Almawred
سورية وحطام المركب المبعثرة
عربي

سورية وحطام المركب المبعثرة

صقر أبو فخرar

منذ سؤالها الأول حول مفهوم «التخلف»، يضع هذا الكتاب يده على الجرح النازف في المأزق العربي، وقبل ذلك في المأزق السوري تحديداً. يرى صقر أبو فخر أن «التخلف» ليس مجرد افتقار إلى التكنولوجيا أو القوانين الحديثة، بل هو «أزمة فكر وفلسفة»، «تراكم تاريخي معقد يبدأ من لحظة إقصاء العقل لصالح النقل، ويستمر في سياسات النفاق والمصانعة التي تمارسها النخب المثقفة والسياسية على حد سواء». هذا التشخيص هو البوصلة التي تسير بها حجة الكتاب كلها: أن المأساة السورية (والعربية) هي في جوهرها مأساة فكرية، وأن الحركات التقدمية كلها فشلت لأنها لم تمس جذور هذه الأزمة.

يسير الكتاب بطريقة حلزونية متقنة، أو لعله أشبه بعود يعزف لحناً واحداً بأصوات متعددة: أحياناً من سيرة الكاتب الذاتية، وأحياناً من تفكيك شخصيات سياسية مثل ميشال عفلق وأنطون سعادة، وأحياناً من حوارات مع رفاق درب سابقين مثل نبيل الشويري وجلال السيد، وأحياناً من قراءة في تاريخ الأفكار منذ هزائم الإنكشارية العثمانية وحتى سقوط بغداد في 9 نيسان 2003. المنطق الذي يربط الأجزاء كلها هو هذا الاقتناع بأن «قوانين الطوارئ» ليست سوى رأس جبل الجليد، وأن الجوهر الأعمق للاستبداد هو «تراث وعقلية وفلسفة» تمنع المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون. كل فصل يعيد صياغة هذه الفكرة ذاتها من زاوية مختلفة، وكأن الكتاب بأكمله تأمل موسيقي طويل في هذا الموضوع الواحد.

في تفكيكه لشخصية ميشال عفلق من خلال شهادة جلال السيد ونبيل الشويري، يصل الكتاب إلى قلب المفارقة البعثية. يصف جلال السيد كيف كان عفلق في البداية كـ«قديس»، لكن الصورة اهتزت حين كُشف عن جوانب خفية: محدودية علاقاته العامة، بيانه «الاستعطافي» إلى حسني الزعيم من السجن بعد انقلاب 1949، وقصة غرامية اضطرته للهرب إلى البرازيل، ثم تحوله إلى مجرد «خولي في بيت التكريتي» في العراق، يعيش في رفاهية بين جنيف وكان وباريس بينما لا يعلم بنشوب الحرب بين العراق وإيران إلا عبر السفير العراقي. يخلص السيد إلى استنتاج جوهري: أن حزب البعث لم يكن حزباً واحداً متماسكاً منذ البداية، بل تجميعاً لأربع كتل متباينة (مجموعة عفلق والبيطار، مجموعة جلال السيد ذات النزعة العشائرية القومية، مجموعة وهيب الغانم اليسارية، ثم الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني). هذا التصور لبعث متفكك منذ الولادة يقدم مفتاحاً لفهم انهياراته اللاحقة.

الأرقام والوقائع التي يذكرها الكتاب كثيرة ومفاجئة أحياناً: محيط سور دمشق القديمة كان 7 كيلومترات، يمكن قطعه سيراً في 44.8 دقيقة. نهر بردى كان ينقسم إلى ستة فروع من صنع الإنسان حتى جف لاحقاً. سورية عند الاستقلال كان عدد سكانها ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة ومتوسط الدخل الفردي من أعلى الدخول في آسيا، بينما في مطلع القرن الحادي والعشرين أصبح متوسط الدخل الفردي أقل من المتوسط في بنغلادش. دمشق التي كان سكانها في الأربعينات 300-350 ألف نسمة أصبحت تضم أربعة ملايين من جميع المناطق. الحكم العرفي في سورية بدأ فعلياً مع حرب فلسطين سنة 1948، وليس مع انقلاب 8 آذار 1963 كما يظن كثيرون. حسني الزعيم نفذ انقلابه في 30 آذار 1949 بأربعة أشهر فقط وانتهى بإعدامه في 14 آب من العام نفسه. ديون سلطان الأطرش على جد الكاتب بلغت 2000 ليرة ذهبية. قطعة الأرض التي اشتراها الكاتب في بلونة بالاشتراك مع أصدقاء باعوها بعد ست سنوات بتضاعف سعرها 22 مرة.

الشهادات التي يقدمها الكتاب مفصلة بالقدر نفسه. يروي نبيل الشويري كيف أن حزب البعث في بداياته لم يكن تنظيماً جاداً، بل «كل مؤسس يعمل على هواه». ويصف تفاصيل رسالة ميشال عفلق الذليلة إلى حسني الزعيم، التي أدت إلى توقيف الشويري نفسه ورفيقه توفيق رمان وهما يوزعان منشورات ضد الزعيم. ويصف كيف أن عفلق أصبح «مرجعاً أول» للحزب لكنه افتقر لصفات الزعيم القيادية الحقيقية، وأن قصة كنبة خاصة وضعت لعفلق في اجتماع بينما جلس صلاح البيطار وأكرم الحوراني على كرسيين عاديين أشعلت غضب الحوراني باعتبارها ممارسة لعبادة الشخصية. أما جلال السيد فيروي كيف أن عفلق بعد الانفصال من مصر بدافع حقد على جمال عبد الناصر بدأ يدير الحزب بانفراد، ثم يرتكب ما يصفه السيد بـ«الجريمة الكبرى» في المؤتمر القومي الخامس أيار 1962 بفصل أكرم الحوراني من الحزب.

في فصوله عن العودة إلى دمشق والمنفى، يصل الكتاب إلى ذروته الإنسانية. يصف الكاتب كيف عاش في بيروت بعد 1967 و1970 مع منصور الأطرش في منزل تبرع به حسن حلاوي، بلا هوية شرعية، رافضاً التعاون مع المخابرات اللبنانية. ثم يروي تفاصيل مفاوضات العودة إلى سورية، عندما رفض عرضاً من حافظ الأسد بالعودة إلى السجن أولاً ثم العفو، قائلاً بغضب: «أمضينا في هذا البلد خمس سنوات ونحن هاربون، وها هو حافظ الأسد ينتخب لسبع سنين مقبلة... سأقفها على رجل واحدة هنا على هذا الرصيف ولا أعود إلى سورية بهذه المهانة». تدخل الإمام موسى الصدر لدى الأسد، فصمت الأسد طويلاً ثم قال عن الكاتب: «إذا كان لا يزال يتآمر علينا فلن أعفو عنه... أما إذا كان الأمر متعلقاً بما جرى في الماضي فأنا أعدك بالعفو عنه». عاد الكاتب بعد 9 أشهر إلى دمشق حيث استقبله الأصدقاء والأحباب.

يقر الكتاب في أكثر من موضع بحدوده وتحفظاته. يعترف الكاتب مثلاً بأن رواية اغتيال عدنان المالكي لا تزال غامضة حتى بعد هذا الزمن، وأنها «تمت على قاعدة تقاطع المصالح المصرية والأميركية». ويقر بوجود رويتين مختلفتين حول تعرض زكي الأرسوزي لاعتداء في مقهى الكمال بدمشق، ما دفعه لتوجيه أنصاره للانضمام إلى عفلق. ويترك أسئلة مفتوحة حول دور الولايات المتحدة والسفارة المصرية في اغتيال المالكي، وعن مسؤولية القادة الفلسطينيين واللبنانيين في الحرب الأهلية اللبنانية. وفي واحدة من أكثر لحظات الكتاب صدقاً، يعترف الكاتب بأنه يتصرف أحياناً بدافع نفسي لا سياسي، مثل رفضه اللجوء إلى الأردن لاعتبارات أخلاقية ثم سفره إليه للتآمر تحت جناح الأردن نفسه، معترفاً بأن هذا هو «الخطأ الوحيد الذي يشعر بالخجل منه».

حجة الكتاب الأكثر إثارة للنقاش هي تركيزه على الفشل الفكري وحده، وتقليله النسبي من العوامل الجيوسياسية والإقليمية والحروب مع إسرائيل. يطرح الكاتب مقارنة بين إسرائيل وسورية تركز على الإدارة الناجحة للموارد، لكنها تتجاهل الفروق الهائلة في الدعم الخارجي وحجم الاقتصاد العالمي المحيط بكل منهما. كما أن مسؤوليته الشبه كاملة للنخب المدينية عن «عكس طبيعة الأشياء» في قيادة المجتمع، بينما يقر في مكان آخر بأن «لا نملك غيره هوية وتراثاً وسنداً» حين الحديث عن العودة إلى الإسلام بعد هزيمة حزيران 1967، مما يخلق توتراً بين الرفض الفكري والقبول الوجودي لهذا التراث.

لكن الكتاب، رغم هذه التناقضات، يبقى شهادة استثنائية على مأساة نخبة سورية كاملة: نخبة عاشت الحلم ثم رأته يتحول أمامها إلى حطام. من مشهد اعتقال سلطان الأطرش لجده وهو يهرب من الأتراك، إلى وصف جده كشيخ حارة المسيحيين في بلدة القرية، إلى حكاية السنة التي انقلبت خلالها أربع حكومات في دمشق، إلى النهاية حيث يصف الكاتب سورية بعد عقود بأنها «أسود أسود» ولا يتوقع تغيراً إلا بمعجزة. الكتاب في النهاية ليس مجرد تاريخ سياسي، بل هو مرثية لطريق لم يسلك، ولنهضة أحبطت قبل أن تبدأ، ولمجتمع يبحث عن مخرج من دائرة الاستبداد التي يصفها الكاتب بأنها ليست مجرد نظام سياسي بل «تراث وعقلية وفلسفة».

Chapitres(12)

2.مقدمة لا بد منها11–34▼ résumé

يطرح هذا الفصل سؤالاً جوهرياً حول مفهوم "التخلف" في المجتمعات العربية، خاصة في سورية، ويتساءل ما إذا كان إدراك هذه الحالة هو الخطوة الأولى نحو "التقدم" الحقيقي أم أن هناك من يستغل هذا التخلف لتحقيق مصالحه الشخصية. يرفض صقر أبو فخر فكرة أن التخلف مجرد غياب للتكنولوجيا أو القوانين الحديثة، بل يرى أنه أزمة فكر وفلسفة وهو وهو تراكم تاريخي معقد يبدأ من لحظة إقصاء العقل لصالح النقل، ويستمر في سياسات النفاق والمصانعة التي تمارسها النخب المثقفة والسياسية على حد سواء.

يسير الكاتب في الفصل بطريقة حلزونية تعود إلى الماضي لتفهم الحاضر، حيث يبدأ بمشاهدة المثقف العربي للتخلف عبر وسائل الاتصال الحديثة مثل "الحاسوب والإنترنيت والبريد الالكتروني"، لكنه يؤكد أن مجرد الإدراك لا يكفي. يطرح ثلاثة طرق أمام من يدرك التخلف: إما الانعزال والهجرة الداخلية أو الازدواجية، أو تكريس الجهد للدعوة إلى التقدم، أو استغلال التخلف نفسه للوصول إلى المال والجاه، وهي الطريق التي يراها الكاتب قد سلكها "أكثرية المثقفين في بلادنا". يستشهد بقضية المثقف المصري نصر حامد أبو زيد الذي حُكم بالردة، ويتساءل لماذا لم يتبنَّ المثقفون التقدميون قضيته بشكل جدي واكتفوا بالتوقيع على عريضة، باستثناءات قليلة مثل محمد علي الأتاسي وصادق العظم.

ينتقل الكاتب لتفكيك ما يعتبره المثقفون "العقدة الأساسية"، وهي قوانين الطوارئ التي يعتقدون أنها بدأت مع انقلاب 8 آذار 1963. يفند هذا الادعاء بحجة أن الحكم العرفي بدأ فعلياً في "العهد الاستقلالي مع بداية حرب فلسطين العام 1948"، وأن حكاماً مثل جميل مردم وحسني الزعيم وأديب الشيشكلي طبقوه. يصف الكاتب التركيز على قانون الطوارئ وحده بأنه مثل النظر إلى "رأس جبل الجليد العائم والتغافل عن أربعة أخماسه المغمورة"، حيث أن الجوهر الأعمق للاستبداد هو "تراث وعقلية وفلسفة" تمنع المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون، وتستند إلى اجتهادات فقهية تاريخية تستبيح دماء المخالفين في المذهب، وهي الاجتهادات التي يستيقظها "خوارج العصر" أمثال بن لادن والظواهري.

