Almawred
مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها
عربي

مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها

عبد العزيز العظمةarشركة رياض الريس للكتب والنشر

هذا ملخص شامل وأمين لكتاب "مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها" لعبد العزيز العظمة، مبني على ملخصات الفصول المقدمة.

الموضوع المحوري للكتاب هو رصد التحولات الجذرية التي طرأت على مدينة دمشق ومجتمعها في أواخر العهد العثماني وأوائل الانتداب الفرنسي، من منظور نقدي محافظ. الإجابة أو الموقف الذي يدافع عنه المؤلف هو حالة من الأسى والرفض للتغيرات التي يراها انحداراً عن الماضي، ملقياً باللوم على عوامل متعددة أبرزها: سوء الإدارة (عثمانياً وفرنسياً)، التقليد الأعمى للغرب، التخلي عن القيم الدينية والصناعات المحلية، وخيانة القيادات السياسية التي سلمت البلاد للاستعمار. الكتاب هو تأبين لدمشق "التقليدية" بقيمها واقتصادها وعمرانها، في وجه دمشق "الحديثة" التي يرى أنها فقدت هويتها.

تسير حجة الكتاب عبر فصوله التي يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام رئيسية مترابطة. القسم الأول (الفصول 1-2) يرسم جغرافية المدينة المادية: مناخها، مياهها التي يعتبرها مفخرة (عذباً فراتاً سائغاً)، أحياؤها (من القيمرية إلى الصالحية)، ومعالمها. ينتقل من الوصف الجغرافي المعتز إلى النقد السياسي عبر تحليل ميزانية الدولة السورية لسنة 1926، مظهراً أن الإيرادات (حوالي 450,000 ليرة ذهبية) أقل من ربع واردات ولاية سورية العثمانية، بينما تضاعفت النفقات بسبب سوء الإدارة الفرنسية ورواتب الموظفين الفرنسيين الباهظة.

القسم الثاني (الفصول 3-5) ينتقل من المادية إلى الاجتماعية، مفصلاً الحياة اليومية. يصف الأزياء التقليدية (القنباز، العباءة، العمامة) وكيف حل محلها المعطف (البالطو الافرنجي) والطربوش ثم القبعة. يصف تحول وقود الحطب والفحم إلى زيت البترول، ونظام التستر والحشمة الذي استُبدل بالسفور. ثم يستعرض عادات دورة الحياة بدقة إثنوغرافية: من الخطبة والزواج (و"العراضة" بالسيف والعصا)، إلى الحمل والولادة وطقوس "حمام الفسخ"، وصولاً إلى المآتم و"التهليلة" في الليلة الثالثة والأربعين. هذه الفصول كلها تُبنى على مقارنة ضمنية بين "الأمس" المقتصد والمتدين، و"اليوم" المسرف والمقلد للغرب.

القسم الثالث (الفصول 6-7) يركز على موارد العيش والتعليم. ينتقد بشدة تراجع التعليم الديني قائلاً إن حلقات التدريس التي كانت تغص بـ الجامع الأموي وتحت قبة النسر لم يعد لها أثر، ويتهم المشايخ بإهمال واجباتهم وجمع الرواتب دون عمل. ثم يخصص جزءاً كبيراً لوصف موسم الحج الذي كان يشكل شرياناً اقتصادياً لدمشق، قبل أن يدمر خط سكة حديد الحجاز في الحرب. يقدم تحليلاً اقتصادياً مفصلاً لقطاعات الحج، السياحة، الزراعة (يصف موسم "الضمان" لبيع الثمار قبل نضجها)، والصناعة (خاصة النسيج الذي هبط من 15,000 نول إلى أقل من النصف)، ويشخص أسباب التدهور في المنافسة الأجنبية والتخلي عن الموروث.

القسم الرابع والأخير (الفصول 8-12) هو تاريخ سياسي مفصَل، يبدأ من الحملة الفرنسية على مصر والشام بقيادة نابليون، مروراً بـ أحمد باشا الجزار (يصف قسوته ولكن يعترف بإنجازاته)، وإبراهيم باشا (الذي يتهمه بدس السم في مياه الدروز لافنائهم)، وصولاً إلى عهد التنظيمات العثمانية. السرد يبلغ ذروته في فصول (9-12) التي تقدم رواية نقدية لـ جمعية الاتحاد والترقي (يتهمها بإضاعة ثلاثة أرباع البلاد وإكراه الدولة على دخول الحرب العالمية)، والثورة العربية (يرى أنها مؤامرة بريطانية بقيادة الشريف حسين الذي خُدع بوعود الإنكليز)، وحكومة فيصل في دمشق (التي ينتقد ترددها وأخطاءها)، وانتهاءً بـ كارثة ميسلون وبداية الانتداب الفرنسي.

يحتوي الكتاب على أرقام ووقائع لافتة يصعب نسيانها، منها: تقديره أن موسم الحج كان يدر دخلاً يعادل مليون دينار ذهبي سنوياً (ما يعادل 15 مليون ليرة في زمانه)، إحصائيته عن عدد موظفي الشرطة البالغ 1,180 شخصاً مقارنة بـ 174 في العهد العثماني، تاريخه لحصار نابليون لعكا الذي استمر 64 يوماً، روايته عن حيلة الأمير فيصل للخروج من دمشق عبر التظاهر بمرض ابنه، وادعاؤه بأن المؤتمر السوري أعلن استقلال سورية في 8 آذار 1920 قبل أن ترفض بريطانيا وفرنسا الاعتراف بذلك.

يعترف المؤلف بحدود وتحفظات مهمة، فهو يصرح بأن حال التعليم في سورية ليس متدهوراً مثل حالة البصرة التي أصبحت خالية من العلماء، لكنه يحذر من أن الاستمرار على الإهمال سيؤدي إلى نفس المصير، تاركاً أسئلة مفتوحة. كما يعترف بصعوبة حصر أسماء وصايا المدارس الوقفية التي تحولت إلى دور سكن. في الختام، حجج الكتاب قابلة للنقاش بوضوح: هي رؤية أيديولوجية محافظة تخلو من الحياد، تقدم الماضي بصورة مثالية غالباً، وتلقي باللوم الكامل على عوامل خارجية (التغريب، الاحتلال، الخيانة) وتهمل التعقيدات الداخلية والصراعات الطبقية أو السياسية المحلية. الكتاب أقرب إلى شهادة تاريخية عاطفية حزينة وأداة احتجاج من كاتب متألم على تراجع مدينته، وليس إلى دراسة أكاديمية متوازنة.

Chapitres(11)

1.الفصل الأول : دمشق23–40▼ résumé

يقدّم هذا الفصل من كتاب "مرآة الشام" وصفاً شاملاً ومفصّلاً لمدينة دمشق في أوائل القرن العشرين، مركزاً على جغرافيتها الطبيعية وإدارتها واقتصادها في فترة الانتداب الفرنسي. الموضوع المحوري هو تقديم صورة متكاملة للمدينة، تبدأ بمناخها ومياهها وطرقها، ثم تنتقل إلى تقسيماتها الإدارية وقراها، وتختتم بتحليل نقدي لواقعها المالي والسياسي تحت الاحتلال. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن دمشق مدينة ذات تاريخ عريق ونظام مائي فريد، لكنها تعاني تحت الحكم الفرنسي من سوء الإدارة المالية وتبديد الموارد، مما أرهق كاهل أهلها.

يبدأ الفصل بوصف دقيق لمناخ دمشق وأنواءها وفصولها، مستعيناً بجدول زمني يوضح تحولات الطقس على مدار السنة وفقاً للحساب الشمسي الشرقي. يشرح الكاتب التقسيمات المناخية المحلية مثل "الخضر" (أيام الصحو والحرارة) و"القاسم" (أيام البرد والمطر)، ويبين كيف اعتاد السوريون على تعديل هذه الأشهر لتناسب طقس البلاد. ينتقل بعد ذلك إلى تفصيل قصة مياه دمشق التي يعتبرها "عذباً فراتاً سائغاً". يصف نظام الري العريق القائم على نهر بردى وفروعه السبعة، وكيف كانت المياه توزع على المنازل والحمامات والمساجد والخانات دون انقطاع. ويشير إلى أن هذا النظام ظل عاملاً لألف عام، لكنه تلوث مع زيادة السكان، مما اضطر الوالي ناظم باشا إلى جر قسطل حديدي من عين الفيجة إلى المدينة لتوفير مياه شرب نقية. يتابع الفصل بذكر الينابيع والآبار الأخرى، ويتضمن إشارة مثيرة للاهتمام حول اعتقاد شعبي بأن نهر بردى له قدرة على حماية أهل دمشق من مرض الجذام وكسر حدته عن الغرباء.

ينتقل المؤلف من الموارد الطبيعية إلى الطرق. يحدد المسافة بين دمشق ومرفئها في بيروت بـ 111 كيلومتراً، ويصف الطريقين البرية والسكك الحديدية (سكة الحجاز وسكة بيروت). يقدم جدولاً بأسماء المنازل والمسافات، منتقداً إنشاء خط سكة الحديد عبر بعلبك ورياق لمصالح خاصة، مما زاد في طول الرحلة. أما الضواحي والقرى المحيطة بـ دمشق، فيعددها الكاتب بتفصيل كبير، قسماً إياها إلى أربع نواح رئيسية: وادي بردى في الغرب، وادي العجم مع إقليم البلان في الغرب الجنوبي، المرج مع الغوطة في الشرق، وجبال القلمون في الشمال. يذكر أن هذه القرى كانت تضم 151 قرية ومزرعة، ثم أعيد تنظيمها إدارياً إلى أربعة أقضية في الزبداني وقطنا ودوما والنبك لتسهيل شؤون سكانها.

في الجزء الأعمق والأكثر نقداً من الفصل، يتحول الكاتب من الوصف الجغرافي إلى التحليل السياسي والمالي. يوجز تاريخ دمشق كعاصمة لممالك ودول متعاقبة، ويذكر أنها كانت قاعدة للمملكة السورية قبل أن يحتلها الفرنسيون وتخضع للانتداب. ثم يقدم ميزانية الدولة السورية لعام 1926 مفصلاً إيراداتها ونفقاتها. يحلل الميزانية مقارنة بوضعها قبل الحرب العالمية الأولى، عندما كانت دمشق مركزاً لولاية سورية العثمانية. يُظهر أن الإيرادات الحالية التي تبلغ حوالي 450,000 ليرة ذهبية تمثل أقل من ربع واردات الدولة السورية السابقة، بينما النفقات تضاعفت بشكل كبير بسبب سوء الإدارة الفرنسية. يحصي الكاتب أسباب زيادة النفقات في سبع نقاط رئيسية، من بينها تضخم الملاك الوظيفي الحكومي، والتلاعب بقانون التقاعد، والرواتب الباهظة للموظفين الفرنسيين التي تفوق نظراءهم السوريين، مما اضطر الحكومة لاستخدام جيش من المترجمين.

لا يتوقف النقد عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل ميزانية المصالح المشتركة بين الدويلات السورية لعام 1932، والتي تخضع للمفوضية الفرنسية. يشير الكاتب إلى أن هذه الميزانية تُنفق بشكل أساسي على الجيش الفرنسي وموظفي المفوضية، ولا يُعلم أحد بحسابها. يورد جدولاً بأرقام هذه الميزانية، ويذكر أن المفوضية تدّعي أن إيراداتها تناقصت بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية. في تعليقاته على الميزانية، يستشهد الكاتب بمقالات من جريدة "الأيام" لتقديم أمثلة ملموسة على الهدر المالي، مثل: المبالغة في نفقات الجامعة السورية ومطبعتها، ووجود عدد مفرط من موظفي الشرطة (1,180 شخصاً) مقارنة بـ 174 في العهد العثماني، ونفقات باهظة للدرك تبلغ خمس ميزانية الدولة كلها. يختتم الفصل بهوامش توضيحية لأسماء المواقع الجغرافية والتقسيمات الإدارية، مع تفصيل للأثمان (الأحياء) الثمانية للمدينة وهوامش تاريخية عن أبواب دمشق. في الختام، يمكن القول إن هذا الفصل يجمع بين منهجين: الأول توثيقي جغرافي، يعتز بنظام المدينة المائي الفريد وهندستها التقليدية، والثاني نقدي سياسي، يكشف عن تبعات الاستعمار المالية والإدارية، ويقدم حجة واضحة ضد سياسات الانتداب الفرنسي التي يصفها بأنها مسرفة وغير عادلة، مما جعل هذا الجزء من النص وثيقة احتجاجية بالغة الأهمية في سياقها التاريخي.

2.الفصل الثاني : تقسيمات المدينة41–64▼ résumé

ملخص الفصل الثاني: تقسيمات المدينة

يدور هذا الفصل حول التقسيم الجغرافي والإداري لمدينة دمشق في أواخر العصر العثماني وأوائل الانتداب الفرنسي. لا يقدّم المؤلف نظرية واحدة حول تقسيم المدينة، بل يقوم بجولة ميدانية تفصيلية في أحيائها وأسواقها ومبانيها، مصحوبة بوصف دقيق لمعالمها ووظائفها. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن دمشق مدينة معقدة التركيب، تتكون من "أثمان" (أحياء رئيسية) متمايزة، لكل منها طابعه السكاني والاقتصادي والديني، وتضم شبكة كثيفة من الأسواق والدور والحمامات والخانات والمشاهد الدينية والمدارس.

يسير الفصل وفق هيكل واضح: يبدأ بوصف الجامع الأموي باعتباره مركز المدينة الروحي والتاريخي، فيذكر طوله (244 قدماً من الشرق للغرب و157 قدماً من الشمال للجنوب)، ومآذنه الثلاث (مئذنة عيسى، المنارة الغربية، ومئذنة العروس)، وأبوابه الكبيرة (باب البريد، باب جيرون، باب الزيادة، باب الفراديس)، وحريقاته الست، وقبته التي تسمى قبة النسر. ثم ينتقل إلى قلعة دمشق، فيؤرخ لبنائها وتوسعاتها منذ العصر السلجوقي وحتى العصر الأيوبي، بطول 170 خطوة وعرض 131 خطوة، ويصف تحولها من مقر للسلاطين إلى سجن ومستودع.

