Almawred
مرويات من شرائح متنوعة من المجتمع السوري 1986-1988
عربي

مرويات من شرائح متنوعة من المجتمع السوري 1986-1988

عبد الله حناar

الكتاب الذي بين أيدينا، "مرويات من شرائح متنوعة من المجتمع السوري 1986-1988" لعبد الله حنا، ليس كتاباً بالمعنى التقليدي المؤلف بروية، بل هو أرشيف حي من الشهادات الشفوية والمقالات القصيرة التي جمعها دارسون سوريون، هدفها رسم صورة للحياة اليومية والظروف الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، مع تركيز خاص على الفترة الممتدة من أواخر العهد العثماني حتى منتصف الثمانينيات. الموضوع المحوري الذي ينتظم المادة هو استعراض أنماط العيش والهجرة والزراعة والعلاقات الاجتماعية والسياسية تحت وطأة الأوضاع المتعاقبة، من خلال صوت الفئات المهمشة نفسها: الفلاحون، العمال، الحرفيون، والنساء. يدافع المؤلف ضمنياً عن فكرة أن فهم المجتمع السوري لا يمكن أن يتم إلا من أسفل، عبر روايات من عاشوا التغيير، وليس عبر الوثائق الرسمية وحدها.

يسير الكتاب عبر أربعة فصول كبرى، لا رابط تحليلياً صارماً بينها، بل هي كتلة من المرويات المتجاورة التي تكمل بعضها لتشكل فسيفساء اجتماعية-اقتصادية. الفصل الأول، "الأماكن والبلدات"، يفتح الباب على مشهدية الريف السوري من خلال شهادات متفرقة من السلمية، بانياس، مصياف، حماة، طرطوس، درعا، وحمص. هنا، تتداخل تفاصيل الحياة اليومية مع التاريخ الكبير. يروي علي سيفو (مواليد 1926 في السلمية) كيف كان يحفظ القرآن مقابل "قضامة" أو رغيف خبز، ويصف نظام "ضمان الأرز" الإقطاعي، ويسرد حادثة كادت تشتعل فيها قبيلة بدوية مع أهالي المنطقة عام 1936 لولا تدخل الأمير مصطفى تامر الذي وضع مسدسه في رأسه. في المقابل، تصف مروية قرية الروضة (بانياس) الهجرات الثلاث الكبرى: الأولى 1910-1911 إلى الأرجنتين والبرازيل وكوبا، والثالثة 1952-1961 إلى فنزويلا، مدفوعة بالفقر والجندية الإجبارية (سفر برلك) و"عشر الأموال".

يتعمق الفصل الثاني، "الأرياف والمسألة الزراعية"، في جذور الفقر والاستغلال، مركزاً على هيمنة الإقطاعيين "الأفندية" و"البيكوات". الشهادات هنا مروعة في قسوتها، فالأجور كانت تبلغ 150 ليرة سورية سنوياً أو 50 قرشاً سورياً في اليوم، وكان الفلاحون ينامون مع الدواب ويتغذون على خبز الذرة والشعير. تروي شهادة من قرية الطليعي (صافيتا) كيف استطاع الإقطاعي محمد جابر العباس عام 1936 امتلاك القرية بأكملها بمساندة الحكام العثمانيين والفرنسيين، محولاً الأهالي إلى أجراء بالسخرة. وتكشف قصة قرية آفس (إدلب) عن عمل الأطفال في الحقول مقابل "ربع الموسم" الذي لا يكفي لسد الرمق. يظهر التحايل على قوانين الإصلاح الزراعي ( 1958 ) بوضوح، حيث سجل الإقطاعيون الأراضي بأسماء خدمهم ليستعيدوها لاحقاً باسم أبنائهم، كما فعل منير جابر العباس في الطليعي.

أما الفصل الثالث، "المهن: العمل النقابي وصور من الأرياف والمدن"، فينقلنا إلى عالم الحرفيين والعمال في المدن والبلدات. نلتقي بـ فوزية فالح النهابة من تدمر (مواليد 1946 ) التي تصف حرفة النول اليدوي، وتشرح أجزاءه كـ "السدوة والمردن والبزار والسيوف"، وتذكر أن البساط الواحد كان يباع للسياح الأجانب. ثم ننتقل إلى دمشق مع الحلاق محمود محمد الزعبي (مواليد 1928 ) الذي يصف نظام العمل القديم تحت سلطة "شيخ كار" و"شاويش" لكل حي، وتشكل النقابة عام 1948 برئاسة جميل العطار. وفي يبرود، نسمع عن حرفة نسج الشعر التي يعود عمرها لأكثر من 300 عام، وكان أكثر من ثلثي سكان البلدة يعملون بها قبل عشرين سنة، ويصف أبو جورج (ميشيل عياش) فظاظة المعلمين القدامى الذين كانوا يضربون العمال بالعصا، وأيام الجوع القاسية حيث اضطر الناس لبيع شعر نسائهم.

الفصل الرابع والأخير، "العمال والنقابات"، هو الأكثر تركيزاً على النضال الطبقي. تبرز شهادة أنطون معان (مواليد 1925، دمشق) الذي يصف بدايات العمل النقابي في سكة حديد الحجاز وشركة الكهرباء "الحر والتنوير"، حيث كان راتبه الشهري يبدأ من 25 ل.س ليصل إلى 90 ل.س، قبل أن يُجبر على ترك العمل عام 1946 تحت التهديد. لكن الأكثر تفصيلاً هي شهادة عبد الله حلفة من حلب (مواليد 1935 )، الذي يصف نظام التلمذة القاسي في النول العربي عند محمد زنبلكجي، حيث كان التلميذ "يصوّب الحاجة" لمدة 5-10 سنوات دون تعليم حقيقي، والضرب هو وسيلة التعليم. يروي تفاصيل الإضرابات الكبرى: إضراب "جنازة المكوك" احتجاجاً على غلاء الخبز الذي ارتفع من 5 قروش إلى 7 قروش للكيلو، وإضراب عام 1941 في معمل الغزل والنسيج بحلب حيث أضرب 2500 عامل لمدة 40 يوماً مطالبين بزيادة الأجور 50% ، وإضراب عمال السكك الحديدية حيث نزل 5000-7000 عامل إلى جسر الشيخ يعقوب.

