Almawred
عماد نداف - خالد بكداش يتحدث
عربي

عماد نداف - خالد بكداش يتحدث

عماد ندافar

كتاب “خالد بكداش يتحدث” للكاتب عماد نداف هو عمل موسوعي يقوم على حوارات مطولة ومقابلات صحفية أُجريت مع الأمين العام التاريخي للحزب الشيوعي السوري، خالد بكداش، ويضم أيضاً فصلاً توثيقياً مهماً يتضمن وثائق حزبية نادرة. الموضوع المحوري للكتاب هو سرد السيرة الذاتية والسياسية لبكداش، مع تقديم رؤيته وتفسيره الشخصي للأحداث الكبرى التي شهدتها سورية والعالم على مدى أكثر من ستة عقود. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف عبر نقل كلام بكداش هو إعادة تثبيت شرعية الحزب الشيوعي السوري التاريخية ودوره النضالي، والدفاع عن إرثه الأيديولوجي الماركسي-اللينيني، وخصوصاً بعد الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي. يظهر الكتاب كشهادة شخصية وسياسية تسعى للإجابة عن السؤال المحوري: كيف صمد هذا الحزب عبر كل هذه التحولات، وما مبرر بقائه في ظل انهيار المنظومة التي كان ينتمي إليها؟

يسير الكتاب في خط متعرج يعتمد على الحوار والمقابلة، لكنه ينطلق من بدايات بكداش المبكرة ليصل إلى أزمات الحزب الداخلية والخارجية. تبدأ القصة بلقاء مصيري في قرية عسال الورد في جبال لبنان الشرقية مع شخص اسمه ناصر حدة، وهو اللقاء الذي قاده لاكتشاف وجود حزب سري اسمه الحزب الشيوعي. بعد عودته إلى دمشق، أخبر صديقه فوزي الزعيم الذي كشف له عن أهداف الحزب: معاداة الاستعمار والرأسمالية والإقطاع، والمطالبة بالاستقلال وتوزيع الأراضي. وجد بكداش في هذه الأفكار صدى لميوله الوطنية التي تشكلت في صباه، حين كان يسمع في مكتب عنبر عن البلاشفة. انضم بكداش إلى الحزب وشارك في إصدار جريدة «المطرقة والمنجل» عام 1931، مما أدى إلى اعتقاله على يد السلطات الفرنسية، في أولى محطات السجن الطويلة التي وصف تفاصيلها، حيث حولوا قاعة المحكمة إلى منصة سياسية. بعد خروجه من السجن، نشط الحزب في الأوساط الشعبية، وتولى بكداش أمانته العامة عام 1936، بعد أن سافر سراً إلى موسكو لدراسة الماركسية اللينينية.

ينتقل السرد بعدها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، ليروي بكداش علاقته مع شكري القوتلي وصعوبات العمل البرلماني. يصف انقلاب حسني الزعيم الذي اعتبره مدعوماً من الاستعمار الفرنسي، وكيف قادت زوجته أم عمار (وصال فرحة) مظاهرة نسائية هتفت “تسقط الديكتاتورية”. ثم يتناول تجربة الوحدة مع مصر تحت حكم جمال عبد الناصر، وهي من أكثر فصول الكتاب إثارة للجدل. يصف بكداش فترة اضطهاد الحزب الشيوعي السوري بعد الوحدة، إذ اعتقل القيادي فرج الله الحلو وعذب وأذيب جسده في الأسيد، بينما تخفى بكداش نفسه لعدة أشهر بعد رفضه حل الحزب مقابل منصب كبير. وعلى الرغم من هذا، يقدم بكداش تقييماً متوازناً لعبد الناصر يعترف فيه بمواقفه ضد الاستعمار، لكنه ينتقد اضطهاده للشيوعيين والتقدميين، بل ويشكك في ظروف وفاته، متسائلاً إن كانت صدفة أم عملاً مقصوداً.

مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة في 16 تشرين الثاني 1970، بدأ فصل جديد من العلاقة. يصف بكداش تردد الحزب الأولي إزاء “الحركة التصحيحية”، فبينما صوتت أغلبية المكتب السياسي (خمسة أصوات مقابل صوتين) للمشاركة في مظاهرات ضدها، قرر الحزب بعد صدور بيان القيادة القطرية المؤقتة في 11 تشرين الثاني تأييد الحركة. يشرح بكداش أنه شعر بأن صاحب الحركة وطني، ففضل التريث، ثم التقى بالرئيس الأسد وطلب وزيرين في الحكومة، فوافق الأسد بعد تردد. يبرر بكداش تحالف الحزب مع السلطة كخيار استراتيجي في ظل الظروف الإقليمية والدولية، مؤكداً أن الحزب ليس معارضة بالمعنى التقليدي، بل هو جزء من الجبهة الوطنية التقدمية يدعم السياسة الوطنية ويسعى للتأثير من الداخل، محذراً من أن الأصوليين قد يركبون موجة الاستياء الشعبي. ومع ذلك، يعترف بكداش بوجود ثغرات ونقاط ضعف في ميثاق الجبهة، ويطالب بتوسيع الديمقراطية والحريات، متسائلاً كيف أن الحزب الذي له تمثيل في الحكومة لا يمتلك جريدة علنية.

من أبرز الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها في الكتاب، وصف بكداش لترجمة البيان الشيوعي عام 1935، وتوزيعه المناشير بنفسه مع فوزي الزعيم والعامل أحمد خضركي. كما يذكر دعم الحزب الشيوعي الفرنسي القوي للحزب السوري، وضغطه على حكومته لعدم اضطهاد الحركات الوطنية. في حديثه عن الوحدة مع مصر، يستشهد بكداش بأرقام صارخة عن التدهور الاقتصادي: تحولت سورية من بلد مصدر للقمح إلى مستورد له، وهبط الإنتاج الصناعي، وهاجر خمسون ألف عامل سوري إلى لبنان. في سياق حديثه عن القومية العربية، يشير بكداش إلى مقولة الجنرال شارل ديغول عن استحالة إخضاع سورية، مستشهداً بإرسال فرنسا مائة وخمسين ألف جندي لقمع الثورة السورية حين كان عدد السكان خمسة ملايين نسمة. كما يروي قصة طريفة عن إعجاب ماوتسي تونغ باستغرابه من عدم ذهابه للصلاة في الجامع الأموي مع بطل الثورة السورية محمد الأشمر.

يقر بكداش بحدود وتحفظات واضحة في مسيرة الحزب. يعترف بوجود ثغرات في ميثاق الجبهة، وبأن دم الحزب “سال” بسبب دفاعه عن موقف السوفييت من قضية فلسطين. كما يعترف بوجود أخطاء في تطبيق المدرسة الواقعية الاشتراكية في الأدب، حيث “يهملون الجانب السلبي”، ويعترف بتأخير عقد المؤتمرات الحزبية لمدة ثلاثين عاماً، مستنداً إلى نصيحة من الرفاق السوفييت. يترك بكداش سؤالاً مفتوحاً حول تغيير اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى حزب الشعب الفلسطيني، معلناً عدم موافقته لكنه يستبعد قطع العلاقة. كما يترك الحوار أسئلة مفتوحة حول إمكانية انفصال فريق يوسف فيصل عن الحزب، حيث يقول “لا أدري”. يكشف بكداش أيضاً عن ظروف تخفيه الصعبة في بيروت حيث كان طعامه الخبز والعرقسوس واضطراره للاختباء في إسطبل، معبراً عن ثقته المطلقة بالرفاق الذين لم يخونوا تحت التعذيب.

