Almawred
الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق الطرق
عربي

الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق الطرق

ياسين الحاج صالح وآخرون1 janvier 2013arمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

الكتاب الذي بين أيدينا، «الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق الطرق»، هو عمل تحليلي جماعي يُشخّص الحالة السورية في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، بعد أكثر من عامين ونصف على انطلاق الثورة في العام 2011. الموضوع المحوري الذي يجمع فصوله المختلفة هو سؤال المصير: هل تقود الثورة السورية إلى «الخلاص» أي بناء دولة ديمقراطية مدنية، أم إلى «الخراب» المتمثل في تفكك الدولة والمجتمع وانزلاق البلاد إلى نظام شمولي جديد، سواء كان امتداداً للنظام القديم أو بديلاً إسلامياً متطرفاً. الموقف الذي يدافع عنه غالبية المؤلفين، وإن اختلفت صياغاته وتفاصيله، هو ضرورة التخلص من النظام القائم بوصفه الشرط الأساسي لأي إنقاذ، مع الاعتراف بأن الطريق إلى الخلاص محفوف بمخاطر وجودية تهدد سوريا نفسها ككيان موحد.

يسير المنطق الداخلي للكتاب بحسبه عبر تحليل تدريجي للجذور، المشهد الحالي، والاحتمالات المستقبلية. يبدأ المحرر، ياسين الحاج صالح، بتأسيس فكرة تفرد الحالة السورية. فهو يرفض اختزال ما يجري إلى حرب أهلية تقليدية على غرار لبنان أو العراق، ويصفها بأنها حرب يشنها «النظام»، بصفته مركباً سياسياً أمنياً مالياً، ضد «مجتمع ثائر» بكامله. هذا التفرد هو نقطة الانطلاق التي تشرح لماذا لم تنجح المقارنات مع ثورات تونس ومصر، ولماذا تحولت الاحتجاجات السلمية إلى صراع مسلح بهذه السرعة والوحشية. تتقدم الحجة لتكشف عن تحول عميق داخل الثورة نفسها: نشوء جناح عسكري، وصعود جماعات جهادية متطرفة مثل «الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش» و**«جبهة النصرة»**، وتحول القاعدة الاجتماعية للثورة نحو الجاه السني وقيمها نحو الجاه الإسلامي. هنا تبرز المفارقة الكبرى التي يطرحها الكتاب: وجود «تمرد ديمقراطي في محركاته ودوافعه، لكنه غير ديمقراطي في توجهاته ووعيه الذاتي». هذه المفارقة هي التوتر الذي يغذي باقي فصول الكتاب.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تفكيك أسباب هذا التحول، مركزاً على دور النظام بصفته المهندس الأول للمأساة. تتفق الفصول على أن النظام تعمّد عسكرة الثورة عبر عنف مفرط وغير مسبوق، وإطلاق سراح كوادر جهادية من سجونه في نيسان وأيار وحزيران من عام 2011 لتشويه الحركة وإفراغها من مضمونها السلمي. هنا تظهر شهادات وأرقام يصعب نسيانها، مثل استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية في 21 آب/أغسطس والذي أوقع أكثر من 1400 شهيد وفق أحد الفصول، أو ما يزيد عن 1100 ضحية في فصل آخر. هذه الوحشية التي وصلت إلى قصف طوابير الخبز بالطيران وتعذيب المعتقلين في سجون الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، لم تقمع الثورة بل حطمت الرابطة الوطنية وأطلقت نوازع انتقامية وعمّت البصيرة، مما جعل الثأر قيمة عليا. يصف الحاج صالح هذا بأنه «القانون العام» للحرب، والذي لا يمكن تغييره إلا بتغيير النظام نفسه.

بالتوازي مع عنف النظام، ينتقد الكتاب بحدّة أداء المعارضة السورية السياسية والعسكرية. من «المجلس الوطني السوري» الذي تشكل في أكتوبر/تشرين الأول 2011 في إسطنبول، إلى «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» برئاسة معاذ الخطيب، ثم أحمد الجربا، توصف هذه الأطر بأنها «ولدت ميتة» أو «بائسة»، مشلولة بالصراعات على المناصب والخلافات السعودية القطرية، وفاشلة في تقديم شيء ملموس لثوار الداخل أو كسب ثقة الشارع. أما على المستوى العسكري، فإن «الجيش الحر» بقيادة العقيد رياض الأسعد ثم اللواء سليم إدريس، ظل اسماً نبيلاً دون سيطرة حقيقية على الكتائب المنتشرة على الأرض.

هذا الفراغ السياسي والعسكري خلقه النظام بوعي، ثم ملأته الجماعات الجهادية. هنا يقدم الكتاب تحليلاً لافتاً لحدود هذه الجماعات. ففي حين يعترف بجرائمها مثل خطف الأب باولو دالوليو وفراس الحاج صالح، يؤكد أن هذه الجماعات لا يمكن مقاومتها ما لم يتغير النظام، لأن النظام هو بؤرة تغذية وتوسع النزعة الجهادية. يذهب الحاج صالح أبعد من ذلك في فصل «في مسارات الثورة السورية ومصائرها»، فيصف هذه الجماعات (خاصة داعش) بأنها «إقطاعيات عسكرية دينية» لا تهدف لتحرير سوريا بقدر ما تسعى لفرض سلطتها المطلقة، وتستولي على الموارد العامة كاستيلاء حركة أحرار الشام الإسلامية على حوالي 20 مليار ليرة سورية من المصرف المركزي في الرقة. هذه الإقطاعيات، بحسب الكاتب، قد تسوءها نهاية الصراع لأنها تفقد مبرر وجودها.

في مقابل هذا التشخيص القاتم، يتناول الفصل الذي كتبه أنور البني إمكانية تجنب الخراب. يطرح رؤية قانونية ومؤسسية متفائلة نسبياً، مفادها أن الديكتاتورية الجديدة، رغم خطورتها، «مستحيلة» النشوء في سوريا ما بعد الثورة. حجته أن الركائز الأربع التي تقوم عليها الديكتاتوريات (أيديولوجيا كبرى، قوة عسكرية عقائدية، إعلام موجه، دعم دولي) قد انهارت جميعها بشكل لا رجعة فيه. فالأيديولوجيات القومية والدينية فقدت مصداقيتها، والإعلام أصبح عصياً على السيطرة بفضل ثورة الاتصالات، والدعم الدولي للديكتاتوريات تراجع مع بروز مبادئ حقوق الإنسان. لكنه يحذر من أن المحاولات، وإن كانت محكومة بالفشل، ستكلف الشعب ثمناً باهظاً من الدماء.

بناءً على هذا الأساس، ينتقل الفصل الأخير (خطة التحول الديمقراطي في سوريا) من التحليل إلى التطبيق، مقدمًا مشروعاً تفصيلياً طموحاً. تبدأ الخطة من لحظة سقوط النظام، وتقترح أن يكون دستور عام 1950 هو الدستور المؤقت للمرحلة الانتقالية، لأنه الدستور الوحيد الذي وضعته جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطياً. ثم تنتقل إلى انتخاب جمعية دستورية جديدة من 350 عضواً، عبر نظام التمثيل النسبي لضمان تمثيل كل المكونات. أما شكل الحكم فتقترح الخطة النظام البرلماني المعدل بدلاً من الرئاسي، واللامركزية الإدارية، وإقرار الحقوق القومية للشعب الكردي. القسم الأكثر حساسية يتعلق بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، حيث تصف شبكة من أربعة أجهزة رئيسية بلغ عدد موظفيها 112 ألف موظف بدوام كامل (أي عنصر مخابرات لكل 167 مواطناً)، وتقدم خطة لحلها واستبدالها بجهاز واحد تحت إشراف مدني. تختتم الخطة بالعدالة الانتقالية عبر إنشاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمصالحة» التي تتولى تقصي الحقائق ومحاسبة المسؤولين عبر محاكم مختلطة وتعويض الضحايا.