يكرر المؤلفون عبر الشهادات اعترافاً صريحاً بحدود هذا العمل. فالمرويات هي "مادة خام أولية"، مكتوبة أحياناً "بخطوط رديئة"، وبعض النصوص ناقصة أو مشوشة، كما في نهاية مقطع "الدار الكبيرة" أو فقدان الورقة الأخيرة من سيرة أحد النقابيين في إدلب. يترك المحرر عبد الله حنا مسؤولية التفسير والتحليل للقارئ، معترفاً بأن هذه مجرد شهادات فردية لا تدعي التمثيل الإحصائي، بل تقدم صورة غنية ومباشرة عن عوالم اجتماعية متعددة.

تنبثق من المادة المقدمة عدة حجج قابلة للنقاش بوضوح. أولها، التباين الحاد في تقييم الحكم الفرنسي؛ فبينما تصفه شهادات من مصياف بأنه "فتح آفاقاً جديدة" وأدخل المدارس والطرق، تصفه شهادات أخرى من الصومعة ودرعا بازدراء كـ "الطغاة الفرنسيين". هذا التباين لا يُحسم في النص، بل يُترك للقارئ لملاحظته. ثانياً، المفارقة بين توصيف بعض الشهود للحياة الماضية بأنها كانت "هنيئة" و"مترابطة" وبين الروايات المباشرة عن القسوة والاستغلال والجوع، مما يعكس تعقيد العلاقة بين الذاكرة والتجربة المعيشة. أخيراً، النقد الحاد للسياسات النقابية بعد الاستقلال، حيث يتهم العمال السابقون النقابيين بالفساد بعد وصولهم إلى السلطة، ويقول أحدهم: "نحن العمال نكافح حتى نعيش ولا أحد يسمع لنا... مصّوا دمنا"، ويضيف آخر: "لم يتحقق شيء لأنه لا يحاسب المسيء... من عهد فرنسا وحتى الآن". هذا الإحباط العميق هو الخيط الخفي الذي يربط بين كل هذه الشهادات، مؤكداً أن التغيير السياسي لم يترجم دائماً إلى تغيير جوهري في حياة الفقراء.

Chapitres(4)

1.الأماكن والبلدات16–78▼ résumé

هذا الفصل من كتاب "مرويات من شرائح متنوعة من المجتمع السوري 1986-1988" هو مادة خام أولية، عبارة عن مجموعة من الشهادات الشفوية والمقالات القصيرة التي جمعها دارسون سوريون، وركزت على وصف الحياة اليومية والظروف الاقتصادية والاجتماعية في قرى وبلدات سورية مختلفة خلال فترات زمنية تمتد من أواخر العهد العثماني وحتى منتصف الثمانينيات. الموضوع المحوري هو استعراض أنماط العيش والهجرة والزراعة والعلاقات الاجتماعية تحت وطأة الأوضاع السياسية والاقتصادية المتعاقبة.

يسير الفصل عبر تقديم هذه المرويات الواحدة تلو الأخرى دون رابط تحليلي واضح بينها، حيث يبدأ كل مقطع بلقاء مع شخصية محلية. في المقطع الأول، يتحدث علي سيفو (مواليد 1926 في السلمية) عن طفولته، فيصف حفظه للقرآن عند مشايخ مقابل "قضامة" أو رغيف خبز، وعمله المبكر في الزراعة و"ضمان الأرز" (وهو نظام إقطاعي). يروي حادثة "التركي" حوالي عام 1936 حيث كادت قبيلة بدوية تشتبك مع أهالي المنطقة، لكن الأمير مصطفى تامر حال دون ذلك بوضع مسدسه في رأسه. يصف التحول الزراعي في المنطقة من كروم العنب إلى زراعة القطن والتبغ، ويذكر نشاط أحزاب مثل الحزب الشيوعي والقومي السوري والاشتراكي العربي. يتطرق لمظاهرة عام 1951 ضد غلاء المعيشة، ولتفاصيل الزواج والمهر والعادات مثل هدية "النقطة" والدبكة على الأرغول.

يلي ذلك وصف قرية الروضة (بانياس) الذي أعدته الدارسة صبا حبيب. يذكر أن تاريخها يعود إلى 275 عاماً في موقعها الحالي، وأن سكانها من طائفة الروم الأرثوذكس. تصف المروية الهجرات الثلاث الكبرى من القرية: الأولى بين عامي 1910-1911 إلى الأرجنتين والبرازيل وكوبا، والثالثة في 1952-1961 إلى فنزويلا. كان الفقر والجندية الإجبارية (سفر برلك) و"عشر الأموال" السبب الرئيسي للهجرة. تصف المروية تطور القرية لاحقاً مع دخول الكهرباء والمدارس (ابتدائية وإعدادية عام 1953) وهجرة جديدة إلى الخليج في الستينات والسبعينات، وعودة المهاجرين لبناء فنادق ومطاعم، ثم توقف الهجرة بسبب تطور الزراعة ووجود الجمعيات التعاونية.

في مقطع عن بلدة مصياف، يتحدث سليم صرصور (مواليد 1917) عن عمله كحجار لمدة 18 سنة ثم كسمان (سمسرة) لمدة 43 سنة. يصف نظام المقايضة قبل انتشار العملة، ويسرد تاريخ ملكية الأرض حيث كانت مملوكة لثلاثة عناصر هم آل القصاب وعلي فارس الحمصي ويوسف العمر، واستمر ذلك حتى الإصلاح الزراعي. يذكر قدم المدارس الابتدائية في البلدة والتي جاءت مع دخول الفرنسيين، معترفاً بأن الفرنسيين أدخلوا تحسينات وإن كانت مساوئ حكمهم كبيرة. يصف صعوبة تعليم الإناث في الماضي، وهجرة سكان المدينة إلى الريف منذ عام 1975 بكثافة.

يتحدث عباس غريب عن قرية بسيريت قرب حماة، فيصف فقره المدقع وهروبه لرعي الغنم في طفولته، ثم عمله في نظام "المُسّتاجي" (الحصة) مع أحد الإقطاعيين الأربعة في القرية (منذر وفوزي وجيه البرازي وعلي المعطي). يذكر هجرة الفلاحين الفقراء إلى منطقة الغاب أو المدينة، وهجرة معاكسة حديثة من المدينة إلى القرية، بالإضافة إلى هجرة بعض المعلمين إلى السعودية عن طريق الإعارة.

