طارق أحمد - حزب التحرير في الصراع السوري الراهن
يطرح هذا الكتاب، الصادر ضمن ملف "قراءات في الحركة الإسلامية في الحرب السورية" بالتعاون بين مجلة صور ومركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، موضوعاً محورياً حول دور حزب التحرير في الصراع السوري الراهن. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف طارق أحمد هو أن الحزب، على الرغم من كونه تنظيماً نخبوياً صغيراً، لعب دوراً في تشكيل الأجواء الأيديولوجية المتشددة في الثورة السورية، لكنه ظل هامشياً من الناحية العملية والعسكرية. ويصف الكتاب الحزب بتسميتين لافتتين: "حزب الحيطان"، التي أطلقها ناشطو الثورة في حلب والشمال بسبب تركيز نشاطاته على طلاء الجدران وكتابة عبارات تكفير الديمقراطية فوق شعارات الثورة، وتسمية "داعش البيضاء"، بسبب تطرفه النظري الشديد وامتناعه عن العمل المسلح في الوقت ذاته.
تتسلسل حجة الكتاب عبر فصوله لتؤسس أولاً لفهم نشأة الحزب وفكره، ثم تنتقل إلى تاريخه في سوريا، وأخيراً تحلل تفاعله مع الثورة السورية. يبدأ الكتاب بتقديم نبذة تاريخية عن الحزب الذي أسسه الشيخ القاضي تقي الدين النبهاني (1909-1917)، وهو فلسطيني من مواليد قرية إجزم قضاء حيفا. بعد وفاة النبهاني، خلفه عبد القديم زلوم من الخليل (1906-2003)، الذي كان الساعد الأيمن للمؤسس، ثم جاء الأمير الحالي عطاء بن خليل أبو الرشتة (مواليد 1917). يبين الكتاب أن للحزب نظريته المتكاملة التي صاغها المؤسس، ويضم أفكاراً في العقيدة والفقه والسياسة والاقتصاد، بل ودستوراً مفصلاً للدولة الإسلامية المنشودة. هناك نقطتان محوريتان في فكر الحزب: الأولى، أنه كان من أوائل الحركات الإسلامية التي كفرت الديمقراطية بوصفها نظاماً يشرع فيه الشعب ما يشاء، وهو ما يعتبره الحزب كفراً؛ والثانية، أن الحزب لا يؤمن بالثورات سلمية كانت أم مسلحة، ولا يعتبر الأعمال العسكرية سبيلاً للوصول إلى الحكم، بل يركز على "بناء الثقة بتعاليم الإسلام" عبر عمل سياسي سلمي.
يحدد الحزب طريقته في السير عبر ثلاث مراحل: مرحلة التثقيف لبناء كوادر، تليها مرحلة التفاعل مع الأمة لتتحول أفكار الحزب إلى قضية عامة، وأخيراً مرحلة طلب النصرة من ذوي القوة والسلطان (غالباً ضباط) لتسلم الحكم. هذا المنهج جعل الحزب من الناحية العملية تنظيماً انقلابياً. وعلى الرغم من تسمية الحزب لنفسه بفترة 13 عاماً للوصول إلى الحكم تطابقاً مع المرحلة المكية، ثم مدها إلى 50 عاماً، إلا أن ذلك لم يحدث بعد عقود.
ينتقل الكتاب إلى تاريخ الحزب في سوريا، حيث كانت دمشق الموطن التالي للنبهاني بعد مغادرته الأردن في تشرين الثاني 1958. شهد الحزب انتشاراً نوعياً ولو قليل العدد بين الشباب المتدين المتعلم، مما أثار حفيظة الإخوان المسلمين الذين وصل بهم الأمر إلى فصل أي عضو يتصل بالحزب. تعرض الحزب لحملات اعتقال متكررة؛ اعتقلت مجموعة من أعضائه في دمشق عام 1966، وفي خريف 1979 شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة طالت جميع الأعضاء السوريين، ويقدر عدد المعتقلين حينها بحوالي 200 شخص. في تشرين الثاني 2001 أفرج عن 78 من أصل 111 معتقلاً لم تشملهم الإفراجات السابقة، وقدرت "اللجنة السورية لحقوق الإنسان" عدد التحريريين المتبقين في السجون بحوالي 60 شخصاً.
مع اندلاع الثورة السورية، يبين الكتاب كيف رحب بها الحزب بحذر، وبارك ما أسماه "التحركات" في مصر وتونس وليبيا واليمن، معتبراً أنها كسرت حاجز الخوف. لكنه نظر إليها بعين الشك، حيث رأى أن القوى الأوروبية وغيرها استطاعت، عبر عملاء مدربين، احتراق هذه التحركات للحفاظ على بنية النظم الأساسية. أما بالنسبة لسوريا، فمنذ بعد عشرة أيام من اندلاع الثورة في درعا، أصدر الحزب بياناً حث فيه على المواجهة مع النظام وصولاً إلى نقطة اللاعودة، لكنه طالب السوريين بجعل التغيير تغييراً إسلامياً وصولاً إلى إعلان الخلافة، وهو ما كان صوتاً شبه منفرد آنذاك. استمرت بيانات الحزب على هذه الأسس: الترحيب بالثورة، الإصرار على التوجه الإسلامي، التحذير من سرقة الثورة، وتأييد العمل العسكري دون المشاركة فيه، ورفض التدخل الخارجي.