بعد ذلك، يتناول الفصل الأحياء واحداً تلو الآخر. القيمرية في شرقي المدينة، وتضم قصر بني العظم الذي اشتراه الفرنسيون وجعلوه داراً للآثار العربية، وعدة كنائس مثل الكنيسة المريمية الكبرى (طولها 70 ذراعاً وعرضها 40 ذراعاً)، ومدارس كالتجهيز والمعلمين. الشاغور بين القنوات والقيمرية، وفيه مقبرة الباب الصغير التي تضم قبور آل البيت والصحابي بلال بن رباح، والبيمارستان النوري. الميدان التحتاني والميدان الفوقاني في جنوب المدينة، وهما مركز تجارة الحبوب، وفيهما محطة سكة حديد الحجاز. وأخيراً الصالحية، أوسع الأثمان وأبهاها منظراً حسب المؤلف، والتي نشأت على سفح جبل قاسيون، واكتظت بالسكان المهاجرين، خاصة بعد حرب البلقان (1912-1913).

يولي الفصل اهتماماً خاصاً لوصف الدور الدمشقية التقليدية، فيشرح مكوناتها بدقة: الصحن الفسيح، البحرة (النافورة)، الإيوان، القاعة ذات الزخارف المعقدة، المطبخ المنفصل، والغرف العلوية (القصور). يصف المواد المستخدمة في البناء مثل الحجر المزي والأسود والرخام الملون، والزخارف كالحجر الكاشاني والدهان الهندي. يقدم المؤلف نقداً ضمنياً للتحولات العصرية، حيث يشير إلى أن الأحياء الحديثة افتقرت للشروط الصحية، وأن الدور القديمة بدأت تتقسم وتتهالك، وأن الصناعات الوطنية (كالنسيج الدمشقي "دامسكو" والسراج الفخاري) استبدلت بالبضائع الأجنبية. يورد جدولاً بقيمة المواد الكهربائية المستوردة في خمس سنوات، منتقداً التبعية الاقتصادية.

يعترف المؤلف بحدود وصفه، خاصة في ما يتعلق بالكتابات التاريخية المنقوشة على الأبواب والمباني القديمة، والتي يقول إنها لم تعد كافية لإثبات حقيقة المحل أو حمايته من التعدي. يترك أسئلة مفتوحة حول مصير المدارس الوقفية القديمة التي تحول أكثرها إلى دور سكن وبساتين، متسائلاً عن دور العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وناقداً إدارة الأوقاف التي تتقاضى رواتب على وظائف تدريسية لم يعد لها وجود. كما يلحق بالفصل قسماً طويلاً عن المذاهب والفرق الإسلامية، مستقاة من كتابي "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم و"الملل والنحل" للشهرستاني، يصف فيه الفرق السنية والشيعية والمعتزلة والمرجئة والخوارج وتفرعاتها الكثيرة، معترفاً بأن أغلب هذه الفرق قد تلاشت أو اندمجت في مذاهب أخرى.

يمكن القول إن الفصل يجمع بين وصف ميداني دقيق وتحليل اجتماعي اقتصادي ناقد، حيث يمتدح المؤلف جمال الطراز المعماري القديم وكفاءته الصحية، بينما يأسى على اندثاره تحت ضغط التحديث غير المدروس والتقليد الأعمى للغرب، وهو موقف قابل للنقاش لكثافة حنينه إلى الماضي ورفضه القاطع للجديد.

3.الفصل الثالث : في الأسواق والدور65–69▼ résumé

يُقدّم هذا الفصل من كتاب "مرآة الشام" لعبد العزيز العظمة صورةً تفصيلية للحياة اليومية في دمشق، مركزاً على التحولات الجذرية التي طرأت على جوانب متعددة منها بفعل التمدّن والتأثير الغربي. الموضوع المحوري هو مقارنة بين نمط الحياة التقليدي وما آل إليه الأمر من تغيرات، مع نقد واضح للإسراف والتقليد الأعمى، وتأكيد على القيم الدينية والمحافظة على الهوية.

يبدأ الفصل بمناقشة مشكلة الوقود، فيصف كيف كانت أحطاب الأشجار وأغصان العنب والغار والشيح المصدر الأساسي للطاقة. كانت أحراج بعليك وعجلون وجبل الشيخ المليئة بـالبلوط والسنديان تمد البلاد بالحطب والفحم، وكان القطع يتسم بالاستدامة حيث كان يقتصر على الأغصان. يحدد المؤلف ثلاثة عوامل أدت إلى تناقص الوقود وارتفاع أسعاره عشرة أمثال ما كانت عليه: الأول هو إهمال غرس الأخلاف لتعويض ما يقطع، والثاني هو قيام فلاحين بقطع الأشجار بكاملها بدعوى حق التملك، والثالث هو الانقسام السياسي الذي جعل كل حرج تابعاً لحكومة تدّعي الاستقلال. ثم ينتقل الفصل إلى الحلول التي لجأ إليها الناس، فبدأوا باستيراد الفحم الحجري لكنهم تخلوا عنه لغلائه وروائحه الكريهة. ثم دخل زيت البترول (الكاز) واستُخدم في الإنارة ثم في الوقود مع ظهور مواقد بريموس، وانتشر في جميع البيوت. يذكر المؤلف الأمل الذي عُقد على نفط العراق الذي تقرر إسالته عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، حيث كان يأمل الناس الحصول على جزء منه بأسعار معقولة. لكنه ينتقد بشدة الحكومة السورية التي أهملت فرصة اشتراط الحصول على حصة من النفط مقابل مرور الأنابيب، مما جعل البلاد تستمر في استيراد الكاز من الخارج بأسعار خاضعة لتلاعب التجار.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى موضوع الثياب والزينة، واصفاً الزي التقليدي للرجال الذي كان يتكون من القمبان والدامر والفرملية والعباءة والمضربية والجبة أو الفروة، ويتنطقون بـالشال أو الأكمر ويعتمون بـالعمائم الأغاباني. ويخصّص أوصافاً لأزياء رجال الدين: العلماء المسلمون وتلامذتهم يرتدون العمائم البيضاء والجبة، والإكليروس المسيحي يرتدي القلنسوة والجبة السوداء، وحاخامية اليهود يرتدون العمامة الرمادية والجبة فقط. أما النساء فكن يرتدين الثوب البسيط والسروال الطويل الذي يثنين زيادته تحت الركبة، وفوقه المضربية أو الفروة، ويتزين بـالتكة الحريرية أو الشال. كان للنساء حلي تقليدية كالوشاح المصنوع من الدنانير الذهبية، والزنازير الفضية المسماة سمبا، وعقود الدر اليتيم، وأساور الفضة والذهب، بالإضافة إلى نقش الأيدي والأرجل بالحناء ونقوش الشمع. يصف المؤلف كيف كان الجنسان يستعملان القبقاب في البيت والمست والبابوج في الزقاق، وكانت الجوارب الكردية من الصالحية بدمشق رائجة. ثم يصف التحول الذي حدث مع افتتاح أبواب البلاد لتجارة الغرب، حيث استُبدلت الصنائع المحلية بالمستوردة المزخرفة. بدأ الرجال يتركون القنباز ويقلدون أهل الساحل بلبس السروال العريض مع المنتان والصدرية والدامر، ثم استبدلوا الجبة بالمعطف (البالطو الافرنجي) والعمامة بالطربوش وحاولوا لبس القبعة (البرنيطة) . أما النساء فجعـلـن أثوابهن ثلاثة أنواع من المنسوجات الغربية: الحرير أو القصب للأفراح، والصوف المعروف باسم بارنوس للزيارات، والقطني المعروف باليمني أو السنقور للبيت. ورغم الحفاظ على شيء من الشرقية، إلا أن الفصل يلاحظ أن حب التقليد والمجاراة في الإسراف دفع النساء إلى إهمال الأزياء الشرقية واستخدام الحلي المزيفة والأحجار الاصطناعية وصرف ما ورثوه من مجوهرات ثمينة في سبيل الموضة.

يتناول الفصل أيضاً موضوع التستر. يصف كيف كانت النساء في الماضي يخرجن متأزرات بـمآزر بيضاء تستر أقدامهن، ويسترن وجوههن بـبراقع ملونة، وكان الكلام بين الرجال والنساء في الأسواق معيباً. كان الإزار يصنع من النسيج القطني ويباع بـريال مجيدي واحد. ثم استُبدل الإزار الأبيض بـالملاية الصفراء من القطن والحرير، ثم بـالملاية الحريرية الملونة والمقلمة، ثم بـالملاية البغدادية والمصرية، ثم أهمل تماماً وراجت سوق الحبرة السوداء من مصنوعات الغرب، والتي كانت طويلة ثم قصرت وضاقت حتى لم تعد تستر العنق والثديين. ثم تطور الأمر إلى السفور، حيث خلعت بعض النساء الحبرة تماماً وبرزن إلى الأسواق بملابس الزينة وخمر رقيقة لا تستر إلا قليلاً. يحدد الفصل باعثين لهذا التغيير: الأول دعاية من مصر والروم تزعم أن التستر غير مشروع وهو عادة دخيلة، والثاني انحطاط الأخلاق وتطور الآداب. يعترض المؤلف بشدة على هذا التوجه مستشهداً بالآيات القرآنية التي تأمر بالحجاب وعدم التبرج، منتقداً نـزعة تفضيل كل جديد حتى لو كان ضاراً. ثم يذكر الفصل موقف الحكومة السورية التي يأسف المؤلف لكون رؤسائها من المشجعين على السفور، ويثني على جهود الشيخ هاشم الخطيب الذي وعظ النساء وحثهن على التستر المشروع مشبهاً إياهن بطيور الجنة، رغم انتقاده لتدخله في السياسة وتزلفه لذوي الرياسة.

أما المبحث الأخير في الفصل فيدور حول التساوي بين الرجل والمرأة. يصف الفصل هذه الدعوة بأنها جديدة وتقوم على أساس مساواة المرأة مع الرجل في حقوقه وأعماله، وقد وجدت أرضاً خصبة لدى المسترجلات من النساء والمدّعين من الرجال. يردّ المؤلف على هذه الدعوة من خلال التأكيد على أن الله خلق الزوجين على أساس تقسيم العمل: الرجل يسعى والمراة تلد، وكل انحراف عن هذه الفطرة يخل بنظام الكون. ويعترف بامتلاك النساء من الذكاء والخصال ما يستحق الاحترام، ويذكر أنهن أظهرن نبوغاً في كثير من المواطن عبر العصور. إلا أنه يتمسك بالحجة الفطرية والطبيعية القائلة إن الحمل والولادة والرضاعة هي من ميزات النساء التي تمنعهن مؤقتاً من معاناة المشاق التي يقوم بها الرجال، مطرحاً سؤالاً جدلياً حول قدرة المرأة على القيام بمشاق الأعمال أيام حملها ووضعها، وكيف يمكن الاستغناء عن الحمل والولادة لدوام الكون. أخيراً، يصف الفصل حياة المرأة في دارها بواقعية وتفصيل، فهي إما تكون وحيدة، أو مع حماة وكنة وبنات وأخوات. يذكر روتينها اليومي الذي يبدأ باكراً بتحضير الترويقة (الفطور) وإرسال الزوج إلى العمل والأولاد إلى المدارس، ثم الاعتناء بالرياحين، والقيام بـالكنس والشطف لتنظيف البيت، والتعزيل وهو رفع الأثاث ونفضه وتنظيف الغرف بالكامل. وفي الوقت نفسه، عليها إعداد الطعام من بيت المؤنة الذي يخزن كل المواد الابتدائية، وطبخه، وعجن العجين وإرساله إلى الفرن ليعود خبزاً ناضجاً. وتجد المرأة وقتاً للتمشيط والزينة واستقبال الضيوف أو الخروج للحمام، قبل أن تعود لإعداد طعام العشاء.

في نهاية الفصل، يُبدي المؤلف أسفه الشديد على تحول المجتمع الدمشقي من الاقتصاد إلى الإسراف، ومن الاعتماد على الذات إلى استيراد كل شيء من الغرب، ومن التستر والحشمة إلى التبرج والسفور، ومن الاحتكام إلى الشرع إلى اتباع الموضة. إن حجته الرئيسية تقوم على ثنائية واضحة: الماضي النقي المقتصد والمتدين مقابل الحاضر المسرف والمقلد والمتخلّي عن القيم. هذه الرؤية قابلة للنقاش، فهي لا تخلو من مثالية للماضي وتجاهل لمشاكله، كما أن تشخيصه لأسباب التحول الاجتماعي يركز على العوامل الثقافية والدينية والأخلاقية بشكل قد يقلل من شأن العوامل الاقتصادية والسياسية الأوسع التي لامسها في بداية الفصل عند حديثه عن النفط. رغم ذلك، يظل الفصل وثيقة غنية ترصد بتفصيل دقيق حياة القرن العشرين في دمشق وصراعها بين الأصالة والمعاصرة من وجهة نظر أحد أبنائها المحافظين.

4.الفصل الرابع : في العادات70–95▼ résumé

يُركّز هذا الفصل من كتاب "مرآة الشام" على رسم صورة شاملة ومفصّلة للعادات والتقاليد التي كان يمارسها أهل دمشق في الماضي، مقارناً إياها بما طرأ عليها من تغييرات في زمن المؤلف (أوائل القرن العشرين). الموضوع المحوري هو استعراض نسيج الحياة الاجتماعية اليومية والدورية في دمشق، بدءاً من العادات العامة كالعبودية وكرم الضيافة والسهرات، وصولاً إلى الطقوس المرتبطة بدورة الحياة مثل الخطبة والزواج والولادة والموت، وانتهاءً بالمواسم والأعياد. الإجابة الضمنية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه العادات كانت تعكس قيماً مجتمعية راسخة كالكرم والتكافل الاجتماعي والاقتصاد، لكنها بدأت تتلاشى أو تتحور تحت تأثير التمدن الحديث والتقليد الأعمى للغرب، مما أدى إلى الإسراف وفقدان الهوية.