يتخلل الكتاب اعترافات صريحة بالحدود والأسئلة المفتوحة. أكثرها تكراراً هو عجز المعارضة السورية عن توحيد صفوفها وقيادة المرحلة الانتقالية، وضعف تأثيرها في دينامية الثورة نفسها. كما يعترف الحاج صالح في فصله الأخير بأن سوريا أصبحت «مسرحاً لعملية إعادة تشكل عنيفة وواسعة»، ولا يعرف أحد ما ستتمخض عنه هذه العملية. يقر الكتاب أيضاً بالجمود الدولي، مشيراً إلى أن روسيا وإيران تعملان لانتصار النظام، بينما أمريكا وإسرائيل تفعلان ما في وسعهما كيلا ينهزم، وهو ما تجسد في قرار مجلس الأمن 2118 الذي وصفه المحرر بأنه إقرار لولاية بشار الأسد إلى حين نزع سلاحه الكيماوي.

الحجج القابلة للنقاش في الكتاب متعددة. أبرزها أن تحميل النظام المسؤولية الأكبر عن المأساة لا يلغي التساؤل حول دور بعض فصائل المعارضة نفسها في تفاقم الأزمة، خاصة فيما يتعلق بـ«أسلمة الثورة» عبر الفضائيات الخليجية وشعارات أيام الجمع ذات الطابع الديني. كما أن تأكيد أنور البني على «استحالة» عودة الديكتاتورية يبدو متفائلاً في ضوء التجارب التاريخية التي تظهر قدرة الأنظمة الشمولية على التكيف وإعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة، خاصة إذا استمرت ظروف الحرب والانقسام. وأخيراً، تبدو خطوة «التحول الديمقراطي» المقدمة من بيت الخبرة السوري طموحة جداً وقد تكون سابقة لأوانها، حيث تفترض وجود قوة سياسية موحدة وقادرة على تطبيقها، وهو ما يناقض تشخيص باقي فصول الكتاب الذي يؤكد انعدام هذه القوة. يظل السؤال المفتوح، كما يختتم الحاج صالح، هو ما إذا كان يمكن إنقاذ مفهوم «سوريا السورية» القائم على المواطنة والحرية والعدالة، في مواجهة «سوريا الأسد» و«سوريا السلفية» و«الإقطاعيات العسكرية الدينية» التي تتنازع أرضها وشعبها.

Chapitres(6)

1.مقدمة المحرر: سوريا في الحرب7–16▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو الطبيعة الفريدة للحرب في سوريا، والتي يرى المحرر أنها تختلف جوهرياً عن الحروب الأهلية في لبنان والعراق. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن ما يجري في سوريا ليس حرباً أهلية بالمعنى الدقيق، بل هي أولاً وأساساً حرب يشنها "النظام"، بصفته مركباً سياسياً أمنياً مالياً، ضد مجتمع ثائر. يرفض المحرر المقارنات المتسرعة مع لبنان (حيث تواجه الأهالي فعلاً) أو العراق (الذي جرى صراعه تحت وطأة احتلال أمريكي ألغى الدولة)، ويؤكد أن تفرد الحالة السورية ينبع من كون السلطة العمومية والموارد العامة تُسخَّر بالكامل لقمع ثورة شعبية انطلقت سلمية في سياق “الربيع العربي”.

يسير الفصل عبر تتبع تحولات الثورة السورية منذ انطلاقها، مروراً بظهور مكون عسكري ومجموعات جهادية متطرفة، وصولاً إلى تدخل إيراني وحزباللهي. يستخدم الكاتب الحجج والأمثلة ليبرز أن القاعدة الاجتماعية للثورة تحولت تدريجياً نحو الجاه السني وقاعدتها القيمية نحو الجاه الإسلامي، وهو تحول اغتذى من واقع أن الحرب استهدفت البيئات السنية أكثر من غيرها. يرى أن هذا التدين المتسع هو التماس لسند داعم في عالم بلا سند، وهو شعار في حرب اجتماعية مركبة، كما أنه منهج لامتلاك السياسة والحرب في مجتمع مفقر سياسياً. المفارقة الكبرى التي يطرحها المحرر هي وجود تمرد ديمقراطي في محركاته ودوافعه، لكنه غير ديمقراطي في توجهاته ووعيه الذاتي، وهذا هو التناقض الكبير للثورة السورية الذي لا يرى له حلاً على المدى القصير.

يتناول الفصل القانون العام للحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف، والتي يصفها بـ "الحرب الأسدية الثانية" التي تفوقت على سابقتها في الثمانينيات بالوحشية والضحايا والدمار. يشير الكاتب إلى أن النظام استخدم كل أسلحته وصولاً إلى السلاح الكيماوي، الذي أوقع في آخر مرة استخدم فيها أكثر من 1400 شهيد في غوطة دمشق الشرقية. يرى أن وحده تغيير هذا القانون العام، أي التخلص من النظام، يمكن أن يوفر للبلد بداية جديدة. في هذا السياق، يعالج ظهور الجهاديين، وخاصة "الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش"، معترفاً بجرائمهم مثل خطف الأب باولو دالوليو وفراس الحاج صالح وإبراهيم الغازي، وتهديد سعاد نوفل بالقتل. لكنه يؤكد أن هذه الجماعات لا يمكن مقاومتها ما لم يتغير النظام، لأن النظام هو بؤرة تغذية وتوسع النزعة الجهادية، وفي غياب مركز وطني شرعي يتعذر تشكيل قوة قادرة على مواجهتها.

يقرّ المحرر بحدود التحليل وبترك أسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بفاعلية المعارضة السورية. ينتقد الفصل خطة التحول الديمقراطي في سوريا (التي ظهرت في آب/أغسطس 2013 من عمل بيت الخبرة السوري والمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية)، معتبراً أنها وثيقة فنية مفتقرة للحس الزمني وللإجابة عن سؤال من الذي سيطبقها، وتفترض وجود قوة سياسية موحدة غير موجودة عملياً. كما يوجه اللوم للمعارضة التقليدية (بما فيها المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة والمعارضة) على تقصيرها وتشظيها وعدم جديّتها، لكنه يعترف بأن تأثيرها محدود لأنها ليست قائدة الثورة وأن دينامية المعارضة مختلفة تماماً عن دينامية الثورة. ويشير إلى تحفظ أكرم البني حول قضايا العنف والأسلمة والأقليات، ورأي أنور البني الحقوقي الذي يعتبره المحرر غير كافٍ في دوامة الزلزال الاجتماعي الحالي.