يروي صالح محمد ميكائيل (مواليد 1913، قرية الصومعة في طرطوس) قسوة الحياة تحت العثمانيين والفرنسيين، من سخرة وجندية إجبارية (سفر برلك). يصف مقاومة الشيخ صالح العلي للفرنسيين واتصاله بـإبراهيم هنانو، ورفض الشيخ أن يكون ملكاً على جبل العلويين قائلاً: "أنا أدافع عن دمشق قبل اللاذقية". يذكر دخول المدرسة إلى القرية عام 1930 وإعادة بنائها عام 1950، وتطور الخدمات (مياه 1975، كهرباء 1977، هاتف 1976)، وتحول نظرة الفتيات للتعليم ليصبحن معلمات ومهندسات وطبيبات.

يتناول مقطع "الفئات الاجتماعية في الدار الكبيرة وتوابعها على النهر العاصي" بشكل تحليلي أكثر هيكل الملكية. يحدد ثلاث فئات: فلاحون كبار (إقطاعيون سابقون)، ومتوسطون، وصغار وأجراء. يشرح كيف تحايلت العائلات الإقطاعية (آل الموصلي، آل الجندلي، آل الأتاسي، الحصني) على قانون الإصلاح الزراعي عبر تسجيل الأراضي بأسماء خيالية وتعاون وجهاء القرى، مما حال دون تنفيذ القانون فعلياً. يصف التطورات اللاحقة حيث هاجر الفقراء للعمل في المدينة بظروف سيئة، وشيئاً فشيئاً بدأ العمال بشراء الأراضي في أطراف القرية.

يروي حافظ الأبرش في بلدة التل أثر الهجرة للعمل في دول النفط (الخليج وليبيا) منذ أوائل الخمسينات. يصف ضيق الأراضي الزراعية، مما دفع الأهالي لتعلم الحرف اليدوية كالنحت. يصور مأساة الغربة بقصة أب عاد بعد عشرين عاماً فلم يعرفه ابنه. يصف انقسام المهاجرين إلى فئتين: الأولى نجحت وادخرت واشترت عقارات، والثانية أسرعها الطمع والتبذير فعادت بلا شيء. يذكر أن المال السهل أدى لغلاء الأراضي والمهور، وتغيير القيم الاجتماعية حيث أصبح العمل اليدوي في البلاد "معيباً" للمغترب العائد.

أما مقطع محافظة درعا للدارس يوسف برهو فيصنف الفئات الاجتماعية إلى فلاحين (مالكين كبار لا يعملون، مالكين يعملون بأيديهم، ومستأجرين أو عمالاً)، وعمال (زراعيين، مؤقتين في مؤسسات الدولة، دائمين في الصناعة الحديثة، وغير مقيدين يعملون بالتهريب والتنقيب عن الآثار)، ومنتفين (موظفين ومعلمين) يهاجرون للخليج. يصف العمال غير المؤهلين تقنياً في المعامل وكيف أنهم كانوا "عالة" على القطاع في البداية. ينتقد بشدة الهجرة إلى الخليج ويعتبرها "عملًا تحت ظل أناس بداوة متخلفين"، ويرى أن عودة المهاجرين بالدولارات تسبب تضخماً وغلاءً في المهور والأراضي.

يصف إبراهيم خضر السعيد (مواليد 1908) الحياة في قرية البلها شرقي حمص تحت نظام "الحفتليك"، وهو نظام فرمان سلطاني (للـسلطان عبد الحميد) يعفي السكان من العسكرية ويمنحهم أرضاً مقابل استيطان المنطقة. يصف آليات الضرائب والجندية الإجبارية واحتيال الأهالي للتهرب منها. يصف أدوات الزراعة البدائية (الحراثة بالثيران، الحصاد يدوياً، الدرس بـ"الميالان")، وطرق العيش في بيوت اللبن، وظاهرة "التربيع" (إرسال المواشي للمراعي في الربيع). يسرد مآسي فشل المحاصيل (سنوات "المحل") وهروب الأهالي من القرية لشدة الضرائب، ثم عودتهم بعد تهديد الدولة بنزع أراضيهم.

أخيراً، يتحدث ياسين قنطقجي (مواليد 1923، حماة) عن مسيرته النقابية. يصف عمله المبكر في "الغاب" وعمله في شركة كهرباء حماة التي كانت فرنسية عام 1936، وأجره الزهيد والعلاقة السيئة مع رب العمل عبد الكافي المبيض الذي كان يخصم الأجور لأي مطالب. يصف كفاحه لتأسيس نقابة عمال الكهرباء، ويتدخل والده (رئيس اتحاد عمال حماة) لدى المحافظ لإعادة عاملين مفصولين مهدداً بإضراب عام. يذكر تأميم الشركة عام 1960 وتحسن الأجور، ويقدم شهادته عن تدني التعليم في الماضي الذي كان حكراً على أبناء البيكوات والإقطاعيين، ويقارنه بالوضع بعد 1963.

يقر الفصل بحدود واضحة تتمثل في طبيعته الأولية، فهو مجرد وثائق ومرويات حرفية جمعها دارسون، كما يقر المحرر (عبد الله حنا) في المقدمة أن بعض الأوراق كانت "مكتوبة بخطوط رديئة" وتحتاج لجهد لفك طلاسمها، كما أن بعض النصوص ناقصة أو مشوشة (كما في نهاية مقطع "الدار الكبيرة")، مما يترك مسؤولية التفسير والتحليل للقارئ. كما أن الفصل خالٍ من تحليل نقدي موحد، بل هو عرض متتالٍ لشهادات تتفاوت في عمقها وشمولها، وتتراوح بين السرد العاطفي والوصف الموضوعي للممارسات الاقتصادية.

يمكن القول إن أكثر الحجج إثارة للنقاش في الفصل هي تلك المتعلقة بتقييم الحكم الفرنسي. ففي مقابل الإجماع على وصف العهد العثماني بأنه "سيء" وقائم على "التجهيل والاستغلال"، تتباين المواقف تجاه الانتداب الفرنسي؛ ففي مقطع مصياف هناك اعتراف صريح بأنه "فتح آفاقاً جديدة" وأدخل المدارس والطرق المحسّنة، بينما في مقاطع أخرى (كالصومعة ودرعا) يتم وصف الفرنسيين بازدراء كـ"الطغاة الفرنسيين" والحديث عن مقاومتهم المسلحة. هذا التباين يعكس رؤى مختلفة لدى الرواة لا يتم حسمها في النص، بل تترك للقارئ لملاحظتها.