يسير الفصل بطريقة وصفية سردية، حيث يبدأ بموضوع الرقيق كظاهرة تاريخية قديمة أقرّتها الديانات السابقة وعدّلها الإسلام، مشيراً إلى الفرق بين معاملة العتقاء في الإسلام (المساواة) والغرب (الطبقية). ثم ينتقل إلى كرم الضيافة كصفة متأصلة في الشامي الذي يكرم ضيفه ولو بأبسط ما لديه. بعدها يفصّل في أنواع السهرات، خصوصاً "الدور" الذي يتناوب فيه أهل الحي على الاستضافة، ويتخلله الغناء والمذاكرة الأدبية وألعاب كـ"الصينية" و"المقرعة"، منوهاً بـ"ليلة الطقة" الختامية. ويصف المقاهي كمركز رئيسي للحياة الاجتماعية، مثل مقهى باب السلام والمناخلية، مقارناً بين بساطتها السابقة وما أحدثته أماكن اللهو الحديثة من ضرر، لافتاً إلى دور أحمد أبو خليل القباني في النهضة المسرحية. ويتناول فصل الربيع ونزهات "السيران" و"السماط" المخصصة للنساء.

يدخل المؤلف بعدها في تفاصيل الزواج، بدءاً من الخطبة والعقد التي تتضمن مهلة "الاستخارة" والاتفاق على المهر، ثم وصف الجهاز بتفصيل دقيق، مقارناً بين بساطته الوطنية قديماً وتكلفه المستورد حديثاً، وصولاً إلى العرس واحتفالات "التلبيسة" ذات "العراضة" بالسيف والعصا، مشيراً إلى عادة تقديم "الهدايا والنقوط" المُثقلة. يذكر أيضاً زواج المسيحيين (الذي تطور من تقييد النساء إلى إطلاق الحرية) وزواج الموسويين مع اختصاره. ثم ينتقل إلى الحمل والولادة، مفصلاً طقوس الوحام والكراوية و"حمام الفسخ" والنذور. ويصف الختان كسنة للمسلمين، ومرحلة الكتاب والمدرسة والاحتفال بـ "ختمة القرآن".

يتطرق الفصل باستفاضة إلى المواسم والأعياد وفق ترتيب الشهور الهجرية والميلادية، مثل رأس السنة الهجرية، عاشوراء (مع تعليق المؤلف على ضرورة تجنب المبالغة في تجديد الخلافات)، المولد النبوي (باعتباره بدعة حسنة)، ليلة الرغائب، المعراج، النصف من شعبان، ثم رمضان وعيدي الفطر والنحر وصنع "المعمول". يورد أيضاً قائمة بأعياد كل من المسيحيين والموسويين، لافتاً إلى أن اختلاطهم بالغرب دفعهم لاعتماد أعياد أجنبية كعيد الجمهورية الفرنسية. ثم ينتقل إلى مناقشة مفهوم الحياة والموت، متأملاً في زوالها، ليصف بعدها المآتم والعويل، ومراحل الجنازة من التغسيل والتكفين والدفن، مروراً بـ "الصباحية" في المسجد، و"العصرية" المخصصة للنساء، و"التهليلة" في الليلة الثالثة والأربعين، موضحاً كثرة ما يُنفق دون فائدة تذكر. ويخصص فقرات لوصف القبور، خميس الأموات (بأصله التاريخي المشترك)، الحداد الذي يستمر عاماً، والولائم وأصناف الطعام الشامي كالكبة والمحاشي والحلويات. لا يغفل المؤلف ذكر تفاصيل الأزياء القديمة كالقنباز والدمير والعباءة والشال.

في فصول متأخرة، يتناول الأخلاق التي يراها أساساً للفضائل، ويضرب مثالاً على التعاضد الذي تميز به الشاميون من خلال ثلاث وقائع تاريخية تعاونوا فيها على رد عدوان أو إحقاق حق (مثل موقف نقيب الأشراف والمفتي والمجلس ضد والٍ ظالم). ثم ينتقل إلى التجار وسماتهم من الحفاظ على الذمة والشرف، ليقارن بين نظامهم الاقتصادي التقليدي ونظام المصارف الحديثة التي يراها سبباً في إغراق البلاد بالديون وترويج البضائع الأجنبية. ويختم بـ القناعة متخذاً مثالاً لشيخ أعاد عسلاً لأن ابنه قد لا يستطيع ديمومته، ويخلص إلى أن العلم والعمل هما أساس التقدم، مقارناً بين مصير الصين واليابان. وفي خاتمة الفصل، يلخص في مقطع "ذكرى الماضي" شوقه لأيام السلف التي كان العلم والعمل فيها أساس المفاخرة، محذراً من تبعية الغرب التي تركت آثاراً سلبية.

أما التحفظات والأسئلة المفتوحة في الفصل فهي واضحة: يحمل المؤلف نبرة نقدية حادة تجاه التغيرات الاجتماعية التي رأها في زمانه، حيث يأسف لابتعاد الشبان عن التقاليد القديمة واستبدالها بعادات غربية يراها مفسدة ومبذرة، متسائلاً عن جدوى التخلي عن البساطة والقناعة والاكتفاء الذاتي مقابل التكلف والديون. ويدعو بشكل متكرر إلى ضرورة التشريع لوقف الانحلال الأخلاقي، مع إبداء حزنه على فقدان الهوية الشرقية والصناعة المحلية.

الحجج في الفصل قابلة للنقاش، فهو يقدم رؤية أيديولوجية واضحة هي نقد التغريب والدفاع عن عادات الماضي، مع تحيز واضح ضد نظام المصارف والتمدن الحديث الذي يعتبره خادعاً ومستنزفاً. كما أن تعليقه على عاشوراء بدعوته للاكتفاء بالدعاء وتجنب إحياء الخلافات يعكس موقفاً دينياً واجتماعياً معيناً. كل هذه الأفكار منسوجة ضمن وصف إثنوغرافي غني ومفصل للحياة الدمشقية، لكنها تظل ملوّنة بمنظور المؤلف النقدي والتحذيري.

6.الفصل السادس : في التعليم100–109▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول التعليم في دمشق في فترة زمنية معينة، ويقدّم مقارنة واضحة بين أساليب التعليم السابقة والحالية، مع تركيز على التراجع الحاد في المستوى التعليمي والديني. يصف الكاتب نظام التعليم القائم على العلوم الدينية والدنيوية، وكيف كان العلماء يؤدون رسالتهم بإخلاص، ثم ينتقل إلى انتقاد حادّ لواقع التعليم في زمانه، متّهِماً المشايخ بالإهمال والتراخي، ومحذّراً من مستقبل مظلم إن استمر الحال على ما هو عليه.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من وصف معهد الحقوق ومدته الدراسية التي تستغرق ثلاث سنوات لنيل لقب مجاز في الحقوق. يسرد الكاتب قائمة طويلة من المواد التي تُدرّس في المدارس العامة باللغة العربية، وتشمل: حقوق الدول العامة، الحقوق الرومانية، قانون الجزاء، الحقوق الأساسية، علم الاقتصاد، مجلة الأحكام العدلية، حقوق التجارة البرية، أحكام الأوقاف، الحقوق الإدارية، الوصايا والقرائض، أحكام الأراضي، أصول المحاكمات الجزائية، أحكام الزواج، الأصول المالية، أصول المحاكمات الحقوقية، قانون الإجراء، صك الحقوق، صك الجزاء، حقوق التجارة البحرية، الحقوق المدنية الأوروبية، حقوق الدول الخاصة، أصول الفقه، والطب الشرعي. ويشيد الكاتب بالأساتذة الذين يصفهم بـ "الجهابذة من نوابغ الوطن".

بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى الحديث عن العلوم الدينية التي كان يعلّمها العلماء (ويقصد بهم هنا علماء الدين المتعممين). يصف الكاتب كيف كان السلف الصالح يقرؤون تلامذتهم أنواعاً متعددة من العلوم الدينية والدنيوية مبتدئين بالآيات، فالفقه، فالأصول، فالحديث، فالمنطق، فالكلام، فالحكمة، فالتاريخ، فالرياضيات، فالفلك، وذلك في المدارس والمساجد وفي دورهم الخاصة كل صباح ومساء. يضيف الكاتب أن هناك دروساً عامة كانت تُلقى في الأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) في أغلب المساجد، وخصوصاً تحت قبّة النسر في الجامع الأموي وفي التكية السليمية على المرج الأخضر، وكان يحضرها الجم الغفير من مختلف طبقات الأمة. ويوضح الكاتب أنه في أيام الحكومة العثمانية، كان طالب العلم يُعفى من الخدمة العسكرية، مما أدى إلى زيادة عدد الطلاب في المدارس الدينية.

يأتي بعد ذلك جزء نقدي لاذع حيث يقول الكاتب: "أما في هذا الزمن فقد تبدلت الأرض غير الأرض". يقرّ الكاتب بأن وظائف التدريس ما زالت في عهدة رجال ينتسبون للعلم ويتقاضون رواتبهم، لكنهم "أهملوا التدريس وأبطلوه من أكثر محلاته". ويشير إلى أن حلقات التدريس التي كانت تغص بها المساجد والمدارس لم يعد لها أثر، وأن العامة في جهل مستمر. ويتهم الكاتب بعض المشايخ بأنهم يتقاضون "مبالغ طائلة" بدعوى أنها متراكمة من رواتب الوظائف التي يتصيدونها ويجمعونها، دون أن يقوموا بواجباتهم. ويضرب مثلاً بـ درس القبة في الجامع الأموي الذي كان من أجل مفاخر الشام، وأصبح اليوم لا يُرى له أثر. ويختتم هذا الجزء بقوله إنه إذا عرض لأحد العامة إشكال في دينه لا يجد من يحلّه له إلا بعد عناء عظيم.

ينتقل الكاتب للحديث عن مدرسة الشميساطية الواقعة إلى شمال الجامع الأموي، والتي ارتأت إدارة الأوقاف إحياءها وجعلها منهلاً للعلوم الدينية. ويأمل الكاتب أن تُكتب لهذه المدرسة الحياة والانتظام، ويحذّر في الوقت نفسه من محاولات بعض الأشخاص لاحتكارها والتلاعب في إدارتها. ثم يروي الكاتب تجربته في مدينة البصرة قبل بضع وعشرين سنة، حيث لم يجد فيها رجلاً بزي العلماء سوى المفتي والمرحوم عبد الله أفندي باش أعيان الهاشمي، وأخبره الأهالي أنه لم يبق عندهم وجود للعلماء، وأن طلب العلم بطل. يذكر الكاتب أن الحال في سورية ليس كما في البصرة، لكنه يحذر من أن الاستمرار على الحالة الراهنة قد يؤدي إلى نفس المصير، متسائلاً: "فإلى أين نحن سائرون؟".

يغيّر الفصل اتجاهه بشكل واضح في النصف الثاني، لينتقل بالكامل إلى الحديث عن موسم الحج في دمشق وكيف كان يشكل مصدراً رئيسياً من موارد العيش. يصف الكاتب دمشق بأنها "باب الكعبة"، ويشرح أن طريق الشام إلى المدينة المنورة فمكة المكرمة كانت الأقصر مسافة والأكثر سلوكاً. ويذكر أن الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي اعتنى بإصلاح هذه الطريق وحفر الآبار وإنشاء المصانع. بعد الأمويين، حاول العباسيون إهمال هذه الطريق لكنهم عادوا إليها بعد أن تعطلت جادة الجوف بسبب تسلط القرامطة.

يصف الكاتب بالتفصيل كيف كانت دمشق نقطة اجتماع الحجاج الذين يفدون إليها منذ شهر رجب من كل عام من بلاد ما وراء النهر وإيران والأفغان والعراق والأناضول. يصف الكاتب الركب الشامي الذي كان يبلغ في بعض السنين زهاء خمسة آلاف حاج، وكان يسير بقيادة أمير الحج الذي يعينه السلطان. يورد الكاتب جدولاً مفصلاً بمراحل الذهاب من دمشق إلى المدينة المنورة ومنها إلى مكة، وأيضاً مراحل العودة. يصف الكاتب المعدات التي كان يتم تجهيز الركب بها، مثل الجمال والبغال والخيول والخيام والقرب والمشاعل والشموع، وغيرها من الأدوات والمواد الغذائية. كما يذكر دور الحكومة في تعيين "مقوّم" لتقديم المطايا، وتأمين سرية من الجند مؤلفة من مئتي جندي لحراسة الحجاج. يصف الكاتب بالتفصيل موكب خروج السنجق والمحمل، الذي كان يوماً عظيماً في دمشق تعطل فيه الأعمال، ويحتفل فيه بخروج المحمل واللواء النبوي الشريف بموكب رسمي كبير يشارك فيه نقيب السادة الأشراف وأمين الصرة السلطانية وأصحاب المراتب العسكرية والملكية، وتحية من فصائل الجنود وقرع للمدافع. يصف الكاتب كيف كان الحجاج يغادرون دمشق ويسيرون عبر مراحل محددة، وكيف يتم تنظيم الركب ونصب الخيام. يتطرق الكاتب إلى أنواع المطايا (التخوت والمحائر والرهاوين)، وكيفية الاحرام عند بلوغ أرض رابيغ، وكذلك خروج الجردة (السوق التجارية) للالتقاء بالركب. وأخيراً، يصف الكاتب مشهد عودة الحجاج إلى دمشق في منتصف شهر صفر، وكيف كان الأهل يعدّون أسباب القرى والاحتفاء بهم، والهدايا التي كان الحجاج يأتون بها. يختتم الفصل بدعوة القارئ لتأمل "هذه الأشغال العظيمة" وما ينفقه الحجاج من نفقات، وكيف تؤثر بشكل إيجابي على الدولاب التجاري في دمشق.