أخيراً، يتناول الفصل التناقض الصارخ في الموقف الدولي، حيث أن روسيا وإيران تعملان لانتصار النظام، بينما أمريكا وإسرائيل تفعلان كل ما في وسعهما كيلا ينهزم النظام، مشيراً إلى أن النظام حظي بالحماية من قبل من يفترض أنهم أعداؤه. ويعطي مثالاً على ذلك قرار مجلس الأمن 2118 الذي وصفه بأنه إقرار لولاية بشار الأسد إلى حين نزع سلاحه الكيماوي، دون مساس بقدرته على قتل السوريين بوسائل أخرى. ويخلص الكاتب إلى أن السؤال الأهم ليس عن الماضي بل عن الحاضر، وأن التغيير الوحيد الذي يشكل نقطة انعطاف هو تغيير النظام نفسه، داعياً إلى مساندة السوريين في مهمتهم الآن قبل الغد.

1.الثورة السورية: هل يمكن تجنب انزلاق سوريا إلى نظام إسلامي شمولي متطرف؟17–35▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو مسار الثورة السورية، والتحولات التي طرأت عليها منذ انطلاقها، وخطر انزلاقها نحو نظام إسلامي شمولي ومتطرف. يقدم المؤلف تحليلاً نقدياً للأسباب التي جعلت هذه الثورة تختلف عن نظيراتها في الربيع العربي، مركزاً على خصوصية النظام السوري، وفشل المعارضة السياسية والعسكرية في توحيد صفوفها، وصعود التيارات الجهادية المتطرفة كـداعش وجبهة النصرة، والتي هددت أهداف الثورة الأصلية المتمثلة في الحرية والديمقراطية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مراحل تطور الثورة. يبدأ المؤلف بتأمل شخصي في مشهد من أكتوبر/تشرين الأول 2011، حيث واجهته سيدة مغربية في ألمانيا بعبارة: «لا أعرف من يقاتل ضد من؟»، والتي يراها دليلاً مبكراً على فشل الثورة في تقديم صورتها الصحيحة للعالم. ينتقل بعدها لتفنيد التفاؤل الذي ساد في بدايات الثورة، مستشهداً بمقولة للمفكر عزمي بشارة التي تميز بين «الديكتاتوريات الفارغة أيديولوجياً» مثل نظامي مبارك وبن علي، و«ديكتاتورية بشار الأسد» التي تستند إلى أيديولوجيا حزب البعث القومي وشبكة حلفاء إقليميين (إيران وحزب الله). يؤكد المؤلف خصوصية الجيش السوري الذي جرده حافظ الأسد من عقيدته الوطنية وحوله إلى جيش يخدم العائلة والنظام، مما جعل إسقاطه مستحيلاً بالطريقة التي حدثت في تونس ومصر، حيث لم يقف الجيش مع الثوار.

يصف الفصل استراتيجية النظام التي اعتمدت على القمع المفرط لمنع وصول المتظاهرين إلى ساحات دمشق، محاولاً حرمان الثورة من واجهة مدنية واضحة تلتقطها الكاميرات. ويشرح كيف أن الثورة السورية كانت «ثورة طبقية» و«ثورة الريف المهمش على المركز ذي الامتيازات»، ففي حين بقي مركزا دمشق وحلب (العاصمتان الاقتصادية والسياسية) محافظين إلى حد كبير، كانت أطرافهما الريفية هي التي حملت لواء الاحتجاج. يستشهد بمقال للكاتب سلافوي جيجيك الذي وصف الصراع في سوريا بـ«الزائف» معتبراً إياه «تمرد رفاهية»، ويرفض المؤلف هذا التوصيف جملة وتفصيلاً لأنه لا ينطبق على واقع الثورة السورية التي تحولت من نضال سلمي إلى حرب طاحنة بعد سبعة أشهر.

ينتقل الكاتب لتحليل تشكيلات المعارضة السورية، مبدياً إحباطاً واضحاً من أدائها. يصف تشكل «لجان التنسيق المحلية» ذات الطابع العلماني، ثم «المجلس الوطني السوري» في أكتوبر/تشرين الأول 2011 كإطار سياسي جامع في إسطنبول. لكن سرعان ما ينتقد سيطرة الإخوان المسلمين المزعومة على المجلس وفشل رئيسه برهان غليون في تقديم شيء لثوار الداخل، وتحول اجتماعات المجلس لمعارك على المناصب. يكشف عن الصراع السعودي القطري الذي انعكس سلباً على المجلس، وصولاً إلى «الضربة القاضية» من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التي أعلنت أن المجلس لم يعد يمثل المعارضة، مما مهّد لمبادرة رياض سيف لتشكيل «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» برئاسة معاذ الخطيب. لكن الائتلاف الجديد، بحسب المؤلف، «ولد ميتاً» وفشل في جذب مكونات معارضة أخرى كـهيئة التنسيق الوطنية بزعامة ميشيل كيلو، ولم يحدث أي صدمة إيجابية في الشارع السوري.

أما الفشل الأكبر، فيركز عليه الفصل في الجانب العسكري. يصف تشكل «الجيش الحر» بقيادة العقيد رياض الأسعد ثم اللواء سليم إدريس، لكنه يبقى «اسماً نبيلاً» في مخيلة السوريين وليس قوة عسكرية موحدة ومنضبطة. مع بقاء قيادته في الخارج (تركيا والأردن) وفشله في السيطرة على الكتائب المنتشرة على الأرض، خلت الساحة للمتطوعين ثم للكتائب الإسلامية، إلى أن هيمنت الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة كـجبهة النصرة وداعش. يُقر المؤلف بوجود شكوك سورية حول كيفية تشكل هاتين المجموعتين وعلاقتهما المحتملة بأجهزة النظام، لكنه يركز على النتيجة الكارثية: تحول سوريا إلى «أرض جهاد» وتقاطر الجهاديين من كل حدب وصوب، مما أفقد الثورة تعاطف العالم وأغرقها في صراع طائفي شيعي-سني بالوكالة، خدم النظام وأضر بقضية الشعب السوري.

في التحفظات والأسئلة المفتوحة، يقر الفصل بأن صورة المعارضة السورية «بائسة جداً» في الخارج، سواء على المستوى السياسي (سياسيون وصولويون يختلفون على كل شيء) أو العسكري (مجموعات متطرفة). ويشير إلى أن إسرائيل في الواقع «راضية جداً من بقاء الأسد» ولا تشجع الولايات المتحدة على الإطاحة به. كما يستعرض بواعث أمل ضعيفة، منها بيان أصدره مئة مثقف سوري في يوليو/تموز يؤكدون تمسكهم بمبادئ الثورة الأصلية، وتأثير تراجع نفوذ الإسلاميين في مصر وتونس على الإخوان المسلمين في سوريا، مما جعلهم أكثر «تواضعاً وانفتاحاً» داخل الائتلاف. لكن الجهود تبقى هشة، خاصة مع اختيار أحمد الجربا لرئاسة الائتلاف لقربه من السعودية فقط، مما يطرح أسئلة مفتوحة حول جدوى هذه التغييرات الشكلية.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الفصل، وهو ما يعترف به الكاتب بشكل غير مباشر هو اتهام الفضائيات العربية الخليجية (خاصة الجزيرة) وصفحة «الثورة السورية ضد بشار الأسد» على فيسبوك بلعب دور رئيسي في «أسلمة الثورة السورية»، عبر استضافة الشخصيات الإسلامية واختيار شعارات أيام الجمع ذات الطابع الديني مثل «جمعة من جهز غازيا فقد غزا». كما أن تفسير المؤلف للمقاومة العنيفة للنظام للسقوط باعتبارها مسألة حياة أو موت له، بدلاً من كونها مجرد عنف آلي، هو تحليل يفتح مجالاً للنقاش، رغم كونه متسقاً مع قراءته لطبيعة النظام.