يتوسع الفصل في مناقشة مسألة "التقدم وفلسفة التقدم"، مستعرضاً تاريخاً طويلاً من محاولات استيراد التقدم "بالمفرق" (بالتقسيط) دون الفلسفة التي أنتجته، بدءاً من هزائم الإنكشارية العثمانية أمام العسكرية الأوروبية. يذكر أن السلطان محمود الثاني تمكن من القضاء على الإنكشارية بالمدافع حوالي العام 1826، ثم تبعتها "التنظيمات" التي فُرضت بضغط من الدول العظمى، لكنها لم تُقنع الناس، والدليل على ذلك "المذبحة الشنيعة والمخزية التي جرت للمسيحيين في دمشق سنة 1860" كرد فعل على "مساواة أمام القانون" ألغت جوانب من أحكام "أهل الذمة". ويستمر في سرد فشل الحركات التقدمية الأخرى، من محاولات مدحت باشا الدستورية التي انقلب عليها السلطان عبد الحميد، إلى عنصرية "جمعية الاتحاد والترقي"، وصولاً إلى العصر الحديث حيث لا يزال الشيخ يوسف القرضاوي يصر على أخذ التكنولوجيا ورفض "الفلسفة التي أنتجتها"، وهو ما يراه الكاتب امتداداً للحظة الزمنية التي "أحرقت فيها كتب ابن رشد في الأندلس"، بينما ترجمت هذه الكتب إلى اللاتينية وأسست لعصر النهضة في أوروبا.

يحلل الفصل فشل جميع الحركات "العصرية" التي ظهرت في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، واصفاً إياها بأنها قلدت الغرب "كما تفعل السعادين" قفزت فوق الواقع المتمثل في الدين والتراث. يذكر أمثلة على ذلك مثل "القمصان الحديدية" في سورية و"القمصان الخضراء" في مصر والتي قلدت قمصان النازي. بعد الاستقلال، لم يبق في الميدان إلا الجيش، وهو القوة الوحيدة المنظمة التي اعتادت على السلطة منذ عهود. يصف حكم عبد الناصر لسورية بأنه أقام "حكماً فردياً مطلقاً" لم يبقِ ولم يذر أي حراك سياسي، وحصر السياسة في أجهزة المخابرات، وانتهى بانقلاب 28 أيلول 1961 الذي سحب سورية من حكمه "كما تسحب الشعرة من العجين"، والسبب أن الوحدة لم تقم على أسس عقلانية راسخة.

بعد هزيمة حزيران 1967، عاد الناس إلى الإسلام، ويقر الكاتب بأن "لا نملك غيره هوية وتراثاً وسنداً"، ويطرح السؤال الجوهري: هل نعود إلى إسلام القرن السابع أم نجلبه إلى القرن الحادي والعشرين؟ يرى أن "تقليد السلف الصالح في الشكل" لا يعيد الأمجاد، ويمتدح مفكرين جدداً بدأوا يحفرون عميقاً في التراث العقلاني الإسلامي، مثل محمد أركون، محمد عابد الجابري، هشام جعيط، عدونيس، محمد شحرور، ويخص بالذكر نصر حامد أبو زيد الذي "صنع من فكره قضية وصمد في وجه أبشع أنواع الظلم". يرى الكاتب أن سياسة النفاق هي التي أوصلت الناس إلى التفكير السلفي، وأن "التمسك بمظاهر القرن السابع، مع وجود الصحن اللاقط على السطوح إنما هو استقالة رسمية موثقة من الوجود في هذا العصر".

يعود الكاتب ليجادل بأن قضية المواطنة والمساواة أمام القانون بقيت حبراً على ورق منذ "خط شريف كولخانه في العام 1839". يستشهد بحالة فارس الخوري السياسي السوري المسيحي الذي لعب أدواراً قيادية، لكن الناس استشهدوا ببروزه لتجنب مواجهة حقيقة عدم المساواة، حتى سرت شائعات بعد وفاته بأنه أسلم. ويطبق نفس المنطق على قصة إسلام ميشيل عفلق التي روجها صدام حسين، ويعتبرها الكاتب دليلاً على أن "ليس لغير المسلم حظ في تعاطي السياسة بالمعنى الكامل للكلمة"، وأن مسألة "الذمي" ألغيت في الواقع لكنها ما زالت قائمة في العقل الجمعي. يختم الفصل بدعوة إلى استخلاص العبر من التاريخ، محذراً من أن الذين لا يتعلمون من التاريخ يعيدون أخطاءهم، ومشيراً إلى أن سقوط بغداد في 9 نيسان 2003 هو بمثابة "سقوط دولة الاستقلال" وليس مجرد احتلال، وأن استمرار "المقاومة" المضحكة المبكية دون بناء دولة حقيقية ستكون نتائجه أسوأ من نكبة فلسطين.

في خلاصة تحليلية، يقر الكاتب بأن النخب المدينية قصرت في العمل السياسي وتركت الميدان للنخب الريفية، وهو ما أدى إلى عكس "طبيعة الأشياء" حيث تقود المدينة التقدم. ويؤكد أنه "إذا لم تخرج النخب المدينية من شرنقة السلفية... وتتصدى للقيادة بفكر معاصر وتقدمي حقيقي وواقعي، فإن حظوظنا في الخروج من مأزقنا... تبقى ضئيلة بل تكاد تكون معدومة". ينتهي الفصل بملاحظتين جانبيتين حول الماسونية التي كانت ذات سمعة تنويرية في مطلع القرن العشرين، وحول أصول الكاتب العائلية التي تنتمي للطبقة الوسطى.

3.الطفولة والعائلة والأمكنة الأولى35–90▼ résumé

ملخص الفصل: «الطفولة والعائلة والأمكنة الأولى» من كتاب "سورية وحطام المركب المبعثرة" لـصقر أبو فخر

يدور المحور الأساسي لهذا الفصل حول سيرة المؤلف الذاتية المبكرة، التي تتشابك بعمق مع تاريخ مدينة دمشق، وأحيائها المختلفة، وعلاقاتها الاجتماعية، والأحداث السياسية الكبرى التي شهدتها سورية في النصف الأول من القرن العشرين. يقدم المؤلف إجابة ضمنية عن سؤال الهوية والانتماء، عبر تتبع جذور عائلته وتفاعلها مع المكان والزمان، مبرزاً التأثير الحاسم للبيئة الحضرية والريفية، والعلاقات العشائرية، والصراع الوطني على تكوين شخصيته ونظرته للعالم.

يسير الفصل في خط متعرج، ينتقل فيه المؤلف بين الجغرافيا والتاريخ والحكايات العائلية. يبدأ بوصف دقيق لدمشق القديمة، فيذكر أن محيط سور المدينة كان نحو 7 كيلومترات، ويمكن قطعه سيراً في 44.8 دقيقة. يتحدث عن نهر بردى الذي ينقسم إلى ستة فروع من صنع الإنسان، وكانت كل نقطة منه تُستهلك حتى مصبه في بحيرة على حدود الصحراء، لكنه جف لاحقاً بسبب الضخ الجائر. ثم ينتقل إلى وصف توسع دمشق خارج أسوارها، محدثاً الفرق بين "العمارة الجوانية" (داخل السور) والخارجية. يركز على حي الميدان الذي كان مجرد طريق لسباق الخيل ومحطة للوافدين من الجنوب، لكنه تحول إلى حي سكني كبير. ويشرح أسماء أبواب دمشق السبعة مثل باب الجابية (المسمى على اسم قرية في الجولان كانت مقراً لجيوش الفتح)، وباب توما، وباب السلام. يربط تاريخ هذه الأمكنة بأحداث مفصلة، كحريق حي "الحريقة" (المسمى بهذا الاسم لأنه احترق كله في قصف الفرنسيين أثناء الثورة السورية الكبرى سنة 1925)، الذي كان حياً للأغنياء وأكابر التجار.

ينتقل السرد بعدها إلى حياة المؤلف الشخصية: ولادته في الميدان عام 1927، وانتقال عائلته إلى حي القصاع (أو حارة النصارى) في باب توما بسبب حاجة الأولاد للمدارس، حيث لم تكن في الميدان مدارس ثانوية. يصف بيت جده الكبير بمساحة 350 متراً مربعاً وبحرة وشجر، وكيف تحول ياخور الخيل إلى حمام حديث ثم هُدم. يخصص حيزاً مهماً لنشأة الصداقات والتحالفات في المدرسة، قائلاً إنه كان هو وصديقه فايز بطح من أبناء الميدان في صف يضم أغلبية من مسيحيي حارة النصارى. وعندما انضم إليهم طلاب مسلمون راسبون، نشأت كيمياء معينة: المؤلف وصديقه أصبحا قريبين من هؤلاء الوافدين الجدد، بينما بقية التلاميذ نفروا منهم. يفسر المؤلف ذلك بأن طلاب حارة النصارى يمتلكون تراثاً من الذكريات السيئة (مثل أحداث 1860)، بينما في الميدان لم يكن هناك مثل هذا التراث من الاحتكاك الطائفي، فكان هناك تسامح وعلاقة أخوية بين مسلميه ومسيحييه، تجسدت في خطب جامع الجزماتية التي تذكر بذمة الرسول تجاه المسيحيين.

الأجزاء الأوسع من الفصل مخصصة لتاريخ العائلة، الذي هو في جوهره تاريخ سورية الحديث. يشرح أصول لقب العائلة "الشويري"، وهو نسبة إلى بلدة الشوير اللبنانية التي جاءت منها جدته بربارة. أما الأصل الحقيقي للعائلة فهو من آل جديداني من بلدة جديدة عرطوز. جده الأكبر إبراهيم جديداني تاركاً ابناً صغيراً، هو جد المؤلف يوسف الشويري الذي ورث تجارة الحبوب عن خاله. هذه التجارة قادته إلى علاقة وطيدة مع سلطان الأطرش، زعيم الثورة السورية الكبرى. يروي المؤلف بالتفصيل قصة إقراض جده لسلطان الأطرش المال دون ورقة، وكيف تطورت إلى صداقة عميقة. وعندما هرب جده من الأتراك، استقبله سلطان الأطرش في بلدة القرية، وأطلق عليه أهالي البلدة لقب "شيخ حارة المسيحيين". ويصف الفصل مشاركة جده في الثورة العربية الكبرى إلى جانب سلطان الأطرش، حيث قاد قافلة من المقاتلين إلى العقبة لمقابلة الأمير فيصل، وشارك في دخول دمشق مع الجيش العربي أمام الجميع.

يتعمق الفصل في تفاصيل التمويل الذاتي للثورة السورية الكبرى (سنة 1925)، حيث كان جده مقرضاً لسلطان الأطرش الذي كان ينفق من ماله الخاص ويبيع ممتلكاته. ويورد قصة اعتقال السلطات الفرنسية للجد ووالد المؤلف، ونصب كمين لسلطان الأطرش في بلدة سمج، وكيف تمكن سلطان الأطرش من الفرار. يذكر المؤلف أن ديون سلطان الأطرش على جده بلغت 2000 ليرة ذهبية، والتي سددها لاحقاً بالليرة السورية. كما يروي حادثة طريفة عندما ذهب والده ليطالب سلطان الأطرش بالدين بعد أن سمع بوصول تبرعات له، فرآه مرتديًا عباءة مرقعة فلم يستطع طلبه. يقر المؤلف بوجود أسئلة مفتوحة وتحديات في الرواية، مثل الجهل التام بسبب هجرة الجد الأكبر من جديدة عرطوز إلى الميدان، أو التوقف عند السؤال عن سبب تراجع مستوى الأحفاد عن الفروسية التي اشتهر بها الجد.

في الجزء الأخير، ينتقد المؤلف بقوة الحياة السياسية والاجتماعية في دمشق. يصف التقاليد الاجتماعية في الميدان بأنها "شبه إسلامية" حتى لدى المسيحيين، مع فصل بين الرجال والنساء. ويعزو "العقم النسبي في الإبداع الفكري" في دمشق إلى رخائها وطبيعتها "الجنة"، حيث التسلسل الطبقي محفوظ ولا حقد طبقي، والتجار "طلاسم" لا يتفاخرون بثروتهم. يستعرض زعامات رفضها أهل الشام أو قبلوا بها: عبد الرحمن الشهبندر الذي قتلوه، وأكرم الحوراني الذي تخلوا عنه لينضموا لـعبد الناصر ثم انقلبوا عليه، ثم حافظ الأسد الذي فرضته عليهم الظروف وقبلوا به. يصف سورية ما بعد 1920 بأنها انتقلت من نضال ريفي إلى نضال مديني، لكن أهل المدن "فالصو" (فاشلون) عندما تسلموا السلطة، فبدأ "حكم المزرعة". يختم بمقارنة بين دمشق الأربعينات التي كانت 300-350 ألف نسمة والجميلة، ودمشق اليوم التي تضم أربعة ملايين من جميع المناطق، وتأثر مناخها وطابعها سلباً بهذا التوسع.