يقرّ الكاتب بحدود واضحة، إذ يعترف بأن حال التعليم في سورية ليس متدهوراً مثل حال مدينة البصرة التي أصبحت خالية من العلماء، لكنه يحذر من أن الاستمرار في الإهمال سيؤدي حتماً إلى نفس المصير. يترك الكاتب أسئلة مفتوحة عن مستقبل المدينة والدين في ظل هذا التراجع، ويتساءل "فإلى أين نحن سائرون؟"، مما يشير إلى شعوره بالقلق وعدم اليقين. الحجج في الفصل قابلة للنقاش بوضوح، خاصة في الجزء الأول منه، حيث يقدم الكاتب نقداً شديداً للمشايخ ويتهمهم بإهمال واجباتهم وجمع الرواتب دون عمل مقابل، وهو اتهام يحتاج إلى تحقق ودراسة أعمق للظروف الاقتصادية والاجتماعية في تلك الفترة. كما أن قفزة الفصل المفاجئة من موضوع التعليم إلى موضوع الحج تجعل البنية العامة غير مترابطة بشكل كامل.

7.الفصل السابع : في موارد العيش110–158▼ résumé

هذا الفصل من كتاب "مرآة الشام" يركز على موارد العيش في مدينة دمشق وسورية بشكل عام، ويقدم تحليلاً اقتصادياً واجتماعياً لقطاعاتها الإنتاجية الرئيسية. الموضوع المحوري هو تتبع التحولات التي طرأت على الاقتصاد المحلي، من ازدهار تاريخي قائم على الحج والتجارة والصناعة، إلى حالة من التدهور والتبعية الاقتصادية في العصر الحديث، مع إلقاء اللوم على عوامل متعددة كالحروب والاحتلال الأجنبي والتخلي عن الموروث.

يسير الفصل من خلال استعراض قطاع تلو الآخر، ممزوجاً بالحسرة على الماضي المجيد ومنتقداً الحاضر المتدهور. يبدأ الفصل بمناقشة المورد الحيوي الأول للحياة الاقتصادية في دمشق: الحج وما يجلبه من عوائد ضخمة. يصف المؤلف كيف أن موسم الحج كان يدر على الشام دخلاً هائلاً، يعادل مليون دينار ذهبي سنوياً (ما يعادل 15 مليون ليرة في زمانه). ثم ينتقل إلى الحديث عن مشروع سكة حديد الحجاز الذي أطلقه السلطان عبد الحميد خان، مستشهداً بدورها في تسهيل الحج وربط دمشق بالحجاز. يقدم الفصل جدولاً بأسماء محطات الخط الحديدي ومسافاتها من دمشق، ويسرد المراسيم السلطانية المتعلقة بإدارته وربطه بنظارة الأوقاف. ثم يتناول تدمير جزء كبير من الخط خلال الحرب العالمية الأولى على يد الشريف حسين بن علي وثورته، مما أدى إلى تعطل الحج. بعد الحرب، يستعرض المؤلف كيف استولت كل من فرنسا وبريطانيا على الجزء العامل من الخط الواقع في مناطق انتدابهما، متذرعتين بمواد من معاهدة لوزان، واتهم مندوب فرنسا لدى عصبة الأمم (المسيو روبير دوكيه) بتضليل الجمعية حول الوقفية الإسلامية للخط. يختتم هذا القسم بالإشارة إلى مطالبة الملك عبد العزيز بن سعود باستعادة الخط، وإلى أنشطة الإنكليز لإنشاء طرق حديدية جديدة تتجاوز دمشق، مما يهدد بتحويلها إلى مدينة منعزلة.

ينتقل الفصل بعد ذلك لمقارنة بين موقفين من الحرب: الإمام يحيى حميد الدين في اليمن الذي أبدى مروءة بإغاثة الجيش العثماني المحاصر، والشريف حسين بن علي الذي تحالف مع الحلفاء وقطع إمدادات الدولة العثمانية. هذا القسم يتضمن نقداً حاداً لمبررات الشريف حسين، معتبراً أن الاعتمادات المالية التي قدمها الحلفاء للحجاز كانت اختيارية وليست اضطرارية، ويسوق حججاً لتعزيز وجهة نظره.

يتناول الفصل بعد ذلك مورداً آخر هو السياحة، مشيراً إلى أهمية سورية التاريخية والدينية والمناخية للزوار قبل انتشار السيارات التي قضت على بعض أوجه النفع، في حين استفادت لبنان بذكاء من إنشاء المصايف. ويوجه انتقاداً لاذعاً للحكومة السورية لإنشائها فندقاً فخماً في بلودان دون تهيئة الطرق ودفع الأهالي للاستثمار، مما جعله خالياً ومهجوراً.

ثم يكرس الجزء الأكبر والأكثر تفصيلاً من الفصل لقطاعي الزراعة والصناعة.

  • الزراعة: يمدح المؤلف خصوبة سورية التاريخية وتنوعها الزراعي ووفرة مياهها، ثم يعدد دواعي التدهور الحالي، مركزاً على إهمال القنوات وتخريبها في الحروب، مما أدى للجفاف والاعتماد على استيراد الحبوب. يقدم جدولاً من إحصاءات الكمرك يوضح قيمة الحبوب المستوردة. يتحدث بإسف عن الإهمال الذي أصاب أشجار السرو (لطول فترة نموها) والزيتون، وعن تضييع عادة تعويض كل شجرة تقطع بأخرى جديدة. يصف موسم "الضمان" بالتفصيل، وهو بيع ثمار البساتين قبل نضجها، كأحد أساليب التجارة الزراعية المهمة. يقدم الفصل بعد ذلك تفصيلاً موسوعياً شبه شامل لأنواع الفواكه والأشجار والحبوب والخضروات والزهور المزروعة في الشام.
  • الصناعة: يعدد الصناعات الدمشقية الشهيرة التي بادت أو كادت (كالسيوف الدمشقية والوشي والنقش). يركز بالتفصيل على صناعة النسيج التي كانت تشغل 15,000 نول ثم هبطت إلى أقل من النصف، ويدرس أسباب انهيارها أمام المنافسة الأوروبية واليابانية المدعومة بمعاهدات غير متكافئة أجبرتها على شراء الغزل الأجنبي والصباغة في الخارج. يقدم جدولاً بقيمة البضائع اليابانية الواردة عام معين. ثم يقدم سرداً تقنياً شاملاً للصناعات الحرفية المتبقية، مصنفاً إياها من الحدادة والنجارة والنحاسية والفاخورة إلى الطبخ والخياطة، مع قائمة بأسماء المهن وأصحابها كما ترد في النص.

يتناول الفصل التجارة بصفة عامة، معتمداً على الحسرة على دور دمشق التاريخي كمركز تجاري عالمي، ثم يسرد أسباب انحطاطها منذ شق قناة السويس وفتح طريق رأس الرجاء الصالح، إلى تحولها إلى منطقة داخلية محاصرة برسوم كمركية عالية في دولة لبنان الكبير وانفصال فلسطين ذات الرسوم المنخفضة، مما أدى إلى التهريب والإفلاس وهجرة التجار.

يخصص الفصل مساحة كبيرة جداً لمناقشة مسألة النقود والعملات، متتبعاً تطور التعامل النقدي في سورية. يصف فترة ما قبل الحرب حيث كان الذهب والفضة هما السائدان، ثم ينتقد سياسات إصدار الأوراق النقدية بدءاً من أوراق الدولة العثمانية، مروراً بالأوراق السورية التي أصدرها البنك السوري-اللبناني بإيعاز من سلطة الانتداب، ويصفها بأنها غير مضمونة واستنزفت ذهب البلاد وأغرقتها في الديون. يقدم أرقاماً عن قيم العملات المختلفة (الليرة العثمانية، الريال المجيدي، القرش... إلخ) ويؤكد أن الحكومات في الحروب تتجاوز كل الضمانات، ناقلاً رواية طريفة عن جنديي نابليون اللذين رفضا حمل كيس من الأوراق النقدية لقلة قيمتها. يختتم討論 هذا القسم بالتحذير من التهافت على شراء الفضة لاستنزاف ما تبقى من الذهب، داعياً إلى الاحتفاظ بها كمعدن ثمين. وأخيراً، يقدم الفصل جداول تفصيلية للأوزان والمكاييل والمقاييس المستخدمة في الشام، بالإضافة إلى تفصيل لأنواع الدواب المستأنسة وتربيتها وتجارتها.

يمتاز الفصل بكونه سجلاً اقتصادياً واجتماعياً غنياً، لكنه يخلو من أي اعتراف بحدود في التحليل، أو أسئلة مفتوحة، باستثناء بعض الإشارات النقدية الشكوكية حول ضمانات البنك السوري اللبناني. الحجج القابلة للنقاش واضحة جداً وتتمحور حول موقف المؤلف الوطني المتحمس، وانتقاده اللاذع لسياسات السلطات العثمانية والانتداب الفرنسي، واتهاماته المباشرة للحكومة السورية والبنك الأجنبي، ورفضه المُساق لواقع النقود الورقية، وتفضيله الصريح والمباشر لاستعمال الذهب والفضة. هذا الموقف الحاد، ورغبة المؤلف في العودة إلى نماذج اقتصادية قديمة، يجعله أقرب إلى شهادة تاريخية حزينة على تراجع دولة ومجتمع، وليس إلى تحليل اقتصادي محايد.

8.الفصل الثامن : الشام في عهد التدخل الأجنبي والتنظيمات العثمانية159–205▼ résumé

يُعنى هذا الفصل بتتبع مرحلةٍ مفصليّةٍ في تاريخ الشام ودمشق، تمتد من الحملة الفرنسية على مصر والشام بقيادة نابليون بونابرت، مروراً بحكم الوالي العثماني أحمد باشا الجزار، وصولاً إلى عهد التنظيمات العثمانية والإصلاحات التي قام بها السلطان محمود الثاني والسلطان عبد المجيد. المحور الأساسي الذي يقدمه المؤلف هو تحليل مسار التدخل الأجنبي (الفرنسي والبريطاني تحديداً) في الشام، وكيف تفاعل مع الصراعات الداخلية والطائفية، وأثر ذلك على سكان المنطقة. ينتهي الفصل إلى أن هذه المرحلة مهّدت لفترة جديدة من الإصلاحات والتحديات، تاركة أسئلة مفتوحة حول التوازن بين السلطة المركزية والإدارة المحلية، وتأثير القوى الأجنبية على النسيج الاجتماعي للبلاد.

يبدأ الفصل بوصف الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون سنة 1798، حيث يذكر أسطولاً فرنسياً مؤلفاً من 13 سفينة و 11 ألف جندي، وأسطولاً بريطانياً مماثلاً. يُسجّل هزيمة الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، التي قضت على آمال نابليون في السيطرة البحرية، وأدت إلى خسائر فادحة في صفوف الفرنسيين. بعد هذه الضربة، يتتبّع الفصل مسيرة نابليون في مصر، حيث حاول استمالة المصريين بمظاهر إسلامية كحضور الصلاة في الجامع الأزهر، لكن سياساته القاسية كالغرامات الحربية ومصادرة الأموال أثارت السخط. ينتقل الفصل بعدها إلى حملة نابليون على الشام، مسلطاً الضوء على فظائعه في مدينة يافا، حيث أمر بقتل 4000 أسير عثماني سلموا أنفسهم، ثم قام بتسميم 60 جندياً فرنسياً مريضاً في مستشفى يافا لعدم قدرتهم على الرحيل معه. كان الحصار الفاشل لمدينة عكا، بقيادة واليها أحمد باشا الجزار وبدعم من الأسطول البريطاني، نقطة التحول الحاسمة في حملته، إذ استمر الحصار 64 يوماً وأُجبر نابليون على الانسحاب عائداً إلى مصر ومنها إلى فرنسا سنة 1801، تاركاً وراءه سجلاً من العار.

يُفرد الفصل جزءاً بارزاً لشخصية أحمد باشا الجزار، والي عكا والشام، فيصفه بالصرامة والعنف، ويذكر العديد من أفعاله القاسية كتعذيب الناس لجباية الأموال. يُورد المؤلف، نقلاً عن الدكتور مشاقة، قصة طريفة تُظهر مساواة الجزار بين الرعية في الظلم، إذ كان يعامل علماء المسلمين والقساوسة والحاخامات وعقال الدروز معاملةً واحدةً في الحبس والتعذيب. كما يذكر صراعه مع عبد الله باشا العظم والي الشام، وخيانته لموظفيه، مثل محمد بن عقيل الذي حمّله مسؤولية جريمة القتل التي أمره بها فقطع الجزار إياه إرباً. ورغم هذا، يقرّ الفصل بأن للجزار إنجازات مهمة كقضائه على ظاهر العمر، ودفاعه الباسل عن عكا ضد نابليون، محاولاً بذلك تقديم صورة متوازنة وإن كانت ناقدة بشدة. ينتقد الفصل بشدة أيضاً صاحب كتاب «خطط الشام» الذي اكتفى بذكر محاسن إبراهيم باشا المصري في الشام وأغفل مساوئه، متّهماً إياه بالتملق وعدم الموضوعية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة إصلاحية جديدة بقيادة السلطان العثماني محمود الثاني، الذي واجه تحديات جسيمة: التمردات، الخطر الوهابي على الحجاز، الحرب مع الروس، وطمع الدول الأوروبية. في هذا السياق، يشرح الفصل بالتفصيل قضية «الإنكشارية»، الجند النظامي الذي أصبح مصدر فساد وتمرد، حيث يصف أصولهم وتطورهم وانحرافهم، ثم عملية إبادتهم بأمر السلطان في 14 حزيران 1826 بعد أن أخرجوا (دستهم) معلنين العصيان. في إثر ذلك، يُعدد الفصل الإصلاحات الكبيرة التي قام بها السلطان محمود كإلغاء المصادرة، وتأسيس المدرسة الحربية، وإنشاء أول صحيفة رسمية (تقويم وقائع). لكنه يقرّ بأن هذه الإصلاحات قوبلت بمقاومة من الزعماء المحليين في الشام، ويضرب مثلاً بمقتل الوالي سليم باشا، الذي حاول تطبيق نظام التجنيد الإجباري وتحرير الأملاك، حيث قام أهالي دمشق بقيادة زعمائهم بحصاره في القلعة وإعدامه حرقاً.