2.الثورة السورية والمخاض الديمقراطي العسير35–52▼ résumé

الموضوع المحوري والإجابة الرئيسية يتناول الفصل تعقيدات الثورة السورية منذ انطلاقتها، ويركز على العواقب الوخيمة لعسكرتها، ويحلل الصعوبات الجمة التي تعترض مسار التحول الديمقراطي. يقدم المؤلف إجابة أساسية مفادها أن الطريق نحو الديمقراطية في سوريا هو "مخاض عسير" بسبب عنف النظام المفرط، وتدخل قوى إقليمية ودولية، وصعود جماعات الإسلام السياسي المتطرف، وضعف المعارضة السياسية وتشرذمها، وغياب رؤية واضحة لطبيعة الدولة المدنية المنشودة.

سير الفصل والأدلة والحجج يبدأ الفصل بتحليل جذور الأزمة، مشيراً إلى أن النظام السوري أدار الخلافات السياسية لعقود على قاعدة "القوة والجبروت" وليس التنافس الصحي. استخدم النظام شرعيات واهية كالقضية الفلسطينية والقومية العربية والمشاريع التنموية لتسويغ استبداده، لكن هذه الذرائع سقطت مع تفشي الفساد ونهب الثروات. ينتقل بعدها إلى اندلاع الاحتجاجات السلمية في العام 2011، مستلهماً روح "الربيع العربي" في تونس ومصر واليمن. رغم إدراك المحتجين أن النظام سيقمعهم، إلا أن شدة العنف فاقت التوقعات، وحوّلت الصراع من سياسي وسلمي إلى صراع مسلح تغذيه الغرائز الطائفية. يصف المؤلف بشاعة نتائج هذا العنف بعد أكثر من عامين ونصف: أكثر من مئة ألف قتيل، ومثلهم جرحى ومشوهون، بالإضافة إلى أعداد هائلة من المفقودين والمعتقلين والنازحين داخلياً واللاجئين، وصولاً إلى انهيار شبه كامل للقطاعات الإنتاجية والخدمية.

يخصص الفصل قسماً هاماً لتحليل دور النظام في تعقيد المسار الديمقراطي. يرى المؤلف أن النظام تعمّد عسكرة الثورة عبر قمع القيادات المدنية، وإطلاق سراح كوادر الجماعات الجهادية من السجون وتسهيل دخول أنصارها إلى البلاد لتشويه الثورة وإفراغها من محتواها السلمي. ويُقر أن هذه الاستراتيجية انقلبت على النظام جزئياً، لكنها في نفس الوقت عززت حضور المتطرفين الذين أصبحوا يديرون مناطق واسعة بممارسات استبدادية لا تقل ضراوة عن النظام، مما يضع البلاد على شفير حرب أهلية مديدة. ويلقي المؤلف اللوم على المعارضة التقليدية لكونها "متأخرة ومترددة" في مواجهة هذه الجماعات.

ينتقل الفصل بعدها إلى بحث مفهوم أساسي وهو "إجهاض الحضور السياسي". يرى الكاتب أن أهم نتائج الربيع العربي كان "إعادة المجتمع إلى السياسة"، لكن اللجوء إلى السلاح في سوريا أجهض هذا التحول وأعاد منطق الحرب كصاحب الكلمة الأولى والأخيرة، مما أضعف الحقل السياسي ودوره في تقرير المصير. هذا الواقع يقود المؤلف إلى تحليل حالة من التسليم والرضا المتنامية لدى كثير من السوريين، الذين بدأوا بالمطالبة بـ"إرادة أممية" حازمة لفرض حل سياسي ووقف العنف، استنكاراً لعجز المجتمع الدولي الذي لم يتجاوز الإدانة اللفظية والعقوبات الاقتصادية، متأثراً بحسابات تتعلق بـ إسرائيل، وإيران، وروسيا، والخوف من وصول الإسلاميين إلى السلطة.

مع ذلك، يقدم المؤلف مؤشرات على تغيرات محتملة تبعث على "بعض التفاؤل". يرى أن إسرائيل قد تطمئن بعد أن فقدت سوريا دورها الإقليمي، وأن موسكو بدأت تشعر بالمأزق وخطر الغرق في المستنقع السوري، وأن وصول حسن روحاني لسدة الرئاسة في إيران قد يشير إلى ميل نحو الاعتدال. هذه العوامل، بالإضافة إلى اتساع رقعة المعارك ووصولها إلى جبال اللاذقية، وضغوط كتلة شعبية متزايدة تخشى تمدد الصراع الطائفي، قد تدفع باتجاه تحول في موقف النظام أو حتى داخله. يختم هذا القسم بالتأكيد على أن المسؤولية الأكبر تقع على المعارضة السورية، التي لم ترقَ بعد لمستوى التحديات، وفشلت في كسب ثقة الناس، ولا تزال بحاجة لإظهار نفسها كبديل ديمقراطي متميز يمارس سلوكاً ينسجم مع شعارات الحرية والتعددية.

يتناول الفصل عدة "التباسات" مفاهيمية تعيق مسار التغيير. أولها الخلط بين الدولة والنظام والسلطة. يوضح المؤلف أن الدولة مؤسسات عامة، بينما النظام هو الدستور والقوانين، والسلطة هي اليد القابضة على الدولة. ويرى أن التغيير الديمقراطي يعني بناء دولة ديمقراطية تحافظ على مؤسساتها ولكنها تطهرها من الاستبداد، وتضمن حيادها تجاه الصراعات الاجتماعية. ثانيها، وأكثرها إلحاحاً، هو مفهوم "الدولة المدنية". ينتقد المؤلف غموض هذا المصطلح لدى بعض قوى الإسلام السياسي، الذين يستخدمونه كشعار تكتيكي بديل عن الدولة الدينية، بينما يضمرون أفكاراً عن الخلافة وتطبيق الشريعة، مما يهدد بقيام استبداد جديد "بعباءة دينية". ويقدم تعريفاً واضحاً للدولة المدنية التي يراها ضرورية: دولة تعتمد المواطنة كأساس، وتفصل الدين عن السياسة، وتضمن حرية المعتقد والمساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم.

ثالث هذه الالتباسات، وهو الأكثر حساسية، هو ظهور دعوات إلى "نظام محاصصة طائفية" لتجاوز مخاوف الأقليات. يشرح الفصل كيف أن خوف الأقليات من صبغة الثورة الإسلامية يدفعها نحو الانسجام الفئوي، مما يخلق حلقة مفرغة. يعترف المؤلف بوجود مخاوف حقيقية لدى الأقليات، لكنه يرفض بشدة فكرة المحاصصة. يرى أنها "شكل مرضي من الديمقراطية التوافقية" أثبت فشله في لبنان والعراق، ويطيح بمبدأ المواطنة ويؤجج الصراع الطائفي ويستنزف طاقات البلاد، داعياً بدلاً من ذلك إلى الانخراط الفعال في التغيير والمطالبة بضمانات دستورية للمساواة والحقوق.

