Almawred
عربي

سياسات الهوية في الثورة السورية الدروز نموذجاً

ar

الكتاب الذي بين أيدينا، "سياسات الهوية في الثورة السورية الدروز نموذجاً" لـجاد الكريم الجباعي، هو مقاربة تحليلية عميقة لموقف الدروز في محافظة السويداء من الثورة السورية والحرب التي تلت ذلك، على خلفية تجربتهم التاريخية والاجتماعية. الموضوع المحوري للكتاب هو العلاقة الجدلية بين اتجاهين متعارضين يحكمان سلوك هذه الجماعة، وهما الاتجاه الاندماجي الذي يميل إلى التوافق مع السلطة المركزية والانخراط في الدولة، والاتجاه الاستقلالي الذي يميل إلى التمرد والنأي بالذات. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أنه لا يمكن فهم موقف الدروز المعاصر من خلال النظر إليهم ككتلة واحدة متجانسة، بل لا بد من تفكيك "البيئات الدرزية" المختلفة وفق أثر العوامل الاجتماعية والطبيعية والسياسية، مع التركيز على دور العقيدة المذهبية كعامل متغير لا ثابت، تحولت مع الزمن من عقيدة سرية مستقلة عن السياسة إلى أيديولوجية مذهبية تعيد تشكيل الوعي السياسي.

يسير بناء الكتاب المنطقي عبر فصول مترابطة تبدأ بتأصيل تاريخي، ثم تنتقل إلى تحليل البنى الاجتماعية والثقافية، لتختتم بمناقشة مواقف الدروز من الأزمة الراهنة. يبدأ الكاتب بتقديم إطار نظري حول إشكالية الدولة والمجتمع في سوريا، معتبراً أن الدولة السورية التي نشأت بعد الاستقلال لم تكن نتاجاً لمجتمع مدني حديث، بل كانت "دولة كولونيالية" ورثت الإدارة الاستعمارية، وظل المجتمع التقليدي تحتها يعيد إنتاج هوياته القديمة. هذا الانقسام العمودي بين "المجتمع الحكومي الموازي" والمجتمع التقليدي هو ما يفسر، بحسب المؤلف، تعارض إرادة الحرية التي عبرت عنها الثورة السلمية الشبابية مع إرادة السلطة التي تجسدت في الحرب اللاحقة. ثم يغوص الكتاب في التاريخ الخاص لدروز جبل حوران، متتبعاً أصولهم وهجراتهم المتعددة منذ القرن السابع عشر، ودورهم في مقاومة العثمانيين والفرنسيين، وكيف تشكلت صورتهم في أذهان السلطات المركزية بوصفهم "دروزاً أشقياء" قبل أن تتحول إلى صورة "ثوار" بعد حملة سامي باشا الفاروقي عام 1910.

في تحليله للثقافة والسلطة، يكشف المؤلف عن بنية اجتماعية معقدة تقوم على العصبيات العائلية والعشائرية، والتنافس على المكانة والاعتراف، حيث كانت المطالبة والمدافعة عن الأرض والاستقلال الذاتي هي المحرك الأساسي للسلوك السياسي قبل أن تصبح العقيدة عاملاً مؤثراً. النقطة المفصلية في تاريخ الدروز هي عملية اختراق الطائفة وولادة "الأيديولوجية الدرزية"، حيث بدأت السلطات المركزية المتعاقبة (العثمانية، الفرنسية، ثم الوطنية) بالتعامل مع الدروز كجماعة مذهبية خالصة، مما دفع رجال الدين (العقال)، الذين كانوا منعزلين عن السياسة، إلى الانخراط في الصراعات المحلية، فتم "تطييف" كل من الاتجاهين الاندماجي والاستقلالي. يشير المؤلف إلى أن أيديولوجية البعث "العلمانية" لم تتعامل قط مع الدروز كمواطنين، بل كدروز فقط، في مقابل نظرتهم إلى السلطة بوصفها "علوية"، مما خلق نوعاً من التكاذب القومي.