أتاحت الثورة للحزب مجالاً للعمل العلني بعد خروج مناطق عن سيطرة النظام، فأسس مكاتب ونشر الكتب ومجلة "الوعي". برز اسم المهندس هشام البابا رئيساً للمكتب الإعلامي، وقام بجولات في المناطق المحررة، وألقى كلمات في مساجد مثل مسجد أنصار الرسول في مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، وفي بلدة صوران بريف حلب. لكن اللافت أن الحزب لم يكن له أي جناح عسكري، وهو ما أكده عبد القادر صالح، القائد العسكري للواء التوحيد (أكبر الفصائل في الشمال)، وأكده أيضاً أمير الحزب عطا أبو الرشتة الذي قال صراحة: "ليس لنا جناح عسكري لا سابقاً ولا لاحقاً". ومع ذلك، نعى الحزب بعض عناصره الذين قتلوا، مثل عبد الباسط الخطيب (أبو علي حلب) والمهندس أبو عبيدة الذي قتل في يبرود بريف دمشق في شباط 2014، ومصطفى منصور في آذار 2015، دون أن تتضح ظروف مقتلهم، واتهم الحزب لواء شام الرسول بمحاولة اغتيال أحد مسؤوليه في كفربطنا في نيسان 2014.
أما فيما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقد كان موقف الحزب متعارضاً تماماً. عندما أعلن التنظيم "الخلافة"، رد عليه الأمير عطا أبو الرشتة على صفحته الرسمية بأن الإعلان "لغو لا مضمون له"، لأن الخلافة تحتاج إلى سلطان ظاهر يحفظ الأمن في الداخل والخارج، وهو ما لم يتحقق للتنظيم. بل ذهب أبعد من ذلك في بيان لاحق معتبراً أن هذا الإعلان هو "حلقة جديدة في سلسلة أعمال هدفها القضاء على مشروع الخلافة" وتشويهه، وأن توقيته "مشبوه". كما رفض الحزب محاولات بعض الفصائل تنفيذ الأحكام الإسلامية (الحدود)، معتبراً أن ذلك من اختصاص الخليفة فقط عند اكتمال شروط الدولة. ومن الملاحظ أن عمل الحزب منع في الأراضي التي يسيطر عليها داعش، الذي قام بإعدام بعض أعضاء الحزب بتهمة الردة، بينما سمح له بالعمل في مناطق الثوار، وعقد في 2014 مؤتمره الأول في سوريا بعنوان "ثورة الشام ثورة أمة نحو إقامة الخلافة".
يسجل الكتاب طبيعة النشاط الحزبي في سوريا، والتي تركزت بالكامل على العمل الإعلامي والدعوي. فجميع الأسماء البارزة المذكورة هي لنشطاء إعلاميين، مثل أحمد إبراهيم عبد الوهاب الذي حل محل البابا، ومندر الحسن من ريف إدلب، وأحمد ناصر (أبو إسلام) من حلب، وغيرهم. وغاب الجانب العسكري تماماً كما غابت النشاطات الإغاثية أو الطبية أو الخدمية التي انشغلت بها الفصائل الأخرى. كان أبرز نشاطات الحزب هو توزيع المنشورات والكتب ودعوة الفصائل إلى تبني التوجهات الإسلامية.
يختم الكتاب بخاتمة تحليلية تشير إلى أن حزب التحرير ليس "تنظيماً داعشياً" بالمعنى المعروف، وإن كان يؤسس أرضية نظرية للتطرف. وتذكر المادة أن الكثيرين عبروا الحزب باتجاه تنظيمات أخرى انخرطت في الفعل المسلح دون انتظار ميكانيكية الحزب غير المجدية. في سوريا، على الرغم من أن الحزب أشاع الكثير من التطرف في الرموز والشعارات والخطاب، واصطدم مراراً مع ناشطي الثورة، إلا أن تأثيره الفعلي على الأرض ربما لم يتجاوز التمهيد غير المنتظم لحركات أكثر تطرفاً. وتترك المادة سؤالاً مفتوحاً حول مدى تأثر الفصائل المتشددة الحالية بأفكار الحزب، مشيرة إلى أن التحقق النهائي من هذه الفرضية يحتاج إلى دراسة عينات جماعية ونماذج محورية، وهو ما يعترف به الكتاب كحدود بحثية أولية سيتم تعميقها واستكمالها نظرياً وميدانياً.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في المادة هي فكرة أن الحزب، رغم هامشيته العملية، كان له دور في "إشاعة أجواء الشعارات الإسلامية المتشددة" و"التمهيد غير المنتظم" للحركات المتطرفة. هذه الفرضية تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفكر والعمل، وحول ما إذا كان الحزب يمكن اعتباره مسؤولاً أخلاقياً أو فكرياً عن تنظيمات لم ينتمِ إليها ولم يشارك في تأسيسها، خاصة أن الكثير من أدبياته تركز على آليات سلمية ونظرية بحتة. كما أن تزامن خطابه التكفيري للديمقراطية ورفضه للقتال الفعلي يضعه في موضع متناقض، جعله عرضة لانتقادات من قبل قطبي الثورة المتطرفين والعلمانيين على حد سواء.