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة. أبرزها التناقض الظاهري بين وصف بكداش لنفسه كقوة تطالب بتوسيع الديمقراطية والحريات، وبين كونه جزءاً من نظام لا يسمح بوجود صحافة حزبية علنية له. كما أن تبرير موقف الحزب من المعارضة ينتهي إلى رفض أي معارضة ذات طابع سياسي خارج إطار الجبهة، ويقتصرها على المطالب الخدماتية. موقف بكداش من ستالين مثير للجدل أيضاً، حيث يرفض فكرة أن البيروقراطية الستالينية زرعت بذرة موت الاشتراكية، ويرى أن ما حدث في الاتحاد السوفييتي كان “مؤامرة خارجية” لعبت فيها أوساط قيادية منحرفة دوراً، في مقابل روايات تاريخية واسعة الانتشار حتى بين اليساريين. وأخيراً، يمكن ملاحظة أن بكداش يميل في معظم الحوار لتبرير مواقف حزبه بشكل كامل وإلقاء اللوم على القوى الأخرى، مما يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة شخصية وسياسية دفاعية منه إلى تحليل موضوعي متوازن، لا سيما في فصول مثل “الاشتراكيون الديمقراطيون” و”القسم الثالث”، حيث يواجه اتهامات مباشرة من خصوم سياسيين وينفيها بقوة. في المجمل، يقدم الكتاب صورة معقدة لزعيم شيوعي مخضرم، تجمع بين الصرامة الأيديولوجية والمرونة التكتيكية، وبين النضال السياسي الصلب والحساسية الثقافية التي تجلت في حبه لدمشق والياسمين والشعر العربي.

Chapitres(11)

1.الوثائق155–244▼ résumé

ملخص الفصل: «الوثائق»

يضم هذا الفصل مجموعة من الوثائق التاريخية الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري، والتي تعكس مواقفه من القضايا الوطنية والقومية الكبرى خلال مراحل مختلفة. يقدم المؤلف هذه الوثائق كمواد أولية للقارئ، مشيراً إلى أن كثيراً منها كتبها خالد بكداش نفسه، مع شكر خاص لـعبد الوهاب رشواني عضو المكتب السياسي للحزب على تزويده بالوثائق.


يبدأ الفصل بمقال لـخالد بكداش نُشر في جريدة «الإنشاء» بتاريخ 1 حزيران 1951، وأعادت نشره جريدة «صوت الشعب» في 05 حزيران 1951، حول قضية لواء إسكندرون. يصف بكداش زيارته إلى الإسكندرونة بعد قرار جنيف، ويصور القلق الجديد الذي يسود المدينة، وهو قلق الجبار الذي عقد النية على النضال لا قلق المستجير. يلاحظ بكداش تعلق اللواء المتزايد بـسورية العربية، ويستغرب دخول عناصر تركية إلى جبهة النضال إلى جانب العرب. ويحكي عن مؤتمر شعبي في بهو سينما وكسي مساء يوم الأربعاء في 07 أيار، ضم عشرات العمال والصناع الأتراك الذين صفقوا للهتاف بأن اللواء سوري وسيبقى سوري.

يكشف بكداش أن بعض الأتراك قالوا له إنهم ليسوا وحيدين في تضامنهم، بل جموعاً غفيرة تعطف على الموقف السوري، لكنهم يخشون انتصار الحكومة التركية في مطامعها الاستعمارية. ويهاجم بكداش الدعاة الدساسين الذين يروجون أن تركيا قوية وسورية لا تستطيع مقاومتها، لافتاً إلى أن السلطات الفرنسية لا تحارب هذه الدعايات. ويتهم بعض العناصر غير التركية بالتفوق بنشاطها الهدام، والعمل للإيقاع بين العرب والأتراك، وبين الأرمن والعرب. ويذكر أن هذه العناصر حاولت إقناع زعماء الأحزاب الأرمنية الطاشناق والرامغاوار بأن حلول جنيف في مصلحتهم.


تنتقل الوثائق إلى برنامج الحزب الشيوعي في لواء إسكندرون، الذي قُدم إلى السلطات التركية من قبل قاسم رضوان وارتين ماخيان، ونص في مادته الأولى على أنه فرع من الحزب الشيوعي السوري. تضمن البرنامج ثماني مواد تنادي بالإخاء بين سكان اللواء، وإقامة نظام ديمقراطي، وضمان الحريات الشعبية، والنضال ضد دعايات التفرقة والفاشية، ورفع المستوى المادي والثقافي، وتأمين التطور الحر، والمحافظة على العلاقات مع الوطن السوري، والتعاون مع الأقطار الديمقراطية في النضال ضد الحرب.


تتضمن الوثائق بياناً مشتركاً صدر في تشرين الأول 1948 عن الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني وعصبة التحرر الوطني في فلسطين حول القضية الفلسطينية وقرار التقسيم. يصف البيان الحرب الفلسطينية بأنها نتيجة مباشرة للتكالب بين انكلترا وأمريكا، ويتهمهما بإشعال الحرب لتسوية الحساب بينهما. ويكشف عن مشروع برنادوت الذي يقوم على التقسيم، لكنه يمنع العرب من بناء دولة مستقلة ويلحق الأراضي العربية بـالأردن تحت إشراف بريطاني وأمريكي مباشر.

يهاجم البيان الملك عبد الله وصفه بصنيع الاستعمار، ويتهم الحكام الرجعيين في الدول العربية بالخيانة، قائلاً إنهم لم يعلنوا الحرب لمنع التقسيم بل لتنفيذه. ويتناول البيان النكبات التي حلت بعرب فلسطين، ويعدد الخسائر العسكرية والدولية والاقتصادية والوطنية. ويتهم جامعة الدول العربية بأنها أداة في يد الاستعمار ووكر للخيانات والدسائس.

يدعو البيان إلى وقف الأعمال الحربية في فلسطين، وإعادة المشردين العرب، وإقامة دولة عربية مستقلة ديمقراطية، والجلاء العسكري التام عن مصر والعراق وشرق الأردن، وإلغاء امتيازات شركات البترول الاستعمارية. ويركز البيان على أن الاتحاد السوفييتي هو حليف العرب الطبيعي ضد الاستعمار، ويدعو إلى تعزيز الصداقة معه.


يتضمن الفصل أيضاً قرارين من الدورة العادية للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري في شهري نيسان وأيار عام 1957. القرار الأول يتعلق بقضية الوحدة العربية، ويؤكد أنها ليست وليد ظروف طارئة بل مظهر لحاجة واقعية وتطور تاريخي موضوعي. ويقر القرار بأن الاستعمار كان ولا يزال العائق الرئيسي في وجه الوحدة، وأن الطريق نحوها يفتح تبعاً لانحسار الاستعمار. ويدعو إلى التعاون المتين بين البلدان العربية المتحررة، خصوصاً سوريا ومصر، ويشير إلى أن نجاح الشعب العراقي في تحطيم حلف بغداد سيزيل عائقاً كبيراً من طريق التعاون العربي.

القرار الثاني يتعلق بمبادئ القيادة الجماعية وتطبيق الديمقراطية داخل الحزب. يعترف القرار بوجود نواقص جدية في نشاط الهيئات القيادية، منها إهمال تطبيق مبدأ القيادة الجماعية والفهم الخاطئ له، والاعتماد على الأسلوب الفردي البيروقراطي، وعدم تقدير مسؤولية العمل القيادي. ويدعو القرار إلى تطبيق دقيق لمبدأ القيادة الجماعية، وتطوير الديمقراطية الداخلية، والاهتمام بالعمل الثقافي والتثقيف النظري، وتوسيع الحزب ليكون حزباً جماهيرياً قوياً.


ثم يعود الفصل إلى مقال لـخالد بكداش نُشر في المجلة الدولية الجديدة في عدد تشرين الثاني 1964 بعنوان «اتجاهان في الحركة الوطنية العربية»، يركز على القومية العربية والوحدة. يؤكد بكداش أن الشيوعيين العرب ليسوا ضد القومية العربية والوحدة، بل يريدون تطورها في طريق التقدم والديمقراطية. ويستشهد بـلينين حول وجود محتوى ديمقراطي تقدمي في القومية المضطهدة. ويهاجم الأوساط اليمينية التي تريد طمس هذا المحتوى وتحويل القومية إلى حلف للاستعمار الأمريكي، ويضرب مثلاً بـنوري السعيد الذي زعم أنه حامل لواء القومية العربية.

