتفاضة سلمية إلى حرب همجية. يبدأ السرد من شرارة درعا في آذار/مارس 2011، حيث كان تعذيب الأطفال هو الشرارة الأولى، ثم يرسم صورة لتصاعد التظاهرات السلمية التي كانت الأعلى نسبة مشاركة في العالم العربي رغم القمع الأشد. يبرز المؤلف شخصيات وأحداثاً محورية، مثل أيقونة الثورة الأولى، الطفل حمزة الخطيب ذو الـ 13 عاماً الذي عذب حتى الموت في نيسان/أبريل. ويروي كيف بدأت عسكرة الثورة بتشكيل الجيش السوري الحر في تموز/يوليو 2011، مدفوعاً بالقمع الوحشي الذي استخدمه النظام، والذي وصل إلى ذروته في مجزرة هلال رمضان التي قتل فيها 110 مواطنين في يوم واحد. ثم يتابع الفصول التالية من المأساة: تحول حمص إلى «عاصمة الثورة» مع أيقونتها الجديدة عبد الباسط الساروت، وارتكاب المجازر في الحولة والقبير، وأخيراً المجزرة الكيماوية في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013 التي قتل فيها أكثر من 1400 شخص بغاز السارين. وقد نجا النظام من ضربة أمريكية محتملة بقبوله تسليم سلاحه الكيماوي. ويتناول الفصل بعمق ظهور «داعش» في نيسان/أبريل 2013 وسيطرتها على الرقة، وكيف تحولت الجماعة من تهديد للثورة إلى أداة استفاد منها النظام سياسياً لتشويه صورة الحراك.

يعمد الكتاب بعد ذلك إلى رسم لوحة دقيقة ومؤثرة لـ «سوريا الداخل» التي ظهرت بفعل الثورة. فهو لا يقدم تاريخاً كرونولوجياً، بل يلتقط المشاهد والتحولات العميقة في الحياة اليومية. يصف المؤلف كيف استعاد السوريون قدرتهم على التعبير بعد عقود من الصمت، فامتلأت المواقع الإلكترونية والفيسبوك بكتاباتهم وإبداعاتهم، من رواية «القوقعة» إلى فن الكاريكاتير وأفلام «الذاكرة الخلاقة». ويعتبر أن أبرز شعور رافق السوريين هو الدهشة: دهشة اكتشافهم لبلادهم ولأهلها، كما في بلدة كفرنبل التي تحولت إلى مثال للشجاعة. ويخصص مساحة مهمة لتحليل الرموز؛ فتكيسر تماثيل الأسد كان إعلاناً باستئناف الزمن بعد أن كانت التماثيل تجسيداً لاستمرار السلطة. كما يصف تحول العزاء من طقس فردي إلى فعل مقاومة جماعي، ودور النساء القيادي البارز في البداية (مثل المحامية رزان زيتونة التي حصلت على جائزة ساخاروف) الذي تراجع لاحقاً لصالح القيادات العسكرية الذكورية، وهو تحول يعتبره المؤلف نتيجة حتمية لعنف النظام الذي دفع السلميين إلى حمل السلاح. ويختتم الفصل بوصف الحصار والتجويع الذي مارسه النظام ضد المناطق المحررة، مقابل محاولته إبقاء مظهر «الحياة الطبيعية» في المناطق الساحلية.

في الفصل الأكثر تحليلاً، يتناول الكتاب «حلفاء النظام و«حلفاء» الثورة»، مقدمًا مقارنة صارخة في نوعية الدعم. يصف المؤلف الدعم الإيراني بأنه شامل ومتعدد المستويات: تخطيط عسكري عبر فيلق القدس، تسليح مستمر، وتدريب لأكثر من ثلاثين ألف شاب سوري في ميليشيا «الدفاع الوطني»، بالإضافة إلى إرسال آلاف المقاتلين من حزب الله اللبناني والشيعة من العراق، بقيمة إجمالية تجاوزت عشرة مليارات دولار. أما الدعم الروسي، فيصفه بأنه «صمام الأمان الدولي» للنظام، بفضل استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وتزويد النظام بأسلحة ثقيلة، والدفاع عنه لأسباب جيوسياسية (القاعدة البحرية في طرطوس) واقتصادية (عقود أسلحة بقيمة أربعة مليارات دولار) وأيديولوجية (رفض مبدأ تغيير النظام). في المقابل، ينتقد المؤلف وبقوة دعم «حلفاء الثورة». يوضح أن دعم تركيا كان مقيداً بمخاوفها من القضية الكردية، مما جعلها تتساهل في عبور الجهاديين في البداية. أما الدعم العربي، فكان ممزقاً بين التنافس القطري-السعودي، ومشروطاً ومرتبطاً بأجندات خارجية. وأخيراً، يوجه انتقاداً لاذعاً للموقف الأميركي والأوروبي، الذي وصفه بالتردد والتخاذل، حيث اكتفت إدارة أوباما بدعم دبلوماسي وعقوبات، رافضة تزويد المعارضة بأسلحة نوعية كالصواريخ المضادة للطائرات، ووجدت في الاتفاق الروسي لتسليم السلاح الكيماوي مخرجاً من ضربة عسكرية كانت ستنقذ آلاف الأرواح. ويخلص إلى أن هذا التردد ليس نتيجة تعقيد الموقف، بل هو خيار سياسي متعمد أطال أمد الحرب.

يختم الكتاب بفصل دفاعي قوي بعنوان «مقولات ضد الثورة»، حيث يفند الحجج والذرائع التي استُخدمت لتبرير التخلي عن السوريين. يقسم المؤلف هذه المقولات إلى ثلاث رزم: مقولات تدّعي الحياد (الخوف على الأقليات أو على الاستقرار) وهي برأيه تبرر الاستبداد القائم وتحمّل الضحايا مسؤولية جرائم القاتل. ثم مقولات يسارية وقومية تتهم الثورة بأنها مؤامرة أمبريالية أو تخشى من الإسلاميين، ويرد المؤلف بأن هؤلاء يختزلون كفاح شعب من أجل حريته في نظريات مؤامرة، ويتجاهلون أن اليسار العربي نفسه يملك إرثاً معادياً للديمقراطية. أما الرزمة الثالثة فموجهة للغرب، وتشمل معاداة الإمبريالية البافلوفية، والهوس بالتحليل الجيوستراتيجي، والإسلاموفوبيا. ويخصص مساحة للحديث عن حوادث فردية بشعة كواقعة أكل القلب، وكيف تم تضخيمها إعلامياً لتحويل الأنظار عن جرائم النظام اليومية. ويختتم بانتقاد حاد لاستخدام مصطلح «حرب أهلية» بدلاً من «ثورة»، معتبراً أنه تزوير متعمد يهدف إلى مساواة الضحية بالجلاد.