يوثق الفصل بدقة فترة الحكم المصري للشام بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، التي بدأت سنة 1831 عندما سار بجيشه من مصر بناءً على صراع مع عبد الله باشا والي عكا. يُسجل الفصل سلسلة الانتصارات المصرية: الاستيلاء على عكا وغزة والقدس ونابلس وحمص وحلب، حتى معركة قونية الحاسمة التي أُسر فيها القائد العثماني. ينتقد الفصل بشدة سياسات إبراهيم باشا الاستبدادية، خصوصاً فُرض الضرائب الباهظة، والتجنيد الإجباري الذي يُعدّ السبب الرئيسي لثورات الأهالي ضده، مثل ثورة نابلس بقيادة الشيخ قاسم الأحمد. يُفصل الفصل في ممارسات قمعية مروعة كدس السم في مياه الدروز في وادي التيم لافنائهم، مما أدى إلى هلاك الكثيرين، محمّلاً إياه مسؤولية إبادة جماعية وخرق لكل الأعراف. كما يشرح استخدامه سياسة التفريق بين الطوائف، حيث سلح الموارنة بستة عشر ألف بندقية لمحاربة الدروز الذي ثاروا ضده؛ مما عمّق العداوة الطائفية. وأخيراً، يُعرج على ضعف إبراهيم باشا أمام التحالف الدولي والأساطيل البريطانية والنمساوية والعثمانية التي استعادت بيروت، مما اضطره للانسحاب من الشام سنة 1840، وإعادة الأسطول العثماني لمصر، ومنح محمد علي حكم مصر وراثياً.

في الجزء الأخير، يُفسح الفصل مجالاً للإصلاحات الشاملة في عهد السلطان عبد المجيد، الذي أصدر «فرمان كلخانه» أو «التنظيمات الخيرية» سنة 1839، والذي يصفه الفصل بأنه دستور مصغر يهدف لمنح الحقوق المتساوية لجميع الرعايا بغض النظر عن دينهم، وسد باب المداخلات الأجنبية. يُسجل الفصل إنجازات هامة في هذه الفترة: بناء مدارس عسكرية ومدنية، مد خط التلغراف الأول، وإنشاء أول سكة حديد (إزمير - آيدين)، كما يُذكر هجرة الشراكسة إلى الشام. لكنه يُقر أن هذه الإصلاحات لم تمنع الفتن الطائفية الكبرى، ويشرح تفاقمها بتأثير الدسائس الأجنبية وصراع النفوذ بين فرنسا (حامية الموارنة) وبريطانيا (حامية الدروز). يصف الفصل بالتفصيل حادثة 1860 الدامية في دمشق وجبل لبنان، التي هلك فيها أعداد كبيرة، ويقدم تحليلاً نقدياً للمؤامرات الأجنبية التي أجّجتها. يُختم الفصل بفصلين قصيرين: الأول عن أسرة (بني حرفوش) الشيعية في بعلبك وتمردهم، والثاني عن عقيدة (البابية) والبهائية التي ظهرت في إيران وانتشرت إلى الشام، ويُذكر أن زعيمها بهاء الله أقام في عكا يدعو لمذهبه.

9.الفصل التاسع : جمعية الاتحاد والترقي وانهيار السلطنة206–228▼ résumé

الفصل التاسع من كتاب "مرآة الشام" يتناول موضوعاً محورياً هو الدور الذي لعبته جمعية الاتحاد والترقي في إضعاف الدولة العثمانية وإدارة شؤونها بشكل كارثي، وصولاً إلى انهيار السلطنة. ويقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن تصرفات هذه الجمعية، المبنية على الاستبداد وسوء الإدارة والتسرع، هي السبب الرئيسي في ضياع البلاد وتفكك الدولة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من الانقلاب الذي نفذه الاتحاديون ضد السلطان عبد الحميد الثاني في 21 آذار سنة 1331 (1913)، حيث جاءوا بسلاحهم إلى ساحة آياصوفيا وقتلوا بالخطأ ناظم باشا وزير العدلية والأمير محمد أرسلان. وعلى أثر ذلك، قاد الفريق محمود شوكت باشا البغدادي "جيش الحركة" من سلانيك واحتل العاصمة، فآثر السلطان عبد الحميد عدم المقاومة حقناً للدماء، فقام الاتحاديون بخلعه وتعيين السلطان محمد رشاد مكانه. يناقش المؤلف الاتهامات التي وجهها الاتحاديون للسلطان عبد الحميد، كالاستبداد وإضاعة البلاد، ويعتبرها دعاوى بعيدة عن العقل والمنطق. ويشير إلى أن الكتب والصحف التي كانت تطبع في ذلك الحين كانت بايعاز من الاتحاديين، واصفاً إياها بأنها مثل ادعاءات العباسيين ضد الأمويين.

ثم ينتقل المؤلف إلى شرح أعمال الاتحاديين "الغريبة" بعد توليهم الحكم، والتي جعلت أعمال السلطان عبد الحميد "ضئيلة لا تذكر" مقارنة بها. يذكر من هذه الأعمال: استبدادهم الشديد، إضاعة ثلاثة أرباع بلاد السلطنة (بما فيها روم ايلي، آدنة، كريت، طرابلس الغرب، وبلاد العرب كلها)، صعود أنور باشا من رتبة قائد إلى فريق خلال ثلاث سنوات وسيطرته على الدولة وإكراهها على الدخول في الحرب العالمية دون استشارة، اتهام جاويد بك وزير المالية بأخذ عمولات ضخمة على القروض التي عقدها، واستخدامهم الجوائس وإعدام كل من ينتقدهم مثل الداماد صالح باشا والفريق يوسف باشا. ويوضح أن معارضة حزب الائتلاف بزعامة كامل باشا لم تنجح، بل قام أنور باشا بقتل ناظم باشا وزير الحربية واغتصاب الحكم، وتأليف وزارة جديدة برئاسة محمود شوكت باشا الذي قُتل بعدها.

يخصص الفصل جزءاً لتصحيح ما ورد في كتاب "الخطط" للمؤرخ محمد كرد علي، معتمداً على خبرة المؤلف الشخصية التي امتدت لأربعة عشر عاماً في منصب مسؤول عن التجنيد في دمشق. يرفض المؤلف الادعاء بأن جنود الأرناؤوط الذين جيء بهم للشام ماتوا في العراء، ويوضح أن سبب وفاة بعضهم هو تعرضهم المفاجئ للبرد القارس. كما يدحض بقوة المزاعم حول طول مدة الخدمة العسكرية، مؤكداً أنها كانت ثلاث سنوات فقط، وليس عشر أو خمس عشرة سنة. ويقدم حساباً مفصلاً لعدد المجندين السنوي من منطقة الفيلق الخامس بدمشق، والذي كان يتراوح بين 15,000 و17,000، ليصل إلى أن عدد المجندين الذين يرسلون إلى اليمن لا يتجاوز ألفاً أو ألفاً ومائتي جندي سنوياً، مما يجعل رقم عشرة آلاف قتيل سنوي من أبناء الشام في اليمن مبالغاً فيه بشكل كبير.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سرد ثلاث وقائع رئيسية أودت بحياة الدولة العثمانية في أيام السلطان محمد رشاد. الأولى هي سقوط طرابلس الغرب بيد إيطاليا، حيث قام الاتحاديون بسحب خمسة أفواج من الجيش الذي أعده السلطان عبد الحميد للدفاع عنها، واستبدلوا البنادق الاحتياطية بأخرى من طراز قديم، مما سمح لإيطاليا باحتلالها. الثانية هي حروب البلقان، حيث اتفقت دول البلقان ضد الدولة العثمانية واكتسحت أراضيها بسبب ضعف الجيش وفراغ الخزانة. الثالثة هي الحرب العالمية الأولى، والتي يصفها المؤلف بأنها أعظم مصيبة. ويؤكد أن دخول الدولة العثمانية الحرب كان بمجرد رأي أنور باشا وحده، دون استشارة، بعد أن أقنعه الإمبراطور الألماني غليوم الثاني. ويشير المؤلف إلى أن الاتحاديين أنفسهم لم يكونوا مجمعين على الدخول في الحرب مع ألمانيا.

يتناول الفصل أيضاً "المسألة الشرقية" و"المخابرات السرية والمعاهدات الخفية". يوضح المؤلف كيف عملت إنجلترا على تمزيق الخلافة الإسلامية بتفريق العرب عن الترك، عبر اتصالاتها بـ الشريف حسين بن علي أمير مكة. ويعرض تفاصيل معاهدة سايكس-بيكو السرية الموقعة في 3 آذار سنة 1917 بين إنجلترا وفرنسا وروسيا، والتي قسمت البلاد العثمانية إلى مناطق نفوذ: فرنسا تحصل على سورية وكيليكيا والموصل، إنجلترا تحصل على مصر والعراق وجزيرة العرب، وروسيا تحصل على القسطنطينية والمضيقين. ويعلق المؤلف بأن هذه المعاهدة، التي أظهرها الشيوعيون لاحقاً، كانت "الضربة القاضية على القضية العربية التي ترمي إلى الاستقلال التام الناجز"، حيث وضعت البلاد تحت نير الاستعباد للغرباء.

أخيراً، يتناول الفصل فترة حكم أحمد جمال باشا في سورية بعد اشتراك الدولة في الحرب. يوصف جمال باشا بأنه كان يملك سلطة واسعة جداً، تصل إلى الإعدام دون محاكمة. استخدم هذه السلطة لقمع الدعوات الانفصالية التي قادتها جمعيات مثل جمعية العربية الفتاة وحزب اللامركزية، والتي كانت على اتصال بـ الشريف حسين والفرنسيين. يذكر المؤلف أن جمال باشا برر قمعه الشديد بضرورة الحفاظ على كيان الدولة. ويصف كيفية عثور الاتحاديين على أوراق تثبت تآمر هذه الجمعيات مع القنصل الفرنسي في بيروت، مما أدى إلى محاكمتهم وصلبهم في بيروت في 21 نيسان سنة 1916 ونفي آخرين. ويختتم الفصل بعرض المحطات البارزة في "المسألة الشرقية" عبر التاريخ، مؤكداً على صعوبة اتفاق الدول الأوروبية على تقاسم النفوذ في الشرق.

بصفتي ملخصاً، يمكن القول إن الفصل يقدم سرداً تاريخياً حاملاً للاتحاديين المسؤولية الكاملة عن انهيار الدولة، ويتبنى موقفاً دفاعياً واضحاً عن السلطان عبد الحميد. هذا الموقف يجعل الفصل، على الرغم من غناه بالمعلومات، أقرب إلى خطاب اتهامي منه إلى تحليل موضوعي متوازن، خاصة في مقارنته بين "أعمال السلطان الضئيلة" و"أعمال الاتحاديين الكارثية".

10.الفصل العاشر : الثورة العربية229–240▼ résumé

ملخص الفصل العاشر: الثورة العربية

يطرح المؤلف في هذا الفصل موضوع الثورة العربية ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، مقدمًا رواية نقدية لهذه الثورة من منظور يرى فيها مؤامرة خارجية دبرها الاستعمار البريطاني بالدرجة الأولى، بالتعاون مع بعض القوى المحلية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الثورة العربية لم تكن حركة تحرر وطني خالصة، بل كانت نتاجًا لسياسات استعمارية منهجية عملت على تفريق العرب وإغرائهم بالوعود الكاذبة لتحقيق مصالحها الخاصة.

يبدأ المؤلف بتقديم خلفية تاريخية عن السياسة الأوروبية تجاه الدولة العثمانية، موضحًا كيف رأت القوى الأوروبية في قوة الدولة العثمانية خطرًا على مصالحها، فسعت إلى إضعافها وتفتيتها. ويصف الكيفية التي استخدمتها إنكلترا على وجه الخصوص في التغلغل بين القبائل العربية، وإغرائها بالمال والسلاح، وبث دعاوى الانفصال والاستقلال. ويقدم شاهدًا عايَنه بنفسه لدى قبيلة بني لام العراقية، حيث وجد بنادق من نوع المارتيني منقوشًا عليها بالعربية المذهبة: "متى ينهض العرب"، وكانت هدية من حاكم الهند الإنكليزي.

يسرد المؤلف بعد ذلك تطورات السياسة الإنكليزية المتقلبة تجاه الدولة العثمانية، محاولاً إظهار تناقضاتها وانتهازيتها. ويذكر احتلال إنكلترا لجزيرة قبرص عام 1878 بحجة صد الغارات الروسية، ثم إقناعها للدول الأوروبية بتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية، فحصلت النمسا على البوسنة والهرسك، وفرنسا على تونس، ووعدت إيطاليا بـطرابلس الغرب، واستولت هي على مصر. وعندما مال السلطان عبد الحميد نحو ألمانيا، كادت له إنكلترا كيدًا أوصلته إلى الخلع.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، يصف المؤلف كيف التفتت إنكلترا حول الشريف حسين بن علي، أمير مكة المكرمة، ووعدته بأن يجعله هو وأولاده ملوكًا على بلاد العرب. ويؤكد المؤلف أن الشريف خُدع بهذه الوعود، وأصبح سببًا لحل المسألة الشرقية بما يتوافق مع المنافع الإنكليزية. ثم تتابع الأدلة والوقائع، فيذكر المؤلف لقاءات سرية جرت بين الأمير عبد الله بن الحسين والجنرال كتشنر في القاهرة قبل إعلان الحرب بسنة كاملة، أي في سنة 1913، خلافًا لدعوى الشريف أن قيامه كان بسبب إعدام الشبان في سورية سنة 1916. كما يشير إلى أن مخابرات الشريف مع الإنكليز بدأت منذ سنة 1913 بواسطة الشيخ محمد عارف وعلي أفندي الأصغر الإبراهيمي.