1.الأرياف والمسألة الزراعية87–115▼ résumé

استنادًا إلى النص المقدم، إليك ملخص أمين للفصل المذكور:

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو استعراض ظروف الحياة القاسية والعلاقات الاجتماعية المتوترة في الأرياف السورية خلال الفترة الممتدة من أواخر العهد العثماني وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، مع التركيز بشكل خاص على "المسألة الزراعية" المتمثلة في هيمنة طبقة الإقطاعيين "الأفندية" و"البيكوات" على الأراضي والفلاحين. يقدم المؤلف الإجابة عن هذا الموضوع من خلال سلسلة من الشهادات الحية والمقابلات الشخصية التي تشكل المادة الأساسية للفصل، حيث يترك المجال لشخصيات من قرى سورية مختلفة لتروي تجاربها الفردية، مما يخلق صورة جماعية عن الفقر المدقع والاستغلال الظالم.

يسير الفصل من خلال استعراض هذه الشهادات الواحدة تلو الأخرى، وتتخذ كل شهادة شكل قصة حياة متكاملة. الحجج الأساسية التي يقدمها الفصل هي أن الإقطاعيين كانوا يسيطرون على كل مقومات الحياة في القرية، من الأرض والبيوت وحتى مصير السكان، حيث كان الفلاحون يعملون كأجراء بأجور زهيدة بلغت في بعض الحالات 150 ليرة سورية سنويًا أو 50 قرشًا سوريًا في اليوم، وكانوا ينامون مع الدواب ويتغذون على الخبز المصنوع من الذرة والشعير. يستخدم المؤلف أمثلة متعددة لتوضيح هذه الحالة، مثل شهادة عبد الله المصطفى العلي من قرية آفس قرب إدلب الذي وصف والده بأنه فلاح أجير عند الإقطاعي، ويحكي كيف كان يعمل الطفل مع عائلته في الحقول مقابل "ربع الموسم" الذي لا يكفي لسد الرمق، وكيف كان الإقطاعي يظلمهم في الحصاد. مثال آخر هو قصة سليم عبد ربه من حمورية الذي يصف علاقة الفلاحين بالأفندية في غوطة دمشق، حيث كان الفلاحون البسطاء يسكنون في "غرفة وغلية" بينما يملك الأفندي "فيلا" كبيرة ويستخدم الفلاحين كخدم ليل نهار. هناك أيضًا الشهادة المروعة من قرية الطليعي في منطقة صافيتا، حيث يروي حسن أحمد عبدالرحمن كيف استطاع الإقطاعي محمد جابر العباس في عام 1936 أن يمتلك القرية بأكملها بمساندة الحكام العثمانيين والفرنسيين، ويحول الأهالي إلى أجراء بالسخرة ويفرض عليهم ضرائب وغرامات ظالمة.

تكشف الشهادات عن ممارسات قمعية متعددة، مثل منع الإقطاعي فاخر الجابري في قرى حلب للنساء من تربية الدواجن تحت أي ظرف، وجمع "العيدية" من الفلاحين الفقراء بالقوة في قرية الطليعي. كما تبرز تفاصيل صارخة عن استغلال الأطفال والنساء في العمل كقصة قرية عين سابا التابعة لمنطقة السفيرة قرب حلب، وعن الزواج كمقايضة بين عائلات الفلاحين حيث كان المهر يدفع على شكل أكياس من الشعير أو الذرة. الأرقام الواردة في الشهادات حاسمة في توضيح حجم الفقر: كانت أجرة بعضهم السنوية 120 ليرة سورية ثم أصبحت 130 ليرة، وبعضهم الآخر كان يأخذ 400 ليرة و 40 قمحًا في السنة. يوضح النص كيف أن هذه الظروف قادت الكثيرين إلى الهجرة، إما إلى المدن الكبرى (مثل حلب ودمشق) أو خارج البلاد، وخاصة إلى لبنان وفيما بعد إلى دول الخليج العربية المنتجة للنفط.

يعترف المؤلف صراحة بوجود حدود للتغيير، حيث أن قوانين الإصلاح الزراعي التي صدرت في عهد الوحدة مع مصر ( 1958 ) وما بعدها لم تنجح دائماً في تحرير الفلاحين بالكامل، بل إن بعض الإقطاعيين (مثل منير جابر العباس في الطليعي) استطاعوا التحايل على القانون عن طريق بيع الأراضي "لوجوه غرباء" هم خدمهم السابقون ليستعيدوها لاحقاً باسم أبنائهم. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مصير هذه القرى والتغييرات التي طرأت على المجتمع الريفي بعد تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، حيث تشير شهادة من قرية غرمان في جبل العرب إلى أن الملكيات أصبحت صغيرة جدًا بعد توزيع أراضي آل الأطرش، مما اضطر الأهالي للعمل كعمال مرابعين أو البحث عن أعمال في مؤسسات الدولة. ولكن على الرغم من التحسن النسبي في بعض المناطق (كوصول الكهرباء لقرية "الهيجانة" عام 1981)، فإن الجو العام للفصل يظل ناقدًا للاستغلال التاريخي.

يمكن الإشارة إلى أن الفصل يقدم رواية تاريخية من وجهة نظر الفلاحين أنفسهم، وهي حجة رئيسية في فهم الصراع الطبقي في الريف السوري. يُظهر النص أن النظام الإقطاعي لم يكن مجرد نظام اقتصادي بل كان منظومة اجتماعية متكاملة من القهر والإذلال، مما يفسر الهجرات الجماعية والبحث عن فرص عمل جديدة. تعتبر هذه المرويات أداة لا تقدر بثمن لفهم التحولات العميقة التي شهدها الريف السوري من حياة التبعية للفسلفة الإقطاعية إلى محاولات بناء دولة حديثة، مع الاعتراف بأن هذه المحاولات كانت غير كافية في كثير من الأحيان وغير قادرة على تجاوز إرث الظلم المتراكم.

2.المهن: العمل النقابي وصور من الأرياف والمدن116–259▼ résumé

ملخص الفصل: "المهن: العمل النقابي وصور من الأرياف والمدن"

يتناول هذا الفصل من كتاب "مرويات من شرائح متنوعة من المجتمع السوري 1986-1988" حياة العمل والمهن في سوريا خلال فترة تمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف الثمانينيات، من خلال شهادات شفوية لعدد من الحرفيين والعمال من مناطق مختلفة. يقدم المؤلف صورة متعددة الأوجه عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المهن التقليدية، وعن ظروف العمل، والعلاقات بين العمال وأرباب العمل، ودور النقابات المهنية، مستنداً إلى مقابلات مباشرة أجراها مع أشخاص حقيقيين يروون سيرهم الذاتية وتجاربهم.