من الإنصاف الإشارة إلى أن الكتاب يقدم حججاً قابلة للنقاش بوضوح. فرغم قوة تحليله، يبدو المؤلف ملتزماً برؤية دفاعية عن الثورة قد لا تعرض وجهات نظر منتقديها (ممن خشوا الفوضى أو صعود الإسلاميين) بشكل متوازن، بل تقدمهم كمُتهمين بالتواطؤ. كما أن تبرير التحول العسكري والإسلامي للثورة كنتيجة حتمية لعنف النظام، رغم كونه تحليلاً مقنعاً، قد يقلل من دور العوامل الأيديولوجية والتمويل الخارجي في تشكيل هذا التحول. ومع ذلك، يظل «سوريا الثورة اليتيمة» شهادة قيّمة وأمينة، تقدم فهماً مركباً وصادقاً لأحد أعظم مآسي عصرنا، وتترك القارئ مع شعور بالغضب والأسى على شعب اختار الحرية فوجد نفسه وحيداً في ساحة المعركة.

Chapitres(5)

1.«سوريا الأسد» ودعاية الممانعة والحداثة21–50▼ résumé

يُشكّل الفصل المحوري من كتاب "سوريا الثورة اليتيمة" دراسة معمّقة لطبيعة نظام الحكم في سوريا منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1971، مروراً بتوريثها لابنه بشار الأسد، وصولاً إلى عشية الثورة السورية عام 2011. يجيب المؤلّف زياد ماجد عن سؤال جوهري: كيف استطاع هذا النظام البقاء والتماسك لعقود، على الرغم من قمعه الشديد وانعدام الشرعية الداخلية؟ الجواب الذي يقدّمه يتجاوز التفسيرات السطحية، ليكشف عن مزيج معقّد من العصبية الطائفية، القمع المنظّم، الهندسة الاجتماعية، والبناء الممنهج لدور إقليمي جعل من سوريا "وظيفة" خارجية على حساب شعبها ومجتمعها.

يبدأ الفصل بتشريح أسس الحكم الذي أرساه حافظ الأسد، والذي لم يقتصر على الاستبداد العسكري بل تعدّاه إلى ما يصفه المؤلّف "بمأسسة الاستبداد". فمنذ 1963، ومع فرض قانون الطوارئ، صادر النظام الحيّز العام وأطبق على النقابات والأحزاب والصحافة، موجهاً كلّ طاقات المجتمع نحو السكوت والطاعة. يستعرض المؤلّف كيف استند النظام في صعوده إلى تحالفات معقّدة، استفادت من الانقسامات الطائفية والإقليمية والريفية-الحضرية. لم يكن الأمر مجرد هيمنة علوية، بل كان تحالفاً بين ضباط من أصول ريفية، من مناطق مختلفة (اللاذقية، جبل العرب، حوران، دير الزور)، توحّدوا في مواجهة "المدينة" وتجارها الذين رأوا فيهم مستغلّين. هنا، يشير المؤلّف إلى استراتيجية حافظ الأسد، المستلهمة من ماكيافيللي، التي فضّلت "احتلال المدن" على "خنقها"، وذلك من خلال تشجيع الهجرات الريفية إليها، وتوسيع ضواحيها، ونسج علاقات المصالح مع تجارها ورجال أعمالها، مقابل إبعادهم عن السياسة. ويضرب مثالاً واحداً دامغاً على هذه السياسة: مجزرة حماة عام 1982، عندما تراجع النظام عن استراتيجية الاحتلال وعاد إلى خيار الخنق والتدمير، مذبحاً ما بين 10 و20 ألف شخص لسحق انتفاضة الإخوان المسلمين.

لتوطيد قبضته، لم يكتف النظام بالعنف المباشر، بل أقام عصبية طائفية مهيمنة، حلّل عملها ميشال سورا في نصّه الشهير "الدولة البربرية". هذه العصبية، التي حوّلت الطائفة العلوية إلى "طائفة سياسية" عبر خطاب ديني ومؤسسات خاصة (مثل جمعيات دينية)، تزامنت مع توسيع شبكات المحسوبية الاقتصادية. ويوضح المؤلّف كيف طوّر النظام أجهزته القمعية (مثل المخابرات الجوية) لتتعدّد وتتنافس فيما بينها، خالقةً جواً من الرعب والمراقبة الذاتية. أما على المستوى الرمزي، فقد شيّد حافظ الأسد "عبادة شخصية"، حلّلتها الباحثة ليزا ويدين، لا تهدف إلى خلق إيمان حقيقي بقدر ما تهدف إلى فرض طاعة قسرية، "التصرف وكأننا مصدّقون". هذا المزيج من "الكاريزما والتنظيم"، كما يستخدم الكاتب مصطلحات ماكس فيبير، هو ما ضمن سيطرة شبه مطلقة على المجتمع السوري لعقود.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة التوريث، التي بدأت بموت باسل الأسد (الوريث الأوّل) في حادث سير عام 1994، ليحلّ محله بشار الأخ الأقل خبرة. يستعرض المؤلّف كيف تمّ تحضير بشار الأسد لخلافة والده، عبر إزاحة الضباط الكبار، وتعيين الموالين له في أجهزة الأمن (مثل آصف شوكت وماهر الأسد)، وبناء صورة إعلامية له كرجل "التحديث". وكان أول اختبار لبشار إقليمياً في ملفين: إقناع والده بطرد عبد الله أوجلان من سوريا عام 1998 لتخفيف التوتر مع تركيا، ثم لعب دور في وصول اللواء إميل لحود إلى رئاسة لبنان عام 1998. مع وفاة حافظ الأسد في 10 حزيران/يونيو 2000، تمّ تعديل الدستور ليسمح لبشار (الذي كان يبلغ 34 عاماً) بالترشح، ليصبح ثاني وريث في العالم يرث والده في رئاسة جمهورية.