يدخل بكداش في تحليل عميق للوحدة العربية، ويقدم ثلاثة أمثلة على صعوباتها: اختلاف تكاليف الإنتاج الصناعي بين البلدان، وفروق متوسط أجور العمال بين سوريا ومصر، واختلاف التقاليد الديمقراطية. وينتقد بشدة حزب البعث، معتبراً أن سياساته أدت إلى فقدان ثقة الشعب السوري به خلال عام واحد، حتى أن جمال عبد الناصر نفسه قرر التخلص منهم.

يقدم بكداش نقداً حاداً للوحدة بين مصر وسوريا، متحدثاً عن التدهور الاقتصادي في سوريا بعدها: تحول سوريا من بلد مصدر للقمح إلى مستورد له، انخفاض المساحة المزروعة قطناً، ركود التجارة، هبوط الإنتاج الصناعي، بطالة الآلاف، هجرة خمسين ألف عامل سوري إلى لبنان، هبوط قيمة النقد السوري، وارتفاع الأسعار لمستويات لم تعرفها سوريا منذ الحرب العالمية الثانية. ويتهم بكداش الحكومة المصرية باتباع سياسة تخدم مطامع الاحتكارية للبرجوازية المصرية.

أما من الناحية السياسية، فيصف بكداش الحالة في سوريا بأنها استبداد مطلق لم تعرف له مثيلاً، مع حل جميع الأحزاب الوطنية، والقضاء على حرية الكلام والصحافة، واعتقال آلاف الوطنيين في سجون سوريا ومصر، وتعذيبهم بأساليب فاشستية. ويذكر أسماء من ماتوا تحت التعذيب: سعيد الدروبي، محي الدين فليون، جورج عدس. ويصف اختطاف فرج الله الحلو من شوارع دمشق وتعذيبه.

يكشف بكداش عن منهج سياسي تقدم به الحزب الشيوعي في خريف عام 1958 بعد بضعة شهور على الوحدة، يتألف من 17 بنداً، تضمن إقامة حكومتين في الإقليمين السوري والمصري، تنظيم العلاقات الاقتصادية على أساس دعم التطور في كلا الإقليمين، حياة برلمانية من انتخابات حرة، حرية الكلام والصحافة والاجتماع والأحزاب، إصلاح زراعي شامل، إقامة علاقات إخاء مع العراق، توطيد الصداقة مع الاتحاد السوفييتي وبلدان المعسكر الاشتراكي. ويروي أن هذا المنهج أثار غضب بنك مصر، وأن جمال عبد الناصر اتهم الحزب الشيوعي بالانفصالية في خطاب ألقاه في بور سعيد بتاريخ 27 كانون الأول 1958، تلته إجراءات اضطهاد أرغمت الحزب على العودة إلى العمل السري.


يختتم الفصل بكلمة لـخالد بكداش في ندوة علمية في برلين أواخر أيلول 1964 بمناسبة الذكرى المئوية للأممية الأولى. يتناول بكداش تطور حركة التحرر الوطني، ويطرح قضايا حول دور الطبقة العاملة فيها. يقر بأنه قبل الحرب العالمية الثانية، كان من المسلم به أن الثورة التحررية لا تنتصر إلا بقيادة الطبقة العاملة، لكن بعد انتصار الاتحاد السوفييتي وبروز المنظومة الاشتراكية العالمية، لعبت البرجوازية الوطنية والفئات المتوسطة أدواراً قيادية في بلدان عديدة.

يقدم بكداش تحليلاً دقيقاً حول مفهوم الاشتراكية، ويسأل إن كانت بعض التدابير التقدمية كالإصلاح الزراعي والتأميم تعني قيام نظام اشتراكي أم أنها مجرد بداية المرحلة الانتقالية. ويؤكد على أهمية دور الطبقة العاملة العالمية بوجه خاص في المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وينتقد القادة الصينيين وتجرمهم العقائدي. ويختم بالإشارة إلى أهمية إطلاق الحريات الديمقراطية للعمال وسائر الشغيلة، معتبراً أن الاعتماد على أساليب الحكم الفردي وجهاز الدولة البيروقراطي يعيق بناء المجتمع الجديد.


يتسم الفصل بطابعه الوثائقي البحت، حيث يقدم النصوص كاملة دون تعليق من المؤلف، مما يعطيه قيمة تاريخية مهمة. بعض المواقف الواردة في البيان المشترك لعام 1948، خاصة ما يتعلق بتفسير الحرب الفلسطينية واتهام الحكام العرب، تظل قابلة للنقاش والنقد بناءً على النص نفسه، فهي تعكس مواقف حزبية واضحة في سياق تاريخي وسياسي محدد. كما أن النقد اللاذع للوحدة بين مصر وسوريا يمثل وجهة نظر سياسية معينة قد تختلف معها تقييمات تاريخية أخرى.

2.محطات تاريخية17–30▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول البدايات الأولى لخالد بكداش في العمل السياسي، وكيف قادته المصادفات والتجارب الشخصية إلى أن يصبح أحد أهم قادة الحزب الشيوعي السوري. يقدم الفصل إجابة واضحة عن سؤال: كيف بدأ مشوار بكداش الطويل مع الحزب؟ الإجابة تبدأ من لقاء تاريخي في قرية عسال الورد في جبال لبنان الشرقية، وتستمر بسرد متقطع لذكرياته عن السجن، والمحاكمات، والنشاط السري، وصولاً إلى توليه الأمانة العامة للحزب.

يسير الفصل وفق خط زمني متعرج، تبدأ قصته قبل أكثر من ستين عاماً من زمن كتابته، بمشهد درامي في عسال الورد كان مسرحاً لصراع مسلح بين علي بك المؤيد والأمراء الجزائريين. بعد هزيمة علي بك وانتقال ملكية الأرض، استقرت فيها أسرتان من يبرود، ومن إحداهما قدم ناصر حدة، وهو الشخص الذي سيلتقي به خالد بكداش لاحقاً تحت ظلال شجر الصفصاف في مزرعة تل فطايا. هذا اللقاء هو نقطة التحول، حيث كان بكداش يعمل مراقباً على تعبيد الطرقات في المنطقة، وهنا سمع لأول مرة اسم فوزي الزعيم.

عند عودته إلى دمشق، يروي بكداش أنه أخبر صديقه فوزي الزعيم عن اللقاء، وخلال سيرهما ليلاً في حي ركن الدين، كشف له الزعيم عن وجود حزب سري اسمه الحزب الشيوعي، وشرح له أهدافه: معاداة الاستعمار والرأسمالية والإقطاع، والدعوة للاستقلال وتوزيع الأراضي. وجد بكداش أن هذه الأفكار تتوافق مع ميوله، خاصة أنه كان يسمع في مكتب عنبر عن البلاشفة وما يجري في روسيا. لم يقتنع بكداش فوراً باتهام الحزب لزعماء الكتلة الوطنية بالخيانة، رغم مشاركتهم في الثورة السورية، لكن لقاءً مع مندوب من اللجنة المركزية أقنعه بأن دور هؤلاء الزعماء قد انتهى تاريخياً، فوافق على الانضمام.

بدأ العمل الفعلي بإصدار جريدة الحزب «المطرقة والمنجل» عام 1931. وفور طباعتها، داهمتهم قوى الأمن العام الفرنسي، وتم اعتقاله مع عدد من الرفاق بينهم هيكازيون بوياجيان. يصف بكداش تفاصيل الاعتقال والمحاكمة، حيث حولوا قاعة المحكمة إلى منصة سياسية، وهتفوا ضد الاستعمار مطالبين بالاستقلال وخروج القوات الأجنبية. صدرت بحقهم أحكام بسيطة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر وغرامات مالية، بتهمة التحريض على إسقاط الانتداب. يذكر بكداش أن الفرنسيين، على عكس الإنكليز، كانوا ينشرون أخبار الاعتقالات مما أعطى الحزب دعاية مجانية.