4.ميشال عفلق والبعث91–120▼ résumé

ملخص فصل «ميشال عفلق والبعث»

يقدّم هذا الفصل سيرة ذاتية-سياسية لـميشال عفلق، المؤسس الفكري لـحزب البعث العربي الاشتراكي، من خلال شهادة شخصية لرفيق دربه جلال السيد، الذي كان على صلة عائلية وثيقة بعفلق منذ الطفولة. الموضوع المحوري هو تفكيك الصورة الأسطورية لعفلق، والكشف عن التناقضات في شخصيته وسيرته السياسية، مع الإشارة إلى الإشكالية الجدلية حول هوية المؤسس الحقيقي للحزب بين عفلق وزكي الأرسوزي.

يسير الفصل عبر خمس مراحل زمنية في حياة عفلق: منذ الولادة حتى بداية العمل السياسي، ثم مرحلة جمعية نصرة العراق وثورة رشيد عالي الكيلاني في 1941، فمرحلة التأسيس الفعلي للحزب في 1947 وما تلاها من أحداث مثل انقلاب حسني الزعيم وتولي عفلق وزارة المعارف، ثم مرحلة الخمسينات حتى انهيار الوحدة السورية-المصرية، وأخيراً مرحلة وجوده في السلطة. يروي السيد أنه انتسب للحزب في صيف 1947، أي سنة تأسيسه، وكان ينظر إلى عفلق كقديس في البداية، لكن هذه الصورة بدأت تهتز بعد تخرجه من الجامعة.

يكشف السيد عن جوانب خفية من شخصية عفلق: كان محدود العلاقات العامة، محصوراً بأنصاف المثقفين والطلاب، ولم يكن يهيئ نفسه ليكون زعيماً. يورد حادثة رواها أكرم الحوراني عن وضع كنبة خاصة لعفلق في اجتماع حزبي بينما وضع كرسيان عاديان لـصلاح البيطار والحوراني، مما أثار غضب الأخير باعتباره ممارسة لعبادة الشخصية. كما يذكر أن عفلق انتخب عميداً للحزب في المؤتمر الأول سنة 1947، بينما كان صلاح البيطار أميناً عاماً.

يتناول الفصل بالتفصيل محطات مثيرة للجدل في حياة عفلق: استقالته من التدريس في 1942 بحجة التضامن مع الطلاب، لكنه حين أصبح وزيراً للمعارف في 1949 لم يقم بأي تغيير في المناهج؛ بيانه "الاستعطافي" الشهير من السجن إلى حسني الزعيم بعد انقلاب 1949، وهو ما اعتبره الكثيرون كارثة سياسية؛ وقصة غرامية مع امرأة متزوجة كشفت وأدت إلى مغادرته سورية إلى البرازيل؛ وخطابه الذي ألقاه في 1958 بعد الوحدة مع مصر ووافق فيه على حل الحزب لصالح الاتحاد القومي، وهو خطاب لم يُنشر قط في أدبيات الحزب.

يخصّص الفصل مساحة كبيرة لفترة ما بعد الانفصال، حيث يصف كيف أن عفلق، بدافع من حقد على جمال عبد الناصر، بدأ يدير الحزب بانفراد، فعقد مؤتمرات قطرية واختار قيادات بنفسه. ثم يرتكب ما يصفه السيد بـ "الجريمة الكبرى" في المؤتمر القومي الخامس أيار 1962 بفصل أكرم الحوراني من الحزب. أما الفصل الأكثر قسوة فهو وصف فترة وجود عفلق في العراق حين مكّن لـصدام حسين السيطرة على الحزب، ليصبح عفلق مجرد "خولي في بيت التكريتي"، يعيش في رفاهية في منزل كبير في ضواحي جنيف، مع منازل صيفية في كان وباريس، بينما كان دوره يقتصر على إلقاء خطبة سنوية في عيد الحزب. ويروي السيد أن عفلق لم يعلم حتى بنشوب الحرب بين العراق وإيران إلا عبر السفير العراقي في باريس.

يختم الفصل بمناقشة الجدال التاريخي حول مؤسس الحزب الحقيقي. يذكر أن الأرسوزي أسس جريدة "البعث" في أنطاكية قبل سلخ لواء الإسكندرون سنة 1939، بينما كان عفلق والبيطار يؤسسان في دمشق ما عُرف بـ "حركة الإحياء العربي". وقد اندمجت أربع مجموعات لتشكيل الحزب: مجموعة عفلق والبيطار، مجموعة جلال السيد (ذات النزعة العشائرية القومية)، مجموعة وهيب الغانم اليسارية من اللاذقية، ثم الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني الذي انضم لاحقاً في عهد الشيشكلي. ويذكر السيد أن الذين يشعرون بضرورة التغيير هم فقراء الريف، بينما المدن والنخب الحاكمة لا تريد تغييراً، مما يفسر انتشار البعث في أرياف الأقليات (جبل الدروز وجبل العلويين) دون المسيحيين.

يقرّ الفصل بوجود تحفظات وثغرات، أبرزها: قصة لا يمكن التحقق منها عن تعرض الأرسوزي لاعتداء من زعران الكتلة الوطنية في مقهى الكمال بدمشق، ما دفعه لتوجيه أنصاره للانضمام إلى عفلق؛ وقصة إعلان عفلق إسلامه بعد موته برواية صدام حسين فقط، بينما زوجة عفلق نفسها وقياديون قدماء كـالياس فرح وشبلي العيسمي لم يعرفوا بها؛ ووجود وصية ضعيفة الرواية عن تحرر عفلق من العقيدة المسيحية منذ الخامسة عشرة وإسلامه، مع أنه أوصى بعدم النشر إلا بعد موته.

ينتهي الفصل بنقاش حول إشكالية الإسلام والعلمانية في فكر البعث. يصف خطبة "ذكرى الرسول العربي" الشهيرة التي ألقاها عفلق في 1943 بأنها صيغ لفظية "حمالة أوجه"، اجتذبت الشباب لأنها قدمت إسلاماً "متفوقاً على العقل الرجعي للإخوان المسلمين"، بينما انزعج التقليديون لأن مسيحيّاً جاء ليعلمهم الإسلام. ويخلص السيد إلى أن البعث دار ضمن الفهم التقليدي للتاريخ وللدولة الإسلامية، رغم محاولات الالتفاف بصيغ مثل "العروبة هي الإسلام". ويقارن بين جرأة المفكرين التنويريين السابقين كـطه حسين وعبد الله العلايلي الذين أجهضت محاولاتهم، وبين حالة الجمود الفكري الحالية التي تمنع النقد التاريخي الجاد.

يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح: إصرار السيد على أن عفلق لم يكن المؤسس الوحيد للحزب، بل كان هناك أربعة أحزاب اندمجت، وأن فضل الانتشار يعود للأرسوزي وأكرم الحوراني أكثر مما يعود لعفلق؛ اتهام عفلق بالانتهازية والتقلب السياسي بين اليسار واليمين بحسب المصالح؛ وإشارة إلى أن حزب البعث لم يكن حزباً متماسكاً منذ البداية بل تجميعاً لكتل ذات اتجاهات متباينة.

5.سورية في العهود المضطربة121–150▼ résumé

ملخص الفصل: «سورية في العهود المضطربة»

يطرح هذا الفصل من كتاب صقر أبو فخر "سورية وحطام المركب المبعثرة" سرداً تاريخياً للاضطرابات السياسية التي شهدتها سورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، مركزاً على دور حزب البعث العربي الاشتراكي وعلاقته المتقلبة بالسلطة، وذلك من خلال حوار مطول مع نبيل الشويري، أحد المناضلين البعثيين الأوائل. الموضوع المحوري للفصل هو تفكيك مرحلة التأسيس البعثي الأولى، وكيف تحول الحزب من تنظيم غير متجانس إلى قوة سياسية لامست السلطة ثم اصطدمت بها، مع كشف الهشاشة الداخلية للحزب والتناقضات بين قيادته وقواعده.

يسير الفصل عبر تسلسل زمني يبدأ من تأسيس حزب البعث، حيث يؤكد الشويري أن الحزب في بداياته لم يكن تنظيماً جاداً، بل كان كل مؤسس يعمل على هواه. يشير إلى أن أول انقسام جدي حدث في سنة 1943 إثر رسالة ميشال عفلق إلى حسني الزعيم، وهي حادثة تشكل عقدة السرد. ينتقل بعدها إلى تفاصيل انتخابات سنة 1947 التي كشفت التوتر بين شكري القوتلي وجميل مردم، وكيف تحولت المعركة الانتخابية إلى مواجهة مع الإخوان المسلمين والمشايخ. يروي الشويري أن القوتلي وجماعته قاموا بتزوير الانتخابات ضد الإخوان المسلمين، لا ضد التقدميين، وأن التزوير جرى أيضاً ضد عفلق نفسه في دمشق لصالح منافسه حبيب كحالة.

يستعرض الفصل بعد ذلك حرب فلسطين 1948 وتداعياتها، حيث تتطوع البعثيون في جيش الإنقاذ، وتتحول المظاهرات الطلابية إلى ضغط على القوتلي. تبرز هنا حادثة طريفة حين طالب الطلاب بإرسال الجيش السوري إلى فلسطين، فرد القوتلي: "ليست فلسطين وحدها بل إندونيسيا أيضاً"، في محاولة لتشتيت الانتباه مستغلاً قضية أحمد سوكارنو التي كان يتبناها الإخوان المسلمون. هذا الموقف كشف للقوتلي أن الطلاب المتظاهرين يضمون إخواناً مسلمين، مما خفف الضغط عليه وسمح له بتشكيل حزب فيصل العسلي كذراع إرهابية لفرض سلطته.

ثم ينتقل الفصل إلى انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار 1949، الذي يصفه المؤلف على أنه انقلاب أميركي-فرنسي لتنفيذ أجندات عالقة: تمرير مشروع التابلاين (أنابيب النفط من السعودية إلى صيدا)، وإنهاء اتفاقية النقد المتعثرة مع فرنسا، وتوقيع الهدنة مع إسرائيل. يذكر الشويري أن حسني الزعيم نفذ هذه النقاط فور وصوله للحكم، لكنه خيب آمال الضباط الذين كانوا يأملون بحكم نظيف. يعيش الانقلاب أربعة أشهر فقط وينتهي بإعدام الزعيم في 14 آب 1949 بعد تسليمه أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى السلطات اللبنانية التي أعدمته. يذكر الشويري تفاصيل مثيرة: ثلاثة من أعضاء الحزب القومي – فضل الله أبو منصور (درزي)، ومحسن الحكيم (إسماعيلي)، وعصام مريود (سني) – شاركوا في إعدام الزعيم، ويعلق بأن هذا التنوع الطائفي في فريق الإعدام يثير دهشته.

يضيف الشويري أن مايلز كوبلاند اعترف في مذكراته بأن السفارة الأميركية خططت للانقلاب، وأن الميجر ستيف ميد كان يجول مع حسني الزعيم لتحديد الأهداف المراد السيطرة عليها. يشير الفصل أيضاً إلى سلطان الأطرش الذي أيد الانقلاب في البداية ثم انقلب عليه، بعدما لاحظ من سلوك الزعيم "أزعر" – أي زقاقي وابن شوارع – كما وصفه.

يتناول الفصل بالتفصيل رسالة ميشال عفلق الذليلة إلى حسني الزعيم، وهي الواقعة التي هزت الحزب. يروي الشويري كيف أن عفلق أرسل رسالة استسلام واضحة، مما أدى إلى توقيف الشويري نفسه ورفيقه توفيق رمان وهما يوزعان منشورات ضد الزعيم. يصف الشويري كيف قرأ خبر الرسالة في السجن فشعر بأن قلبه هبط، بينما تفاوتت ردود فعل البعثيين الآخرين بين التصديق والتكذيب. تمكن عفلق من تبرير الرسالة لاحقاً بأنه كتبها بعدما رأى أسماء المعتقلين الشباب مثل الشويري، لكن الشويري يؤكد أنها كانت "مخجلة ولا تبرير لها". ومع ذلك، لم تؤثر الرسالة على موقع عفلق في الحزب، بل أصبح وزيراً للمعارف في حكومة هاشم الأتاسي التي تشكلت بعد سقوط الزعيم، الأمر الذي يبدو متناقضاً.