يشير المؤلّف إلى أن بداية عهد بشار شهدت "ربيع دمشق" الهش، حيث طالب مثقفون ونشطاء سياسيون (من بينهم رياض الترك الذي وصف سوريا بـ"سجن كبير"، ورياض سيف) بإصلاحات ديمقراطية وإلغاء قانون الطوارئ. لكن النظام سرعان ما سحق هذا الحراك، وأعاد اعتقال رياض الترك وحكم عليه بالسجن، وأغلق المنتديات، وأجهز على أي أمل في تغيير سياسي داخلي. وبدلاً من ذلك، انتهج النظام "الخيار الصيني"، وهو تحرير اقتصادي مع الحفاظ على القبضة الأمنية والسياسية. ترجم ذلك إلى خصخصة القطاعات الحيوية لصالح أقارب ومقرّبي الرئيس (أبرزهم رامي مخلوف)، وتزايد الفساد، وانهيار الزراعة (انخفاض القروض الزراعية بنسبة تجاوزت 40% )، وتوسع الفقر والتفاوت الطبقي، وزيادة التهريب مع العراق الخاضع للحصار.

أمّا إقليمياً، فيستعرض الفصل كيف أن الأدوار الخارجية للنظام حجبت الداخل السوري تماماً عن الأنظار. من حرب تشرين 1973 التي صوّرها النظام "تحريرية"، إلى الاجتياح السوري للبنان عام 1976، وتحالفه مع إيران بعد الثورة الإسلامية، واحتضانه لـ حزب الله، وإمساكه بملفات كردية وعراقية. كل هذه الأدوار حوّلت سوريا إلى "صندوق أسود"، وفق تعبير الكاتب المعارض ياسين الحاج صالح. وقد استمر هذا الواقع في عهد بشار، حيث سعت "سوريا الأسد" للبقاء "حاضرة" على حساب شعبها، من خلال دورها في "الحرب على الإرهاب" بعد 11 أيلول/سبتمبر، وفي تسهيل عبور الجهاديين إلى العراق، ثم في إدارة أزمة لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، والذي أجبر النظام على الانسحاب العسكري من لبنان بعد 30 عاماً من الاحتلال. وخلال هذه الأزمات، نجحت سوريا في العودة إلى الحظيرة الدولية بوساطة من قطر وتركيا، حيث تمّ تبادل الزيارات مع الرئيس الفرنسي ساركوزي عام 2008، وذلك على الرغم من المجازر التي كانت ترتكبها قواته داخل السجون (مثل مجزرة سجن صيدنايا في تموز/يوليو 2008). في الختام، يتّضح من الفصل أن النظام السوري بنى دعامتين أساسيتين لبقائه مدة طويلة: الأولى داخلية، تقوم على القمع والشبكات الطائفية والمصالح الاقتصادية، والثانية خارجية، تقوم على أدوار إقليمية ووعود وخدمات جعلته لا غنىً عنه في حسابات القوى الدولية والإقليمية، على حساب قمعه لوطنه وإفقار شعبه.

2.الثورة والهمجية51–84▼ résumé

يطرح هذا الفصل من كتاب «سوريا الثورة اليتيمة» موضوعاً محورياً هو تحول الثورة السورية من انتفاضة شعبية سلمية في بداياتها إلى حرب عنيفة وهمجية متعددة الأوجه، ويحاول المؤلف تفسير كيف ولماذا حدث هذا التحول. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الثورة ولدت كحركة تطالب بالحرية والكرامة، لكنها واجهت قمعاً وحشياً وممنهجاً من قبل النظام السوري، الذي استخدم كل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوي، مما دفع جزءاً من الثوار نحو حمل السلاح، ثم أدى تقاعس المجتمع الدولي ودعم إيران وروسيا للنظام، وتدفق الجهاديين والإرهاب الدولي، إلى تحويل الصراع إلى حرب طائفية وإقليمية معقدة يغلب عليها العنف والخراب.

يسير الفصل زمنياً وأحداثياً ليؤرخ لأهم محطات الثورة السورية منذ انطلاقتها في شباط/فبراير وآذار/مارس 2011. يبدأ بوصف الشرارات الأولى في دمشق ودرعا، حيث اعتقال الأطفال وتعذيبهم كان الشرارة التي أشعلت الغضب، ويركز على دور مدينة درعا كمنطلق للثورة بفضل صمودها وتضامن المناطق الأخرى معها. ثم ينتقل الفصل لوصف تصاعد التظاهرات في نيسان/أبريل، ويبرز مجزرتي حمص في 15 نيسان/أبريل حيث قتل أكثر من مئة متظاهر، ومحاولة الوصول إلى ساحة العباسيين في دمشق في اليوم التالي والتي انتهت بإطلاق نار كثيف من الأمن.

يتناول الفصل تسمية أيام الجمعة، حيث كانت أسماء مثل «جمعة أسرى الحرية» و«جمعة أحفاد خالد» تُطلق لتوحيد الشعارات، وكانت صفحة «الثورة السورية ضد بشار الأسد» على فيسبوك تلعب دوراً رئيسياً في انتقائها. ويشير إلى أن نسبة المشاركة في التظاهرات في سوريا كانت أعلى منها في مصر وتونس وليبيا رغم القمع الأشد. يُسلط الضوء على أيقونة الثورة الأولى حمزة الخطيب، الطفل ذو الـ 13 عاماً الذي عذب حتى الموت في نيسان/أبريل، ويصف تأسيس أول تنظيمين للحراك هما «اتحاد تنسيقيات الثورة» و**«لجان التنسيق المحلية»** في حزيران/يونيو. يوضح الفصل أن النظام ركز قمعه مبكراً على منطقة حمص وريفها، التي كانت معقلاً للإخوان المسلمين في الثمانينات، مستخدماً القوة المفرطة.

