Almawred
English

Suliman Al Murshid Beginings of An Alawi Leader

1 janvier 1993enTaylor & Francis, Ltd.

يُحاول هذا الكتاب، المستند إلى وثائق المخابرات الفرنسية ومراسلات دبلوماسية بريطانية، أن يفك طلاسم الشخصية الجدلية لـ سليمان المرشد، زعيم الطائفة العلوية الذي برز في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين في منطقة جبال الساحل السوري. يدافع المؤلفان بشكل غير مباشر عن أطروحة مفادها أن صعود المرشد لم يكن مجرد ظاهرة دينية هامشية، وإنما عملية معقدة مزجت بين التقاليد الدينية الباطنية للطائفة العلوية، والطموحات السياسية، والاستغلال الذكي للفجوات التي تركتها الإدارة الفرنسية. الجوهر الذي يقدمه البحث هو أن المرشد، الذي بدأ راعياً بسيطاً، تمكن من بناء قوة قبلية ودينية تجاوزت حدود منطقته جوبة برغال، ليصبح لاعماً لا يمكن تجاهله في السياسة السورية، قبل أن ينتهي به الأمر على حبل المشنقة في 1946.

يسير الكتاب وفق خط زمني متسلسل، يبدأ بتوصيف البنية القبلية والدينية للطائفة العلوية، حيث يبرز الصراع التقليدي بين سلطة رجال الدين (ذوي المكانة الروحية) وسلطة الرؤساء (القبليين). في هذه البيئة، وُلد سليمان يونس (اسمه الأصلي) حوالي عام 1905 لعائلة فلاحية بسيطة. نقطة التحول الأولى كانت في عام 1923 عندما أظهر قدرات خارقة، واعتبره الفلاحون قديساً وتجسيداً لكائن سماوي، وفقاً لعقيدة الحيدارية التي ينتمي إليها، وهي إحدى المذاهب العلوية الصغرى. هنا يظهر التحليل الدقيق للباحثين لكيفية تبنّي ثلاثة شيوخ محليين للشاب "النبي" وتوجيه طاقاته، مستغلين تطلعات الحيداريين للروحانية.

ينتقل السرد بعد ذلك إلى مرحلة التنظيم، حيث لم يكتف المرشد بالشعائر الدينية التي اتسمت بالهستيريا الجماعية، بل أسس "جماعة" بدأت في جمع التبرعات باسمه. يوثق الكتاب كيف تحولت هذه الجماعة الدينية تدريجياً إلى جماعة ضغط اقتصادي، من خلال مقاطعة التجار المنافسين (كالكلازيين والمسيحيين) في تجارة التبغ (أبو رحي). تُظهر وثائق المخابرات الفرنسية كيف أن السلطات كانت في حيرة من أمرها، فتارة تصنف الأمر على أنه "شعوذة" وتارة تكتفي بمراقبته، مما أتاح للجماعة النمو في ظل انشغال الفرنسيين بقضايا الوحدة السورية والانفصال. هذه الفترة شهدت زواج المرشد من ابنة أحد مؤيديه الأقوياء، ومنحه لقب المرشد (المُعلّم) بدلاً من سليمان يونس، مما عزز مكانته.

مع تعمق الأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات، يبين الكتاب تحول المرشد من رجل دين إلى زعيم قبلي يجمع الزكاة والإتاوات بأساليب قسرية، مستخدماً الترهيب والضرب. في عام 1928، قامت السلطات الفرنسية بنفيه إلى منطقة الفرات، لكنه ظل على اتصال بأتباعه عبر الرسائل. ومن اللافت للنظر أن الكتاب يوثق كيف استغل المرشد منفاه ليغير استراتيجيته: فبعد عودته، لم يكتفِ بتوسيع دائرة نفوذه لتشمل البدو وعشائر بأكملها، بل سعى للاعتراف به في الأوساط الحضرية. ربما كان أكثر الأدلة إثارة للدهشة هو انضمامه إلى المحفل الماسوني في اللاذقية عام 1928، وهو ما فسره الباحثون كرغبة في بناء شبكة علاقات مع الموظفين والقضاة الفرنسيين في المدينة، فضلاً عن كونه استمراراً لتقليد قديم عند العلويين.

تصل الحبكة إلى ذروتها عندما يتحول المرشد إلى قوة سياسية لا يستهان بها، مشكلاً اتحاداً قبلياً جديداً هو الغساسنة، والذي أصبح بمثابة الحلف الخامس بين أحلاف العلويين الأربعة. في انتخابات 1930، لم يترشح هو شخصياً، لكنه دعم خصم الفرنسيين إبراهيم الكنج، ونجح في إيصال أقرب مساعديه محمد خرطبيل إلى مجلس استشاري اللاذقية. تشير الوثائق التي اعتمد عليها الكتاب إلى بروز صراع داخلي بين المرشد وخرطبيل، الذي رأى نفسه أكثر كفاءة للقيادة، مما أدى إلى انشقاقات داخل الجماعة. ومع ذلك، يخلص الكتاب إلى أن المرشد خرج من هذه الأزمة أكثر قوة، مغيراً نظرته إلى الفرنسيين من أعداء دمويين إلى حلفاء محتملين، ومتحولاً من "إله غامض" إلى زعيم قبلي (رئيس) يسعى لمقعد في البرلمان السوري.

يقر الكتاب بتحفظات مهمة، أبرزها عدم اليقين التام حول طبيعة الإيمان به: هل كان قديساً حقيقياً في نظر أتباعه أم مجرد محتال ذكي؟ المصادر الفرنسية نفسها متناقضة، وتصفه تارة بـ"قطاع الطرق" وتارة بـ"ظاهرة علوية أصيلة". هناك أيضاً قصور في فهم الأبعاد العقائدية العميقة لجماعته، حيث يعترف الكاتب بأن الضباط الفرنسيين رأوا في شعائره مجرد شعوذة ودجل. كما أن البحث يترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى مسؤولية الفرنسيين أنفسهم عن صعود المرشد؛ فسياسة "اتركوا المحليين لشؤونهم" سمحت له بالتمدد والثراء دون رادع. من الناحية التحليلية، هناك إشارات واضحة إلى أن المرشد استخدم أساليب شبيهة بـ الدعوة الشيعية المبكرة، كإرسال المبشرين والزواج السياسي، مما يجعل مقارنته بـ ماكس فيبر عن "المستغور" (mystagogue) مثيرة للاهتمام ولكنها تحتاج إلى تدقيق، خاصة فيما يتعلق بطبيعة سلطته الكاريزمية.

أخيراً، المرشد شخصية بالغة الإشكال. من جهة، يمكن النظر إليه كزعيم كاريزمي استطاع أن يعيد للطائفة العلوية المعزولة بعضاً من قوتها وهيبتها في وجه التمدن السني والهيمنة الفرنسية. من جهة أخرى، يقدم العمل أدلة واضحة على استبداده وجشعه ووحشيته، حيث كان يضرب المعترضين بيده ويجبر أتباعه على دفع 25% من دخلهم. كشف الكتاب عن تناقض صارخ: هذا الرجل الذي ادعى الألوهية ونشر حماسة دينية صوفية، انتهى به الأمر يبحث عن منصب في برلمان دنيوي وينضم للماسونية. رحلته من الرعي إلى المشنقة، التي سردها الباحثان بحيادية ألمانية، تقدم نافذة مروعة على تقاطع الديني بالسياسي في سوريا ما قبل الاستقلال، وتفسّر لماذا لا تزال أسرته محط تقديس وخلاف في آن واحد حتى اليوم.