يبحث الفصل في شخصية ميشال عفلق وتحولاته. يصفه الشويري بأنه يمتلك "كاريزما نخبوية محصورة" وليس كاريزما شعبية مثل جمال عبد الناصر. يتحدث عن ميل عفلق إلى الصبر وضبط النفس، لكنه أيضاً يفضح ضعفه البشري من خلال قصة المرأة المصرية – زوجة أحد حوارييه المقربين – التي أقام عفلق معها علاقة غير لائقة، مما اضطره للهروب إلى البرازيل لعدة أشهر. يروي الشويري أن زوج المرأة اكتشف العلاقة وطالب عفلق بمغادرة البلاد على الطريقة العشائرية، لكن الزوج فيما بعد تصالح معه بعدما رأى أن زوجته هي المسؤولة.

يكشف الفصل عن الانقسام الداخلي في الحزب بين يمين ويسار، حيث كان جلال السيد رأس اليمين ووهيب الغانم رأس اليسار. برز هذا الانقسام في مؤتمر اللاذقية بعد انتخابات سنة 1949، حيث دعا صلاح البيطار إلى تحويل الحزب إلى حزب ليبرالي إصلاحي، بينما مالت القواعد إلى التغيير الجذري. وهنا اتخذ عفلق موقفاً جديداً: بعدما خسر الانتخابات بسبب حملة تكفيرية ضده لكونه مسيحياً، قرر أن "الانقلابات هي الأجدى"، مبتعداً عن الديمقراطية البرلمانية. وفي المؤتمر نفسه، فوضت الأغلبية عفلق صلاحيات مطلقة، لكنه اختفى فجأة وذهب إلى البرازيل، مما أثار حيرة الحزبيين.

يختم الفصل بتأملات حول تمرد الشويري على عفلق، حيث ينفي الشويري أن يكون تمرده على صورة الأب، مشيراً إلى أن والده كان شخصية قوية ومستقلة لا تحتاج لتمرد. يصف كيف أن عفلق أصبح "مرجعاً أول" للحزب لكنه افتقر لصفات الزعيم القيادية الحقيقية. يروي قصة أكرم الحوراني الذي غضب من وضع كنبة مميزة لعفلق في اجتماع بينما جلس هو والبيطار على كرسيين عاديين، مما يظهر نزعة عفلق للتميز. وينتهي السرد بحديث عن كيفية تحول عفلق إلى "تقاعد" مع صدام حسين في العراق، حيث استغله صدام لشرعيته الرمزية وأحاله إلى حياة التقاعد. يذكر الشويري تعليقاً لاذعاً لـجلال السيد قاله لعفلق: "بعد أن كنت أبا للجيل العربي الجديد، اقتصرت على أربعة" في إشارة إلى أولاده فقط.

تظهر في الفصل حجج قابلة للنقاش، مثل تبرير عفلق لرسالته الذليلة بحماية الشباب، بينما يراها الشويري عملاً مخجلاً لا يمحوه الزمن. كما أن تفسير انقلاب حسني الزعيم كمؤامرة أميركية-فرنسية بحتة قد يُقرأ كاختزال، رغم أن الشويري يقدم أدلة من اعترافات كوبلاند. وأخيراً، تبقى مسألة الكاريزما والقيادة مفتوحة: هل كان عفلق زعيماً حقيقياً أم مجرد أيقونة استخدمها الآخرون؟ الشويري يميل إلى الثانية، لكنه يعترف بأن المسألة تحتاج "إلى أبحاث سوسيولوجية لست خبيراً بها".

6.في مهب الريح: أنطون سعادة والبعث وأكرم الحوراني151–198▼ résumé

هذا الفصل من كتاب «سورية وحطام المركب المبعثرة» للكاتب صقر أبو فخر، وهو مكتوب على شكل حوار مطول مع “نبيل” (الاسم المستعار للمحاور أو الكاتب نفسه)، يتناول فترة حساسة ومفصلية في تاريخ سورية الحديث، مركزاً على العلاقة المعقدة بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي وأكرم الحوراني، وذلك في سياق الأحداث التي تلت انهيار حكم حسني الزعيم وحتى سقوط أديب الشيشكلي.

يبدأ الحوار بمناقشة حدث مأساوي هو تسليم أنطون سعادة، زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى السلطات اللبنانية وإعدامه بإيعاز من حسني الزعيم. يوضح المحاور أن معظم قادة حزب البعث كانوا في السجن آنذاك، ولم يثر الحادث اهتماماً كبيراً داخل الحزب. لكن صورة سعادة المظلوم، وخاصة مشهده أمام فرقة الإعدام وهو يقول “شكراً”، أثرت في الرأي العام، وساهمت في فوز عصام المحايري في الانتخابات النيابية في دمشق عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث صوت الناس تعاطفاً مع سعادة. ويشير المحاور إلى أن الحزب السوري القومي الاجتماعي كان له حضور قوي في الأرياف، خاصة في جبل العلويين وبين المسيحيين، أكثر منه في المدن الكبرى، مما يعيد إلى الواجهة إشكالية الأحزاب العلمانية والأقليات ورفض المجتمع التقليدي لها.

ينتقل الحوار إلى الحديث عن أوضاع حزب البعث بعد عودة ميشال عفلق من البرازيل. يذكر المحاور أن بعض الانقسامات الداخلية ظهرت، حيث وقع بعض البعثيين مثل مختار خياط وناظم قضماني عريضة ضد عفلق، لكنهم فصلوا وعادوا لاحقاً. ثم يتعمق النقاش في موقف الحزب من مشروع الاتحاد السوري-العراقي، والذي كان مرفوضاً من السعودية ومصر. يوضح المحاور أن حزب البعث لم يكن موحداً في موقفه؛ فبينما أيد جلال السيد الاتحاد علناً، كان عفلق وصلاح البيطار عاطفيين في تأييدهما لكنهما مترددان، في حين عارضه أكرم الحوراني وأكثرية ضباط الجيش واليساريون في الحزب. يروي المحاور حكاية طريفة عن افتتاحية جريدة “البعث” التي تطوع جلال السيد بكتابتها، والتي كان من المفترض أن تركز على النظام الجمهوري بدلاً من الوحدة، لكنه خالف الاتفاق ولم يذكر كلمة “جمهورية”، مما جعل عفلق يتأمل قائلاً: “هيك الدروشة لا تصنع زعماء وقادة”.

يصف الحوار مصادر تمويل الحزب المتواضعة، والتي كانت تعتمد على الاشتراكات والتبرعات من أنصار مثل رفلة فرح، خال المحاور، الذي كان يسد العجز المالي للجريدة الحزبية. كان عفلق والبيطار يعملان بالتدريس الخاص، ولم يكن هناك تفرغ حزبي حقيقي إلا في فترات لاحقة. ثم يتوسع النقاش في جدلية الوحدة العربية، مطرحاً فكرة أن “دمشق ليست وحدوية” إذا تعلق الأمر بالانضمام إلى كيان أكبر (العراق أو مصر)، بل تسعى هي لأن تكون المركز الضامّ، بينما تكون وحدوية إذا تعلق الأمر بضم المناطق الأصغر (لبنان، فلسطين، الأردن). هذا التحليل يقود إلى تفسير تاريخي وجيوسياسي للعلاقة بين سورية والعراق، حيث التباين بين حلب التي كانت مصالحها مرتبطة بالعراق والموصل، ودمشق التي كانت تخشى الهيمنة العراقية. يروي المحاور كيف أنشأت فرنسا مملكة الغساسنة في سورية كحاجز بينها وبين العراق، ويؤكد أن الوحدة بين البلدين لم تدم طويلاً في التاريخ وأنها غالباً ما كانت بالقوة.

يعود الحوار إلى الاندماج بين حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، والذي تم في تشرين الثاني ١٩٥٢. يوضح المحاور أن عفلق وجلال السيد عارضا الدمج في البداية، لكنه تم بدفع من الحاجة إلى مواجهة دكتاتورية الشيشكلي. هذا الدمج جعل الحزب الجديد يمتلك قاعدة عسكرية كبيرة، مما أثار خوف أديب الشيشكلي الذي بادر إلى حل الأحزاب واعتقال القادة. يصف المحاور بالتفصيل تجربة التنظيم السري لحزب البعث في دمشق، والذي كان هو نفسه مسؤولاً عنه. يتحدث عن هيكل التنظيم المكون من خلايا عنقودية، وعن مهامه توزيع المنشورات وجمع التبرعات، وأيضاً تصنيع القنابل الصوتية وإلقائها بالقرب من مؤسسات الدولة لإرباك النظام وإضعاف هيبته. كانت مهمة إيصال الأموال والمنشورات إلى القادة الثلاثة (عفلق، البيطار، الحوراني) الذين فروا إلى بيروت تتم بطرق سرية، حيث كان نزار الأتاسي المحامي ينقل المنشورات إلى دمشق عبر حقيبة المحاماة.

يتناول الحوار تفاصيل سقوط الشيشكلي، مؤكداً الدور الرئيسي لحزب البعث، رغم أن العراق قدم دعماً للتمرد العسكري الذي قاده النقيب مصطفى حمدون في حلب. يصف المحاور كيف أعلن حمدون عصيانه في ٢٥ شباط ١٩٥٤ من إذاعة حلب بمساعدة عبد الفتاح الزلط، واضطر الشيشكلي إلى مغادرة سورية. إلا أن الحزب ارتكب خطأ تكتيكياً كبيراً ببقائه خارج الحكم، مما سمح للقوى التقليدية بتشكيل الحكومة الجديدة. يوضح المحاور أن الحزب قام بضغوط شعبية وعسكرية أدت إلى تشكيل حكومة حيادية تشرف على انتخابات نزيهة في صيف ١٩٥٤، والتي اعتبرت الأولى من نوعها في سورية.

في الختام، يعرج الحوار على بداية تأسيس فروع لحزب البعث خارج سورية، خاصة في لبنان والأردن، من خلال طلاب مثل علي جابر وعبد الله الريماوي وبهجت أبو غربية. كما يناقش علاقة بعض الشخصيات المصرية مثل عصمت سيف الدولة بالحزب، ويتوقف عند قصة اختفاء منصور الكيخيا وزير الخارجية الليبي السابق. يختتم الفصل بعودة إلى الحديث عن فترة ما بعد الشيشكلي، حيث تم إطلاق سراح المعتقلين وبدأ الحزب يمارس ضغوطاً لتصحيح المسار السياسي، لكنه استمر في صراعه على السلطة مع القوى التقليدية. الحوار غني بالتفاصيل الشخصية والتاريخية، ويكشف عن تعقيدات التحالفات والصراعات في سورية خلال خمسينيات القرن العشرين، مركزاً على التناقض بين الطموحات القومية والواقع الجغرافي والسياسي.

7.البعث والوحدة: أحداث ورجال199–312▼ résumé

ملخص الفصل: «البعث والوحدة: أحداث ورجال»

يتناول هذا الفصل مسار حزب البعث في سورية منذ منتصف الخمسينات حتى الوحدة مع مصر وانفصالها، مع التركيز على شخصيات الصف الثاني التي منحت الحزب طابعه النضالي في غياب القادة المؤسسين. يقدم المؤلف إجابات عن أسئلة محورية: مدى جدية البعث في السعي نحو الوحدة مع مصر، وكيفية تعاطي الحزب مع شرط عبد الناصر بحل الحزب، ودور الضباط والسياسيين في تلك المرحلة المفصلية.

يبدأ الفصل بتسليط الضوء على شخصيات بعثية من الصف الثاني مثل عبد البرعيون السود في حمص، الذي رفض أداء القسم الذي فرضه الشيشكلي على موظفي الدولة للتبرؤ من الولاء للأحزاب، فسرح من وظيفته. ويذكر المؤلف عبد الفتاح الزلط في حلب، وعبد الكريم زهور في حماة، ووهيب الغانم في اللاذقية، ومنصور الأطرش في جبل العرب، ومحمد عيسى عشاوي ومصلح سالم وإسماعيل عرفة وحسام حيزي في دير الزور. كان جلال السيد يسميهم "الويلاد" أي الأولاد، وقد اختلفوا معه واتهموه بأنه إقطاعي.