يتناول الفصل أيضاً الانشقاقات الأولى في الجيش، بدءاً من الملازم عبد الرزاق طلاس والمقدم حسين هرموش في حزيران/يونيو، وكيف أن النظام اختطف هرموش بعد استدراجه من تركيا، ثم يحلل الفصل تحول شهر رمضان في آب/أغسطس 2011 إلى نقطة تحول عنفية، حيث صعد النظام القصف والاجتياحات في عدة مدن، وارتكب مجزرة «هلال رمضان» التي قتل فيها 110 مواطنين في يوم واحد. يصف الفصل بداية عسكرة الثورة بتشكيل «الجيش السوري الحر» في تموز/يوليو 2011 بقيادة العقيد رياض الأسعد، ويستعرض الجدل داخل الحراك حول مسألة التسليح.

يواصل الفصل تتبع التطورات حتى عام 2012 و2013، مركزاً على مدينة حمص التي تحولت إلى «عاصمة الثورة» مع أيقونة جديدة هي عبد الباسط الساروت. ثم يصف الفصل قصف حي بابا عمرو وتدميره، واقتحام «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» في دمشق واعتقال مديره مازن درويش ورفاقه، ومقتل الصحفيين ماري كولفين ورمي أوشليك ورامي السيد. يتناول التصعيد الطائفي بظهور «سوق السنة» في حمص، والمجازر في الحولة والقبير والحمة في أرياف حمص وحماة واللاذقية في أيار/مايو 2012.

يُفرد الفصل مساحة لتحليل ظهور «داعش» (الدولة الإسلامية في العراق والشام) بعد إعلانها في نيسان/أبريل 2013، وسيطرتها على الرقة في آذار/مارس 2013، وتحويلها المدينة إلى كابوس، وخطفها للناشطين مثل فراس ال حاج صالح وباولو دالوليو. يصف الفصل التحول في الاستراتيجية العسكرية للنظام في 2013، القائمة على ستة مبادئ منها حصر العمليات في مناطق محددة واستخدام المقاتلين الطائفيين من حزب الله والعراق، وذلك بعد خسارته معظم المساحة السورية. ويتناول الفصل المجزرة الكيماوية في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013 التي قتل فيها أكثر من 1400 شخص بغاز السارين، وكيف نجى النظام بعدها من ضربة أمريكية محتملة بقبول تسليم سلاحه الكيماوي.

في ختام الفصل، يعترف المؤلف بتعقيد المشهد المستقبلي، ويترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية إعادة بناء سوريا بعد كل هذا الدمار والخراب، وعن مصير تحول الثورة إلى حرب طائفية وصراع إقليمي يصعب حلّه. ويشير إلى أن النقاش حول «اليوم التالي» قد بدأ في أوساط الباحثين، مع دراسات عن العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار.

يبرز من الفصل حجتان قابلتان للنقاش: الأولى هي مسؤولية المجتمع الدولي في تحول الثورة إلى حرب، من خلال تقاعسه عن وقف القتل ورفضه تقديم الدعم الكافي للمعارضة المعتدلة. الثانية هي الدور المزدوج لظهور الجماعات الجهادية مثل «داعش» و«جبهة النصرة»، وكيف أن النظام استفاد سياسياً من وجودها لتشويه صورة الثورة وتبرير قمعه، بينما كانت هذه الجماعات تمثل تهديداً حقيقياً للثورة نفسها ومستقبل سوريا.

3.ملامح لـ«سوريا الداخل»85–112▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل محاولةً لرسم ملامح «سوريا الداخل» كما تجلّت بعد اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، وهي محاولة لا تهدف إلى تقديم تاريخ كرونولوجي، بل إلى التقاط المشاهد المتفرقة والتحولات العميقة التي طالت حياة السوريين اليومية وعلاقتهم بأنفسهم وبالعالم. يرى المؤلف أن الثورة لم تكن مجرد حراك سياسي، بل كانت حدثاً تكوينياً فجّر طاقات كامنة من الإبداع والتعبير، وكشف في الوقت نفسه عن وجه النظام العنيف الذي لم يتردد في ممارسة مستويات خرقة من القمع حين صمت (أو أعال) بعض العالم عنه. المحور الأساسي هو استعادة السوريين لقدرتهم على التعبير والقول بعد عقود من الصمت والقمع، واكتشافهم الذاتي لبلادهم وأهلهم، في مقابل محاولات النظام المستمرة لإخفاء هذا «الداخل» ومحوه.

يسير الفصل عبر سلسلة من اللوحات المتصلة، يبدأ أولها بعملية استعادة اللغة والذاكرة. يصف المؤلف كيف أن السوريين بدوا وكأنهم يسابقون الزمن لتعويض عقود من الصمت، فامتلأت الصحف والمواقع الإلكترونية (مثل «نوافذ» و«الملحق» و«ناو» و«المدن») بمقالاتهم، وتحول الفيسبوك إلى ساحة للبوح والتدوين الجماعي. يستشهد المؤلف بأمثلة على هذا الإنتاج الغزير، مثل رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، ونصوص فرج بيرقدار، وكتاب ياسين الحاج صالح، وفيلم هالة محمد «رحلة في الذاكرة» الذي يتناول سجن تدمر. ويعتبر أن مجزرة حماة عام 1982 ظلت جرحاً غائراً وصمة في الذاكرة السورية، وجاء إحياء ذكراها الثلاثين في شباط/فبراير 2012 كتنقيب أصعب في الذاكرة الجماعية. هذا الاستعادة للمكبوت، من قصص السجن والأسى إلى تفاصيل الحياة اليومية القاسية (كالتعليم الطلائعي، والخوف من التفتيش، والطائفية المكبوتة)، تحولت إلى نوع من العلاج النفسي الجماعي، ما حرّر الكثيرين من شعور الذنب والصمت.