يورد المؤلف تفاصيل محاولات جمال باشا، قائد الجيش الرابع العثماني في سورية، والتي تظهر حسب رأي المؤلف تناقض شخصيته. فمن ناحية، يصف المؤلف جمال باشا بأنه كان طموحًا مغرورًا، ويتناقل عنه قوله لوالٍ الشام حين سأله إن كان سيعرض عليه إمارة القفقاس أو مصر. ومن ناحية أخرى، يذكر أن جمال باشا أدرك الخطر المحدق بالأمة وحاول الاتفاق مع روسيا وإنكلترا لإنقاذ الأناضول وبلاد العرب، لكن ضعف روسيا وميل إنكلترا نحو الشريف حسين حال دون ذلك.

ثم ينتقل المؤلف إلى وصف التحضيرات للثورة. ففي شهر تشرين الأول سنة 1915، أي قبل نصب المشائق في سورية بثمانية أشهر، جمع الشريف حسين أولاده الأربعة: علي، عبد الله، فيصل، وزيد في الطائف، وقرروا إنهاء الاتفاق مع الإنكليز وترقب الفرصة المناسبة. وبعد أن سحبت جمعية الاتحاد والترقي ثلاثة أرباع الفرقة العسكرية المرابطة في الحجاز، وطلب الشريف منه تجنيد متطوعين، باشر بتجنيد ألف وخمسمئة متطوع مقابل ستين ألف دينار ذهبي، لكنه استفاد من خلو البلاد من الجند وخفّ إلى الإنكليز.

يصف المؤلف بالتفصيل حيلة الأمير فيصل للخروج من دمشق. كان فيصل مقيمًا في دمشق بـنزل فيكتوريا ظاهريًا كضيف على جمال باشا، وباطنيًا كرهينة عن أبيه. وعندما كان الديوان العرفي في قرية عالية من جبل لبنان يحاكم الشبان المتهمين بالتآمر، حاول فيصل الشفاعة لهم فرفض جمال باشا. ثم سافر فيصل مع جمال باشا إلى القدس، وهناك أظهر فيصل كتابًا مصطنعًا عن مرض ابنه الوحيد، وأقسم بجده تحت الصخرة الشريفة أنه سيعود. وبمساعدة الشيخ أسعد الشقيري، أذن جمال باشا لفيصل بالذهاب إلى الحجاز. وعندما وصل فيصل إلى المدينة المنورة، حذره قائدها فخري باشا من غدره، لكن جمال باشا رفض تصديق التحذير.

يؤرخ المؤلف للثورة في اليوم التاسع من شهر شعبان سنة 1334 هـ الموافق حزيران سنة 1916 م، حين قام الشريف حسين وخلع طاعة السلطان وأعلن انفصاله عن الدولة العثمانية، ونادى بنفسه ملكًا على العرب. لكن إنكلترا وفرنسا اعترفتا به ملكًا على الحجاز فقط، لا على بلاد العرب كلها كما ادعى. وينقل المؤلف نص نشرة ألقاها الشريف حسين بتوقيع "ملك البلاد العربية" على الجيش العثماني بواسطة الطيارات الإنكليزية، يدعو فيها الجنود إلى الانضمام إليه بحجة حفظ الدين وتحرير العرب من حكم الأتراك.

يقوم المؤلف بعد ذلك بتفصيل دور الكولونيل لورانس الإنكليزي الذي وافى الحجاز في تشرين الأول سنة 1916، والتحق بفيصل في النخيل المبارك بعد فشل محاولة حصار المدينة المنورة. ويصف كيف استمال لورانس شيوخ القبائل بالمال، فدفع لكل من الشيخ نوري بن شعلان شيخ قبيلة الرولة والشيخ عودة أبو تايه شيخ قبيلة الحويطات ستة آلاف جنيه إنكليزي ذهبي كسلفة، ثم رفعها إلى خمسة وعشرين ألف دينار. ويدعي المؤلف أن الجيش الحجازي لم يتجاوز الخمسة آلاف مقاتل، وأن السوريين الذين التحقوا به لم يكونوا أكثر من مائة وخمسين رجلاً، كلهم من الأسرى والفارين.

ويستشهد المؤلف بما نشره اللورد دوجلان عضو مجلس الشيوخ الإنكليزي في صحف لندن بتاريخ 1 كانون الأول سنة 1924 ردًا على معاتبة الشريف حسين للأمة الإنكليزية. وينقل نص جواب اللورد رجلان مترجمًا حرفيًا، الذي ينفي فيه أن العرب في العراق وفلسطين وسورية لبّوا دعوة الملك حسين، ويصف دعواه بأنه يتكلم باسم العنصر العربي كله بأنها لا أساس لها، ويذكر أن الملك حسين كان قبل الحرب موظفًا تركيًا براتب، وأن العائلات الشريفية كثيرة.

في القسم الأخير من الفصل، يصف المؤلف انسحاب العثمانيين من سورية. ويذكر الأسباب التي أدت إلى قرار الإخلاء: تناقص الذخائر الحربية وخاصة القنابل، نفاد الفحم الحجري للخطوط الحديدية والاستعاضة عنه بأحطاب الأشجار التي أخذت تتناقص أيضًا، تسرب دعايات الشريف حسين وإثارة الهياج، دعوة موارنة لبنان لفرنسا لاحتلال سورية، وعلم الاستخبارات العثماني بالهجوم الإنكليزي العام المقرر في 15 أيلول. ويؤرخ المؤلف سقوط القدس في 5 كانون الأول سنة 1917 بقيادة الجنرال اللنبي الذي كتب إلى رئيس الوزارة البريطانية أن الحرب الصليبية تنتهي اليوم باسترداد الجنود الإنكليز للمدينة المقدسة، فنال رتبة المارشالية ولقب اللوردية.

بعد قرار الإخلاء، بدأ العثمانيون بنقل الأموال، ثم هاجم الأسطول الإنكليزي الجيش السابع في طول كرم، واحتلت سرية إنكليزية الناصرة وكادت تأسر القائد ليمان فون ساندرس باشا لولا أنه خرج مسرعًا. ثم انسحب الجيشان السابع والثامن من طول كرم ونابلس، وتبعهما الجيش الرابع من السلط، وتوجهوا جميعًا نحو دمشق بقصد الأناضول. ويذكر المؤلف أن فخري باشا بقي ثابتًا في المدينة المنورة ولم يغادرها إلا بعد انتهاء الحرب ومجيء هيئة رسمية حاملة فرمانًا من السلطان رشاد بالتسليم.

في خضم الانسحاب، تقدم الأمير فيصل بمساعدة الإنكليز، واحتل ينبع والوجه ثم العقبة بمساعدة عودة أبي تايه والأسطول البريطاني. وحاول مهاجمة معان فارتدّ بخسائر فادحة. وجعل قلعة الأزرق مقرًا له، وخرب أقسامًا من السكة الحديدية الحجازية وهدم خمسة وعشرين جسرًا منها. ويصف المؤلف كيف كان الإنكليز يتوقفون أمام كل بلدة سورية حتى يأتي فيصل ويدخلها قبلهم، بناءً على القاعدة التي تقضي بأن من يفتح بلدة تبقى في يده. ثم قام الشريف ناصر بن علي ابن عم فيصل مع شرذمة من الأعراب وتوجهوا إلى دمشق حيث التحقوا بالحامية البريطانية القادمة من جسر بنات يعقوب - القنيطرة.

يختتم المؤلف الفصل بوصف وصول المشير ليمان فون ساندرس باشا إلى دمشق بعد أمره الجيش العثماني بالانسحاب، وإقامته في نزل فيكتوريا. ويذكر أن علي رضا باشا الركابي، وهو ضابط متقاعد له صلة قديمة بجمال باشا، جاء إلى ليمان باشا متظاهرًا بالسلام عليه، بينما كان في الوقت ذاته متواطئًا مع فيصل ولورانس لقبول الجنود الإنكليز وإدارة البلاد باسمه، دون أن يعلم ليمان باشا شيئًا من ذلك.

يمثل هذا الفصل سردًا نقديًا للثورة العربية، يركز على عامل المؤامرة الخارجية والتواطؤ الداخلي، مع إشارات متعددة إلى الوعود الإنكليزية الكاذبة واستغلال القبائل العربية بالأموال. ويقر المؤلف ضمناً بوجود تيار وطني عربي حقيقي من خلال إشارته إلى الشبان المتهوسين الذين أعدموا، لكنه يصر على أن الشخصيات القيادية كانت أداة في يد السياسة الإنكليزية. يفتح الفصل أسئلة عديدة حول مدى شرعية هذه الثورة ونتائجها، خاصةً مع الإشارات المتكررة إلى النفاق الإنكليزي وعدم الوفاء بالوعود.

11.الفصل الحادي عشر : الحكومة العربية والتمهيد للاستعمار الفرنسي241–261▼ résumé

ملخص الفصل الحادي عشر: الحكومة العربية والتمهيد للاستعمار الفرنسي

يتناول هذا الفصل المرحلة الانتقالية التي أعقبت انسحاب العثمانيين من دمشق وحتى بدايات الاستعمار الفرنسي، مسلطاً الضوء على الأحداث التي شهدتها سورية في تلك الفترة الحرجة. يقدم المؤلف رواية مفصلة عن الأيام الأخيرة للحكم العثماني في الشام، ثم قيام الحكومة العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، وصولاً إلى المناورات السياسية والعسكرية التي مهدت الطريق للانتداب الفرنسي.

يبدأ الفصل بوصف عملية انسحاب القوات العثمانية من دمشق، حيث يذكر أن رضا باشا كان وسيطاً بين العثمانيين والبريطانيين، وقد تعهد ليمان باشا (قائد الجيش العثماني) بإرجاء الإشغال لتمكين الجيش من الانسحاب بسلام، وحصل على مبلغ كبير من المال مقابل ذلك. غادر رضا باشا دمشق وبات في قرية الدرخبية، ثم اتصل بالجنرال اللنبي القائد البريطاني العام، وخلع الثياب العثمانية وارتدى الملابس العربية، وعرض خدماته على القوات البريطانية. يصف المؤلف بعبارة لاذعة هذه التحولات في شخصية رضا باشا، ناقلاً عن صاحب "الخطط" قوله: "ذهب رضا باشا من الشام قائداً تركياً وعاد إليها حاكماً عربياً إنكليزياً".

يسرد الفصل بعد ذلك قصة بريتال في بعلبك، الذي ادعى الصداقة مع العثمانيين فاعتمده ليمان باشا وأعطاه ألف وخمسمئة دينار ذهبي ليؤمن طريق الجنود المتراجعة، فإذا به يغير على مستودعات رياق العسكرية وينهبها، مما اضطر المحافظين الألمان إلى نسفها. ثم ينتقل إلى ذكر مغادرة رأفت بك آخر والٍ عثماني في سورية، وتولي بهجت بك النيابة عنه سبعة أيام، ثم رحيله مع جمال باشا الصغير قائد الفريق الثامن العثماني.

يبرز المؤلف الدور الإيجابي الذي قام به جمال باشا الصغير حين عارض قرار نسف جميع الأماكن الأميرية في دمشق قبل الانسحاب، واتفق مع قائد المدفعية النمساوية على إلغاء ذلك القرار الذي كان سيتسبب بحرق المدينة بأكملها. وقد أنقذ بذلك دمشق وأهلها من الدمار، واكتفى الجيش المنسحب بنسف مستودعات الذخائر الحربية ومحطة التلغراف اللاسلكي في القدم فقط. وبعد الجلاء، ألقت طائرتان ألمانيتان قنابلهما على دار الحكومة، فأصابت إحداها أديب أفندي نظمي الطناحي وقتلته.

يذكر المؤلف أن جمال باشا الكبير كان قد اعتقل شكري باشا الأيوبي وعبد الحميد باشا القلطقجي وزكي بك العظمة، وعذبهم أشد التعذيب لمخالفتهم لخطته، ولما تولى جمال باشا الصغير أفرج عنهم. وفي آخر أيام العثمانيين بالشام، وهو يوم الأحد 29 ذي الحجة سنة 1335 للهجرة الموافق 30 أيلول سنة 1915 (1914 ميلادية)، جاء جمال باشا الصغير إلى حديقة الأمة في المرجة حيث أعد له شكري الأيوبي حفلة وداع، وأشار عليهم بإعلان استقلال البلاد لأن العثمانيين نفضوا يدهم منها.

يقدم المؤلف بعد ذلك خلاصة موجزة لتاريخ الدولة العثمانية، متتبعاً أدوارها من النشأة إلى الأفول. يصف كيف تألفت الدولة من قبيلة صغيرة، وكيف انضم إليها قواد مثل ميخايل الكوسا البروسي والغازي أورافوس المكدوني. ويتوقف عند معركة السلطان أبي زيد مع التيمور، حيث انضم أمراء البلاد بجنودهم إلى التيمور. وينتقد المؤلف الدولة العثمانية لعدم حفظها التوازن بين سكان البلاد الأصليين المخالفين لمذهبها، وعدم استجلابها عشائر من البادية لتكون قوة موازنة، معتبراً ذلك من أعظم خطيئاتها السياسية.

يتابع المؤلف التدهور في الأدوار المتلاحقة: التنعم والرفاه في الدور الثاني، وفساد نظام الجند وتحكم النساء في القصور في الدور الثالث، ثم اعتصام السلاطين في قصورهم في الدور الرابع. ويذكر أن الدولة بلغت شفا الانهيار، ونعيت بالرجل المريض، إلا أن رجالاً مثل السلطان محمود الثاني والسلطان عبد الحميد ومصطفى رشيد باشا وأمين عالي باشا أنقذوها وأطالوا مدتها قرناً آخر. ثم يصف كيف خرجت الدولة من حرب القريم ظافرة، لكن الدعايات الروسية عملت على إضعافها، وتوالت الفتن والثورات في الصرب والبلغار والبوسنة والهرسك. وبعد حرب 1877-1878 مع روسيا، خرجت الدولة منهوكة القوى، ثم استولى الاتحاديون على زمام السلطنة، وأدخلوها في الحرب العالمية وهما سبب اضمحلالها واندثارها.