في السجن، يصف بكداش حياة السجناء، وكيف حصلوا على كتب عن الاشتراكية، وقرأوا مطبوعات الحزب الشيوعي الفرنسي، وتلقوا محاضرات من بوياجيان عن الاقتصاد والرأسمالية. ويشير إلى أن رجال الدرك عاملهم بلطف بسبب وطنيتهم وهتافهم ضد فرنسا. بعد الخروج من السجن، نشط الحزب في الأحياء والمصانع بين الطلاب والنساء. في عام 1932، صدرت الوثيقة البرنامجية الأولى للحزب، وشارك بكداش في مناقشتها. كما قام بترجمة البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك إنجلز من الفرنسية إلى العربية عام 1935، وقام بتوزيع المناشير بنفسه مع فوزي الزعيم والعامل أحمد خضركي، وعلقوا الأعلام الحمراء في أماكن التجمعات.

سافر بكداش سراً إلى موسكو في أوائل عام 1935 عبر فرنسا، وكان اسمه الحركي في الكومنترن "رمزي". مكث هناك سنتين ونصف درس خلالها الماركسية اللينينية والاقتصاد السياسي وتعلم اللغة الروسية. وبعد عودته، وفي عام 1936، أصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري، وذلك في اجتماع حضره ممثلو جميع المنظمات. يروي بكداش قصة طريفة عن محاكمة تتعلق بإضراب عمال النسيج في حمص، حيث تدخل رئيس المحكمة غالب ميرزو من حيّه ووعده بالبراءة مقابل عدم إلقاء محاضرات سياسية في القاعة، وقد خرجوا بالفعل براءة.

يتذكر بكداش فترة دراسته في مكتب عنبر، حيث كان معه عدد من الطلاب الذين أصبحوا شخصيات سياسية بارزة لاحقاً، مثل صلاح البيطار، بشير العظمة، وكامل عياد، الذي كان ماركسياً. كان الأساتذة، مثل جودت الهاشمي، وطنيين، وقد زار الهاشمي بكداش بعد انتخابه نائباً في البرلمان عام 1936 عن دمشق. يصف بكداش مشاركته في المظاهرات ضد الفرنسيين، وكيف تطور هتافه من "لتسقط فرنسا" إلى "ليسقط الاستعمار الفرنسي" بعد أن أصبح شيوعياً، متعلماً من ماركس ولينين أن كل أمة فيها أمة ظالمة وأخرى مظلومة.

يتطرق الفصل إلى أحداث الثورة السورية عام 1925، ويوضح أن الحزب قرر المشاركة فيها، وأصدر بياناً بالفرنسية لجنود الجيش الفرنسي يحثهم فيه على عدم إطلاق النار على الثوار. ويذكر بكداش أن بعض الرفاق شاركوا في الثورة، وأن هيكازيون بوياجيان نُفي إلى الرقة ثم أرواد، واعتقل أوهانس أغباشيان عام 1926. ويستذكر قصف دمشق أكثر من مرة، خلال الثورة عام 1925، حيث كان طالباً في مدرسة التجهيز الداخلية، وشاهد القتلى في الشوارع. كما قُصفت دمشق عام 1945، وهاجموا البرلمان وقتلوا حاميته ومنهم الطيب شربك. بعد تخرجه، عمل بكداش مراقباً في مصلحة البندرول وفي الصحافة، في جرائد «الأيام»، «القبس» و«الأسبوع»، ويروي حادثة رفضه ترجمة مقال ضد الاتحاد السوفيتي، فعُهد بها إلى أنطون سعادة.

يتحدث الفصل عن الإضرابات العمالية الكبرى، مثل إضراب عمال الكهرباء (الترامواي) في دمشق، وإضراب عمال النسيج اليدوي في حمص عام 1937، وإضراب عمال المطابع في بيروت. وقد شارك بكداش في دعم هذه الإضرابات، وأرسله الحزب مندوباً إلى بيروت. يصف هذه الإضرابات بأنها كانت موجهة ضد الاستعمار الفرنسي، حيث كانت شركة الترامواي فرنسية، فكان الإضراب طبقيًا وطنيًا في آن واحد. وقد نجحت هذه الإضرابات جزئياً، ولعب الحزب دوراً في توجيه الحركة النقابية وتحويل النقابات الحرفية إلى نقابات طبقية.

يذكر بكداش دعم الحزب الشيوعي الفرنسي القوي، وضغطه على حكومته لعدم اضطهاد الحركات الوطنية. وعندما نشبت الحرب الأهلية في إسبانيا، تقدم بكداش للذهاب للمشاركة، لكن الحزب رفض تطوعه لضرورة وجوده في سورية. كذلك، يذكر تشكيل عصبة مكافحة الفاشية، ونشاط الحزب ضد الفاشية، والمشاركة في لجنة الدفاع عن لواء إسكندرون مع شخصيات أخرى. وينهي الفصل بوصف ظروف التخفّي الصعبة التي عانى منها هو وهيكازيون بوياجيان في بيروت، حيث كان طعامهم الخبز والعرقسوس، واضطرارهم للاختباء في إسطبل، معبراً عن ثقته المطلقة بالرفاق الذين لم يخونوا تحت التعذيب.

2.القسم الثاني (الحوار)41–48▼ résumé

هذا الفصل من كتاب “خالد بكداش يتحدث” هو حوار مطوّل مع الأمين العام التاريخي للحزب الشيوعي السوري، خالد بكداش، يركز على علاقة الحزب بالسلطة في سورية تحت حكم الرئيس حافظ الأسد، ويستعرض مواقف الحزب من القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى، مع محاولة لتبرير دوره كحليف في “الجبهة الوطنية التقدمية” وليس كمعارض.

يبدأ الحوار بمناقشة العلاقة الشخصية بين بكداش والرئيس حافظ الأسد، والتي بدأت عندما كان الأسد وزيراً للدفاع. يصف بكداش لقاءاتهما بأنها كشفت عن نقاط التقاء كثيرة، ويشير إلى أن الأسد أرسل له باقة ورد عندما أصيب بجلطة في القلب، وهو ما يعتبره دليلاً على الاحترام المتبادل. يؤكد بكداش أن فكرة إنشاء الجبهة الوطنية التقدمية كانت مبادرة شخصية من الرئيس الأسد، وأنه واجه صعوبات في إقناع حتى أعضاء حزب البعث بها. ويصف بكداش هذه الجبهة بأنها حدث كبير عزز موقف سورية الدولي، خاصة في الدول الاشتراكية.

عند الحديث عن حركة 16 تشرين الثاني 1970 التصحيحية، يوضح بكداش أنه شعر من أحاديثه مع الأسد قبلها بأنه غير راضٍ عن الوضع ويسعى لإنقاذه. وعندما سأله مقربون من الأسد عن رأيه، دعا لهم بالتوفيق. لكن بعد قيام الحركة، حدث تردد داخل الحزب الشيوعي، وأصدر قراراً بالمشاركة في مظاهرات ضدها بأغلبية 5 أصوات مقابل صوتين، حيث كان بكداش ويوسف فيصل من المعارضين للقرار. لكن بعد صدور بيان القيادة القطرية المؤقتة في 11 تشرين الثاني، قرر الحزب تأييد الحركة، معترفاً بأنه لم يكن يعرف اتجاهها قبل ذلك. ويذكر بكداش أنه طلب من الأسد حقيبتين وزاريتين، فوافق على حل وسط: وزير بحقيبة وآخر بدونها، وهو ما تحقق ولا يزال مستمراً.