اللوحة التالية يخصصها الفصل للإبداع الفني الذي فجرته الثورة منذ أيامها الأولى. من تصميم الشعارات والكاريكاتور، إلى الموسيقى والأفلام القصيرة، ومن احتفالية «الشارع 2012» السنوية إلى صفحات الفيسبوك المتخصصة (مثل «فن الثورة السورية» و«الشعب السوري عارف طريقه»)، برزت طاقات إبداعية مدهشة صاحبت النهوض الشعبي وتابعت مسيرة الموت والقتال. يبرز المؤلف موقع «الذاكرة الخلاقة» (www.creativememory.org) الذي يهدف لأرشفة كل ما يتعلق بالثورة فنياً، وموقع مجموعة «أبو نضارة» السينائية التي أنتجت أفلاماً ومقالات حول صورة السوري. وتحت عنوان «الاكتشاف والدهشة»، يعتبر المؤلف أن أبرز انفعال رافق السوريين هو الدهشة: دهشة اكتشاف بلادهم وناسها، كأن يتساءل المرء أين كان مختبئاً هذا الكم الهائل من المواهب والذكاء والسخرية في بلدة مثل كفرنبل، التي تحولت إلى قبلة للمتظاهرين ومثالاً للشجاعة والتصميم. هذه الدهشة هي اكتشاف لأفراد المجتمع لبعضهم البعض بعد عقود من التفرقة والتوحد.

ينتقل الفصل إلى تحليل الشعارات والأماكن التي احتضنت الثورة. يصف كيف أن هتافات المتظاهرين حملت مضامين سياسية مكثفة، انتقلت من تأكيد الوحدة الوطنية («الشعب السوري واحد») إلى تحدي مباشر للنظام («سوريا لنا وما هي لبيت الأسد») وصولاً إلى رغبة في اقتلاع تاريخ الأسد بأكمله. وكانت المساجد وصلوات الجمعة الحاضنة الأساسية للتجمعات، لأسباب عدة منها: حرمة المكان وانتشاره، وغياب الأحزاب، وقدرة النظام على ملاحقة المتظاهرين في الساحات العامة. في المقابل، كانت رقعة التظاهر مركزة في المناطق الريفية وضواحي المدن وأحيائها الشعبية، مما كسر حالة التفتيت التي يمارسها الاستبداد وخلق تضامناً جديداً بين المناطق. إذا كانت بعض المناطق لم تشارك أو ترددت، فيعزو المؤلف ذلك لأسباب منها الخوف الطائفي أو المصلحة الاقتصادية أو الخشية من «الفوضى».

يلقي الفصل نظرة عميقة على مفهوم الزمن والتماثيل كأداتين للاستبداد. يرى أن الاستبداد الأسدي، منذ عهد حافظ الأسد، سعى إلى «ترويض الزمن» وإظهاره عنصراً مضبوطاً لصالحه، عبر شعارات مثل «الرئيس الخالد» والتماثيل التي تنتصب في الساحات. فالتمثال ليس مجرد صورة، بل هو تجسيد لاستمرار السلطة واحتلالها للزمن. لذلك، كان تكسير تماثيل الأسد في الأيام الأولى للثورة عملاً رمزياً بامتياز، فهو إعلان بأن سطوة «الأسد المؤسس» قد انتهت، وأن الزمن قد استؤنف من جديد، رغم الأضرار الجسيمة التي لا يزال الحاضر يحملها.

الموت والعزاء يأخذان مساحة مهمة في الفصل. تحوّل العزاء من طقس فردي إلى فعل مقاومة سياسية وجماعية. الموت في سوريا منذ آذار/مارس 2011 لم يعد طبيعياً، بل أصبح موتاً جماعياً مفاجئاً بفعل القصف والمجازر، مما جعل الخصوصية الفردية مستحيلة. حوّلت همجية النظام الموت إلى تقطيع أوصال، مما جعل إعادة تركيب الجثامين وجمع الأرقام هوى صعباً. ومع ذلك، يصبح العزاء بحد ذاته شكلاً من أشكال التظاهر والمواجهة، فهو تحدٍ للقتل ومحاولة لاستمرار المسيرة رغم الخطر، وهو توحيد عاطفي لفاعلين سياسيين.

يتناول الفصل دور النساء في الثورة، وكيف كان بارزاً وقيادياً في العام الأول، خاصة في التنظيم والتوثيق والخدمات. برزت أسماء مثل المحامية رزان زيتونة التي حصلت على جائزة «آنا بوليتكوفيسكايا» وجائزة «ساخاروف لحرية الفكر» في تشرين الأول/أكتوبر 2011، وسهير الأتاسي، وفداء حوراني. لكن مع اشتداد القمع وتوحش النظام، وحصار المناطق وتجويعها، ضعفت الأدوار المدنية والقيادية للنساء، وتحول مركز الثقل نحو القيادات العسكرية الذكورية المحافظة، ثم الإسلامية. هذا التحول المؤلم لم يكن «خطفاً» للثورة كما يرى البعض، بل هو نتيجة حتمية لعنف النظام الذي دفع المتظاهرين السلميين إلى حمل السلاح، مما غير نخبها القيادية وجعل الخطاب الديني والتمويل الخارجي أكثر حضوراً.

يخصص الفصل قسماً طويلاً للإنترنت السوري، الذي تحول إلى جزء حيوي من يوميات السوريين وثورتهم. لم يعد الفايسبوك مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح فضاءً عاطفياً استثنائياً يسمح بنوع من التعبير الموجز والتجريدي (باللايك والشير والصورة) لا تتيحه اللقاءات المباشرة. يخلص الفصل إلى استنتاجين: الأول أن العلاقة الافتراضية تخطت الوظيفة المعلوماتية إلى التماس العاطفي؛ والثاني أن سوريا الثورة هي مرحلة جديدة في تاريخ الإنترنت نفسه، حيث تم دمج المرحلة الثانية (الاتصال المتنقل) مع انتاج ثقافي وفني وعاطفي مكثف وفي زمن حقيقي، مما جعل الافتراض والواقع يتداخلان بشكل غير مسبوق.