يدافع المؤلف عن العثمانيين، مؤكداً أن معظم الجوامع والمساجد والمدارس والتكايا والخانات والأسواق والحمامات في سورية هي من آثارهم، وأنهم كانوا أرفق بالرعايا من جميع الدول الغابرة. ويدعو الكتاب والمؤرخين إلى العدل والإنصاف، معتبراً أن السلطنة العثمانية حافظت على هذا الشرق طيلة تلك العصور وحمت بيضة الإسلام وتساهلت مع غير المسلمين. ويؤكد أن صاحب الدار لا يهدمها بنفسه، وأن "فصاحب الدار لا يهدمها بنفسه".

ينتقل الفصل إلى وصف الاحتلال البريطاني، ففي يوم الثلاثاء 15 ذي الحجة 1335 للهجرة الموافق 1 تشرين الأول 1914 للميلاد، تقدمت فرقة الفيسان الأسترالية بقيادة الميجر (استروالدن) ودخلت دمشق مع الشريف ناصر بن علي وثلة من الأعراب، واحتلوها بدون حرب ولا مقاومة، وعينوا رضا باشا الركابي حاكماً عليها. ثم يصف كيف نهب الفلاحون والجنود الأستراليون قطاراً محملاً بخزينة الجيش العثماني، ويذكر أن الكولونيل لورنس قال في مذكراته إن الأستراليين سلبوا ملايين لا تحصى من العملة التركية.

وفي يوم الخميس 17 ذي الحجة سنة 1337 و 7 تشرين الأول سنة 1414، دخل الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق، وذهب إلى نزل (فيكتوريا) حيث يقيم الجنرال (شوفل) الإنكليزي وتلقى أوامره، ثم احتل دار الحكومة وأقام ضيفاً في دار محمود بك البارودي بالقنوات.

يثير المؤلف تساؤلات حول موقف الشريف حسين، متسائلاً إن كان يدرك حقيقة أحوال العرب وأخلاقهم، وإن كان يظن أنهم سيتحدون تحت راية واحدة، وماذا كان ينتظر من الإنكليز وأوروبا. ويعتبر أن الشريف حسين اغتر بالوعود الخلابة وراح مع الغابرين.

يذكر المؤلف معلومات مفصلة عن فرقة الحجاز، التي كانت مؤلفة من لوائين وفوج من القناصة، مجموعها سبعة عشر طابوراً، سحبت الحكومة منها اثني عشر طابوراً فلم يبق في الحجاز كله سوى خمسة طوابير. وينتقد المؤلف دعوى الشريف حسين أنه يجاهد لأجل الدين، ويقول إن مسلمي الهند قاطعوه لهذا السبب، ويرى أن النكبة في من قتلهم جمال باشا أهون بكثير من المصيبة بالاحتلال الأجنبي.

يصف الفصل بعد ذلك تشكيل الحكومة العربية، حيث اتخذ الأمير فيصل دار نوري باشا في الصالحية مقراً له، وجعل عنوانه "قائد الجيوش الشمالية". وبأمر الجنرال اللنبي، منح رضا باشا الركابي رتبة فريق، وياسين بك الهاشمي البغدادي رتبة أمير لواء، وجورج بك الحداد رتبة أمير لواء وجعله مديراً للأمن العام. واستبدلت اللغة التركية باللغة العربية في دوائر الحكومة، وأخرج من الوظيفة كل من ينتمي إلى العرق التركي وطردوا من البلاد، بينما بقي الشراكسة والأرناؤوط والأكراد في وظائفهم.

ينتقد المؤلف هذا الإجراء واصفاً إياه بأنه "بعيد عن العدل ومخالف للفطرة العربية"، ويذكر قصة امرأة عجوز من الأرامل اعترضته قائلة: "لاذا قطهوا رواتبنا ونحن أرامل وايتام؟ أن الدولة العثمانية ما زالت تؤدي الرواتب المخصصة إلى النور". ويقول إن الأتراك لم يعاملوا أبناء العرب المقيمين عندهم بهذه المعاملة السيئة.

يتناول الفصل المناطق المحتلة: احتل الحلفاء بيروت في 1 تشرين الأول 1914، وحمص** في 14 منه، وحماة في 11، وحلب في 25 منه. قسمت البلاد السورية إلى ثلاث مناطق: فلسطين (المنطقة الجنوبية) تحت الحكم البريطاني، والمدن الأربع الداخلية (دمشق، حمص، حماة، حلب) مع الأردن وجبل دروز (المنطقة الشرقية) تحت حكم الأمير فيصل بنظارة الإنكليز، والساحل (المنطقة الغربية) وعاصمته بيروت. وحين حاول الأمير فيصل توحيد الساحل والداخل تحت اسم سورية، وعين شكري باشا الأيوبي حاكماً عسكرياً على بيروت، أجبر على إنزال العلم العربي ومغادرة المدينة بعد أن عين الكولونيل (بياباب) الافرنسي حاكماً على المنطقة الغربية ورفع العلم الافرنسي.

يصف المؤلف الدعايات التي قام بها الأمير فيصل لتثبيت إمارته، معتمداً على الشيخ عبد القادر مزغر المقدسي الذي أسس النادي العربي بدمشق وبدأ يبث الدعايات في جميع أنحاء سورية وفلسطين وينثر الذهب. ثم يلاحظ كيف تضاءلت دائرة الدعوة مع ازدياد رسوخ الأجانب، فبدأت بالوحدة بين الشام والعراق والحجاز، ثم اقتصرت على الشام وحدها بحدودها الطبيعية، ثم أهملت فلسطين وشرق الأردن، ثم حذفت لبنان، واكتفى الأمير بالمدن الأربع فقط.

يسرد الفصل الأحزاب التي تألفت في تلك الفترة: النادي العربي (معظمه من الشباب الفلسطيني)، حزب الاستقلال برئاسة فوزي بك البكري، حزب العربية الفتاة، حزب العهد السوري والعهد العراقي، حزب الاتحاد، حزب أم القرى، حتى بلغت الأحزاب الثمانية. ثم تشكلت اللجنة الوطنية من رجال مثل الدكتور عبد الرحمن شهبندر وإحسان بك الجابري وجميل بك مردم بك والشيخ كامل القصاب وسعيد بك حيدر وشكري بك القوتلي والأمير عادل أرسلان. ثم انشقت عائلة البكري عن حزب الاستقلال وألفوا الحزب الوطني السوري الذي ضم الشريف علي بن الحسين الحارثي والشريف ناصر بن علي والشيخ تاج الدين الحسيني وغيرهم ممن اشتهروا بالولاء للافرنسيين.

يصف المؤلف تذبذب الأمير فيصل، الذي كان يهش في وجوه رجال الأحزاب ويحثهم على المثابرة على أعمالهم المضادة لبعضها، ويميل إلى بعضهم دون الآخر، ويطلع كل حزب على أسرار، مما أدى إلى تأصل النفور بين الأحزاب وتجاوز الجدل السياسي إلى العداء الشخصي. وأدى ذلك إلى استقالة رضا باشا الركابي، وإقامة الأمير زيد شقيق الأمير فيصل رئيساً للحكومة السورية.

يتناول الفصل بالتفصيل وعد بلفور، حيث يذكر أن الإنكليز كانوا يساومون الصهيونيين على سكنى أرض الميعاد (فلسطين). ويرسل اللورد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد رئيس الطائفة اليهودية الصهيونية بتاريخ 2 تشرين الثاني سنة 1917 كتاباً رسمياً يتضمن أن حكومة بريطانيا تنظر بعين الاستحسان إلى إنشاء وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، على أن لا يمس حقوق الطوائف غير اليهودية. وعندما استفسر الشريف حسين عن صحة ما بلغه عن هذا الوعد، جاءه جواب بتاريخ 4 شباط سنة 1914 من وزارة الخارجية الإنكليزية يحاول تكذيب الخبر. ويسجل المؤلف أن نتيجة هذا الوعد بلغت جموع اليهود في فلسطين حتى عام 1927 زهاء نصف مليون نسمة بعد أن كانوا يبلغون عشر هذا القدر، وبدأوا يضايقون أهلها ويستولون على مرافق حياتهم.

ينتقل الفصل إلى مؤتمر الصلح الذي عقد في فرساي بعد هدنة 11 تشرين الثاني سنة 1918، ويذكر أن الأمير فيصل ارتكب خطأين عظيمين: الأول قبول وعد بلفور، حيث ألقى عليه الإنكليز فكرة التعاون مع اليهود للاستفادة من رؤوس أموالهم، ثم ساقوا عليه الدكتور وايزمان رئيس الجمعية الصهيونية الذي حصل منه على كتاب يتضمن تسهيل تعاون اليهود مع العرب، والثاني قبول مبدأ الانتداب، حين رفع للمؤتمر تقريراً قال فيه إن سورية بلغت من الرقي درجة تؤهلها لحكم نفسها ولكنها ما زالت في حاجة إلى المعاونة والاستشارة الأجنبية، مما جعل هذا التقرير نواة للانتداب.

يذكر الفصل اتفاقاً جديداً في 15 أيلول سنة 1919 أضيفت فيه تعديلات على معاهدة (سايكس - بيكو) لمصلحة إنكلترا، حيث أعيدت منطقة الموصل التي كانت نصيب فرنسا إلى المنظومة العراقية الخاضعة للسيطرة الإنكليزية مقابل منح فرنسا الربع من محصول النفط في كركوك. واستأثرت إنكلترا بفلسطين وجعلتها وطناً قومياً لليهود، وتركت فرنسا ولاية آدنة ولواء عينتاب للأتراك الكماليين، واكتفت ببقية البلاد السورية. وتعهدت إنكلترا بسحب جنودها من سورية مقابل تعهد فرنسا باحتلال ساحلها فقط. وجلت الجنود الإنكليزية عن سورية في شهر تشرين الثاني سنة 1919، وعينت فرنسا المسيو جورج بيكو مفوضاً سامياً على سورية ولبنان ثم استبدلته بالجنرال غورو.

يتناول الفصل بعد ذلك المقدمات التي سبقت الاستعمار الفرنسي، حيث كانت السياسة الافرنسية ترمي إلى توسيع جبل لبنان على حساب سورية. وعثر الجنرال غورو على مصور (خريطة) قديم من أيام الحادثة الشامية، فعزم على احتلال الأقضية الأربعة (بعلبك، البقاع، حاصبيا، راشيا) وإلحاقها بالمنطقة الغربية. وطلبت الحكومة السورية رفض هذه المطالب، مما أدى إلى خلاف مع رضا باشا الركابي الذي كان يتبع السياسة الافرنسية، واضطر إلى الاستقالة.

يصف الفصل العصابات الأهلية التي تألفت على حدود المنطقة الغربية لصد الهجمات، بقيادة: فؤاد سليم في قضاء القنيطرة، وعلي آغا الدندشي في حصن الأكراد، والشيخ صالح العلي في جبل الكلبية (اللاذقية)، وإبراهيم بك هنانو في حارم، وصبحي بك بركات في أنطاكية. ظلت هذه العصابات تتعرض للأراضي الساحلية على الرغم من تعهد الأمير فيصل بمنعها، مما دفع الجنرال غورو إلى إرسال فصيلة عسكرية في شهر كانون الثاني سنة 1921 هدمت قصر الأمير محمد الفاعور في البحصاص من أرض الحولة، فنهض الأمير بقبيلته ودحر الفصيلة وأحرق بعض دور قرية الجديدة. وفرض الافرنسيون على أهل جبل عامل مائتي ألف دينار جزاء نقدياً، ويقول الريحاني إنهم جمعوا 485.000 دينار.

ينتقل الفصل إلى النظريات الحقوقية التي نشرها المجمع العلمي الأميركي والمجمع العلمي الدولي حول حقوق الدول، ثم يعرض بالتفصيل المادة الثانية والعشرين من عهد جمعية الأمم المتعلقة بالانتداب، التي تنص على أن الجماعات التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية وقد بلغت من الرقي درجة يمكن الاعتراف بها كشعوب مستقلة استقلالاً وقتياً، بشرط أن تساعدها الدولة المنتدبة في أعمالها. ويطرح المؤلف استدراكاً مهماً: لماذا اعترفت الدول العظمى باستقلال المورة والصرب ولاهية والبلغار بينما تحكم علينا بالوصاية، مع أننا لا نقل عنهم رقياً وحضارة؟ ويرى أن السبب كونهم من الشعوب الأوروبية ونحن آسيويون، بالإضافة إلى جشع الأوروبيين لامتلاك بلاد الشرق.

يتناول الفصل المؤتمر السوري الذي انعقد في 11 حزيران سنة 1914 بدمشق برئاسة محمد فوزي باشا العظم، وبعد وفاته تولى هاشم بك الأتاسي الرئاسة. واتخذ المؤتمر قراراً بتاريخ 2 تموز سنة 1915 يتضمن: طلب الاستقلال السياسي التام لسورية بحدودها الطبيعية، ملكية الأمير فيصل على هذه البلاد، الاحتجاج على المادة 22 من عهد جمعية الأمم، طلب المعاونة الفنية من الولايات المتحدة الأميركية لمدة عشرين سنة فقط، رفض الاعتراف بأي حق تدعيه فرنسا في سورية، رفض الهجرة الصهيونية إلى جنوب سورية، اتحاد سورية ولبنان وفلسطين، طلب الاستقلال للعراق، الاحتجاج على المعاهدات السرية القاضية بتجزئة البلاد.

يذكر الفصل لجنة الاستفتاء التي أرسلتها جمعية الأمم برئاسة المستر (شارلس كراين) في 10 حزيران 1914، واستمعت إلى آراء أهل الشام، فاجتمعت الأكثرية الساحقة على تأييد المؤتمر السوري في مطالبه. لكن أميركا قررت عدم الاشتراك في مؤتمر سان ريمو، وعندما عادت اللجنة إلى باريس ألقى الفرنسيون تقريرها في زوايا الإهمال وأقنعوا إنكلترا بعدم قبوله.