ينتقل الحوار إلى مناقشة الأحداث الدامية في أواخر السبعينات، وتحديداً مجزرة المدفعية في حلب عام 1979، وهجمات الإخوان المسلمين على الحزب الشيوعي. يقر بكداش بوجود تحفظات للحزب على ميثاق الجبهة الوطنية ونظامها الداخلي، واصفاً إياها بـ”ثغرات ونقاط ضعف غير أساسية”، وتم نقلها للرئيس الأسد. ويؤكد أن هذه الأحداث مضت لكن لا بد من تذكرها لمنع تكرارها.

في الشق الاقتصادي، يعلن بكداش تأييده المطلق للقطاع العام ويعتبره ضرورياً للاقتصاد السوري، رافضاً بشدة فكرة بيعه أو التفريط به، لأن ذلك سيزيد الوضع سوءاً على مستوى الإنتاج والمعيشة. ثم يشرح بالتفصيل مفهوم “البرجوازية الطفيلية”، وهو مصطلح يستخدمه الحزب لوصف فئات لا تشارك في الإنتاج، بل تجني أرباحاً طائلة من السمسرة والتهريب والصفقات مع رأس المال الاحتكاري العالمي. ويميز بينها وبين البرجوازية الاستغلالية العادية، ويوضح أن الخطر الأكبر يكمن في ارتباط هذه الفئة بالاحتكارات الأجنبية وأجهزة الحكم البيروقراطية.

يتناول الحوار موقف الحزب من المعارضة. يعترف بكداش بأن الحزب “لو ارتكز على الوضع الداخلي فقط لكان في المعارضة”، لكنه يعلن دعمه للسياسة الوطنية السورية وإنجازاتها. ويرفض فكرة المعارضة التي تهدف لإسقاط الحكم، سواء كانت يسارية مغامرة أو إرهابية يمينية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى “معارضة سلمية” تعمل ضمن النظام لتعبئة الجماهير من أجل تحسين مستوى المعيشة، محذراً من أن الأصوليين قد يركبون موجة الاستياء الشعبي. ويستبعد أن يلعب الحزب دور معارضة برلمانية في مجلس الشعب، مكتفياً بدور داعم للسياسة العامة ومطالب بتحسين الأوضاع المعيشية.

أخيراً، يثير الحوار قضية الحريات. يطالب بكداش بتوسيع الديمقراطية لجماهير الشعب والقوى الوطنية والتقدمية، ويستغرب أن يكون للحزب تمثيل في الحكومة ومجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية، لكنه لا يملك جريدة علنية. ويؤكد أن هذه المطالب تقدمت بها إلى المؤتمر السابع لحزب البعث ولم تُحقق بعد، لكنه سيواصل النضال من أجلها. ويرى أن القوى الرجعية والأصولية تتمتع بديمقراطية واسعة، على عكس القوى التقدمية التي ما زالت مقيدة. وفي ختام الحوار، يربط شعار “سورية لن تركع” بمقولة للجنرال شارل ديغول عن صعوبة إخضاع سورية، مستشهداً بإرسال فرنسا 150 ألف جندي لقمع الثورة السورية عندما كان عدد السكان 5 ملايين نسمة.

يحتوي الحوار على نقاط قابلة للنقاش، أبرزها التناقض الظاهري بين وصف الحزب لنفسه كقوة تطالب بتوسيع الديمقراطية وحرياته، وبين كونه جزءاً من نظام لا يسمح بوجود صحافة حزبية علنية له. كما أن تبرير موقف الحزب من المعارضة ينتهي إلى رفض أي معارضة ذات طابع سياسي خارج إطار الجبهة، وتقتصر على المطالب الخدماتية.

2.حديث في الوحدة العربية51–76▼ résumé

ملخص الفصل: «حديث في الوحدة العربية»

يقدّم هذا الفصل حواراً صحفياً مطوّلاً أجراه الكاتب عماد نداف مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوري خالد بكداش، في منزله بدمشق خلال شتاء قارس، تزامناً مع الاضطرابات الكبرى التي شهدها الاتحاد السوفييتي في أواخر عهد غورباتشوف. الموضوع المحوري للفصل هو محاولة بكداش تفسير انهيار المنظومة الاشتراكية السوفييتية من وجهة نظر شيوعية ماركسية-لينينية، والدفاع عن استمرارية الحزب الشيوعي السوري ونهجه رغم هذا الانهيار. الإجابة التي يقدمها المؤلف عبر بكداش هي أن الاشتراكية لم تمت، وأن ما حدث هو نكسة مؤقتة قابلة للتصحيح، وأن الإيمان بالماركسية لا يتزعزع.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر حوار متشعب يبدأ باعتراف الكاتب (نداف) لـخالد بكداش بأنه كان من خصومه السياسيين في الماضي، حيث هتف مع تلاميذ المدارس في دمشق بعد الانفصال عن مصر (عام 1961) مطالباً بعودة الوحدة، وكان يُنظر إلى بكداش آنذاك على أنه تابع لموسكو ومعادٍ للعروبة. هذا التمهيد يضع الحوار في سياقه الصراعي. ثم ينتقل الحوار إلى السؤال الجوهري حول مصير الشيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. يرد بكداش بأن التاريخ يثبت حدوث نكسات بعد كل ثورة عظيمة، مستشهداً بـالثورة الفرنسية التي انتصرت مبادئها رغم انتكاساتها، معتبراً أن الاشتراكية العلمية هي نتيجة حتمية لتطور الرأسمالية، وأن دوام الرأسمالية مستحيل موضوعياً وإنسانياً.

يستخدم خالد بكداش عدة حجج وأمثلة لدعم موقفه. ينتقد بشدة سياسات غورباتشوف، متّهماً إياه بالتساؤل بسذاجة عن إمكانية عيش الرأسمالية دون استعباد الشعوب، وهو ما يعتبره بكداش انحرافاً. ويرى أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن بسبب أخطاء داخلية يمكن تلافيها ضمن الإطار الاشتراكي، بل بسبب "عمل خارجي تطوعت له بعض الأوساط القيادية" داخله، مشيراً إلى أن الاتهامات بأن غورباتشوف عميل لـالسي آي إي هي دليل على عدم قناعة الجماهير بالأسباب "الخطأ". كما يرفض فكرة أن ستالين والبيروقراطية هما من زرع بذرة موت الاشتراكية، معتبراً ذلك كلاماً مغلوطاً، ويصر على أنه عاش في موسكو في عهد ستالين ولم يرَ شيئاً من ذلك.

ينتقل الحوار إلى العلاقة بين الاتحاد السوفييتي وسورية، فيدافع بكداش عنها بشدة معترفاً بالدعم السياسي والعسكري والاقتصادي السوفييتي، مثل بناء سد الفرات وتزويد الجيش السوري بالسلاح بأسعار رخيصة وبالدين. ويرفض اتهام حزبه بالتبعية لموسكو، مؤكداً استقلالية الحزب الشيوعي السوري في قراراته، وأن علاقته بالاتحاد السوفييتي كانت مبنية على المبدأ لا على التبعية. ويضرب مثلاً بمعارضته لمقولة "التطور اللارأسمالي" التي طرحها السوفييت، والتي قادت لخلافات داخلية في حزبه، مؤكداً أنه لم يقبلها إلا بعد تجريدها من مضمونها الأصلي.

يتوسع الحوار في مناقشة الصهيونية، حيث يصفها بكداش بأنها العدو الأشرس للتحرر الوطني والاشتراكية، مستشهداً بنشرة داخلية مزعومة (يُشار إليها في النص) تحرض على إبادة العرب وتصف غير اليهود بالبهائم. ويربط بين الصهيونية والتروتسكية، معتبراً أن تروتسكي كان يهودياً صهيونياً، وينفي أي إمكانية للتحالف مع التروتسكيين لأنهم يسعون لتحطيم الاشتراكية. وفي سياق الحديث عن اليهود، يكشف عن موقفه التاريخي المعارض لوجود يهود في قيادة الأحزاب الشيوعية العربية بعد قيام إسرائيل، ويذكر أمثلة من فلسطين والعراق ومصر، مؤكداً أن الحزب الشيوعي السوري طهر صفوفه من العناصر الصهيونية.