يصف المؤلف مشاركة عبد البرعيون السود في التحضير لمؤتمر حمص الذي ضم زعماء الجبهة الوطنية، وكان من الموقعين على بيانها الذي دعا إلى مقاطعة الانتخابات "الشيشكلية" وحدد أهدافها بإبعاد الجيش عن السياسة وإقامة حكم ديمقراطي برلماني. ويشير إلى أن فوزي عيون السود، شقيق عبد البر، غامر بفتح خزانة الدولة في القامشلي وأرسل رواتب العسكريين في حلب أثناء عصيانهم لأن العصيان وقع مصادفة آخر الشهر. ثم ينتقل الفصل إلى سؤال عن تكليف سامي الجندي بتأليف الحكومة في مرحلة البعث، ليجيب المؤلف بأن ذلك كان مناورة للتقرب من القاهرة، مثلما كان تكليف سامي الدروبي مناورة أيضاً.

ينتقل الفصل إلى تحليل السياق السياسي الأوسع، مشيراً إلى أن المؤسسات السياسية التقليدية في سورية تهاوت بعد نكبة فلسطين في سنة 1948، ولم تكن الأحزاب الحديثة قد اكتسبت ثقة كافية. أما المؤسسة الوحيدة التي كانت تنمو باطراد فهي المؤسسة العسكرية، التي تحولت مع انقلاب حسني الزعيم إلى مؤسسة حاكمة. ويؤكد المؤلف أن سقوط الشيشكلي في سنة 1954 لم يكن ثورة مدنية خالصة ولا انقلاباً عسكرياً بحتاً، بل جهداً مشتركاً بين المدنيين والعسكريين، قاده أكرم الحوراني الذي استخدم الجيش ولم يسمح للجيش أن يستخدمه.

يروي المؤلف عن اجتماعات أكرم الحوراني مع حسني الزعيم قبيل انقلابه، برعاية بهيج كلاس في منزل خليل كلاس، وكيف صاغ الحوراني وخليل كلاس البيان رقم واحد للإعلان عن الانقلاب. ويكلف حسني الزعيم الحوراني بعد نجاح الانقلاب برئاسة لجنة التحقيق في فساد عهد شكري القوتلي.

ثم يتناول الفصل مسألة الوحدة مع مصر، مشيراً إلى أن حزب البعث كان جاداً فعلاً في السعي إليها. ويصف المؤلف كيف اكتشف عبد الناصر بذكائه أن من يحكم سورية يحكم المنطقة، بينما كان رجاله في سورية يقولون لقيادة البعث إن عبد الناصر غير متحمس للوحدة. ونتيجة لهذه المناورة، ظهر البعث وكأن نضاله الوحيد اقتصر على موضوع الوحدة، وصار شعار الجماهير "بدنا الوحدة باكر باكر مع هالأسمر عبد الناصر".

يسرد المؤلف قصة استدعاء عبد الناصر للضباط السوريين إلى القاهرة للتباحث. فبينما كان صلاح البيطار قد نقل رسالة عن رفض عبد الناصر لتدخل الجيش في السياسة، استدعى أحمد عبد الكريم الضباط وأبلغهم أن المسألة صارت بأعناقهم. اجتمع كبار الضباط في جو شديد العصبية، وكان البعثيون منهم جميعاً يريدون الوحدة. يقول المؤلف إن أمين الحافظ وضع يده على المسدس وقال: "من يضع شرطاً على عبد الناصر لم يخلق بعد". سافر الضباط إلى القاهرة والتقوا عبد الناصر في بيته مع المشير عبد الحكيم عامر، وتقبلوا فكرة عدم التدخل في السياسة، قائلين: "من أجل الوحدة نحن نقبل أي شيء تريده". فتح عبد الناصر كفيه وقرأ الفاتحة، وهكذا صارت الوحدة.

يشير الفصل إلى أن البعث كان قد أنجز مشروعاً للاتحاد لا للوحدة. ويروي المؤلف أنه بعد قرار تأميم قناة السويس في سنة 1956، كتب ميشال عفلق افتتاحية يصف فيها عبد الناصر بـ"القائد الملهم"، ولما استغرب المؤلف من ذلك، أجابه عفلق بحزم: "نعم هل من اعتراض؟!". ويضيف المؤلف أن مفهوم "الزعيم الأوحد" لم يكن مقبولاً لديهم حينها، وأن عفلق كان في نظرهم فيلسوف الحزب وكفى. ويروي جلال السيد أن عفلق وصف عبد الناصر بعبارة "زعيمنا الملهم" في مقالة، ولما طلب منه جلال السيد حذف كلمة "الملهم"، لم يقبل ونشر المقالة كما هي.

يناقش الفصل قصة انتخاب رياض المالكي نائباً عن دمشق وسقوط مصطفى السباعي، واصفاً ذلك بأنه دليل على تبدلات خطيرة. كان رياض المالكي بعثياً وشقيق عدنان المالكي الذي اغتيل قبل ذلك بسنتين. ويرى المؤلف أن نجاح البعث ضد المشايخ والرجعية كان مؤشراً على أن دمشق تتجه نحو اليسار.

بخصوص حل الحزب، يوضح المؤلف أن البعث وافق على شروط عبد الناصر كلها وفي رأسها حل جميع الأحزاب. فقد كان مشروع البعث اتحادياً لا اندماجياً، لكن عبد الناصر قال للضباط السوريين: "تكون الوحدة اندماجية أو لا تكون، والأحزاب يجب أن تُحل". ويشير المؤلف إلى أن أكثر من ردد مزايدات على عبد الناصر كان الفريق عفيف البزري.

يتناول الفصل اغتيال عدنان المالكي في 22 أبريل 1955، معترفاً بأن القصة لا تزال غامضة حتى بعد هذا الزمن. كان القاتل جندياً في الشرطة العسكرية ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي اسمه يونس عبد الرحيم، وقد أطلق عليه النار شخص آخر ادعى أنه كان يدافع عن المالكي. ويؤكد المؤلف أن الحزب كمؤسسة لم يقرر الاغتيال، بل إن جورج عبد المسيح هو من اتخذ القرار بمعزل عن الحزب، وهذه الرواية فيها تشكيك أيضاً. ويشير إلى أن سامي جمعة يتهم الولايات المتحدة والسفارة المصرية في بيروت بتدبير عملية الاغتيال، بينما يستبعد المؤلف أن يكون جمال عبد الناصر قد أصدر أوامره بتصفية المالكي. ويخلص إلى أن اغتيال المالكي تم على قاعدة تقاطع المصالح المصرية والأميركية.

يقارن الفصل بين اغتيال المالكي واغتيال عبد الرحمن الشهبندر، مسهباً في سيرة الشهبندر ودوره في الثورة السورية الكبرى مع سلطان الأطرش، وكيف أنه كان القائد السياسي للثورة بينما كان سلطان الأطرش القائد العسكري. ويصف كيف أن سطوة آل مردم والقوتلي والحفار والعظم حالت دون قبولهم بالشهبندر، المنحدر من عائلة تجارية صغيرة في حي القيمرية. ويروي أن الشهبندر نجا من الإعدام ثلاث مرات، وأنه حين عاد من المنفى في سنة 1937، اكتشف أنه صار بلا قوة سياسية، فأعلن انتماءه للكتلة الوطنية لكنه رفض الانضمام لحزبها. ويشير إلى أن الشهبندر كان ماسونياً بالفعل، وأن مكي الكتاني أفتى بقتله بعدما استفتاه شخص من آل عصاصة.

ثم يعود الفصل إلى حركة القوميين العرب، موضحاً أنها لم تنشأ من كتائب الفداء العربي، بل نشأت في جو جمعية العروة الوثقى في الجامعة الأميركية في بيروت، ومن التلمذة الفكرية على قسطنطين زريق. ويصف المؤلف علاقة البعثيين بالقوميين العرب بأنها كانت قائمة على التقدير، لكنهم لم يكونوا بحاجة للتعاون معهم لأنهم كانوا أقل تنظيماً وتأثيراً. ويشير إلى أن بعض البعثيين تعاونوا مع عبد الحميد السراج أثناء الوحدة، وصاروا عقبة أمام الحركة الشعبية.

يخلص الفصل إلى أن الوحدة السورية - المصرية لم تتحقق فعلياً، بل ما حدث هو حكم عبد الناصر لسورية باسم الوحدة. ويصف حال البعثيين الذين عشقوا عبد الناصر ووثقوا به، رغم أن البعض خافوا على مصير سورية لأنها لا تُحكم بالطريقة التي تُحكم بها مصر. ويؤكد أن لا أحد كان يملك المقدرة على المجادلة في شأن الوحدة بعد أن حمى حماس الجماهير.

ينتقل الفصل إلى قصة استقالة جلال السيد من حزب البعث، الذي بدأ الخلاف مع عفلق والبيطار حول فكرة النظام الجمهوري، ثم شعر أن الحزب لم يعد حزبه بعد أن مال إلى أكرم الحوراني. ويصف كيف حل فرع الحزب في دير الزور بعد عراك مع القوميين السوريين، مستغلاً الوضع للتخلص من خصومه الحزبيين، مما أدى إلى تضاؤل موقعه في الحزب. ويروي المؤلف أن ميشال عفلق زار جلال السيد بعد استقالته ونصحه بعدم التراجع، قائلاً له: "كلنا صرنا شاعرين أن الحزب لم يعد حزبنا".

يقدم الفصل انطباعات عن شخصيات بعثية بارزة: وهيب الغانم الذي يصفه المؤلف بأنه يتقلب في مواقفه كثيراً، وأمين الحافظ الذي يعتبره المؤلف مزحة لطيفة ويقول إنه كان يمكن أن يكون وزير داخلية ناجحاً لكنه لا يصلح لرئاسة الدولة، وشبلي العيسمي الرجل النظيف والمناضل الذي كان يميل إلى عفلق في كل مرة تحدث مشكلة، ومنيف الرزاز الذي أتت به اللجنة العسكرية أميناً عاماً للحزب لكنه لم يستطع الوقوف في وجه عفلق والبيطار، وانتهى به المطاف في العراق حيث مات مسموماً أو بحسب الروايات في الإقامة الجبرية. ويخص منصور الأطرش بإسهاب، معترفاً بتردده بين نزاهة الرأي وعواطفه الإيجابية تجاهه، لكنه يخلص إلى أن منصور حاول طوال حياته أن يتساوى مع أبيه سلطان الأطرش، وهو أمر مستحيل لأن قماشة الزعيم لا نظير لها. وينتقد مشاركات منصور الأطرش السياسية الأخيرة واصفاً إياها بأنها لا طائل منها.

يتناول الفصل أيضاً شخصية ياسين الحافظ الذي ترك الحزب الشيوعي وانضم إلى حزب البعث، وكان المنظر الرئيسي في المؤتمر القومي السادس للحزب. ويذكر أن الحافظ أسس مع آخرين حزب العمال الثوري العربي وتوفي في بيروت سنة 1978.

عدة نقاط في الفصل قابلة للنقاش، منها الروايات المتضاربة حول اغتيال عدنان المالكي وتورط أطراف متعددة، وتقييم المؤلف المتباين لشخصيات مثل وهيب الغانم وأمين الحافظ ومنصور الأطرش، مما يعكس تعقيد العلاقات داخل حزب البعث وصراعاته الداخلية. كما أن وصف المؤلف للوحدة بأنها كانت "ضم ورية" لمصر فقط يثير تساؤلات حول مدى موضوعية التقييم، خاصة في ظل غياب أصوات سورية أخرى في الفصل تدافع عن التجربة الوحدوية.

8.سورية في ظل البعث313–330▼ résumé

يطرح هذا الفصل من كتاب صقر أبو فخر، المبني على حوار مطوّل، سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الحكم في سورية بعد سيطرة حزب البعث على السلطة في 8 آذار 1963. الموضوع المحوري هو تحليل مصطلح "العدس" (وهو اختصار للعلويين والدروز والاسماعيليين)، والذي يُستخدم لوصف الحكم الجديد بأنه حكم أقلوي، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه المسألة أكثر تعقيداً من مجرد اتهام بالطائفية، فهي في جوهرها صراع على السلطة والهيمنة، استغلت الانتماءات الطائفية كأداة، وليس كسبب أصلي.

يسير الفصل عبر سرد تاريخي وسياسي متشابك، مستخدماً أسماء شخصيات وأحداثاً محددة كأمثلة. يبدأ المؤلف بالاعتراف بأن الصورة النمطية عن سيطرة الأقليات (العلويين والدروز والاسماعيليين) على المراكز العسكرية الحساسة لها أساس من الصحة، ويذكر أسماء ضباط مثل حمد عبيد وفهد الشاعر. لكنه يبني الحجة الرئيسية على أن هذه الظاهرة تفاقمت بسبب الصراعات الداخلية في الحزب، والتي بدأها أمين الحافظ (وهو سني) بتصنيفات طائفية لأغراض سياسية. ويضرب مثلاً على تعقيد المشهد بتحالف أمين الحافظ السني مع صلاح جديد العلوي ضد محمد عمران، مما يدل على أن التحالفات كانت قائمة على المصالح لا على الطائفة.