يسير الفصل عبر ثمانية أقسام رئيسية، يقدم كل واحد منها شهادة لشخص أو مجموعة من الأشخاص عن مهنتهم وظروف حياتهم. يبدأ الفصل بمقدمة عامة عن الحياة في الريف، حيث يصف العادات الغذائية التي كانت تعتمد على القمح والشعير والعدس، وأدوات الطحن البدائية، والمشكلات الصحية كالأوبئة التي لم يكن لها علاج، والثقافة الشفوية التي كانت سائدة من خلال القصص والحكايات، والتعامل بالمقايضة بدلاً من النقود.

القسم الأول مخصص لـ حرفة النول في تدمر، من خلال شهادة فوزية فالح النهابة، وهي امرأة من مواليد تدمر 1946، تحدثت في 5 نيسان 1987. تروي فوزية تفاصيل حياتها اليومية، حيث كانت تمارس أعمال البيت كالعجن والخبز على التنور، بالإضافة إلى عملها في النول. تقدم وصفاً دقيقاً لآلية عمل النول وأجزائه مثل السدوة والمردن والبزار والسيوف، وتشرح مراحل صناعة البساط اليدوي. تشير إلى أن تسويق الإنتاج كان يتم عن طريق السياح الأجانب الذين كانوا يشترون البسط من تدمر، وكان سعر البساط الواحد يتراوح حسب الحجم (قطعة واحدة أو قطعتين أو ثلاث قطع). تذكر فوزية أن حياة الأمس كانت هنيئة والتكافل الاجتماعي قوياً، على عكس الحاضر. كما تشير إلى أن حرفة النول بدأت بالزوال لأسباب متعددة: تحسن الحالة المادية، وارتفاع مستوى التعليم، وصعوبة العمل في النول، وتوجه البنات نحو التعليم أو مهن أخرى كالخياطة.

القسم الثاني يتناول الحلاق القراء ونقابته من خلال شهادة محمود محمد الزعبي من مواليد دمشق 1928، وهو حلاق تابع لنقابة الحلاقين في دمشق. يروي كيف اضطر لترك المدرسة بعد الصف الثالث الابتدائي بسبب ضيق الحال المادي، ووضعه والده عند حلاق ليتعلم المهنة. مع ذلك، تعلق بالقراءة واشترى مجلات مثل المصور والاثنين والكواكب والسينما المصرية، وقرأ صحفاً كـ البعث (التي كانت تصف حينها بأنها جريدة الملحدين بسبب زاوية شعرية اسمها "رباعيات"). يعدد الكتب التي قرأها مثل كتب عبد القادر المازني وأحمد علي باكير وعبد الرحمن الكواكبي وجورجي زيدان. يذكر الأحزاب السياسية التي عرفها: الشهبندريون، الكتلة الوطنية، الحزب الوطني، البعث، القومي السوري، الشيوعي، الإخوان المسلمون. يصف نظام العمل القديم في مهنة الحلاقة قبل التنظيم النقابي، حيث كان هناك شيخ كار وشاويش لكل حي يتمتع بسلطة تشغيل العمال. يروي حكاية طريفة عن جهل شيخ الكار الذي صحح له عامل كلمة "سبيداج هنغاري" فغضب وطرده. يذكر أن النقابة تشكلت عام 1948، وكان يرأسها جميل العطار، وكان أعضاؤها أميين أو دون المرحلة الابتدائية. يصف الأجور بأنها كانت ضئيلة جداً، والانتخابات كانت سرية، والفرح بالوحدة عام 1958 كان شاملاً، ثم بدأت الانقسامات بعد الانفصال. يذكر القرار 416 الصادر عن وزارة الاقتصاد الوطني بتاريخ 1951/3/28 لتنظيم مهنة الحلاقة.

القسم الثالث معنون "من الأصايل إلى السيارة" ويتناول سيرة محمد ندم الديركي من مواليد دمشق 1900، والذي بدأ ميكانيك سيارات عام 1912 ثم عمل سائقاً في 1928. يصف مهنة جده التي كانت تجارة الخيول العربية الأصيلة، حيث كان يشتريها من الأرياف ويبيعها لأصحاب النفوذ والأموال ومنهم مؤسسو شركة "الخماسية" للنسيج الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالحكم بعد الاستقلال. يذكر أن سعر الحصان الأصيل كان يصل إلى 500 ليرة عثمانية (الليرة العثمانية كانت ذهباً وتساوي 5 ليرات ونصف سوري). يروي كيف تعلم الميكانيك عند عبد الوهاب الزركلي في دمشق، ثم التحق بوظيفة سائق. يصف الطريق من دمشق إلى بغداد بأنها كانت ترابية وعرة، وكان السفر يحتاج لأكثر من يومين بأجرة 5 ليرات ذهب للراكب. يذكر أن عدد السيارات في سوريا آنذاك لم يتجاوز الستين، وأن شركة "داه" الانكليزية كانت تعمل لصالح المخابرات. يصف عام 1940 بأنه شهد نقلة نوعية مع بدء الاعتماد على الميكانيكيين المحليين، لكن عدم استقرار الحكم بعد انقلاب الزعيم أدى لركود اقتصادي، مشيراً إلى دور خالد العظم ووزير المالية وهبة الحريري في دعم الليرة السورية.

القسم الرابع هو تقرير مفصل عن شركة جبلة للغزل التابعة للقطاع العام. تأسست الشركة عام 1975 وبدأ العمل فيها عام 1979. تبلغ طاقتها 15 ألف مغزل. تشير الدراسة إلى مشكلات متعددة: سوء التنفيذ من قبل المقاولين، عدم قدرة نظام التكييف، عدم اكتمال تركيب 30% من الآلات الإنتاجية، نقص قطع التبديل لآلات التدوير الأميركية المصدر بسبب مقاطعتها التعامل مع إسرائيل، وكثرة العمال ذوي الطبيعة الزراعية المرتبطين بالمواسم مما يرفع نسبة الغياب لأكثر من 15% . كما تذكر إصابات العمل الناجمة عن سوء التركيب وصعوبة الطرق. في المقابل، تذكر الخدمات التي قدمتها الشركة: مؤسسة استهلاكية، مشفى، دور حضانة، نلوة عمالية، صالة ثقافية، فريق كرة طائرة، وتوصيل العمال إلى بيوتهم. تشير إلى أن الخطة الإنتاجية لعام 1988 كانت تهدف لإنتاج 3080 طناً من الغزول القطنية بينما أنتجت فعلاً 1566 طناً، مع نسبة تنفيذ 50.7% . تحدد جملة من المعالجات المقترحة لمشاكل القطع التبديلية ونقص اليد العاملة والنقل، وتذكر أن عدد العمال بلغ 1413 عاملاً وعاملة.

