سوريا الفيدرالية دراسة مسحية - اليوم التالي
يتمحور الكتاب حول استقصاء آراء السوريين حول ثلاثة نماذج للحكم: الفيدرالية، واللامركزية، وتجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) عام 2014. ينطلق الكتاب من ملاحظة أن الدعوات الدولية لاختبار الحكم الفيدرالي في سوريا، ولا سيما من روسيا والولايات المتحدة، جاءت دون الاكتراث لموقف السوريين أنفسهم. يهدف المسح إلى سد هذه الفجوة عبر تقديم بيانات ميدانية تعزز مشاركة السوريين في تقرير مستقبلهم، وتكشف عن التصورات السائدة بين مختلف الجماعات القومية والطائفية، أملاً في إيجاد مشتركات تساهم في العملية الانتقالية بعد الحرب.
تسير حجة الكتاب عبر ثلاثة فصول تنتقل من العام إلى الخاص. في الفصل الأول، يفحص الكتاب الموقف من الفيدرالية كمبدأ عام، ليجد رفضاً شبه إجماعي في مناطق النظام ومناطق المعارضة، بينما يسود تأييد شبه إجماعي في مناطق الإدارة الذاتية، مما يكشف انقساماً حاداً. في الفصل الثاني، ينتقل إلى اللامركزية كمفهوم أقل حدة، مستخدماً أسئلة عن توزيع الصلاحيات بدلاً من المصطلح نفسه، ليكتشف وجود أرضية أوسع للتأييد، وإن كانت متفاوتة بين المناطق والطوائف. في الفصل الثالث، يركز على تجربة الإدارة الذاتية كمشروع قائم، ليخلص إلى أن هذا النموذج المحدد يثير استقطاباً أشد من الفيدرالية المجردة، خصوصاً بين العرب والكرد داخل مناطق الإدارة الذاتية نفسها. المنطق العام هو اختبار مدى قابلية كل نموذج للقبول المجتمعي، والبحث عن صيغة وسيطة قد تلقى توافقاً أوسع.
من أبرز الأرقام اللافتة أن 79.6% من المستجيبين في مناطق الإدارة الذاتية يؤيدون الفيدرالية، مقابل 57.0% في مناطق النظام و 44.0% في مناطق المعارضة يعارضونها بشدة. على المستوى القومي، يؤيد 65.4% من الكرد الفيدرالية بشدة، بينما يعارضها 96% من العرب بشكل عام. طائفياً، يصل الرفض القاطع للفيدرالية إلى 93.2% عند العلويين، و 84.6% عند الإسماعيليين. فيما يخص اللامركزية، يريد 65.6% من مستجيبي مناطق النظام "حكومة واحدة في العاصمة بيدها كل السلطات"، بينما يختار 73.7% في مناطق الإدارة الذاتية "دولة اتحادية بأقاليم ذات حكم شبه ذاتي". وفي مناطق المعارضة، يظهر ميل واضح نحو اللامركزية حيث اختار 30.0% سلطات محلية بصلاحيات واسعة و 16.2% صلاحيات أكبر من الحالية. أما بالنسبة للإدارة الذاتية، فالمعارضة شبه كاملة في مناطق النظام والمعارضة، حيث تجاوزت نسبة المعارضين بشدة 70.0% عند الشيعة و العلويين، كما يعارضها 78.1% من غير الكرد المقيمين في مناطق الإدارة الذاتية نفسها.
يقرّ المؤلف بتحفظات منهجية واضحة، أبرزها أن العينة ليست تمثيلية إحصائياً للسكان السوريين بسبب ظروف الحرب، وإنما هي "عينات إرشادية" تسمح بتحليل مقارن بين المناطق والمجموعات. كما يحذر من أن بعض العينات صغيرة جداً مثل الآثورية والإسماعيلية والشيعية، ويجب قراءة نتائجها بحذر. من القيود المهمة أيضاً أن البيانات جُمعت بين تشرين الثاني 2015 و كانون الثاني 2016، أي قبل إعلان الإدارة الذاتية عن النظام الفيدرالي في مدينة الرميلان، مما يعني أن ردود الفعل على هذا الإعلان الرسمي لم تقاس في الاستبيان نفسه، وإن كان المؤلف يشير إلى أن هذا الإعلان ربما عزز التصورات السلبية عن اللامركزية كخطوة نحو الانفصال.
من الحجج القابلة للنقاش بناءً على المعطيات، خلاصة الكتاب التي تقترح "التوجهات الحذرة لصالح اللامركزية" كطريق وسطي. بينما يبدو هذا منطقياً في ضوء رفض الفيدرالية من ناحية، ورفض المركزية الجامدة من ناحية أخرى (خاصة في مناطق المعارضة والإدارة الذاتية)، إلا أن المعطيات تظهر أن رفض اللامركزية أيضاً شبه مطلق عند العلويين والشيعة والدروز، الذين يمثلون كتلاً اجتماعية مهمة. وبالتالي، فإن اللامركزية ليست بالضرورة "قاسم مشترك" بين الجميع، بل قد تتحول إلى محور خلاف جديد. كما أن تحليل دوافع الرفض للإدارة الذاتية يكشف أن السبب الرئيسي عند العرب هو الخوف من التقسيم (%56.9)، وعند الكرد المعارضين هو أنها "مشروع خاص بحزب الاتحاد الديمقراطي لا يحظى بثقة الكثير من الكرد" (%45.7)، مما يشير إلى أن المشكلة ليست فقط بين العرب والكرد، بل داخل المكون الكردي نفسه حول شرعية تمثيل الحزب.