يواصل المؤلف تفكيك أسطورة القيادة، فيقول إن القيادة القومية للحزب التي ضمت ميشال عفلق وصلاح البيطار ومنصور الأطرش كانت "ملوكاً بلا جيوش"، بينما السلطة الحقيقية كانت في يد ضباط اللجنة العسكرية. ويؤكد أن صراع أكرم الحوراني مع هذه اللجنة لم يكن طائفياً، بل كان صراعاً على الشراكة الحقيقية في السلطة، فالحوراني رفض أن يكون مجرد واجهة مدنية. أما القول بأن المجتمع السوري كان يتقدم نحو الديمقراطية والعلمانية، فيراه المؤلف قد تراجع بسبب حكم جمال عبد الناصر والصراعات اللاحقة.

يستخدم المؤلف عدة أمثلة مفصلة لدعم حجته الرئيسية بأن الصراع هو على السلطة وليس على الطائفة. يذكر قصة زوجة أكرم الحوراني التي سخرت من اتهام زوجها بـ"الانفصالية" بينما كان منافسه منصور الأطرش في القيادة، قائلة: "أنحن انفصاليون وأنتم اتصاليون؟"، ليبرز عبثية التصنيفات الإيديولوجية في غياب مضمون حقيقي. كما يروي حادثة حماة في نيسان 1964 حيث قتل إخوان مسلمون شاباً بعثياً إسماعيلياً، فردّ الجيش بقصف الجامع، ليبين كيف تحولت الصراعات إلى عنف طائفي، بغض النظر عن هوية الفاعل الأصلي.

ويقدم أمثلة على تناقضات الداخل البعثي، كتسريح ضباط من أمثال سليم إبراهيم (وهو مسيحي) بتهمة الانفصالية، في دليل على أن التصفيات كانت تتم على أسس سياسية وليست طائفية بحتة. كما يتحدث المؤلف عن تجربته الشخصية حين رفض عرضاً وزارياً من نور الدين الأتاسي، معللاً ذلك بأنه كمسيحي لا يرى نفسه قادراً على تحقيق شيء في حكم غير علماني، مما يكشف عن وعي مبكر بالقيود الهيكلية للسلطة.

في مساحة من النقد الذاتي، يقر المؤلف بأن الحكم في سورية من 1963 حتى الحركة التصحيحية في 1970 كان "مجانباً للحكمة" و"بعيداً عن العقل السياسي"، مشيراً إلى التهور الذي قاد ضباطاً صغاراً مثل سليم حاطوم وغيره إلى مراكز حساسة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول إصرار أمين الحافظ على سياسات أثارت النعرات، وعن دور الرموز التاريخية كـميشال عفلق الذين لم يتمكنوا من توجيه المسار. ويختتم الفصل بإشارة إلى أن المشكلة الطائفية لن تحل إلا بإعادة النظر في فهم الدين والتاريخ، لكن دون تبني الإلحاد كحل.

هذا الفصل، رغم غناه بالمعلومات، يعكس وجهة نظر صاحبه الذي كان منخرطاً في الصراعات الحزبية، مما يجعله شهادة تاريخية وشخصية في آن. يبدو واضحاً ميل المؤلف لتفكيك الخطاب الطائفي السائد وإرجاعه إلى صراع مادي على السلطة، مع إقراره بأن هذه الصراعات تغذت على هويات مذهبية جاهزة. لكنه في الوقت نفسه، يختزل مسؤولية القادة التاريخيين بسرعة، ويُخضع المنافسين لذات المنطق الذي ينتقده، مما يجعل تحليله قابلاً للنقاش والنقد من قبل باحثين آخرين قد يرون العوامل الطائفية أكثر رسوخاً مما يصوره هنا.

9.حركة ٢٣ شباط ١٩٦٦ وسليم حاطوم والتجربة اللبنانية331–374▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل من كتاب "سورية وحطام المركب المبعثرة" شهادة تفصيلية نادرة يرويها نبيل الشويري، أحد المناضلين البعثيين السابقين، عن مرحلة سياسية مضطربة في سورية تمتد من انقلاب ٢٣ شباط ١٩٦٦ حتى ما بعد نكسة حزيران ١٩٦٧. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو صراع داخلي عنيف على السلطة داخل حزب البعث، حيث يحاول الشويري، من خلال سرد تجربته الشخصية، الإجابة عن سؤال محوري: كيف تحول الحزب من أداة للتغيير إلى ساحة لتصفية الحسابات والانقلابات العسكرية، وما هو دور الشخصيات البارزة مثل سليم حاطوم وحافظ الأسد في هذه اللعبة المعقدة؟

يسير الفصل على هيئة مقابلة مطولة، حيث يروي الشويري الأحداث بترتيب زمني تقريباً، مستخدماً ذاكرته كدليل وأمثلة من حياته الخاصة كبراهين على حججه. يبدأ بوصف رد فعله على انقلاب شباط ١٩٦٦، والذي وصفه بأنه كان "معلناً"، ويذكر أنه كان ضد التعاون معه بينما انقسم رفاقه. يشرح الشويري كيف أن بعض رفاقه، مثل خالد الحكيم وحمود الشوفي، قبلوا بالتعاون مع الحكم الجديد أملاً بالإصلاح من الداخل، لكنه هو رفض ذلك لاقتناعه بأن هذا الانقلاب لن ينتج شيئاً إيجابياً تماماً مثل انقلاب ٨ آذار من قبله. هذه المقارنة ضرورية لفهم رؤيته المسبقة لعبثية الصراعات الداخلية.

ثم ينتقل الشويري إلى سرد تفصيلي لـ"مؤامرة" عسكرية حدثت بين شباط وآذار ١٩٦٦، قادها حمد عبيد الذي كان وزيراً للدفاء وظن أن من حقه البقاء في منصبه بدلاً من حافظ الأسد. يصف هنا كيف تم استدراجهم هم كجماعة مدنية إلى هذه المؤامرة من خلال رفيقهم أحمد أبو صالح الذي أخبرهم عن تحركات عسكرية بقيادة بدر جمعة وحمد عبيد. يقدم الشويري نفسه هنا كشخص حذر ومتشكك، حيث يقول "طق عقلي" و"غير معقول هذا الكلام"، ويذهب للتحقق من الأمر بنفسه لدى مصطفى طلاس الذي فهم من نظراته أن القصة كلها فخ نصبه الحكم الجديد لكشف المتآمرين. هذا المشهد يوضح دهاء النظام الجديد في التعامل مع المعارضة، باستخدام معلومات مضللة لإيقاع خصومهم.

يتناول الفصل بالتفصيل تجربة الاعتقال الأولى للشويري هو ورفاقه، وكيف عوملوا في سجن القابون. تبرز هنا شخصيات بارزة مثل صلاح البيطار وحمد عبيد ضمن المعتقلين. قمة هذه الحلقة هي زيارة حافظ الأسد للسجن بعد عودته من مفاوضات سد الفرات. هنا، يستخدم الشويري الحوار الذي دار بين الأسد وخالد الحكيم وأحمد أبو صالح ليقدم تحليله الأولي لشخصية الأسد. حين قال الحكيم "السد الذي بينكم وبين الشعب كيف ستزيلونه؟"، رد الأسد بمنطق عملي أنه لا يمكن حكم العمال والفلاحين كما في الاتحاد السوفياتي الذي يُضرب فيه العمال ويقمعهم الجيش. هذا الموقف، بحسب الشويري، يجسد عقلية الأسد الواقعية التي تختلف عن الخطابات والشعارات التي كان يرفعها آخرون مثل عبد الكريم الجندي.

يخصص الشويري مساحة كبيرة لتحليل دور سليم حاطوم، قائد حركة شباط ١٩٦٦ التنفيذي. يصفه بأنه كان يشارك في أعمال عنف ويندم لاحقاً، وقد أصيب بخيبة أمل عندما وجد الأحداث تأخذ منحى طائفياً. لكن الحدث الأبرز هو محاولة انقلاب سليم حاطوم في أيلول ١٩٦٦. يروي الشويري كيف ذهب مع خالد الحكيم لتحذير حاطوم من "الثرثرة" وليقترحا عليه بديلاً عن الانقلاب وهو "العصيان" المدعوم بمظاهرات شعبية. ومع ذلك، كان حاطوم مصراً على خطته التي تضمنت اختطاف نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وجميل شيا في السويداء، معتقداً أن بإمكانه الذهاب بكتيبته إلى السويداء ومحاربة هناك. هذه القصة تُظهر كيف أن الصراع العسكري كان يتغذى إقليمياً وطائفياً حتى داخل صفوف الحزب الواحد.

يقر الشويري بحدوده وتحفظاته كراوٍ، حيث يصف نفسه بأنه كان "من أصحاب العقل البدوي" لا يتخلى عن رفاقه حتى مع عدم قناعته بأفكارهم، وهذا يفسر انخراطه في مؤامرات رغم معارضته لها. كما يترك أسئلة مفتوحة، مثل مصدر الأمر الذي يقضي بقتل ثلاثة أشخاص معينين (سليم حاطوم، خالد الحكيم، ونبيل الشويري) دون إيصالهم إلى السجن، مجيباً ببساطة "لا أدري". هذه الاعترافات تعطي للملخص مصداقية وتظهر تعقيد الموقف.

في تحليله العميق للصراع، ينتقل الشويري من السرد التاريخي إلى التأمل الفلسفي، مقارناً الصراع في سورية بـ"الفتنة الكبرى" التي تعود لأيام الخلافة الراشدة، واصفاً إياه بأنه صراع اجتماعي-اقتصادي تمتد جذوره عميقاً في التاريخ العربي الإسلامي. هذا التحليل الواسع يمثل حجة أساسية لفهمه للأحداث، حيث يرى أن الصراع على السلطة ليس مجرد خلاف شخصي، بل هو تعبير عن انقسامات مجتمعية وبنيوية طويلة الأمد. ويخلص إلى أن القضية المركزية في مرحلة ما بعد حزيران ١٩٦٧ ليست "صراع حكام ومعارضين"، بل "قصة عرب ويهود"، مما أدى به إلى إعادة تقييم كاملة لمواقفه ولوم حزب البعث.

أخيراً، يعترف الشويري بـ"تناقض" واضح في سيرته: رفضه اللجوء إلى الأردن لاعتبارات أخلاقية، بينما سافر إليه في مهمة للتآمر تحت جناح الأردن نفسه. يُفسر هذا التناقض بأنه كان "إنساناً موتوراً وحاقداً" يتصرف بدافع نفسي، معترفاً بأن هذا هو الخطأ الوحيد الذي يشعر بالخجل منه. هذه الشفافية الذاتية تجعل من ملخص الفصل ليس مجرد سرد لوقائع، بل هو تأمل نقدي في أخطاء الماضي ودوافعها، مما يثري فهم القارئ للتعقيدات الأخلاقية والسياسية التي ميزت تلك الحقبة من التاريخ السوري الحديث.

10.المنفى375–432▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تجربة المنفى بكل أبعادها الشخصية والسياسية والثقافية، ويقدم المؤلف من خلال سرد مروي طويل يتخلله حوار مع صقر أبو فخر، إجابة ضمنية عن سؤال: كيف شكّل المنفى في بيروت وعي المؤلف ونقده للسياسة العربية، ولماذا يعتبر أن التخلّف هو العدو الحقيقي قبل إسرائيل؟ الفصل ليس وثيقة تاريخية جامدة، بل هو شهادة حية ومتأملة في مسار خيبة الأمل من الأحزاب والثورات.

يبدأ الفصل بتحليل مسؤولية السياسيين السوريين عن تدمير الجيش وتحويله إلى أداة سياسية قبل هزيمة حزيران 1967. يشير المؤلف إلى أن أول استخدام للجيش في الانتخابات كان بتزوير انتخابات 1947، ثم إرسال الجيش إلى فلسطين في حرب 1948، ثم تسليم الأمر إلى حسني الزعيم لقمع التظاهرات. يُحمّل شكري القوتلي و أديب الشيشكلي مسؤولية تسييس الجيش، لا أكرم الحوراني كما يظن البعض، ويعتبر أن عصيان حلب كان رداً على القمع وليس انقلاباً. ثم يتطرق إلى التصفيات داخل الجيش بعد حركة 8 آذار 1963، مشبهاً إياها بتصفيات ستالين، ومقارناً بسياسة عبد الناصر الأكثر حكمة التي فصلت بين المهام المدنية والعسكرية، رغم أنه يروي حادثة مهينة عن المشير عبد الحكيم عامر الذي شتم عبد الناصر بعد هزيمة 1967.