القسم الخامس يتناول صانع مدافئ من دمشق، وهو سعيد الجوهري من مواليد دمشق 1924، وتاريخ المقابلة آذار 1989. يصف مهنة جده في صناعة الأحذية خلال القرن التاسع عشر حيث كانت الحياة الاقتصادية صعبة بسبب الاحتلال. تعلم هو صناعة الحمامات والمدافئ، وكانت المواد الأولية من صفائح الحديد التي تعالج بالفحم الحجري. كان يشتغل أجيراً ثم صانعاً، والدوام من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة السابعة مساءً بدون تحديد، والعطلة يوم الجمعة. يذكر أن أرباح التجار تفوق أرباح الصناع بكثير، وكان سعر المدفأة أو الحمامات القديمة 8 ليرات سورية، وأرباح التاجر حوالي 15% . انضم إلى الجمعية الحرفية عام 1970، ويذكر العادات مثل عيدية صاحب العمل للعامل في العيدين.

القسم السادس مخصص لـ الحرف وتطورها في يبرود. يبعد عدد سكان يبرود حوالي 50 ألف نسمة، لكن الأراضي الزراعية لا تكفي لربعهم، مما دفع معظمهم للعمل بالحرف. دخلت الكهرباء إلى يبرود عام 1940 مما ساعد في تطور الصناعات. يذكر دور المغتربين في أمريكا اللاتينية والخليج في تمويل المعامل. يعدد الحرف الرئيسية: حرفة غزل وحياكة الشعر، صناعة بوابير الكاز والغاز، صناعة المدافئ، الأدوات الزراعية، النجارة والحدادة، صناديق السيارات، الخياطة، معامل النايلون والمسامير، صناعة الأحذية (الكندرجة)، وصناعة القفف. يصف آلية التصريف القديمة التي كانت قائمة على المقايضة، حيث كان التاجر يبيع لأبناء القرى ويسجل ديونهم ويستولي على محصولهم في المواسم الرديئة، بينما في العصر الحديث يتم التصريف بالنقد وتتوسع الأسواق لتشمل دول الخليج. الملاحظة المهمة أن التاجر ظل الحلقة الأقوى في السلسلة.

القسم السابع يتعمق في حرفة نسج الشعر في يبرود، من شهادة المعلم أبو جورج (ميشيل عياش) البالغ من العمر حوالي 75 سنة، والصانع عبدو سنقر (أبو علي)، في لقاء جرى عام 1987 أو 1988. يصف أبو جورج كيف كانت الحرفة موجودة منذ أكثر من 300 عام، وقبل عشرين سنة كان أكثر من ثلثي سكان يبرود يعملون بها. يصف مراحل العمل: جلب الشعر من الدباغة، الندف يدوياً بجهاز خاص، ثم الغزل، ثم الحياكة على النول لإنتاج "شقة" لبيوت البدو. يروي فظاظة المعلمين القدامى الذين كانوا يضربون العمال بالعصا، ويذكر أيام الجوع القاسية تحت الحكم العثماني والفرنسي حيث اضطر الناس لبيع شعر نسائهم. يصف المندف بأنه جهاز ذو مسامير وحبال تربط بين طرفيه. يذكر أن أجرة غزل الرطل كانت تتدرج من قرشين إلى 5 ليرات حسب الزمن، وكان من يغزل خيطاً غليظاً يُطرد. يتحدث عن صعوبة توفير المواد الأولية حالياً والتي تستورد من تركيا والصين. يشرح أن الجمعية الحرفية يديرها ثلاثة حرفيين، يقومون باستيراد الشعر وتوزيعه محلياً. يعدد عيوب الحرفة: غبار الشعر الذي يسبب ضيق التنفس، وقاعدة المستهلكين المحدودة (البدو) التي تتوقف على الأمطار. لكنه يشيد بمرونة الحرفة وإمكانية العمل بها في أي وقت وبمشاركة الأسرة. يضيف الصانع عبدو سنقر أن المنتَج السوري أفضل من التركي في الخليج، ويطالب بتأمينات اجتماعية ودعم للقروض.

القسم الثامن والأخير يتناول قصة مهاجر من الريف إلى حلب، هو عبد الوهاب هندي من مواليد 1926 في قرية كفرنايا التابعة لحلب، بتاريخ 28 تشرين الأول 1988. يصف عمل جده في الفلاحة باستخدام الثيران، وكانت الأراضي ملك الفلاحين لكن القرية كان يملكها إقطاعي اسمه جحودت بيك بن حميد بيك. في الثلاثينيات، كان العامل يحصل على 35 ليرة سورية سنوياً. نزل عبد الوهاب إلى حلب عام 1942 ليعمل صانع نول بأجرة 5 ليرات سورية يومياً، وكان كيلو الطحين للفقراء يساوي 0.5 قرش سوري وللأغنياء 5 قروش. انتقل للعمل على العربة بالدواب بأجرة 7 ليرات يومياً، ثم عمل عتالاً في مطحنة الططوري التي كان مالكها محمد خير الططوري. يصف قسوة صاحب مطحنة منافس اسمه جكّي حزيد الذي كان يمسك العمال من آذانهم ويرفسهم. من 1955-1958 عمل عبد الوهاب حارساً في المطحنة بأجرة 5 ليرات، ثم أضيفت إدارة محرك الطحين فبلغ راتبه 200 ليرة. يصف العلاقات المتوترة بين سكان المدينة، ويقول إن أبناء المدينة (الذين كانوا يسمون "النازة") كانوا يستغلون أبناء الريف ويأخذون نصف بضاعتهم. يعيش عبد الوهاب حالياً مع أولاده السبعة.