ثم ينتقل الفصل إلى مناقشة فكرة التقسيم التي بدأت تطفو على السطح، سواء عبر تأسيس كانتونات على الأرض أو عبر الحديث عن "شريط ساحلي" منسجم طائفياً. يحذر المؤلف من أن هذا الخيار يهدد وحدة البلاد وإمكانية التحول الديمقراطي، ويشير إلى أن مصالح خارجية، خصوصاً الروسية والإيرانية، قد تشجع هذا الخيار كحل أخير؛ إيران لا تريد التفريط بحلقة محور نفوذها، وروسيا تريد الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في طرطوس.

في القسم الختامي، يعترف المؤلف بـ"صعوبة المرحلة الانتقالية" ويعدد عقباتها: وقف العنف، إفشال قوى الثورة المضادة، ومخاطر العمى الأيديولوجي الذي ينذر بصدامات طائفية. يختتم الفصل برسالة قوية يوجهها للشباب السوري الثائر، مؤكداً أن الثورة ليست مخططاً مسبقاً خالياً من العوائق، وأن الدمقراطية "طريقة حياة" طويلة الأمد تتطلب قيماً ومؤسسات وإدارة سلمية للصراعات. ويخلص إلى أنه بعد الخروج من المحنة، سيكون الدرس الأعمق الذي لن ينساه السوريون هو حجم "مسؤوليتهم في قيام الاستبداد ودوام استمراره"، وأن الجهد لمنع إنتاجه مستقبلاً يجب أن يمتد في كل مجالات الحياة.

حدود وتحفظات المؤلف يقرّ المؤلف صراحة بعدة حدود وتحفظات. فهو يعترف بصعوبة الوضع وعدم وضوح الرؤية لمستقبل الثورة، على الرغم من محاولته تحليلها. كما يقر بعجز المجتمع الدولي وإحجامه عن فرض حل سياسي لأسباب تتعلق بمصالحه المختلفة. والأهم من ذلك، يعترف علناً بأن المعارضة السورية لم تنجح في المهمة الملقاة على عاتقها، ولا تزال تعاني من التشرذم وضعف الثقة الشعبية وغياب الرؤية الواضحة، مما يترك سؤالاً مفتوحاً كبيراً حول قدرتها على قيادة المرحلة الانتقالية بنجاح.

حجج قابلة للنقاش يمكن الجدال حول عدة نقاط في النص. أولها، تركيز المؤلف على أن عسكرة الثورة هي السبب الرئيسي لتعقيداتها وجمودها، بينما قد يرى آخرون أنها كانت نتيجة حتمية لعنف النظام ورفضه أي إصلاح. ثانياً، التركيز على دور "المعارضة السورية" كجهة سياسية موحدة مفترضة، في الوقت الذي يعترف النص نفسه بتشرذمها وضعفها، مما يثير تساؤلاً حول إمكانية وجود مثل هذا الفاعل على أرض الواقع. ثالثاً، الموازنة التي يحاول إقامتها بين تحميل النظام المسؤولية الأكبر عن المأساة، وفي نفس الوقت توجيه نقد حاد للمعارضة ولجماعات الإسلام السياسي، قد تكون مثار جدل حول توزيع "المسؤولية النسبية" بين هذه الأطراف جميعاً.

3.في مسارات الثورة السورية ومصائرها: على أعتاب عامين ونصف العام من انطلاقها53–79▼ résumé

يشكّل هذا الفصل، الواقع في كتاب «الخلاص أم الخراب؟»، محاولةً جادة من ياسين الحاج صالح لتشريح الوضع السوري عند مفترق عامين ونصف العام من انطلاق الثورة. لا يقدّم الفصل إجابةً واحدة عن سؤال مستقبل الثورة، بل يكشف عن تهديد وجودي يطال سوريا ذاتها، ويتجاوز الخوف من «نظام قمعي شمولي جديد». فسوريا، برأي الكاتب، مهددة بالتفكك ككيان، والانهيار كدولة، والانحلال كمجتمع لأمدٍ يطول. الإجابة المحورية التي يطرحها الفصل هي أن سوريا لم تعد كياناً واحداً، بل تحولت إلى ساحات متعددة ومتصارعة.

يبني الحاج صالح تحليله على فرضية أن النظام الأسدي، الذي يسميه «المملكة الأسدية»، هو المصدر الديناميكي للتفكك والخراب العام. ويميز ثلاث خصائص أساسية تميّز سوريا عن غيرها وتفسّر انهيارها: أولها، النكوص نحو حكم سلالي وراثي، حيث تحول القانون الباطن للنظام إلى التوريث داخل الأسرة الحاكمة. ثانيها، استخدام الطائفية كأداة حكم أساسية، مما حال دون تشكل وطنية سورية جامعة وسمّم العلاقات الاجتماعية. ثالثها، نموذج «رأسمالية المحاسيب» الذي امتد في عهد بشار الأسد، وشكّل طبقة جديدة من الأثرياء المرتبطين بالدولة، ما أفقد البرجوازية أي دور تحرري أو ديمقراطي. ويخلص الكاتب إلى أن محصلة هذه الثلاثية هي «تداعى الدولة الوطنية» وتشكل «وضع مختلط» لا يفهمه ولا يؤثر فيه لا العامة ولا الخاصة.

ينتقل الفصل ليشرح كيف أتت الثورة لتفاقم هذا الانهيار، وذلك عبر أربعة تحوّلات رئيسية وقعت في منتصف الخط الزمني للثورة تقريباً. أول هذه التحولات وأهمها هو المفعول التراكمي للعنف المهول الذي مارسه النظام. يذكر الكاتب أمثلةً محددة كالقصف بالطيران لطوابير الخبز وأماكن مأهولة، واستخدام الغازات السامة في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس الذي أوقع أكثر من 1100 ضحية، وحالات التعذيب الوحشي في سجون الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وتهجير ما يقرب من ثلث السوريين (حوالي 7 ملايين نسمة داخل البلد وخارجه). هذا العنف، بحسب الكاتب، حطّم الرابطة الوطنية وأطلق نوازع انتقامية وعمّى البصيرة، مما أدخل البلد في «عالم الصدى والجن والأشباح» حيث يصبح الثأر هو القيمة العليا.

العنصر الثاني هو دخول المجموعات الجهادية، وفي مقدمتها جبهة النصرة لأهل الشام والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). يصفهم الكاتب بأنهم «أجانب» عن الدولة الوطنية الحديثة من حيث القيم والفكر، وهم نتاج التقاء «سياسة الأعماق» (حيث يتحول الدين إلى سياسة مباشرة) مع رد فعل عنيف على شرط المجتمع المعنّف. يناقش الكاتب كيف أن النظام نفسه قد يكون ساهم في ظهورهم، من خلال الإفراج عن مئات السلفيين الجهاديين من سجونه في نيسان وأيار وحزيران من عام 2011، وأيضاً عبر خلق فراغ أمني للجهاديين لملئه. هنا، يقدم الحاج صالح مثالاً حياً على الخلط بين الدين والعنف، مستشهداً بـ أبو عبدالله الأنصاري، وهو منشق عن جيش النظام أصبح في جبهة النصرة، والذي يرى في صعود الجهاديين «مكر الله». كما يلفت النظر إلى التوتر بين «الوطني» نسبياً في النصرة و«الأجنبي» المتطرف في داعش، مشيراً إلى أن الأخيرة تجذب الفئات الأكثر تهميشاً.