يقرّ بكداش ببعض الأخطاء التي كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي، مثل المركزية المفرطة في الاقتصاد ووجود مرشح واحد فقط في الانتخابات المحلية (مجالس السوفييت)، ولكنه يصر على أن هذه الأخطاء كان من الممكن تلافيها ضمن إطار النظام الاشتراكي، وليس بهدمه. ويطرح تساؤلاً حول إمكانية تعدد الأحزاب في ظل الاشتراكية، مستشهداً بأن أول حكومة لينين ضمت أربعة وزراء من الاشتراكيين الثوريين قبل أن يخرجوا بعد تمردهم.

في ختام الحوار، يعود بكداش ليؤكد إيمانه الراسخ بانتصار الاشتراكية، قائلاً إنها "سرطان للإمبريالية ونعمة للشعوب". ويرفض فكرة أن القطب الوحيد في العالم هو أمريكا، مشيراً إلى منافسة اليابان وألمانيا، وإلى قوة جماهير الشعب المضطهدة. ويختتم حديثه برفع شعار الدفاع عن الوطن ولقمة الشعب، محذراً من أوهام أن الولايات المتحدة يمكن أن تحل محل الاتحاد السوفييتي كحليف لسورية.

يمكن القول إن الحجج التي يقدمها بكداش قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، خاصة في تمجيده لعصر ستالين ونفيه القاطع لوجود بيروقراطية وقمع في ذلك العصر، وهو موقف يتعارض مع روايات تاريخية واسعة الانتشار حتى بين اليساريين. كما أن تفسيره للانهيار السوفييتي باعتباره "مؤامرة خارجية" ودوراً لـ"أوساط قيادية منحرفة" هو تبسيط يختزل أسباباً اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة. يُطرح السؤال حول "استقلالية" الحزب الشيوعي السوري في ضوء اعترافه باللجوء إلى السوفييت لحل خلافات داخلية حادة، وفي ضوء التزامه التاريخي غير المشروط بالسياسة الخارجية السوفييتية. الفصل يظل وثيقة تاريخية وسياسية مهمة تعرض أفكار أحد أبرز الشيوعيين العرب في لحظة انهيار عالمه الأيديولوجي والجيو-سياسي.

3.حول القضية الفلسطينية77–92▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول موقف خالد بكداش، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري، من قضايا الوحدة العربية، الديمقراطية، والأقليات، وذلك من خلال حوار مطول أجراه معه المؤلف عماد نداف. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن بكداش يرى أن الوحدة العربية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بقفزة واحدة أو بإلغاء الخصوصيات، بل يجب أن تقوم على أسس ديمقراطية تحترم "الظروف الموضوعية" لكل قطر، وتأتي في إطار تطور اشتراكي يزيل التناقضات بين البرجوازيات المحلية. كما يدافع عن موقف حزبه التاريخي من وحدة سورية ومصر عام 1958، معتبراً أن معارضتهم لم تكن للوحدة بحد ذاتها، بل لشروطها.

يسير الحوار بدءاً من لحظة وفاة جمال عبد الناصر في 28 أيلول، حيث يروي بكداش ردة فعله التي جمعت بين الاعتراف بدور عبد الناصر في مواجهة "المخططات الاستعمارية" وانتقاده لاضطهاده للشيوعيين. يتوسع الحوار ليشمل التجربة الوحدوية بين سورية ومصر، حيث يشرح بكداش أن الحزب الشيوعي السوري طرح "البنود الثلاثة عشر" كأسس للوحدة، وكان أبرزها المطالبة بالحريات الديمقراطية. يصف بكداش كيف أن طلب حل الحزب الشيوعي السوري كان نقطة الخلاف الجوهرية، مما أدى إلى حملة اضطهاد واسعة ضد الشيوعيين في سورية ومصر، ويضرب مثلاً مروعاً بمقتل القيادي فرج الله الحلو الذي "ذوبوه في الأسيد". ويؤكد بكداش أن عدم مراعاة الظروف القطرية هو ما جعل الوحدة هشة وسهلة الانهيار على أيدي "الهجانة" في الجيش السوري، الذين وصفهم بأنهم "عناصر غير تقدمية" و"رجعية".

ينتقل الحوار بعدها إلى الإطار النظري لمسألة الأمة، حيث يستند بكداش إلى تعريف ستالين لمقومات الأمة (أرض مشتركة، لغة مشتركة، اقتصاد مشترك، تكوين نفسي مشترك)، ويؤكد مصادقة لينين عليه. يقر بكداش بأن مقومات الأمة العربية قيد الاستكمال، وأن الوحدة الاقتصادية هي الحلقة المفقودة التي ستكتمل في ظل الاشتراكية. يرد بكداش على الانتقادات التي وجهت للحزب الشيوعي السوري بسبب استخدامه مصطلح "الشعوب العربية" بدلاً من "الشعب العربي"، معتبراً أن ذلك لا يتعارض مع السعي للوحدة، بل يعبر عن واقع وجود شعوب عربية متعددة (شعب سوري، شعب مصري، شعب فلسطيني) قبل تحقيق الوحدة الكبرى.

يخصص الجزء الأخير من الحوار لمسألة الأقليات، وخصوصاً الأكراد. يوضح بكداش موقفه المعارض لإقامة "دولة كردستان التاريخية" في الوقت الراهن، داعياً إلى الاكتفاء بـ"الحكم الذاتي الحقيقي ضمن الحدود الدولية" في المستقبل، بعد انتصار الاشتراكية. ينفي بكداش وجود رقعة جغرافية كردية متصلة في سورية تستحق حكماً ذاتياً، مكتفياً بالمطالبة بحقوق ثقافية ومدنية للأكراد السوريين. يربط بكداش كثافة وجود الأقليات (أكراد، أرمن، شركس) في الأحزاب الشيوعية بالعامل الطبقي وليس القومي، ويرى أن من الخطأ التعصب القومي. يختم الحوار بسؤال حول تصاعد النزعات القومية في العالم، فيجيب بكداش بأنه لا يعتقد بوجود احتمال لتصعيد مسألة الأقليات في الوطن العربي.

على الرغم من أن بكداش يقدم إجابات حاسمة في معظم القضايا، إلا أن الفصل يترك بعض الأسئلة مفتوحة، مثل الجدل حول حرفية تعريف ستالين للأمة وتطبيقه على العرب، والذي يعترف بكداش بوجود "لغط كثير" حوله. كما أن إصراره على أن الحزب الشيوعي السوري لم يرتكب "خطأ كبيراً" أثناء الوحدة، مع اعترافه بـ"أخطاء صغيرة" يصفها بأنه لا يدري كيف يصفها، يترك مجالاً للتساؤل عن مدى دقة التقييم الذاتي لتلك المرحلة. إن منطق الحوار بأكمله يقوم على دفاع مستميت عن الموقف التاريخي للحزب، مما يجعل الفصل أقرب إلى شهادة شخصية وسياسية منه إلى تحليل موضوعي متوازن، حيث أن بكداش يميل إلى تبرير مواقف حزبه بشكل كامل وإلقاء اللوم على القوى الأخرى.