يتناول الفصل «صور سوريا» ووجوه القتلة التي باتت مرئية بوضوح أمام العالم، وهي سابقة تاريخية. لأول مرة، يرى المشاهدون وجوه الجلادين وهم يعذبون ويقتلون، وجوه تشبه وجوه الجيران وأهل الشارع. هذا الكشف الكامل للقاتل اليومي يحمل خطورة، لأنه بعد الحروب والثورات، عادة ما تختفي تفاصيل القتل ووجوه القتلة، فيتحولون إلى «مواطنين عاديين» وقد يحملون أسراراً. أما في سوريا، فهذه هي التجربة الأولى التي يشهد فيها العالم وجوه الجلادين مباشرة، مما يصعب التطبيع معهم لاحقاً. هذا يجعل سوريا بمثابة تمرين صعب ومؤلم على التسامح المستقبلي مع أطفال هؤلاء القتلة.

يختتم الفصل برسم مشهد الحصار والمناطق الآمنة. يصف كيف أن النظام، بعد تحرير الثورة لمناطق واسعة، قطع الكهرباء والغاز والهاتف والمواد الغذائية عن تلك المناطق، خاصة الغوطتين وحمص، في محاولة لتجويع أهلها وإجبارهم على الاستسلام. في المقابل، يحاول النظام الإبقاء على مظهر «الحياة الطبيعية» في المناطق الساحلية (طرطوس واللاذقية)، مع تدفق الغاز والكهرباء والإعلانات السياحية، كي يبعث برسالة لسكانها بأن استمرار حياتهم الهانئة يتطلب القتال في المناطق البعيدة. يقر المؤلف بأن النظام لم ينجح في تكريس قطيعة نهائية بين الساحل وباقي المناطق، خاصة مع وجود مئات آلاف النازحين من مناطق أخرى واستضافتهم هناك. وأخيراً، يشير إلى ظهور تجارب جديدة في المناطق المحررة كالمجالس المحلية لإدارة الشأن العام، رغم محدودية مواردها وتصادمها مع الكتائب الإسلامية أحياناً.

في خاتمة الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم نظرة مركبة ومؤثرة ومحايدة إلى حد كبير، فهو لا يتجاهل التناقضات والمآسي والتحولات الصعبة التي رافقت الثورة. النص يتجنب التبسيط المفرط أو التمجيد الأعمى، ويعترف بحدود تحليله ويترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه التحولات. الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي تلك التي تبرر التحول العسكري والإسلامي للثورة كنتيجة حتمية لعنف النظام وليس كنتيجة لعوامل داخلية أخرى، مما قد يثير جدلاً حول دور العوامل الأيديولوجية والتمويل الخارجي في هذا التحول. ومع ذلك، يظل الفصل شهادة قيّمة على غنى وتناقض وعمق التجربة السورية في لحظة تاريخية فاصلة.

4.حلفاء النظام و«حلفاء» الثورة113–142▼ résumé

ملخص الفصل الرابع: «حلفاء النظام و«حلفاء» الثورة» من كتاب «سوريا الثورة اليتيمة» لزياد ماجد

يحلل هذا الفصل بشكل أساسي مواقف القوى الإقليمية والدولية من الثورة السورية، ويقارن بين دعم حلفاء النظام (إيران وروسيا) الثابت والحاسم، وبين الدعم المتردد والمشروط من قبل «حلفاء» الثورة (تركيا وقطر والسعودية والدول الغربية). يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن عدم تكافؤ الدعم بين الطرفين، لا سيما الدعم العسكري والسياسي المطلق من إيران وروسيا للنظام مقابل الدعم المشروط والمتخاذل من الدول الداعمة للمعارضة، هو سبب رئيسي في تطويل أمد الصراع وإطالة عمر النظام.

يسير الفصل خطوة خطوة بتفكيك مواقف كل طرف. يبدأ بتحليل الدعم الإيراني الشامل والمتعدد المستويات. يوضح أن إيران لم تقتصر مساعدتها على الخبرات الأمنية والتقنية لقمع الاحتجاجات السلمية في بدايات الثورة، بل انتقلت مع التحول إلى العمل المسلح إلى ثلاثة مستويات: أولاً، التخطيط العسكري للعمليات تحت إشراف ضباط من «فيلق القدس» في الحرس الثوري. ثانياً، التسليح المستمر بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ قصيرة المدى. ثالثاً، التدريب، حيث قامت بتدريب أكثر من ثلاثين ألف شاب سوري (غالبيتهم من الطائفة العلوية) ضمن ميليشيا «الدفاع الوطني»كما أرسلت إيران آلاف المقاتلين من الشيعة ومن حزب الله اللبناني للقتال في سوريا، وتزايدت أعدادهم عبر السنوات. يذكر المؤلف أن قيمة المساعدات الإيرانية تجاوزت عشرة مليارات دولار، ويعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الاستثمار الضخم رغم العقوبات: الحلف القديم منذ العام 1979، والأهمية الجيوسياسية لسوريا كحلقة وصل في «القوس الشيعي» الذي يمتد من إيران إلى لبنان، والحاجة للدفاع عن النفوذ الإقليمي في العراق ولبنان، بالإضافة إلى البعد الإيديولوجي-المذهبي.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تحليل الدعم الروسي، واصفاً روسيا بأنها «صمام الأمان الدولي» للنظام. يذكر أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات في مجلس الأمن لمنع إدانة النظام، وكانت المزود الأول له بالسلاح الثقيل. يفصل المؤلف ستة أسباب رئيسية للتشدد الروسي: أولاً، الرغبة في استعادة النفوذ الدولي بعد تهميشها منذ حرب الخليج الثانية وحروب البلقان وغزو العراق. ثانياً، الحفاظ على حليفها الاستراتيجي الوحيد في الشرق الأوسط، مع الإشارة إلى القاعدة البحرية الروسية الوحيدة في البحر المتوسط في طرطوس. ثالثاً، موقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الداعم للنظام باعتباره حامياً للمسيحيين، والقلق من «الصعود السنّي». رابعاً، حماية سوق الأسلحة الروسية في سوريا الذي تبلغ قيمة عقوده نحو أربعة مليارات دولار. خامساً، إظهار الموثوقية كحليف لا يتخلى عن شركائه. سادساً، رفض مبدأ تغيير النظام (تغيير النظام) تحت أي ذريعة، تأسيساً على مفهوم السيادة المطلقة للدول.