التحول الثالث هو الدور الخفي لـ الأجهزة السرية لأطراف إقليمية ودولية متعددة (إسرائيل، أمريكا، إيران، حزب الله، تركيا، السعودية...). في دولة «مثقبة» كسوريا، أصبح التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر هو القاعدة، ويضرب مثالاً بقصة ميشال سماحة كدليل على تورط الأجهزة السورية في «صناعة الجهاد». ويشير إلى الشبهات حول عدم تعرض طيران النظام لمقر داعش في الرقة، مما يثير تساؤلات حول وجود علاقة «موضوعية» بين الطرفين.

التحول الرابع والأخير هو الدور المفسد للمال السياسي في توجيه خيارات السوريين وإضعاف روح المبادرة. يصف الفصل كيف أن مجموعات مسلحة قد تعلن عن نفسها في فيديوهات باسم كتيبة معينة فقط للحصول على تمويل، وقد تبيع ولاءها لأجندات خارجية، وخصوصاً من دول الخليج. كما ينتقد دورات التدريب الممولة غربياً التي تخلق «ناشطين» يعتمدون على التمويل بدلاً من العمل الجاد. كل هذه العوامل الأربعة، بحسب الكاتب، تشترك في «تخريم الإطار الوطني للحدث السوري» وتحويل سوريا من بلد إلى «لاوطن» منفلت بلا داخل.

في القسم الأخير من الفصل، ينتقل الكاتب من التحليل إلى التصنيف ورسم الاحتمالات. يرى أن ما نتج عن هذه العوامل هو ظهور «إقطاعيات عسكرية دينية» في مناطق متعددة، تتصرف وكأنها دول مستقلة، وتستولي على الموارد العامة، ولا تشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع السوري. يذكر أن حركة أحرار الشام الإسلامية استولت على حوالي 20 مليار ليرة سورية من المصرف المركزي في الرقة دون تقديم حساب. هذه الإقطاعيات، وخصوصاً داعش كنموذجها الأكثر تطرفاً، لا تهدف لتحرير سوريا بقدر ما تسعى لفرض سلطتها المطلقة. يخلص الكاتب إلى أن هذا الواقع هو نهاية لـ«العقل» السوري الحديث، حيث يتحول الفكر السياسي والعلماني إلى مدونة عقابية، لتحل محله طبقات أقدم من المدركات الدينية والطائفية.

أما بالنسبة لمستقبل سوريا، فيستعرض الحاج صالح أربعة سيناريوهات محتملة: الأول، انتصار النظام واستعادته السيطرة، وهو أمر مستبعد ونتيجته «حكم الشبيحة» وسيطرة إيرانية. الثاني، انتصار الثورة بالقوة، وهو سيناريو «الثورة المطلقة» الذي يخشى الكاتب أن يؤدي إلى إعادة إنتاج نظام شمولي جديد بأيدي إسلامية، بل ويظن أن بعض الإقطاعيات الجديدة ستسوءها نهاية الصراع لأنها تفقد مبرر وجودها. الثالث، تسوية سياسية تؤدي إلى تغيير جذري في النظام، لكن الكاتب يرى أن لا مؤشرات ملموسة عليها، وأن النظام نفسه غير قادر على التنازل عن شيء. الرابع، تمادي الأوضاع الحالية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في نظره، وهو استمرار الحرب بلا نهاية، وانحلال البلد إلى إقطاعيات، ونزيف بشري ومادي لا يوقف. ويضيف خامساً هو تدخل دولي عسكري (غربي على الأرجح)، لكنه يرجح أن يقتصر على ضربات محدودة لتأديب النظام وليس إسقاطه، مما يمنح الأخير انتصاراً معنوياً.

يختم الحاج صالح مقاله بنبرة واقعية قاتمة. يؤكد أن الثورة التي بدأت بإسقاط النظام كهدف سلبي وبناء سوريا ديمقراطية كهدف إيجابي، قد انفصل هدفاها. واليوم، صار إسقاط النظام هدفاً قائماً بذاته مبرراً بالدفاع عن الحياة فقط. يرى الفصل أن سوريا أصبحت «مسرحاً لعملية إعادة تشكل عنيفة وواسعة» و«بلدا لا شكل له». على الرغم من هذا التشخيص الكئيب، لا يخفي الكاتب أمله في بقاء الكيان السوري الموحد، معترفاً بصعوبة الأمر لكنه يعتبره المربح الوحيد الممكن ضد التجزؤ الإقطاعي والجهادي. يرى أن الإنقاذ لا يأتي من «سوريا الأسد» أو «سوريا السلفية»، بل من مفهوم جديد لـ«سوريا السورية» يقوم على حل مشكلة العيش معاً وضمان الحرية والعدالة، معتبراً أن هذا المبدأ هو الأساس الوحيد لمقاومة التشكلات السلفية والإقطاعية. الملخص لا يخفي أن الفصل يقدم تحليلاً قاسياً ولكنه يظل منفتحاً، معترفاً بأنه لا يعرف شيئاً عما يمكن أن تتمخض عنه هذه العملية العنيفة.

في نهاية الملخص، من الجدير ملاحظة أن هذا الفصل يقدّم نقداً جذرياً ليس فقط للنظام بل ولأطياف واسعة من المعارضة السورية، مما جعله مثيراً للجدل داخل صفوف المعارضة نفسها. يرى الكاتب في الإسلاميين أيديولوجية مشرّعة للإقطاع العسكري، ويرى في المال السياسي وأجندات الدول الداعمة سبباً رئيسياً في إفساد الثورة. هذه القراءة القاسية، وإن بدت سوداوية، تظل محاولة جادة لتفكيك تعقيدات الواقع السوري، وتدعو القارئ إلى التفكير في سؤال جوهري: هل الخلاص في إسقاط النظام وحده، أم هو في بناء عقل وطني جديد قادر على تجاوز كل هذه «السوريات» المتصارعة؟

4.الثورة السورية واحتمالات عودة الديكتاتورية79–97▼ résumé

يُحلل هذا الفصل، للكاتب أنور البني رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، الجذور العميقة للثورة السورية، ويبحث في احتمالات عودة الديكتاتورية بعدها، ويختتم بطرح رؤية قانونية ومؤسسية لمنع ذلك. المحور الأساسي للفصل هو أن الثورة السورية كانت حتمية نتيجة انهيار المجتمع تحت وطأة استبداد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي متراكم لأكثر من خمسين عاماً، وأن منع عودة الديكتاتورية يتطلب بناء نظام قانوني ودستوري جديد يقوم على قيم المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان.

يبدأ الكاتب بتأكيد أن الثورات الحقيقية، خلافاً للحركات الإصلاحية السطحية، تقلب كل بنى المجتمع وعلاقاته. ويصنف الثورة السورية كواحدة من أعمق وأشمل الثورات، لأن أسبابها تضافرت: قهر سياسي، قمع وحشي، تدهور اقتصادي حاد مع تراجع الدخل وارتفاع البطالة، وهيمنة ثقافية وإعلامية مطلقة للسلطة. ويضرب أمثلة على الاستبداد اليومي، كاستغلال المخالفات العمرانية لإخضاع المواطنين، والتلاعب بالأقليات مثل الأكراد عبر سياسات التطهير العرقي والتعريب، والمسيحيين بدفعهم للهجرة، والدروز باستخدامهم كرهائن في سياساتها الإقليمية. ويخلص إلى أن أكثر من تسعين بالمائة من الشعب كان متضرراً، وأن بذور الثورة كانت كامنة منذ سنوات، مشيراً إلى الانتفاضة الكردية عام 2004 وإشكالات السويداء والبدو عام 2000 كمؤشرات مبكرة على الاحتقان.