3.الحركة التصحيحية31–40▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل سرداً شخصياً وسياسياً لـخالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، حول مرحلة مفصلية عُرفت بـ"الحركة التصحيحية"، لكنه لا يضع تعريفاً نظرياً جامداً لها، بل يقدمها من خلال تجربته العملية والنضالية. الموضوع المحوري للفصل هو مسار النضال السياسي في سورية من منظور شيوعي، مركزاً على المواقف من الاستعمار، والتحالفات الوطنية، والتجربة البرلمانية، والمواجهات مع الأنظمة الديكتاتورية والوحدة مع مصر. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن "الحركة التصحيحية" لم تكن حدثاً واحداً، بل سلسلة من المواقف والتحالفات والصراعات التي تطلبها الدفاع عن الاستقلال والديمقراطية، مع الإصرار على الهوية الشيوعية للحزب.

يسير الفصل خطوة بخطوة بتسلسل زمني تقريبي، يمزج بين الأحداث الكبرى والذكريات الشخصية. يبدأ بمعارك ما قبل الاستقلال، وتحديداً حول المادة 115 من الدستور التي كانت تمنح فرنسا حق إلغاء القوانين. هنا يبرز تحالفه مع شكري القوتلي، الذي يصفه بالوطني رغم خلفيته البرجوازية، ويشرح كيف كانت قاعدة التعامل هي الموقف من الاستعمار، متجاوزة الخلافات الأيديولوجية. ويضرب مثلاً على ذلك بنقاشه مع شاب اسمه عرفان الجلاد من الكتلة الوطنية، حيث فضّل رجلاً متّهمًا بالفساد على رجل "نزيه" يتعاون مع الاستعمار.

ينتقل الفصل إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، فيتناول انقلاب حسني الزعيم، الذي يصفه بأنه مدعوم من الاستعمار الفرنسي. يروي كيف فوجئ الحزب بالانقلاب، وأصدر بيانات ضده، واعتقل الكثير من أعضائه في سجن المزة، بينما قادت أم عمار (وصال فرحة) مظاهرة نسائية من ساحة المرجة إلى البرلمان هتفت: "تسقط الديكتاتورية"، مما أدى لاعتقالها. بعد سقوط الزعيم وإعدامه، يصف بكداش فرحته بسقوطه، ويتزوج من أم عمار التي خرجت من السجن.

يتطرق الفصل إلى تكتيكات الحزب في تلك الفترة، ومنها "المظاهرة الطيارة"، حيث يتجمع الرفاق في مكان عام، ويصعد أحدهم على الأكتاف ويصفر، فيلقي خطاباً مفاجئاً ضد الاستعمار أو الديكتاتورية، وعندما تأتي الشرطة تعتقل أشخاصاً أبرياء من الجمهور. يصف بكداش هذه الطريقة كأسلوب نضالي في مواجهة الأنظمة المتعاقبة مثل سامي الحناوي وأديب الشيشكلي.

يدخل الفصل في تفاصيل التجربة البرلمانية، فيذكر انتخابات عام [يحتاج تحققاً] التي وصفها بالحرة والنزيهة، وحصل فيها على نحو عشرين ألف صوت، وانتخب مع خالد العظم، في إشارة إلى ما عُرف بـ"الخالدان". يشرح تحالفه مع محمد الأشمر، بطل الثورة السورية، الذي كان يتعاطف مع الاتحاد السوفييتي، ويروي قصة طريفة عندما طلب منه الأشمر أن يصلي معه الجمعة في الجامع الأموي قبيل الانتخابات، فرفض بكداش خوفاً من الضرر الانتخابي. يضيف أنه حكى هذه القصة لاحقاً لـماوتسي تونغ في بكين خلال الخمسينات، الذي استغرب عدم ذهابه.

يتناول الفصل كذلك دعم الحزب لـرياض المالكي في الانتخابات التكميلية عام [يحتاج تحققاً]، وينقل عن عبد القادر قدورة كيف أن بكداش خاطب الجماهير في حديقة المنشية حيًا حيًا: "يا أحي الشاغور... يا أحي الميدان... أيدوا رياض المالكي"، وهو ما لعب دوراً في إنجاحه. ثم يصف تشكيل التجمع القومي البرلماني الذي ضم الحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب الوطني إضافة إلى خالد العظم، وكان يجتمع في بيوت خالد العظم وصبري العسلي، ويحضره ممثلون عن الجيش مثل أحمد عبد الكريم وعبد الحميد السراج وعفيف البزري.

يسرد الفصل مشاهد من الحياة البرلمانية، فيصف شخصية ناظم القدسي رئيس المجلس الجذابة، ويذكر حادثة عندما كان يتحدث النائب الإسلامي عبد الرؤوف طوق مهاجماً الشيوعيين، وعاد بكداش بعد تدخين سيكارته، فقال له القدسي: "خلص... جاء... جاء!" فتوقف طوق عن الكلام. وفي مرة أخرى، عندما اعترض بكداش على تسريح معلمين شيوعيين، سأله القدسي ساخراً عن اتجاهه، فأجابه بكداش بأن الشعب اعترف به وانتخبه.

ثم ينتقل الفصل إلى العلاقة مع جمال عبد الناصر، فيذكر أنه التقاه ضمن وفد برلماني في القاهرة بعد العدوان الثلاثي، وأيد مواقفه ضد الاستعمار لكنه طلب ديمقراطية أوسع وتعاوناً بين القوى الوطنية. يروي أن عبد الناصر شكا له من الشيوعيين المصريين الذين يطالبون بزيادة الأجور في ظروف صعبة، فرد بكداش بأنه لا بأس في ذلك. يضيف بكداش أن عبد الناصر قال إنه يثق "بخالدين في الشرق الأوسط: خالد محي الدين وخالد بكداش". لكنه يصف ما قاساه الحزب خلال الوحدة بين سورية ومصر، حيث حاولوا إغراءه بحل الحزب مقابل منصب كبير في دولة الوحدة، فرفض، وتخفى عدة أشهر.

يصف بكداش حملة الاعتقالات التي بدأت في 15 كانون الأول 1958، واعتقال فرج الله الحلو الذي عذب وأذيب جسده في الأسيد. ويعترف بأنه كان ينجو من الاعتقال بأخذ الاحتياطات كالنوم في بيوت سرية وعدم النوم في بيته، مشيراً إلى أن وزير الداخلية المصري آنذاك زكريا محي الدين قال لصحفية إنه لا يعتقد أنهم يستطيعون اعتقاله.

على الرغم مما عاناه، يقدم بكداش تقييماً متوازناً لجمال عبد الناصر، معترفاً بحقه في الوقوف ضد المخططات الاستعمارية، لكنه ينتقد اضطهاده للشيوعيين والتقدميين. ويشير إلى شكوكه حول وفاة عبد الناصر بنوبة قلبية في المطار، متسائلاً إن كانت صدفة أم عملاً مقصوداً، مستشهداً بنوبته القلبية الشخصية التي تطلبت عدم الحركة لأسابيع.

ينتقل الفصل إلى محاولة اغتياله في الملعب البلدي خلال تأبين عدنان المالكي، حيث خطب الشاعر محمد مهدي الجواهري، وحماه عريف درك اسمه سعيد إيزولي بجسده. وبعد الانفصال، منعته السلطات من العودة إلى سورية، حتى أن رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين قال إن "المشنقة تنتظره" لو عاد. يروي كيف حاول العودة على طائرة تشيكية إلى بغداد، لكنه رفض النزول وطلب من الحكومة العراقية أن يعامل كضيف على عبد الكريم قاسم، خوفاً من أن يكون ضيفاً على حكم يقمع الشيوعيين.

يختتم الفصل بعودته السرية إلى دمشق أيام حكومة بشير العظمة، وبقائه متخفياً لمدة عام ونصف. وعند قيام حركة 8 آذار، حوصر البيت الذي كان يختبئ فيه لوجود ضباط انفصاليين في المبنى نفسه، لكنه تمكن من الخروج. ثم يصف تعامل الحزب مع تيار حركة 23 شباط عام [يحتاج تحققاً]، التي قادها سميح عطية، والتي أبرمت اتفاقية سد الفرات مع الاتحاد السوفييتي. ويعود أخيراً إلى دمشق علناً بعد قيام هذه الحركة، معلناً عودته للوطن.