في نهاية الفصل، هناك إشارة عابرة إلى تجارة السمن البلدي في بادية الشام، وهو موضوع لم يُطوَّر بشكل كامل ضمن المرويات السابقة. يصف هذا القسم طريقة استخراج السمن من حليب الغنم (بطريقتي الفرز بالفرازة اليدوية أو الخض بالجف)، وأنواع السمن حسب المنطقة (السمن الجبلي الأفضل ويبلغ سعره عام 1987 حوالي 170 ليرة للكيلو، وسمن الحماد بحوالي 165 ليرة، وبقية المناطق)، وطريقة البيع بالمزاد العلني، وعملية "العنبرة" لتصفية السمن، ومشكلة الغش التي ضبطت عدة مرات.

يعترف المؤلف بحدود هذه المرويات، فهي مجرد شهادات فردية لا تدعي التمثيل الإحصائي، لكنها تقدم صورة غنية ومباشرة عن عوالم اجتماعية ومهنية متعددة. يظل السؤال مفتوحاً حول مدى تمكن هذه الشهادات من تمثيل التحولات الكبرى في بنية المجتمع السوري، خاصة مع إقرار معظم الشهود بأن المهنة التقليدية (النول، نسج الشعر، صناعة الأحذية) تمر بمرحلة أفول حاد، وأن الأجيال الجديدة تتجه نحو التعليم والعمل في القطاع الحديث، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه الحرف في ظل التغيرات الاقتصادية والثقافية المتسارعة. من النقاط القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، التناقض الظاهر بين توصيف بعض الشهود للحياة الماضية بأنها كانت "هنيئة" و"مترابطة" وبين الروايات المباشرة عن القسوة والاستغلال والجوع، مما يعكس تعقيد العلاقة بين الذاكرة والتجربة المعيشة، وربما يشي بحنين عاطفي إلى ماضٍ لم يكن أقل قسوة مما وصفوه بأنفسهم.

3.العمال والنقابات260–363▼ résumé

ملخص الفصل: «العمال والنقابات»

الموضوع المحوري

يدرس هذا الفصل واقع الطبقة العاملة السورية ونشاطها النقابي خلال الفترة الممتدة من أواخر الحكم العثماني حتى منتصف القرن العشرين، مع تركيز خاص على العقود 1920-1960. يقدم المؤلف عبر شهادات حية لعمال ونقابيين صورة عن ظروف العمل القاسية، والنضال من أجل الحقوق العمالية، وتطور التنظيم النقابي في سوريا، متتبعاً التحولات من عهد الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال فمرحلة الوحدة مع مصر ثم الانفصال.

سير الفصل وحججه

يستند الفصل إلى مقابلات شخصية مطولة مع عمال من مناطق مختلفة، أبرزهم أنطون معان (مواليد 1925، دمشق) الذي يروي قصة والده الذي عمل في سكة حديد الحجاز، وحياته هو الذي عمل بدءاً من كراج لتصليح السيارات ثم في سكة الحديد في أقسام الشوديير واللنداك، حيث كان راتبه الشهري في البداية 25 ل.س ووصل إلى 90 ل.س قبل أن يضطر لترك العمل عام 1946 بعد طلب المدير الجديد فؤاد بيك قاسم استقالته تحت التهديد.

يصف أنطون بدايات العمل النقابي في سكة الحديد بأنها كانت "بذوراً تابعة لفرنسا"، حيث كان النقابيون الأوائل أمثال شفيق النحاس يعملون من أجل "المصلحة الشخصية". ثم انتقل أنطون للعمل في شركة الكهرباء ("الحر والتنوير") عام 1946، حيث بدأت النقابات تتشكل بشكل أجد، وكان أول رئيس نقابي هو أبو صياك تلاه زكي كيوان. يصف نظام الأجور في الشركة: العامل العادي 36 قرشاً للساعة، والأنشط 42 قرشاً، والعامل المهني بين 55-65 قرشاً حسب نشاطه، مع ساعات عمل 9 ساعات إلا ربعاً.

يبرز الفصل التحول في دور النقابات بعد الاستقلال، حيث يقول أنطون: "كان النقابيون في هذه الفترة مجتهدين، هدفهم حقوق العامل"، وأصبح للعمال حرية الحديث واللجوء إلى المدير دون خوف. لكنه ينتقد المرحلة اللاحقة، خاصة بعد الانفصال، حيث "أصبحت المحسوبيات كبيرة" وأصبحت النقابة "مطية" لمن يصل إلى الحكم.

شهادة صانع الأحذية

تقدم الشهادة الثانية لصانع أحذية (مواليد 1936، دمشق) تفاصيل عن حرفة صناعة الأحذية التي تعلمها من والده. يصف مراحل التصنيع: بدءاً من "صانع السكين" الذي يضع الوجه على القالب ويثبته بـ"الدشلى"، ثم "عامل الخياطة" الذي يخيط الدردلة والنعل السفلي، وانتهاء بالكي وخلع القالب. كانت أجرة "صانع السكين" آنذاك 4 ل.س، وأجرة صانع الخياطة 2 ل.س.

انتقل المتحدث للعمل في شركة نسيج عام 1954، حيث بدأ العمال تنظيماً سرياً عام 1959-1960، وبدأت الصدامات مع أرباب العمل بمساعدة "نقابة السائقين" برئاسة محمود حلفة وخالد الحكمي وفخري نابلسي، مما أدى إلى دخولهم السجون. يكشف الفرق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع: حذاء رجالي يكلف 5.50 ل.س ويباع بـ11 ل.س، ونسائي يكلف 3.50 ل.س ويباع بـ8 ل.س، وأطفال يكلف 3.50 ل.س ويباع بـ15 ل.س، مما يظهر هامش الربح الكبير لأرباب العمل.

شهادة عامل النسيج من حلب

تعد شهادة عبد الله حلفة (مواليد 1935، حلب) الأكثر تفصيلاً. يصف طفولته في بيروت مع والده الذي كان يعمل "عاملاً مطلقاً" في أعمال يومية، ثم عودتهم إلى حلب عام 1938 حيث عمل المتحدث في النول العربي عند محمد زنبلكجي. يصف نظام التلمذة القاسي: "أصوّب الحاجة" لمدة 5-10 سنوات دون تعليم حقيقي، والضرب كوسيلة تعليم.