ينتقل الكاتب لتحليل كيفية نشوء الديكتاتوريات واستمرارها، مخصصاً سوريا كنموذج. يشرح أن انقلاب آذار/مارس 1963 جاء بشعارات واعدة كالعدالة الاجتماعية وتحرير فلسطين، لكنه قُرِن فوراً بقوانين قمعية كإعدام من يعرقل "أهداف الثورة". ويركز على الانقلاب الثاني في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، حيث تم ترسيخ السلطة عبر دستور ركز كل الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية، عبر آلية استفتاء على مرشح وحيد من حزب البعث، وإخضاع السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية له، وحصانته من المساءلة. ولم يقتصر الأمر على الدستور، بل امتد عبر إعلان حالة الطوارئ لأكثر من ثمانية وأربعين عاماً، وقمع الأحزاب والنقابات، ودمج النيابة العامة بقضاء الحكم، وتزوير الانتخابات عبر هيمنة وزارة الداخلية عليها.

لإجابة السؤال المحوري عن منع نشوء ديكتاتورية جديدة، يحدد الكاتب أربع ركائز أساسية للديكتاتوريات: أولاً، أيديولوجيا وشعارات كبرى (قومية، دينية، أو عدالة اجتماعية) تُستخدم لتبرير الاستبداد وتأليه القائد. ثانياً، قوة عسكرية عقائدية ذات ولاء مطلق (جيش أو ميليشيات) لفرض السيطرة. ثالثاً، إعلام موجه يقدس السلطة ويحجب الحقائق. رابعاً، سكوت أو دعم إقليمي ودولي يضمن مصالح خارجية على حساب المبادئ.

يرى الكاتب أن زمن هذه الركائز قد ولى بشكل لا رجعة فيه. فالأيديولوجيات القومية والدينية واليسارية فقدت جاذبيتها وفشلت في تحقيق وعودها. والقوة العسكرية لم يعد من السهل تدجينها أو إنشاء ميليشيات جديدة قادرة على السيطرة المطلقة بسبب تطور الأسلحة وتنوع مصادرها. والإعلام أصبح عصياً على السيطرة بفضل ثورة الاتصالات، مما يجعل طمس الحقائق مستحيلاً. والدعم الدولي تراجع بسبب بروز مبادئ حقوق الإنسان والمحاكم الدولية، مما يجعل الديكتاتوريات مصدراً لزعزعة الاستقرار وليس الحفاظ عليه. يستنتج الكاتب أنه من غير الممكن نشوء ديكتاتوريات جديدة، لكنه يحذر من أن المحاولات، وإن كانت محكومة بالفشل، ستكلف الشعب ثمناً باهظاً من الوقت والدماء.

ينتقل الكاتب إلى الجزء البناء، حيث يعرض رؤية قانونية ممنهجة لبناء سوريا الجديدة دون خوف من عودة الديكتاتورية. يرى أن البنية القانونية هي الأرضية الأساسية، ويقترح بناءً متكاملاً من "أرضية وأربعة أعمدة وسقف". الأرضية هي "القيم التوافقية العليا" التي تضمن حقوق الجميع وتمنع تغول أي أغلبية على أي أقلية، مستلهَمة من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتكون فوق الدستور. يقترح الكاتب قائمة من هذه القيم تشمل: سوريا دولة ديمقراطية تعددية مدنية؛ المواطنة المتساوية؛ السيادة للشعب عبر انتخابات حرة؛ الحق في الرأي والتعبير والعدالة؛ تجريم التعذيب؛ الحق في العمل والتملك والتعليم والرعاية الصحية؛ وحق كل طفل سوري بالجنسية.

الأعمدة الأربعة التي يجب أن ترتبط عضوياً مع الدستور هي: (1) قانون الأحزاب والجمعيات الذي ينظم التكتلات بشكل ديمقراطي سلمي. (2) قانون الانتخابات الذي يعتمد على التمثيل النسبي لمنع تغول أي أغلبية، مع اقتراح الكاتب لفترة انتقالية بنظام مختلط (فردي ونسبي). (3) قانون الإعلام الذي يضمن حريته مع رقابة لاحقة عبر القضاء. (4) قانون السلطة القضائية، الذي يعتبره الكاتب الأهم، ويجب أن يقوم على الاستقلالية والنزاهة والحياد، مع إصلاحات جذرية كفصل قضاة الحكم عن النيابة، واستبعاد الفاسدين، وتشكيل لجان استثنائية للنظر في تظلمات الماضي.

في السقف، وهو الدستور، يناقش الكاتب القضايا الخلافية بحذر. يرى أن الانتماء العربي هو مسألة سياسة وليس بالضرورة نصاً في اسم الدولة. ويقترح أن تكون الشريعة الإسلامية "مصدراً أساسياً للتشريع" وليس "المصدر الأساسي"، لضمان عدم فرض قوانين غير مقبولة على الأقليات، ويرفض اشتراط دين معين لرئيس الجمهورية. ويؤيد النظام البرلماني الرئاسي المشترك (انتخاب رئيس من الشعب بصلاحيات محددة) على النظام الرئاسي المطلق أو البرلماني الصافي، حيث يراه أكثر استقراراً ويخلق توازناً وتنافساً إيجابياً بين السلطات. ويؤكد على حماية الحقوق الأساسية في الدستور، وزيادة صلاحيات الإدارة المحلية، وجعل تعديل المواد الجوهرية في الدستور مستحيلاً أو صعباً جداً.

في الختام، يقر الكاتب بأن الفصل مكثف ومتشعب، يجمع بين التحليل التاريخي والسياسي والرؤية القانونية التفصيلية. قد يكون توكيده القاطع على "استحالة" نشوء ديكتاتورية جديدة محل نقاش، فهو يستند إلى افتراض أن دروس الثورة ستظل حاضرة في الوعي الجمعي، وأن الظروف الدولية لن تتغير لصالح أنظمة مستبدة جديدة. كما أن الرؤية القانونية التي يقدمها طموحة وتفترض توافقاً مجتمعياً واسعاً على مبادئ قد تكون مثار جدل عميق بين مختلف مكونات المجتمع السوري.

5.خطة التحول الديمقراطي في سوريا97–131▼ résumé

يطرح هذا الفصل من كتاب "الخلاص أم الخراب؟ سوريا على مفترق الطرق" للمؤلف ياسين الحاج صالح وآخرين، بصياغة د. رضوان زيادة، خطة شاملة ومفصلة للتحول الديمقراطي في سوريا بعد سقوط النظام. الجواب المحوري الذي يقدمه الفصل هو تصوّر عملي لكيفية إدارة المرحلة الانتقالية، بدءاً من لحظة انهيار النظام، وصولاً إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة، عبر آليات دستورية وسياسية وأمنية واقتصادية وعدلية محددة.