ينتقل السرد إلى مرحلة المنفى في بيروت بعد عامي 1967 و1970، حيث يعيش المؤلف مع منصور الأطرش في منزل تبرع به حسن حلاوي. يصف الفصل كيف عاشا بلا هوية شرعية، ورفضا التعاون مع المخابرات اللبنانية، وكيف رفضا عرضاً بالعودة إلى الحزب من العراق عبر عبد الكريم الشيخلي، مفضّلين التقشف على العودة إلى السياسة الحزبية التي فقدا الأمل فيها. يبرز المؤلف هنا شخصيات مثل صلاح البيطار الذي حاول تأسيس حركة جديدة، و أكرم الحوراني الذي بقيت له زعامة شعبية، بينما يُظهر ميشال عفلق كزعيم لا يقبل المشاركة.

في بيروت، يصف المؤلف اكتشافه لحرية الفكر والصحافة والثقافة، معترفاً بأنه شعر بأنه "شبه أمي" بعد أن اعتقد أنه مثقف. يقرأ التوراة ككتاب سياسي، ويكتشف مكيافيلي، ويصل إلى قناعة بأن المعركة الجوهرية هي "معركة التقدم والتخلف" وليس فقط معركة ضد إسرائيل أو الاستعمار. ينتقد بشدة المثقفين والسياسيين العرب الذين ركزوا على الاستقلال فقط وأهملوا النهضة، معتبراً أن عبد الرحمن الشهبندر وجميل مردم كانا من القلائل الذين امتلكوا نظرة عصرية.

يتوسع الفصل في تحليل الحرب الأهلية اللبنانية ومأساة تل الزعتر، معتبراً أن الخطيئة الأصلية للثورة الفلسطينية كانت تحولها إلى موقع طائفي في لبنان وانتقالها من السرية إلى العلنية. ينتقد بشدة قادة الثورة الذين "استسهلوا العمل واستمرأوا حياة الرخاء". يروي قصة لقاء مع أمين الحافظ الذي اختار الثورة الفلسطينية على صيغة لبنان، ومع تقي الدين الصلح الذي حاول تأليف حكومة وحدة وطنية ولكنه فشل لأن "السيف سبق العقل". يقدم تحليلاً معقداً لخلفيات الحرب، معتبراً أن إسرائيل استغلت التوتر الطائفي لتدمير نموذج التعايش اللبناني الذي كان يشكل خطراً وجودياً عليها.

في نهاية الفصل، يعود المؤلف إلى مناقشة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رافضاً فكرة أن مجرد الصمود في بيروت كان كافياً لإسقاط بيغن، ومؤكداً أن الصراع "حضاري" وطويل الأمد. ينتقد اتفاق أوسلو ويرى أن القيادة الفلسطينية أخطأت في استراتيجيتها العلنية. يختتم الفصل بتأكيد أن المنفى في بيروت لم يكن مجرد هروب، بل كان محطة تحول معرفي ونقدي جذري، حيث تأكد للمؤلف أن التقدم هو الشرط الأساسي لأي مقاومة حقيقية.

يقرّ المؤلف في أكثر من موضع بحدود تحليله، مثلاً عندما يعترف بأن البعث لم يكن وحده المسؤول عن قمع النهضة، بل أن نكبة 1948 والانقلابات قطعت تلك النهضة. كما يفتح أسئلة مكشوفة حول مسؤولية القادة الفلسطينيين واللبنانيين في الحرب الأهلية، ويعترف بأن التاريخ الرسمي والشفهي في العالم العربي يظلان متناقضين، وأن "الفتنة الكبرى" لا تزال حية.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، مقارنة المؤلف بين سياسة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كدليل على أن فصل العسكر عن السياسة هو الأنجح، في حين قد يرى البعض أن عبد الناصر نفسه حكم عسكرياً، وأن المشكلة ليست في فصل المؤسستين بل في غياب الديمقراطية والمحاسبة. أيضاً، رؤيته القائلة إن الخطيئة الأصلية للثورة الفلسطينية هي علانيتها وطائفيتها، يمكن أن يناقشها من يرى أن السرية وحدها لم تكن كافية في وجه آلة حرب إسرائيلية مدعومة غربياً.

11.العودة إلى دمشق433–452▼ résumé

بدأت رحلة العودة إلى دمشق بعد سنوات من المنفى في بيروت، حيث وجد الراوي نفسه لاجئاً سياسياً منذ نهاية الستينات، يعيش على معاش من الدولة العراقية ويتجنب الانجرار وراء أي قائد عربي، سواء ياسر عرفات أو جمال عبد الناصر. رفض عرضاً باللجوء إلى جنيف، مفضلاً البقاء في لبنان حيث كان يكسب من المتاجرة بالأنتيكا التي يرسلها والده من دمشق، واستطاع خلال خمس سنوات أن يشتري قطعة أرض في بلدة بلونة بالاشتراك مع أصدقاء، وبعد ست سنوات باعوها بتضاعف سعرها 22 مرة.

تعرض للضغط من السلطات السورية التي حاولت إخراجه من لبنان عبر التنسيق مع الأجهزة اللبنانية، لكن تدخل سليمان فرنجية (وزير الاقتصاد آنذاك) ومنصور الأطرش حال دون ذلك، رغم أن الأخير وصلاح البيطار كانا يشجعان على السفر إلى بغداد. لجأ الراوي إلى أقاربه من آل صوايا في ضهور الشوير، وتوسط له فؤاد بطرس لدى المكتب الثاني اللبناني وجوزيف سلامة مدير الأمن العام، فحصل على إذن بالبقاء في برمانا بشرط ألا يظهر في شارع الحمراء. وعندما أصبح سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية اللبنانية، تدخل مجدداً لإنهاء وضع الإقامة، وأعطاهم أنطوان دحداح المدير العام للأمن العام إقامة لثلاث سنوات وبأسمائهم الحقيقية، رافضاً المساعدة المالية.

في تلك الفترة، التقى الراوي بـمحمد عمران، الضابط والوزير السابق الذي كان يؤلف كتاباً عن تجربته في الثورة. نصحه الراوي بمراجعة المخطوطة وأصبحا صديقين، لكنه رفض التعاون معه سياسياً لأنه لم يعد يرغب في العمل مع العسكريين. دار بينهما حوار عميق حول الطائفية، حيث أكد الراوي انتماءه للقومية العربية التي لا تعترف بالطوائف، واتفقا على أن هدفهما هو المساواة الكاملة للمواطنين، خاصة أن العلويين والدروز والأقليات الأخرى عانوا من الظلم تاريخياً. قال الراوي: "حلم المسلم الدرزي أو العلوي أو الإسماعيلي أن يقال عنه أنه مسلم"، أي أن يُعترف به كمواطن متساوٍ. انتقد الراوي الفهم السائد للديمقراطية في سورية، حيث يراها البعض مجرد حكم الأكثرية السنة، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تسمح للأقلية بأن تصبح أكثرية.

اغتيل محمد عمران في طرابلس، لبنان، في 7 نيسان 1977، على يد فلسطيني، بينما كان الراوي لا يزال في المنفى. بعد ذلك، قرر الراوي ورفاقه العودة إلى سورية بكرامة حتى لو أدى ذلك إلى السجن. أرسلوا في أواخر سنة 1975 إلى حافظ الأسد يخبرونه برغبتهم في العودة، لكن رد الأسد كان انتقاصاً من شأنهم، وطلب منهم التحدث مع الأمن حتى تتدفق تقارير جيدة عنهم، ثم يعرض أسماءهم على القيادة القطرية للسماح لهم بالعودة إلى السجن أولاً، ثم يصدر العفو عنهم. رفض الراوي هذا العرض بغضب، قائلاً: "أمضينا في هذا البلد خمس سنوات ونحن هاربون، وها هو حافظ الأسد ينتخب لسبع سنين مقبلة... سأقفها على رجل واحدة هنا على هذا الرصيف ولا أعود إلى سورية بهذه المهانة".

انقطع الحوار بينهم حتى اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، عندما فاجأهم صلاح البيطار بخبر صدور عفو عنهم. لكن البيطار تراجع لاحقاً واتخذ موقفاً أقرب إلى الفلسطينيين وكمال جنبلاط، مما دفع الراوي ورفاقه لمتابعة السعي من دونه. تعرف الراوي في بيروت إلى السيد حسين الحسيني وألبير منصور، ومن خلالهما إلى الإمام موسى الصدر. طلبوا من الصدر التدخل لدى حافظ الأسد للسماح لـجبران مجدلاني بزيارة استطلاعية إلى دمشق، فرحب الأسد بالفكرة. ثم تحدث الصدر عن الراوي نفسه، واصفاً إياه بأنه "رجل مسيحي محترم... قومي عربي لا يريد أن يلجأ إلى إحدى الطوائف". حدق الأسد في الأرض وصمت طويلاً، ثم قال: "إذا كان نبيل الشويري ما زال يتآمر علينا فلن أعفو عنه... أما إذا كان الأمر متعلقاً بما جرى في الماضي فأنا أعدك بالعفو عنه".

بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان في سنة 1975، غادر الراوي إلى بغداد ثم إلى باريس، حيث مكث من أيار 1976 حتى كانون الثاني 1977. في هذه الأثناء، لمس حسن نية المسؤولين العراقيين الذين أثنوا على وفائه عندما ودعهم قبل مغادرته. وصلته أخبار من دمشق أن اللواء محمد الخولي واللواء عدنان الذباغ يرحبان بعودته، لكنه أصر على صدور مرسوم عفو رسمي من رئيس الجمهورية. تدخل منصور الأطرش لدى حافظ الأسد، فوقع الأخير مرسوم العفو فوراً. عاد الراوي إلى دمشق بعد 9 أشهر واستقبله الأصدقاء والأحباب، وعاد إلى ممارسة المحاماة بعد أن حقق بعض الاستثمارات من بيع قطعة الأرض في بلونة، واستطاع شراء شقتين صغيرتين ومحلين تجاريين.

يروي الراوي تفاصيل بعض الوقائع التي تعرض لها في لبنان، مثل مضايقات المكتب الثاني اللبناني بقيادة النقيب سامي الشيخة، الذي حاول الضغط عليه للتعاون. رفض الراوي بفضل تدخل البطريرك تيودوسيوس أبو رجيلي وفؤاد بطرس، اللذين غيرا مسار التحقيق. في موقف آخر، عرض عليه مساعد أول اسمه فيليب كنعان حماية ورخصة سلاح مقابل التعاون، لكن رفض، فأعطاه رقم هاتفه للطوارئ. في وقت لاحق، التقى الراوي بـسامي الخطيب في باريس بعد أن أصبح نائباً ووزيراً للداخلية، ومازحه نادماً على رفض التعرف إليه سابقاً.

يختتم الراوي بتأمل في طبيعة لبنان كملجأ للأحرار، لكنه يشير إلى أن المحاصصة الطائفية طالت حتى حرية اللجوء. يذكر أن من تضامن مع صلاح البيطار عندما فُجرت سيارته في عام 1975 كان بيار الجميل زعيم حزب الكتائب، ومن حمى حقه في اللجوء لاحقاً كان سليمان فرنجية، بينما لم يهتم أي زعيم مسلم بالأمر. يعكس هذا التناقض جوهر الصراع بين القومية العربية والطائفية الذي ظل هاجساً للراوي طوال رحلته.

12.عصارة التجربة453–484▼ résumé

هذا الفصل، المقسّم إلى حوار طويل ومتشعب مع المؤلف، يدور حول سؤال جوهري واحد: لماذا فشلت النهضة العربية؟ وما علاقة هذا الفشل بالدين، وبالفكر، وبالسياسة؟ الإجابة التي يطرحها المؤلف، من خلال حواره مع محاورة غير مسماة، هي أن التقدم الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تحرير الفكر أولاً، وأي نهضة لا تبدأ من معالجة العلاقة مع الدين، الذي يعتبره مفتاح المجتمع العربي، هي نهضة ناقصة وفاشلة. يرى أن المثقفين التقدميين، بمن فيهم اليساريون والقوميون، قد فشلوا في مواجهة هذه القضية الجوهرية، مفضلين القفز فوقها أو اختزالها في صراع سياسي أو طبقي.

يتنقل الحوار عبر مجموعة من المحطات الفكرية والتاريخية. يبدأ المؤلف بهجوم حاد على التيار الديني المتشدد، متهماً إياه بإغلاق باب العقل، ومستشهداً بموجة الاغتيالات التي قام بها الإخوان المسلمون في سورية والتي بدأت في تموز/يوليو 1975، وذكر أسماء عدد من ضحاياهم مثل محمد الفاضل، علي بن عبد العلي، إبراهيم نعامة، وعادل مينا، ليؤكد أن الخطر ليس فقط من الحاكم المستبد، بل أيضاً من المعارضة التي لا تتورع عن الذبح. ثم يميز بين دعوته لحرية الفكر (قائلاً "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر") وبين الإلحاد، موضحاً أن النص الديني يحتمل تأويلات متعددة ومتناقضة، وأن المشكلة تكمن في الفكر الذي يتعامل معه.