في عام 1936 تأسس "معمل الغزل والنسيج" في حلب، أول معمل مساهمة أهلية في سوريا، بـ3000 عامل يعملون على ثلاثة أحواق، كل جوق 8 ساعات. يصف عملية اختيار العمال من قبل المدير الفرنسي "المسيو هانك" الذي يختار 5 أو 6 عمال من المئات المتزاحمين خارج المعمل. كان قانون العمل آنذاك: الأسبوع الأول بلا أجر، والأسبوع الثاني أجرته رهينة، والأجر الفعلي يبدأ من الأسبوع الثالث. كانت الأجور "يوم الخميس 5 قروش، والجمعة راحة بلا أجر"، وعمل يوم الجمعة يحرم العامل من أجر يوم الخميس.

يصف قسوة التأخير: تأخير 5 دقائق يعفى عنه، من 5-10 دقائق يحرم أجر ربع يوم "ويدق التأخير بالخط الأحمر لينتبه إليه المسؤول مباشرة". تمكن من زيادة أجره من 5 قروش إلى 10 قروش بفضل وساطة عمه الذي كان صديقاً لوالي حلب آنذاك.

إضرابات عمال النسيج

يصف الفصل ثلاث إضرابات كبرى:

  1. إضراب "جنازة المكوك": قام العمال بدفن "مكوك" (أداة النسيج) في تابوت، كرمز لرفضهم العمل، مع هتافات ضد غلاء الخبز الذي ارتفع سعره من 5 قروش إلى 7 قروش للكيلو.

  2. إضراب عام 1941: عندما خفض أصحاب المعمل أحواق العمل من ثلاثة إلى اثنين وزادوا ساعات العمل إلى 12 ساعة بسبب نقص المازوت إثر الحرب العالمية الثانية، أضرب 2500 عامل لمدة 40 يوماً مطالبين بزيادة الأجور 50% . نجح الإضراب بفضل تشكيل العمال مناوبة لمنع "النافقين" من العمل، وبعد عودة المدير من الخارج وافق على الزيادة. لكن بعد ستة أشهر، بدأت الإدارة بتسريح منظمي الإضراب اثنين اثنين حتى اختفوا جميعاً.

  3. إضراب عمال السكك الحديدية: نزل 5000-7000 عامل إلى جسر الشيخ يعقوب مطالبين بزيادة الرواتب، فجاء البوليس الفرنسي، فذهب العمال طواعية إلى السجن. يصف الفصل حيلة نقابي فرنسي حاول تهدئة العمال لكن المترجم السوري غمز للعمال برفض الاقتراحات، كما غمز لسائق القطار "يكيس الرمّي" فأفسد بدلة النقابي الفرنسي بالفحم.

النقابي إبراهيم الجهماني

يخصص الفصل قسماً للنقابي إبراهيم الجهماني من درعا (مواليد 1906)، الذي حصل على الشهادة الابتدائية عام 1930 وكان متمكناً من الفرنسية. نشأ في وسط فلاحي وعمل في البناء والتشييد متخصصاً في التلييس. ناضل ضد الاستعمار وعمل متنقلاً بين سوريا وفلسطين والأردن، واتصل بالحركات العمالية والوطنية هناك.

في عام 1948 تشكلت أول "جمعية عمال مصالح الدولة" في درعا برئاسته، واجهت مقاومة من المتعهدين الكبار. نجحت في كسب القضاء إلى جانب الدعاوى العمالية، وحصلت العمال على إجازات الأعياد والعطلة الأسبوعية المأجورة والتعويض العائلي. يصف الفصل الجهماني بأنه ظل رئيساً لاتحاد عمال مصالح الدولة لسنوات، ومثّل سوريا في مؤتمرات عمالية دولية في الاتحاد السوفييتي وبلغاريا وألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا، وزار بريطانيا بدعوة من حزب العمال البريطاني حيث تحدث في مجلس العموم عن قضية فلسطين.

توفي الجهماني في 17 نيسان 1973 في درعا "فقيراً، شيّعه رفاقه بعد أن قضى في خدمة الحركة العمالية ما ينيف عن أربعين عاماً".

شهادات من إدلب

يقدم الفصل لقاء مع ثلاثة نقابيين من إدلب، أبرزهم محمود طباة (مواليد 1931)، الذي كان أمياً وانتسب إلى حزب البعث عام 1949 حيث تعلم القراءة والكتابة في دورة للحزب. يصف المهنة المندثرة "صنايعي المراكيب الحمر" التي مارسها زميله يحيى دردورة قبل زوالها دون أن يكون لها نقابة.

حدود وتحفظات الفصل

يقر الفصل بأن كثيراً من المعلومات النقابية عن بدايات التنظيم في إدلب مفقودة بسبب موت الشهود وعدم التوثيق. كما يشير إلى أن بعض هذه الشهادات فقدت أجزاء منها، حيث دوّن أحد المحققين: "للأسف فُقدت الورقة الأخيرة من هذه السيرة الواقعية دون مبالغة أو تزينات". كذلك يتحفظ عن دقة بعض الروايات، حيث لاحظ الدارس أن "جنازة المكوك" التي حدث عنها أحد المتحدثين في دمشق قد تختلف عن تلك التي حدثت في حلب، قائلاً: "يبدو أن الجنازة التي حدث عنها تلبجي هي غير الجنازة المذكورة هنا".

حجج قابلة للنقاش

يطرح الفصل نقداً حاداً للسياسات النقابية بعد الاستقلال، واصفاً النقابيين في مراحل لاحقة بأنهم "لا يسألون عنا، يجمعون الاشتراكات ليذهبوا إلى الشام بحجة تأمين معالينا... حياتهم نفاق وكولكة". ويتهم العمال السابقين بالفساد بعد وصولهم إلى السلطة، قائلاً عن نقابي غيّر شهادته من بكالوريوس إلى هندسة بالتزوير باستخدام زوجته الألمانية. كما يشير إلى نقد التنافس الحزبي في النقابات، وكيف أن بعض النقابيين "دخلوا النقابة بواسطة حزب البعث وهم أساساً ليسوا من العمال".

ختاماً، يعبر الفصل عن إحباط العمال من الوضع الراهن، حيث يقول أحدهم: "نحن العمال نكافح حتى نعيش ولا أحد يسمع لنا. لا نضال ولا نقابة ولا قانون عمل. مصّوا دمنا". ويضيف آخر: "لم يتحقق شيء لأنه لا يحاسب المسيء... من عهد فرنسا وحتى الآن".