يشير المؤلف إلى أن الصين تنضم إلى روسيا وإيران في دعم النظام، مدفوعة بمبدأ رفض التدخل الأجنبي ومصالح اقتصادية مشتركة، وقد استخدمت هي الأخرى الفيتو إلى جانب روسيا. كما يقدم الفصل ملاحظة مهمة حول القواسم المشتركة بين هذه الأنظمة الداعمة (إيران، روسيا، الصين) في استخدامها المفرط للعنف ضد خصومها الداخليين، مما يجعل انتقادها لمجازر النظام السوري منافقاً.

على الجانب المقابل، ينتقل الفصل لتحليل مواقف «حلفاء الثورة»، ويبدأ بتركيا. يذكر أن تركيا قررت دعم المعارضة في حزيران/يونيو 2011 بعد زيارتين فاشلتين لأردوغان وأوغلو إلى دمشق. فتحت تركيا حدودها للمنشقين واللاجئين، وسمحت بنقل الأسلحة للمقاتلين في الشمال السوري. لكن الدعم التركي كان مقيداً بعوامل عدة: ارتباطه الوثيق بالحزب الحاكم ذي الخلفية «الأخوانية»، والانقسام الداخلي في تركيا حول الثورة (بين العلمانيين واليسار والعلويين الأتراك)، وكون تركيا عضواً في حلف الناتو. العامل الأهم كان القضية الكردية؛ فقد خشيت أنقرة من قيام حكم ذاتي كردي في سوريا، مما دفعها لمرحلة من التساهل في عبور الجهاديين (حتى ربيع 2013) لإشغال القوى الكردية، لتعود بعدها وتمنع عبورهم.

يتناول الفصل بعد ذلك المواقف العربية، مركزاً على قطر و السعودية. كانت قطر الأكثر اندفاعاً في الدعم المبكر عبر قناة الجزيرة (بدءاً من أيار/مايو 2011) والدعم المالي والعسكري، خاصة للكتائب المحسوبة على الإخوان المسلمين. كان هدف قطر هو تعزيز دورها القيادي في المنطقة ودعم حكومات جديدة للإخوان. أما السعودية، فدخلت الخط متأخرة (من آب/أغسطس 2012) ومترددة في البداية بسبب انشغالها بأوضاع البحرين واليمن. كان هدفها الرئيسي مواجهة النفوذ الإيراني، ودعمت ألوية مقاتلة عبر الحدود الأردنية. يشير الفصل إلى أن التنافس بين هاتين الدولتين وتركيا من جهة، والتردد الغربي من جهة أخرى، حال دون تشكيل استراتيجية سياسية وعسكرية موحدة وفعالة لدعم الثورة. ويضيف أن سمعة هذه الأنظمة غير الديمقراطية أضرت بصورة الثورة عالمياً.

أخيراً، يحلل الفصل بدقة مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ويخصص مساحة واسعة لشرح أسباب التردد الأميركي. يرى المؤلف أن نظرة إدارة أوباما كانت محكومة بأولويات عدة: تجنب أي تدخل عسكري جديد احتراماً لقاعدته الانتخابية المناهضة للحروب بعد العراق، وأولوية الملف النووي الإيراني والملف الفلسطيني، واعتبار سوريا ساحة لاستنزاف إيران، إضافة لمراعاة المصالح الإسرائيلية التي فضلت بقاء الأسد ك «شيطان معروف». لذلك، اكتفت واشنطن بدعم دبلوماسي وعقوبات اقتصادية وطلب من حلفائها تزويد المعارضة بأسلحة (بدون صواريخ مضادة للطائرات). كان الموقف الأوروبي منقسماً، حيث كان فرنسا وبريطانيا أكثر ميلاً لتسليح المعارضة، بينما عارضته دول أخرى، وعجز الاتحاد الأوروبي عن لعب دور فاعل.

يسجل الفصل اعترافاً من المؤلف بأن التلويح بالحزم الدولي بعد مجزرة الغوطة الكيماوية في 21 آب/أغسطس 2013 (التي راح ضحيتها مئات القتلى باستخدام غاز السارين) وضع النظام في حالة «رعب» وأجبر روسيا وإيران على البحث عن مخارج. لكن الإدارة الأميركية، وبعد أن خططت لضربة عسكرية محدودة، تراجعت بعد تصويت البرلمان البريطاني ضدها، لتجد في المبادرة الروسية بتسليم الأسلحة الكيماوية مخرجاً. خلص هذا الاتفاق الذي تم في 14 أيلول/سبتمبر 2013 إلى أن تسليم السلاح الكيماوي أصبح مرادفاً لنجاة النظام من العقاب، مما خلف إحباطاً لدى المعارضة.

في نهاية الملخص، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن التردد والتخاذل من قبل الدول الداعمة للثورة لم يطيل أمد الحرب فحسب، بل شجع روسيا وإيران على التصعيد. ينتقد المؤلف بقوة الحجج التي ساقتها التيارات المعارضة للتدخل في الغرب (الانعزالية وعدم الثقة بالحكومات)، معتبراً أنها أغفلت حقيقة أن الإجراءات المحدودة كانت يمكن أن تقلل من أعداد الضحايا وتقصّر أمد الحرب، وأن ترك الأمور بدون دعم كان بمثابة إعطاء حصانة للقاتل. ويترك الفصل أسئلة مفتوحة حول العواقب المستقبلية لهذا الموقف الدولي المتراخي، واضعاً إياه تحت عنوان أوسع هو «إيثار ترك السوريين يرتبون أمورهم».

5.مقولات ضد الثورة143–160▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول تفنيد الحجج والذرائع التي استُخدمت لمعارضة الثورة السورية أو التململ منها، منذ انطلاقتها. يقدم المؤلف، زياد ماجد، إجابة واضحة مفادها أن كل هذه المقولات، باختلاف مصادرها من قوميين أو يساريين أو غربيين، تشترك في ازدراء الشعب السوري وتجاهل تطلعاته، وتمثل غطاءً لجرائم النظام أو تواطؤاً معها.