من بين الأرقام والوقائع اللافتة التي يدمجها الكتاب في سياقه التحليلي تلك المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في محافظة السويداء. يذكر المؤلف أن عدد سكان المحافظة بلغ 367001 نسمة عام 2011، وأن القوة البشرية تقدر بنحو 258645 نسمة، لكن عدد المشتغلين منهم لا يتجاوز 93434 أي %36 فقط، وهو ما يفسر ضعف المشاركة في الشؤون العامة. الأكثر دلالة هو أن %41 من العاملين يعملون في القطاع العام، مما يجعل ولاءهم للسلطة أمراً حيوياً لمعيشتهم، خاصة في ظل الضغوط الأمنية وإجراءات التسريح التعسفي لغير الموالين (آخرها تسريح 32 موظفاً في حزيران 2014). على الصعيد التعليمي، تبلغ نسبة الأميين وأشباه الأميين نحو نصف السكان، مما يفسر قوة نفوذ الأيديولوجية المذهبية والعادات التقليدية. يورد المؤلف شهادة تاريخية قوية من الشيخ أبو علي الحناوي في رده على مطالب العثمانيين عام 1877: "أما تسليم القرى لأصحابها فهذا أمر لا تقبله العشائر، فكما أخذناها بالسيف فليأخذوها هم بالسيف"، وهي شهادة تعكس روح المطالبة والمدافعة التي طالما ميزت هذه الجماعة.

يقر المؤلف بتحفظات مهمة ويدرك حدود تحليله. فهو يعترف بأن مصطلحي "تحالف الأقليات" و"حماية الأقليات" هما خطابان سياسيان لا يعكسان بالضرورة واقعاً، فالدروز والمسيحيون والإسماعيليون – بحسبه – ليس لديهم إستراتيجية للسلطة، وليسوا معنيين بالدفاع عن النظام القائم بقدر ما هم معنيون بالحفاظ على مصالحهم في ظل الخوف من التطرف الإسلامي. كما يقر بصعوبة تعميم موقف الدروز كطائفة واحدة، فالانقسام الذي أحدثته الثورة ليس استثناءً للدروز، بل تمر خطوطه في الأسر والعائلات والعشائر، بحيث يصعب الحديث عن "موقف درزي" جماعي دون الوقوع في تعميم متعسف. ويلمح الكاتب إلى أن التحول الدراماتيكي للاتجاه الاندماجي واكتسابه طابعاً قومياً عروبياً بعد ثورة 1947 ("الثورة الشعبية والطرشان") كان نتيجة لتغير علاقات القوى داخل الجماعة نفسها، وهو سؤال يظل مفتوحاً للتأويل.

إن ما يجعل حجة الكتاب قابلة للنقاش بوضوح هو إصراره على أن "العروبة" ليست فضاءً عاماً محايداً، بل هي بالأساس "أيديولوجية الأكثرية المذهبية" (المسلمين السنة)، التي تزعم عموميتها لتبرير هيمنتها، الأمر الذي جعل الدروز يرون فيها مخرجاً من وضعية "الأقلوية" لكن دون أن تحقق اندماجاً حقيقياً في الدولة الوطنية. هذا الطرح يثير جدلاً حول إمكانية وجود قومية عربية علمانية حقاً، أم أنها مجرد غطاء لطائفية مضادة. يخلص الكاتب إلى أن سياسات الهوية التي ثابر عليها حكم البعث لم تفسخ هذه الهويات، بل وفرت لها شروط الانتعاش والنمو، خاصة بعد أن فقدت وظائفها الاقتصادية والاجتماعية وكادت أن تتحول إلى فولكلور. في النهاية، يرى المؤلف أن "الخوف" هو العامل الرئيسي في تشكيل الهويات المغلقة، وأن تاريخ الاستبداد في سوريا هو تاريخ إدارة هذا الخوف، مما جعل الجماعات تتجه نحو الدفاع عن هويتها المذهبية كملاذ أخير، في مأساة طائفية يصعب فك طلاسمها.

Analyse & mots-clés

Mots-clés

Personnes

Lieux

Événements