الانتقال الطبيعي التالي هو مناقشة مشروع النهضة ذاتها. يشير المؤلف إلى أن النهضة العربية بدأت منذ حوالي 200 سنة (بنزول نابليون على مصر)، لكنها فشلت لأنها لم تتجرأ على مساءلة جذور التخلف الفكرية، محاولاً الإجابة عن سؤال شكيب أرسلان القديم: لماذا تأخر المسلمون؟ يرى قيمة في مفكرين مثل نصر حامد أبو زيد، محمد أركون، محمد شحرور، ومحمد عابد الجابري، لأنهم يعودون إلى "الينابيع" ويحاولون استئناف مسيرة التقدم الفكري التي توقفت منذ ألف سنة. يضرب مثالاً على سيرورة المجتمع، مثل جدوى تعليم البنات الذي كان موضع جدل حاد قبل مئة عام، واليوم أصبح ضرورة يفرضها الواقع حتى على أكثر السلفيين تشدداً. هذا يقوده إلى أن التكنولوجيا والسلع الغربية لا يمكن استيرادها بمعزل عن ثقافتها، وأنها هي التي ستغير المجتمع رغماً عنه، مستشهداً بتأثير السلعة في تغيير القرية الهندية خلال 50 عاماً.

بعد هذه المقدمة الفكرية الواسعة، يتحول الحوار إلى مسائل أكثر سياسية وخصوصية. عند سؤاله عن هيئات المجتمع المدني وحركات المطالبة بالديمقراطية والحريات، يعبر المؤلف عن رأي قاسٍ ومرير، واصفاً إياها بـ"الموضة"، وقائلاً إن تجربته في حزب البعث جعلته يتوجس من "العقائديين" وأنصاف المثقفين. يستثني من هذا الحكم شخصية رياض الترك، لكنه يرى أن الديمقراطية الحقيقية تُصنع ولا تُطالب بها، ويفتح باباً للجدل حول إمكانية النقاش مع السلطة. وعند الاعتراض على أن السلطة قد ترفض النقاش، يرد بسؤال وجودي: "تريد الديمقراطية أو إسقاط الحكم؟" ويقلل من شأن النشاط المعارض الذي يلجأ إلى منابر خارجية مثل جريدة النهار، مشيراً إلى أن المعارضة السورية أصدرت بالفعل نشرات داخلية مثل تيارات ومواطن وأمارجي.

ينتقل المحور الثالث من الحوار ليتناول قضية الأقليات القومية والدينية في العالم العربي، معترفاً بأن الحركتين القومية واليسارية أغفلتا هذه المشكلة التاريخية، مختزلة إياها في صراع طبقياً أو استعمارياً. يرى المؤلف أن الحل ليس في تجاهل الاختلاف، بل في العودة إلى الديمقراطية والعلمانية، مع احترام الحقوق الثقافية للأقليات مثل الأكراد والتركمان والشركس. يقدم مثالاً على أن عربستان (في إيران) لا تريد الانفصال لأن الديمقراطية مفقودة في العراق أيضاً، وهو ما يفتح الباب أمام مناقشة أكثر حساسية حول الطائفية في العراق، حيث يتهم نظام صدام حسين بالتمييز الممنهج ضد الشيعة، مستشهداً بقوانين منعتهم من التملك في بغداد، وبتهجير حوالي 100 ألف مواطن عراقي من أصول فارسية مزعومة. في المقابل، يقلل من أهمية التمييز ضد الأكراد في سورية، معترفاً بوجود ظلم في بعض الحالات لكنه ينفي وجود تمييز عنصري مؤسسي.

في القسم الأخير من الفصل، يعود الحوار إلى نقطة البداية الفكرية، حيث يدافع المؤلف عن فكرة أن "النهضة تبدأ من مصر" ومن "دائرة الإيمان"، مصرا على أن تجاوز الإسلام هو وصفة للفشل. ينتقد بمرارة قصة إسلام ميشال عفلق المزعومة، التي روج لها صدام حسين، معتبراً إياها ملفقة لأسباب سياسية، ومتسائلاً عن كيفية إسلامه سراً. يعود ليرى أن النهضة الحقيقية هي التي تعيد إحياء التراث العقلاني في الإسلام، من المعتزلة حتى ابن رشد، وليس العودة إلى فقه عصور الانحطاط.

يختتم الفصل بجدل حول دور المثقف. في حين يصر المحاورة على أن المثقف يجب أن يخاطب الجماهير، يرفض المؤلف هذا المفهوم، معتبراً أن الجماهير هي "سلاح الاستبداد" كما قال عبد الرحمن الكواكبي، وأن وظيفة المثقف الحقيقية هي التعاطي مع الفكر النقدي، وليس المطالبة بالديمقراطية. يرى أن تجربته هي امتداد لنهضة عربية كانت ناقصة، وأن البدء من داخل دائرة الإيمان هو المحاولة الوحيدة التي لم تُختبر بعد بجدية، على عكس النهضة الأوروبية التي قامت على قطيعة مع الدين. يترك السؤال مفتوحاً حول إمكانية أن يقدم "الإسلام الأوروبي والأمريكي" إسهاماً جديداً، لكنه يعود ليؤكد أن كل إجابة حقيقية يجب أن تبدأ من مصر.

باختصار، الفصل هو صرخة في وجه المثقف العربي التقليدي، يتهمه بالجبن الفكري والتقوقع حول أسئلة قديمة، ويصر على أن معركة التحرر الحقيقية هي معركة فكرية، تبدأ من مواجهة النص الديني نفسه، وتؤسس لعقل نقدي حر، بغض النظر عن التكلفة السياسية أو الاجتماعية. يحمل الحوار تناقضات عميقة: فهو يدعو للحرية ويرفض الديمقراطية بوصفها شعاراً، وينتقد الأصولية من منطلق إيماني، ويعترف بفشل النهضة لكنه يرفض الاستسلام للعصرنة السطحية.

13.بين دمشق وبيروت وباريس485–512▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول تحليل التغيرات الجذرية التي طرأت على كل من دمشق وبيروت وباريس، والعلاقة الشخصية للمؤلف بهذه المدن، لكنه سرعان ما يتحول إلى نقد عميق وشامل لحالة سورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد عقود من الاستقلال. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن سورية عانت من فشل ذريع في نموذج التنمية، وأن هذا الفشل ليس مجرد صدفة بل هو نتيجة تراكمية لقرارات سياسية وأيديولوجية خاطئة أدت إلى انهيار الدولة على جميع المستويات.

يسير الحوار خطوة بخطوة بدءاً من وصف المؤلف لعلاقته بالمدن الثلاث. يصف دمشق كمنبت ومكان نشأة، لكنه يعترف بأنها تغيرت بشكل انقلابي، إذ غادرها وكان عدد سكانها 100 ألف نسمة لتصل الآن إلى أكثر من أربعة ملايين، مع رحيل أو موت معظم النخب الدمشقية من أبناء جيله، مما جعله يشعر كالنبتة المقتلعة من جذورها ويعيش في "صقيع الوحدة". أما بيروت فقد دمرتها الحرب الأهلية، بينما باريس التي تتمتع بخلود ثقافي، لم تتغير جوهرياً. يستشهد المؤلف بقول أدونيس إن دمشق مدينة مغلقة لا تنتج إلا السياسة والتجارة، بينما بيروت مدينة مفتوحة ومشروع للتجريب، ويؤكد المؤلف أن دمشق كانت مهيأة في الأربعينات لانتزاع دور ثقافي مهم لكن الدروب سدت أمامها.

يقف المؤلف مطولاً عند أسباب إغلاق هذه الدروب، محملاً حزب البعث المسؤولية بالدرجة الأولى، وليس بممارساته السياسية المباشرة بقدر ما هي "الصيغ اللفظية المتقنة" التي ابتكرها ميشال عفلق والتي خدعت المثقفين وظنوها فكراً نهضوياً حديثاً. يضيف أن التقدميين الآخرين غير البعثيين (ليبراليين، إسلاميين) قطعوا الدرب أيضاً عندما اتهموا بالشعوبية، وأن اللغة الأجنبية جُرمت واختلط العلم بالوطنية والعروبة حتى صار الأمر "كالشوربا". هذا المزيج الأيديولوجي المشوش هو الذي قاد إلى العجز عن التقدم.

ينتقل النقاش إلى تحليل حالة سورية بعد ثماني وخمسين سنة من الاستقلال. يقدم المؤلف مقارنة صادمة: كان عدد سكان سورية عند الاستقلال ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وكان متوسط الدخل الفردي من أعلى الدخول في قارة آسيا، بينما في مطلع القرن الحادي والعشرين، وبعد أن زاد عدد السكان وأضيف البترول إلى الموارد، أصبح متوسط الدخل الفردي أقل من المتوسط في بنغلادش. ويؤكد أن الديمقراطية لم تعش إلا أقل من عشر سنوات متفرقة أهمها ما بين 1954 و1958. ويذكر أن إسرائيل كانت أحد معوقات التقدم، وأن نكبة فلسطين حمّلت سورية ما لا تستطيع احتماله، لكنه لا يكتفي بهذا العامل الخارجي.

يفصل المؤلف أوجه الفشل الداخلي بوضوح قاسٍ. يصف القطاع العام، الذي يساوي أكثر من نصف الاقتصاد، بأنه أصبح "تأمين بطالة" مع فساد مستشر. ويصف تدهور نوعية التعليم الجامعي وما قبل الجامعي بأنه وصل إلى "حد خطير". أما القضاء فيصفه بأنه "علة العلل"، مستشهداً بمثال عن عمه المحامي الذي أصبح لا يستطيع أن يضمن لموكله نتيجة أي دعوى بسبب الوساطات والطرق الملتوية. ويخلص إلى أن عدم وجود قضاء نزيه يعني عدم وجود دولة عصرية، وأن كل مفاصل الدولة تعتل: من شرطي السير إلى الوزير.

عند سؤاله عن سبب هذا التدهور، يجيب المؤلف بأنه لا وجود لخطة تنموية، وأن القائمين على الأمور "قابعون عند ثقافتهم التراثية". ينتقد بشدة نهج ساطع الحصري في 1947 والذي تفاقم في عهد سليمان الخش بوزارة التربية، حيث روج أن من علامات الوطنية إلغاء تعليم اللغات الأجنبية وإغلاق المدارس الأجنبية، معتبراً أن هذا النهج أضاع أكثر من نصف قرن على سورية. يقارن ذلك بـ اليابان التي فرضت اللغة الإنجليزية من الصف الأول الابتدائي للوصول إلى التقدم، بينما في سورية لم تبدأ محاولات إنشاء مدارس جديدة تركز على اللغات الأجنبية إلا أخيراً.

في الختام، يرسم المؤلف صورة قاتمة للمستقبل، مؤكداً أن الوضع "أسود أسود" ولن يتغير إلا بمعجزة. ويرفض فكرة أن المشكلة تكمن فقط في الميزانية العسكرية، مشيراً إلى أن إسرائيل رغم ميزانيتها العسكرية الكبيرة حققت ناتجاً كلياً يتجاوز المئة مليار دولار، أي أكثر من مصر وسورية ولبنان والأردن وفلسطين معاً. يرى أن المشكلة الأساسية هي في "نموذج تنمية رأسمالية الدولة وسطوة العسكر بقوانين الطوارئ"، وأنه بات من المحال إصلاح القطاع العام، وأن إنهاءه لن يتم إلا عنوة بضغط السوق العالمية أو بالانهيار الداخلي، لأنه يعني نهاية سلطة الجيش والأجهزة الأمنية.

الجانب القابل للنقاش هنا هو أن المؤلف يلقي باللوم الأكبر على الأيديولوجيا والأخطاء الداخلية (البعث، قمع اللغة الأجنبية، نموذج التنمية) دون أن يولي وزناً موازياً للعوامل الجيوسياسية والإقليمية (كالحروب مع إسرائيل، الضغوط الدولية، العوامل المناخية أو غيرها) التي قد يعتبرها البعض أسباباً هيكلية لا تقل أهمية. كما أن مقارنته بين إسرائيل وسورية تركز على الإدارة الناجحة للموارد لكنها تتجاهل الفروق الهائلة في الدعم الخارجي وحجم الاقتصاد العالمي المحيط بكل منهما.