يسير الفصل بتقسيم الانتقادات الموجهة للثورة إلى ثلاث «رزمات» رئيسية. الرزمة الأولى يدّعي أصحابها الحياد، ويركزون على «الخوف»، مثل الخوف على الأقليات (المسيحيين والعلويين) من الاضطهاد، أو الخوف على الاستقرار والسلم الأهلي في سوريا. ويُفكك المؤلف هذه الحجج بأنها تبرر الاستبداد الفعلي القائم منذ أربعة عقود باسم الخوف من استبداد محتمل، وتحميل الضحايا مسؤولية جرائم القاتل. في المقابل، تظهر أربع مقولات أخرى بعد عسكرة الثورة، ينشرها كتّاب «قوميون عرب» بدعوى الحكمة، وهي: تحميل السوريين المسؤولية عن الكوارث لأنهم حملوا السلاح دفاعاً عن أنفسهم؛ واعتبار الثورة إسلامية وبالتالي رفض دعمها؛ والتساؤل عن جدوى الثورة على مجرم معروف بجرأته؛ والادعاء بأن غياب البديل المنظم يخشى من فوضى على غرار أفغانستان والعراق وليبيا، مما يجعل إسقاط الأسد صعباً.

الرزمة الثانية تضم اليساريين والوطنيين الذين تجاوزوا الحياد إلى العداء الصريح، وركزوا على ثلاث قضايا لتجنب مناقشة حقوق السوريين. القضية الأولى هي ربط أي نقاش حول سوريا بأوضاع البحرين وقطر والسعودية، أو استذكار ضحايا الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق والهجمات الإسرائيلية على غزة، كطريقة لتحويل الانتباه. وتتطرق الحجة هنا إلى حادثة شهيرة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، حيث نشرت «قناة الميادين» صورة لأطفال وامرأة مضرجين بدمائهم، زاعمة أنها من غزة، ليتضح لاحقاً أنها من سوريا. تم سحب الصورة دون اعتذار، مما يكشف، حسب المؤلف، مأزقاً أخلاقياً لهذه القناة التي تتجاهل ضحايا النظام السوري وتستخدمهم كوقود لروايات أخرى.

القضية الثانية هي الاعتماد على نظرية المؤامرة، حيث يُختزل الصراع في سوريا إلى مؤامرات ومكائد «سايكس بيكوية» ومشاريع إمبريالية وصهيونية، متجاهلين تماماً كفاح السوريين من أجل حريتهم. القضية الثالثة هي ذريعة «العلمنة»، حيث يزعم بعض اليساريين أنهم يدعمون الاستبداد غير الديني خوفاً من سيطرة الإسلاميين على الحكم. وينتقد المؤلف هذا المنطق، مشيراً إلى إرث اليسار العربي نفسه معادٍ للديمقراطية، وأن أنظمة الاستبداد العربية، بما فيها النظام السوري، مستقاة من تجارب المعسكر الاشتراكي السابق. كما يخصص الفصلاً للنقاش حول استغلال القضية الفلسطينية لتبرير قمع السوريين، مثل تسمية أحد أبشع مراكز الاعتقال والتعذيب في دمشق باسم «فرع فلسطين»، مما يوضح كيف حوّل النظام قضية تحرر شعب إلى أداة لسجن وتجويع شعوب أخرى.

أما الرزمة الثالثة والموجهة للغربيين، فتشمل أربعة أمور يسارية غربية تعزز دعم النظام. أولها «معاداة الإمبريالية» البافلوفية، حيث يُعتبر أي نظام يصطف ضد الغرب جديراً بالدعم، بغض النظر عن جرائمه. ثانيها الهوس بالتحليل الجيوستراتيجي الذي يتجاهل الناس وكرامتهم، مختزلاً الصراع في مصالح وخريطة. ثالثها «الثقافوية» التي تعتبر العنف في الشرق «أمراً طبيعياً» لا يستحق الاستنكار. ورابعها «الإسلاموفوبيا» التي تفضّل أي دكتاتور، حتى لو قتل مئات الآلاف من المسلمين، على احتمال وصول إسلاميين إلى الحكم.

ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل دور الإعلام في تشويه صورة الثورة، عبر استعراض حالتين شهيرتين استُخدمتا لتبرير اللامبالاة والحياد. الحالة الأولى هي واقعة أكل قلب جندي قتيل من قبل مقاتل يُدعى «أبو قعقاع» في منطقة حمص في أيار/مايو 2013، والحالة الثانية هي الفبركة المزعومة لظاهرة «جهاد النكاح» في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2013. يرى المؤلف أن هذه الحوادث، رغم بشاعتها الفردية، تم تضخيمها بشكل غير متناسب، مما أدى إلى تحويل الأنظار عن جرائم النظام اليومية بحق عشرات الآلاف من المدنيين، وجعل الثورة تبدو كأنها مسؤولية متساوية الأطراف إجراماً وجنوناً.

يختتم الفصل بانتقاد مقولات «التعقيد» و«الحرب الأهلية» التي انتشرت من العام 2013 فصاعداً. يُصنّف المؤلف استخدام مصطلح «حرب أهلية» و«أزمة سورية» بدلاً من «ثورة سورية» كتزوير متعمد، يهدف إلى إظهار النظام كطرف مثل غيره، متجاهلاً حقيقة أن الثوار هم أكثرية شعبية واجهت نظاماً يمتلك لوحده الأسلحة الثقيلة. ورغم ضعف رد الفعل الدولي على المجزرة الكيماوية التي ارتكبها النظام، يخلص المؤلف إلى أن التردد في التضامن الحقيقي مع السوريين هو نتيجة تحالفات سياسية ومخاوف، لا نتيجة فهم معقد للموقف، مؤكداً على الحق الأساسي في الكفاح ضد الاستبداد.

يمكن القول إن النص يحمل نبرة دفاعية قوية، حيث يبدو المؤلف ملتزماً بخطاب داعم للثورة بشكل حاسم، مما يجعله يقدم حججاً مقنعة في تفنيد أكاذيب النظام، ولكنه في الوقت نفسه قد لا يعرض وجهات نظر منتقدي الثورة بشكل متوازن، بل يقدمهم كمُتهمين بالتواطؤ أو الكراهية.