يبدأ الفصل بتأريخ موجز للثورة السورية التي انطلقت في آذار/مارس 2011، مشيراً إلى دهشة السوريين أنفسهم من قدرتها على الخروج بهذا الشكل السلمي والحاشد. ينتقل بعدها إلى نقد تجارب المعارضة السابقة في وضع رؤى للمستقبل، مثل رؤية "المجلس الوطني السوري" التي كانت عامة، ووثيقة مؤتمر القاهرة في تموز/يوليو 2012، ومشروع منظمة "اليوم التالي" ، وخطة عبد الله الدردري عبر الإسكوا التي ركزت على الاقتصاد وتجنبت السياسي. يوضح الكاتب أن هذه المحاولات افتقرت إلى التفصيل والشمولية والتمثيل الواسع، مما استدعى مشروعاً متكاملاً، هو مشروع "بيت الخبرة السوري" الذي يضم حوالي 300 خبيراً سورياً من مختلف التخصصات والخلفيات. وقد نتج عن عمل هذا البيت وثيقة "خطة التحول الديمقراطي في سوريا" التي يشكل هذا الفصل خلاصتها التنفيذية وتوصياتها النهائية.

يتناول الفصل بالتفصيل التحديات الدستورية، ويركز على أن دستور عام 1950 هو الأنسب ليكون الدستور المؤقت للمرحلة الانتقالية. يشرح سبب ذلك: أنه الدستور الوحيد الذي وضعته جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطياً (جرت الانتخابات في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1949، وشاركت فيها المرأة السورية لأول مرة)، وأنه يتمتع بقبول شعبي واسع. يناقض الفصل بين هذا الدستور ودستور عام 1973 الذي كرس حكم الحزب الواحد (البعث) ودستور عام 2012 الذي وضعه النظام في خضم الثورة. يقدم "بيت الخبرة" مقترحاً لانتخاب جمعية دستورية جديدة من 350 عضواً، وفق نظام التمثيل النسبي مع القائمة المفتوحة في 32 دائرة انتخابية، على أن يمثل كل 84,220 مواطناً تقريباً بمقعد واحد. الهدف هو ضمان تمثيل واسع وعادل لكل مكونات المجتمع السوري.

ينتقل الفصل إلى شكل الحكم المستقبلي، فيوصي بتبني النظام البرلماني المعدل، بدلاً من النظام الرئاسي الذي يذكر بارث الاستبداد الطويل. يدعو إلى اعتماد اللامركزية الإدارية كوسيلة لتمكين المحافظات والمناطق وإدارة مواردها المحلية، مما يسهم في الاستقرار. ويولي الفصل أهمية كبرى لضمان مشاركة الأقليات (المسيحيين، الكرد، العلويين، التركمان، الدروز، وغيرهم) في العملية الانتقالية من خلال التمثيل النسبي واللامركزية، والإقرار بالحقوق القومية والثقافية، خاصة للشعب الكردي كإلغاء التمييز وإعادة الجنسية للمكتومين واعتبار اللغة الكردية رسمية في مناطقهم.

أما في مجال الإصلاح الانتخابي والحزبي، فيستعرض الفصل تاريخاً من التلاعب بالانتخابات في سوريا منذ انقلاب آذار/مارس 1963، حيث سيطر حزب البعث على السلطة باستخدام المقاعد المخصصة للعمال والفلاحين، وأحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" الوهمية، وإشراف وزارة الداخلية على الانتخابات. ينتقد قانون الانتخابات الجديد الذي أصدره النظام في نهاية عام 2011، معتبراً أنه أبقي السلطة بيد النظام عبر السيطرة على لجان الترشيح واعتماد النظام الأكثري. بناءً على ذلك، يقترح الفصل قانوناً انتخابياً جديداً يقوم على نظام التمثيل النسبي مع القوائم المفتوحة، مع عتبة انتخابية لتجنب التشرذم، وكوتا نسائية (لا تقل عن 4 ممثلات عن كل جنس كحد أدنى)، وتخصيص 2-3 مقاعد لذوي الاحتياجات الخاصة، لضمان تمثيل عادل وحقيقي.

يخصص الفصل قسماً هاماً وكبيراً لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، معتبراً أنها السبب الجذري للغضب الشعبي وللانتهاكات الجسيمة. يصف شبكة الأجهزة الأمنية الأربعة (المخابرات العامة، الأمن السياسي، المخابرات العسكرية، مخابرات القوات الجوية) التي بلغ عدد موظفيها 112 ألف موظف بدوام كامل (أي عنصر مخابرات لكل 167 مواطناً سورياً)، ويسرد جرائمها من اعتقالات وتعذيب واغتصاب واغتيالات. يسرد الفصل قائمة بمجازر مروعة نسبت للأجهزة الأمنية والجيش والشبيحة، مثل مجزرة جمعة أطفال الحرية في حماة (3 حزيران/يونيو 2011)، ومجزرة كرم الزيتون في حمص، ومجزرة الحولة، ومجزرة القبير، ومجزرة الترمسة، ومجزرة داريا. يقدم "بيت الخبرة" خطة إصلاح شاملة تقوم على حل الأجهزة الأمنية الحالية واستبدالها بجهاز أمني واحد تحت إشراف مدني، وفصل الأمن عن السياسة، وتدريب المنتسبين على مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة، وإنشاء آليات رقابة برلمانية وقضائية ومجتمعية. يشدد على أن إصلاح القطاع الأمني هو "الحساس الأكثر دقة لقياس شرعية النظام الجديد".

أخيراً، يتناول الفصل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية كأولوية قصوى بعد سقوط النظام. يقرّ الفصل بصعوبة هذه العملية نظراً لحجم الانتهاكات (أكثر من 100 ألف قتيل مدني في عامين، بمعدل 5 آلاف قتيل شهرياً بالاستناد إلى إحاطة المفوضة السامية لحقوق الإنسان) وانهيار ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، خاصة القضاء. يوصي الفصل بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمصالحة" التي تتولى أربع مهام رئيسية: 1. تقصي الحقائق عبر لجان تحقيق في القتل والتعذيب والاعتقال والاختفاء القسري. 2. رفع الدعاوى القضائية والمحاسبة، مفضلاً خيار "المحاكم المختلطة" (قضاة سوريون ودوليون تحت إشراف الأمم المتحدة) على المحاكم الدولية البطيئة أو الانتقام الأهلي. 3. التعويضات المادية والمعنوية للضحايا (مال، خدمات، اعتذار رسمي، نصب تذكارية). 4. إصلاح المؤسسات لتطهيرها من المتورطين في الانتهاكات وضمان عدم تكرارها. يرى الفصل أن العدالة الانتقالية هي السبيل الوحيد لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، مستعيراً المفهوم من تجارب دول مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا.

إن أبرز ما في الفصل هو طابعه التطبيقي والتفصيلي، حيث يقدم خريطة طريق واضحة الأركان، من لحظة سقوط النظام إلى بناء الدولة الديمقراطية. في الوقت نفسه، يقر الفصل بجملة من التحديات والتحفظات: الاختلاف حول معنى "سقوط النظام" بين قوى المعارضة، والجمود الدولي حول تطبيق اتفاق جنيف الأول بسبب الخلاف بين روسيا والغرب على مصير بشار الأسد، وصعوبة تطبيق العدالة الانتقالية في ظل استمرار العنف والانقسام المجتمعي، وخطر اندماج المقاتلين السابقين وتأثير ذلك على سوق العمل والاستقرار. الفصل لا يخفي صعوبة المهمة، لكنه يقدم مشروعاً متكاملاً لتحويل تلك الصعوبة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، معتمداً على خبرات دولية وتاريخية، ومؤكداً على أن النجاح النهائي يعود للسوريين أنفسهم.