يسرد الفصل رحلة الأمير فيصل إلى أوروبا ومؤتمر سان ريمو، وكيف أن اتفاقاً تم بين فرنسا وإنكلترا بشأن الانتدابات وفقاً لاتفاقية (سايكس - بيكو) قبل وصوله. ثم ذهب الأمير إلى باريس ووقع اتفاقية (كليمنصو - فيصل) بتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1919، التي تطلب باسم الشعب السوري المعاونة الفنية من فرنسا وحدها، وتجعل جبل لبنان مستقلاً عن سورية تحت الحماية الافرنسية، وتعترف فرنسا للشعوب الناطقة بالعربية بالاستقلال مقابل حماية هذا الاستقلال. وينتقد المؤلف هذه الاتفاقية واصفاً إياها بأنها "النسخة المصغرة عن معاهدة سايكس - بيكو"، ويتساءل كيف وافق الأمير على الاعتراف بعدم استطاعة السوريين تحقيق وحدتهم.

يختتم الفصل بتحليل أخطاء الشريف حسين، التي تتجلى في اعتماده على ظواهر الأقوال من وعود الإنكليز وتمويهاتهم المرنة، دون تمحيص هذه الوعود ومعرفة درجة انطباقها على بعضها.

12.الفصل الثاني عشر : كارثة ميسلون والانتداب الفرنسي262–288▼ résumé

ملخص الفصل الثاني عشر: كارثة ميسلون والانتداب الفرنسي

يتناول هذا الفصل المرحلة الأخيرة من الحكم الفيصلي في سورية، وينتهي بكارثة معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى دمشق، ثم فرض الانتداب الفرنسي. يقدّم المؤلف عبد العزيز العظمة رواية نقدية للأحداث، محمّلاً المسؤولية الأساسية للشريف حسين وابنه الأمير فيصل، بسبب ما يراه أخطاءً استراتيجية وسياسية أدت إلى سقوط البلاد تحت السيطرة الفرنسية.

يبدأ الفصل بنقد حاد للشريف حسين، متّهماً إياه بقبوله استثناء سورية الغربية من المطالب العربية، بدعوى أن أغلبية سكانها مسيحيون، بينما يؤكد المؤلف أن هذه الصفة لا تنطبق إلا على جبل لبنان وحده، بينما ألوية الاسكندرون واللاذقية وطرابلس وصيدا وصور وجبل عامل هي مسلمة بأغلبيتها الساحقة. ويرى المؤلف أن البريطانيين كانوا يرمون من وراء ذلك إلى حصر مطالب الشريف في المدن الأربع الداخلية (دمشق، حمص، حماه، حلب) دون منفذ على البحر. ويشير المؤلف إلى أن الشريف اكتفى برسائل السير هنري ماكماهون القنصل البريطاني في الإسكندرية، واغترّ بالألفاظ المطاطة في المنشور الدولي الذي أصدرته بريطانيا وفرنسا، متجاهلاً فحص الاتفاقيات بدقة.

يعود المؤلف إلى حديثه عن الأمير فيصل بعد عودته من رحلته الثانية إلى أوروبا في كانون الثاني 1920، حيث كان قلقاً ومتردداً. في بيروت، استقبله الجنرال غورو وهنأه، فردّ فيصل شاكراً وقال في خطابه إنه سيتبع السياسة الفرنسية ويحافظ على المصالح الفرنسية. ولكن لدى وصوله إلى دمشق، خاطب الجماهير مبشراً بالاستقلال. ويكشف المؤلف أن فيصل أطلع حزب «العربية الفتاة» سراً على اتفاقية كليمنصو-فيصل، فرفضها الحزب بتاتاً. ثم يورد تناقضات فيصل: كان يقول في العلن «لا حماية ولا وصاية، وإنما هو ما يدعونه «ماندات» ومعناها الاستشارة والمساعدة»، بينما أسرّ لخاصته أن ما توصّل إليه هو «أعظم مساعدة يمكن الحصول عليها».

في 11 جمادى الآخرة سنة 1338 الموافق 8 آذار سنة 1920، أعلن المؤتمر السوري استقلال البلاد ونادى بالأمير فيصل ملكاً عليها. وفي اليوم التالي، بُويِع بالملك في بهو بلدية دمشق، بحضور الكولونيل كوس معتمد فرنسا، دون حضور أي ممثل بريطاني. تألفت أول وزارة ملكية برئاسة السيد علي رضا الركابي. ولكن بعد عشرة أيام فقط، في 4 آذار سنة 1920، بلّغت بريطانيا وفرنسا فيصل رسمياً أنهما لا تعترفان بقرار المؤتمر السوري، ودعوتاه للحضور إلى أوروبا. أرسل فيصل نوري باشا السعيد ممثلاً عنه، فلم يفلح في إقناع الدولتين. استقالت وزارة الركابي في أيار سنة 1920، وخلفتها وزارة برئاسة هاشم الأتاسي.

يتناول الفصل بالتفصيل أوضاع الجيش السوري ومسألة التجنيد. بدأ التجنيد الإجباري في كانون الأول سنة 1919، وازداد عدد الجنود، لكن الحكومة قبلت البدلات النقدية (ثلاثين ديناراً ذهبياً عن الخدمة الفردية لستة أشهر)، مما أدى إلى تراجع عدد الجنود العاملين إلى عشرة آلاف فقط، بينما كان يمكن أن يتجاوز الخمسة والعشرين ألف جندي لو لم يُقبل نظام البدلات. ويشير المؤلف إلى أن المتطوعين في الجيش من مختلف الأصقاع كلفوا الحكومة نفقات ضخمة، ولم يهتموا بمصلحة البلاد بقدر اهتمامهم بالرواتب.

يُفصّل الفصل حملة الدعاية الفرنسية التي بذلوا فيها ثلاثة ملايين فرنك (مئة وخمسين ألف ليرة ذهبية) لشراء الذمم. كانت لهم لجنة في دمشق تعمل تحت إشراف الكولونيل كوس، مهمتها تثبيط العزائم وتحويل الرأي العام عن المقاومة. استمالوا وجهاء وأقطاباً ومقربين من الملك وحاشيته وكبار الموظفين. كما استمالوا زعماء الدروز في حوران وشراكسة القنيطرة وحمص وبعض الصحفيين والضباط. وأرسلوا عصابة بقيادة هاشم القباني من بيروت، مهمتها إلقاء الرعب في صفوف الجيش واغتيال الضباط وقطع أسلاك البرق والهاتف. ويشير المؤلف إلى أن الدعاية جعلت الجنود يفرّون من الثكنة، فكان من يدخلها ألف جندي في اليوم لا يبقى منهم إلى الغد أكثر من خمسمئة.

في 10 تموز سنة 1920، أرسل الجنرال غورو إنذاراً شفهياً مع نوري باشا السعيد، يتضمن إعلان الانتداب الفرنسي عملًا بقرار مؤتمر سان ريمو، وإلغاء التجنيد الإجباري، وحل الجيش السوري وتسليم سلاحه، وتسليم خط رياق-حلب الحديدي، وقبول الأوراق النقدية الفرنسية، وحل العصابات، وتسليم المشاغبين. استمهل الملك أربعاً وعشرين ساعة ثم ثمانياً وأربعين ساعة أخرى. ثم جاء إنذار خطي يؤكد هذه المواد، ويضيف أن الشروط يجب أن تُقبل جملة خلال أربعة أيام. عقد المؤتمر السوري اجتماعاً وقرر رفض الإنذار، وأصدر بياناً أكد فيه أن أي توقيع يخالف قرار المؤتمر التاريخي غير شرعي. على أثر هذا القرار، استقالت الوزارة، لكن الملك لم يقبل الاستقالة، بل حلّ المؤتمر السوري بأمر منه.

عاد معتمدو الوزارة من المفاوضات مع الجنرال غورو بشروط إضافية: نشر منشور فرنسي يبيّن سبب الزحف، وإبقاء الجنود الفرنسيين حتى الخط الذي بلغوه، وتسليم السكة الحديدية من رياق إلى التكية، وسحب الفصائل السورية إلى شرق هذا الخط، ووقف إرسال المساعدات إلى العصابات، ونزع السلاح من أهل الشام، وقبول بعثة فرنسية في دمشق للإشراف على تنفيذ شروط الانتداب. تذاكر الملك والوزراء، وأظهروا رغبتهم في المسالمة، وقرروا قبول مطالب الجنرال غورو برمتها، فخالفهم وزير الحربية ورفض التوقيع، لكنه أُجبر على ذلك مكرهاً. صدرت الإرادة الملكية بفض الجيش وتسريحه. هاج المتحمسون واتهموا وزير الحربية بالجبن والخيانة، وحاولوا دخول القلعة فأوقفهم الأمير زيد بالرشاشات. أما برقية الملك بقبول المطالب، فلم تصل الجنرال غورو في الأجل المضروب لانقطاع الأسلاك، فأمر حملته بالتقدم نحو الشام. كان في مجدل عنجر فوجان سوريان تلقيا أمر الانسحاب، ففاجأهم الجيش الفرنسي وأسرهم دون إطلاق رصاصة.

أجاب الجنرال غورو على برقية الملك بأن الحملة زحفت ولا يمكن رجوعها لعدم وجود ماء كافٍ في الطريق. فعاد الملك والوزراء وقرروا الدفاع بعد ثلاثة أيام من فض الجيش. اعترض وزير الحربية مرة أخرى على هذا القرار لضيق الوقت، لكن الملك والوزراء ضغطوا عليه بعد أن تعهد زعماء البلاد بحشد آلاف المتطوعين. ذهب الملك إلى الجامع الأموي وخطب في الناس حاثاً على الجهاد. ولكن المتطوعين كانوا يطوفون الأسواق دون أن يُرسلوا إلى ميسلون. في ميسلون، لم تكن القوة الموجودة تبلغ ألفي رجل، ولم يصل من النجدات سوى نحو ثلاثمئة فارس من حي الميدان وبضعة رجال من دمشق. أرسل الملك جميل الألشي لاستطلاع أحوال الجيش، فذهب إلى الجنرال غوابيه وخان الأمانة، وأخبره أن أكثرية السكان تؤيد دخول الجيش الفرنسي، وأن الجيش العربي لا يتجاوز أربعمئة جندي. قال الجنرال: «فاذن غداً مساء في دمشق».

في 24 تموز سنة 1920 (يوم الأربعاء في 7 ذي القعدة سنة 1338)، نشبت معركة ميسلون. تبادل الفريقان المدافع، فعطّلت المدفعية العربية دبابة فرنسية وأصابت إحدى الطائرات. ثم حمل جنود السنغال على ميسرة الجيش العربي المؤلفة من المتطوعين، وسقطت قذيفة من طائرة فأحدثت الذعر، ففرّ المتطوعون. خدع رجل درزي قائد الميسرة وجعله بين نارين. وقطعت عصابة هاشم القباني أسلاك الألغام، فعطّلتها. حين التفت وزير الحربية يوسف العظمة ورأى فلول الجيش تفرّ، أصابته قذيفة من دبابة فصرعته. بعد سقوط القائد، تراجعت فلول الحملة نحو دمشق، فاعترضهم نواف الشعلان وسلب سلاحهم وعتادهم، ونهب بعض الأكراد خيول الجيش.

في اليوم التالي، 25 تموز سنة 1920، دخلت فرقة من الجيش الفرنسي السنغالي بقيادة الجنرال غوابيه إلى دمشق دون مقاومة. انسحب الملك ووزراؤه إلى الكسوة ثم عادوا، لكن الفرنسيين أعدّوا قطاراً خاصاً من سكة الحديد الحجازية لينقل الملك إلى خارج سورية. قبل رحيله، قلّد مستشاره علاء الدين الدروبي رئاسة الوزارة. غادر الملك إلى حيفا عبر درعا بعد إنذار فرنسي.

فرض الجنرال غورو على دمشق غرامات: عشرة ملايين فرنك غرامة حربية، فض الجيش ونزع سلاحه، تسليم كبار المشاغبين، إنهاء حكم الأمير فيصل، نزع سلاح الأهلين وتسليم عشرة آلاف بندقية. وأدّت الوزارة الدروبية هذه الغرامة بتمامها. ثم شكّل الفرنسيون مجلساً عسكرياً حكم بإعدام مئة وخمسين رجلاً من دعاة الاستقلال، لكن الحكم لم يُنفذ بأحد منهم لأنهم تواروا عن الأنظار، وهذا ما كان يريده الفرنسيون. بعد ذلك، قُتل رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي وعبد الرحمن اليوسف في خربة الغزالة في حوران يوم 5 آب سنة 1920، وعُهد برئاسة الوزارة إلى جميل بك الألشي.

ثم بدأت سياسة التجزئة: أعلن غورو انفصال لبنان عن سورية في أيلول سنة 1920، وأضاف إليه بيروت وطرابلس، وحاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع. جعل من اللاذقية دولة العلويين، وفصل حلب عن دمشق وجعلها مع دير الزور دولة رابعة، وجعل من جبل دروز دولة خاصة، وسلخ الاسكندرون وجعله لواء ممتازاً. كما فصلت أقضية عجلون والسلط ولواء الكرك وجعلت إمارة شرق الأردن تحت الحكم البريطاني، وجُعل الأمير عبد الله أميراً عليها. يختم المؤلف الفصل بنقد شديد لسياسة الانتداب، معتبراً أن هذه التجزئة تهدف إلى إضعاف البلاد وإبقائها تحت السيطرة، ثم يورد صك الانتداب على سورية ولبنان منقولاً عن نشرة جمعية الأمم في تموز سنة 1922، ويعلّق عليه بملاحظات نقدية حول تناقضه مع المادة الثانية والعشرين من عهد جمعية الأمم التي تعترف باستقلال الشعوب.

ملاحظة نقدية: يقدم المؤلف رواية شديدة النقد للحكم الفيصلي، محمّلاً الشريف حسين وابنه فيصل مسؤولية سقوط البلاد، بسبب ما يراه تساهلاً وإهمالاً وتناقضاً وسذاجة في التعامل مع القوى الاستعمارية. كما ينتقد بشدة سياسة الانتداب الفرنسي والتجزئة التي أعقبت معركة ميسلون. هذه الرواية تعكس وجهة نظر المؤلف الوطنيّة، ويجب أن يُفهم أنها تمثل رأيه الشخصي في تحليل الأحداث، وليست بالضرورة الرواية التاريخية الوحيدة أو المحايدة.