في نهاية الفصل، يمكن الإشارة إلى أن السرد يقدم مادة قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بتناقض موقف بكداش: فهو في نفس الوقت الذي يمدح فيه شكري القوتلي وخالد العظم كوطنيين، يصفهما في سياقات أخرى بأنهما برجوازيان. كما أن ثقته المطلقة في الاتحاد السوفييتي واعتبار كل من يعاديه عدواً للوطن، قد تبدو تبسيطية للصراعات السياسية المعقدة. وأخيراً، شكوكه حول ظروف وفاة جمال عبد الناصر تبقى مجرد تكهنات، وإن كان يعبر عنها كسؤال مفتوح.

3.القسم الثالث (التوثيق)127–154▼ résumé

ملخص الفصل الثالث: «التوثيق»

يدور هذا الفصل حول الحوار المطول بين الكاتب عماد نداف والأمين العام للحزب الشيوعي السوري خالد بكداش، حيث يتناول سيرته السياسية والشخصية، ومواقفه من القضايا الحزبية والفكرية المختلفة، وعلاقته بالشعر والأدب. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي صورة شاملة لشخصية خالد بكداش كسياسي شيوعي مخضرم، ومدافعه عن مواقفه الحزبية، وإجاباته عن الاتهامات الموجهة إليه.

يسير الفصل في خط متدرج يبدأ بأسئلة حول الأمن الحزبي والخلايا داخل الحزب، حيث يستشهد بكداش بحالة مالينوفسكي، العميل القيصري الذي تسلل إلى الحزب البلشفي، ليؤكد أهمية اليقظة والحزم. ينتقل الحوار بعدها إلى العلاقات الرفاقية والصداقات داخل الحزب، فيذكر بكداش أسماء مثل فرج الله الحلو وحسن قريطم وانطوان ثابت وفوزي الشلق، مؤكداً أن العمل الحزبي هو الأساس وليس العلاقات الشخصية.

يتناول النقاش بعد ذلك ظاهرة التيتوية في خمسينيات القرن العشرين، حيث يوضح بكداش موقف الحزب المعارض لها، معتبراً أنها تؤدي إلى عودة الرأسمالية، لكنه يؤكد أنها لم تشكل أزمة حقيقية داخل الحزب ولم تؤد إلى انشقاقات كبيرة. ثم ينتقل الحديث إلى تاريخ انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن السوري، والذي تم في عام 1954، مع الاستقلال التنظيمي الكامل في عام 1964، مشيراً إلى عدم وجود خلاف نظري كبير بين الحزبين.

يتناول الجزء الأهم من الفصل الأزمة الداخلية في الحزب التي ظهرت بعد هزيمة حزيران، والمتمثلة في التيار الجديد الذي قاده رياض الترك. يصف بكداش هذا التيار بأنه نزعات قومية متأثرة ببعض قوى المقاومة الفلسطينية، وينفي ارتباطه بقضية الانفصال، لكنه يعترف بارتباطه بالهزيمة. يوضح بكداش أن الحزب كان متمسكاً بالاتجاه الماركسي-اللينيني، وأنه حصل خلال المؤتمر الثالث على 47 صوتاً من أصل 44، ويستخدم بيتاً للمتنبي لوصف حالته النفسية بعد المؤتمر. يشير النص إلى أن ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة أبدوا وداً تجاه الحزب الشيوعي السوري، وينفي بكداش أن تكون المقاومة الفلسطينية قد دعمت التيار الجديد، باستثناء بعض الأفراد ذوي الميول المتطرفة الذين احتضنوا رياض الترك.

يصف بكداش انشقاق رياض الترك وموقفه الداعم لـالإخوان المسلمين ووصفهم بـ"الحركات الشعبية" بأنه موقف سياسي خاطئ. ويؤكد أن الحزب بقي مع القيادة الصحيحة، رغم خروج مجموعة مع الترك. ثم ينتقل الحوار إلى أزمة منظمات القاعدة بقيادة مراد يوسف، حيث يرفض بكداش التعليق مطولاً، مشيراً إلى أن موقفهم قد بُيّن في المؤتمر الخامس. ينفي بكداش إمكانية وحدة اندماجية بين يوسف فيصل ومراد يوسف ورياض الترك، معترفاً بأنهم لا يزالون فريقين داخل حزب واحد.

يتناول الفصل مسألة تأخير عقد المؤتمرات الحزبية لمدة 30 عاماً، حيث يتحمل بكداش المسؤولية، لكنه يكشف أن الرفاق السوفييت (كوسينين وسوسلوف) نصحوه بعدم عقد مؤتمر عام في 1955 بسبب العلاقات الجيدة مع سورية واتهامها بالشيوعية. ويقر بكداش بوجود أخطاء في التأخير، لكنه يرفض تهمة الديكتاتورية التي وجهت إليه، مؤكداً أنه كان يعود باستمرار إلى الهيئات الحزبية. يعترف بكداش بأنه أبلغ موريس صليبي بأنه عضو في اللجنة المركزية قبل أن ينفذ القرار رسمياً، لكنه يوضح أن اللجنة المركزية كانت موافقة على ضمه.

يتطرق الحوار إلى الديمقراطية الحزبية، حيث يوضح بكداش أن الأقلية لها حق التعبير عن رأيها في الهيئات، لكنها تخضع لقرار الأكثرية وفق مبدأ المركزية الديمقراطية اللينيني. ينفي وجود معارضة داخل الحزب حالياً، ويؤكد أن الديمقراطية واسعة جداً. وفيما يتعلق بـوجود أعضاء غير ملحدين، يؤكد بكداش أن الحزب لم يحاسب أي إنسان على معتقداته الدينية. أما عن اختلاط الذكور والإناث في التنظيمات القاعدية، فيوضح أن هناك تنظيمات مختلطة وأخرى غير مختلطة حسب الظروف الاجتماعية.

ينتقل النقاش بعدها إلى الجانب الشخصي من حياة بكداش، حيث يعبر عن حبه لدمشق والياسمين والفل. يكشف بكداش عن تأثره بـالمتنبي ويحفظ الكثير من قصائده، وكذلك بـامرئ القيس وعمرو بن كلتوم وطرفة بن العبد وعنترة وأبو العلاء المعري. من الشعراء المعاصرين، يذكر محمد مهدي الجواهري ونزار قباني وسعيد عقل، كما يحفظ لـرضوان الشهال وولي الدين يكن والبحتري. يتحدث بكداش عن علاقته بسعيد عقل الذي كان صديقاً له، وعن إعجاب سعيد عقل بـتوما الأكويني، رغم أنه لم ينشر قصيدته عن النبي محمد.

يتطرق الحوار إلى الحياة العاطفية لبكداش، حيث يروي قصة حبه الأول مع أم عمار التي تزوجها، ويكشف عن علاقته بابنة أحد الأغنياء التي أحبته لكنه رفض الزواج منها لأسباب طبقية، قائلاً: "كان كل شيء عندي هو النشاط الذي أمارسه". يصف بكداش زوجته وصال بأنها الشخص الوحيد الذي أثر في حياته، ويقول عنها: "إن السيدة وصال... كانت الدنيا الوحيد".

في شأن القراءة والأدب، يذكر بكداش أنه قرأ لـموباسان وإميل زولا وبلزاك وأندريه مالرو (مؤلف "الشرط الإنساني") ومكسيم غوركي (خاصة رواية "الأم") ودوستويفسكي (أجمل عمل له "الأبله") وتولستوي (أجمل عمل "الحرب والسلم") وتشيخوف وتشارلز ديكنز (قصة "مدينتين"). يعبر بكداش عن إعجابه بـجورج أمادو، ويقول عنه: "فارس الأمل". من الأدباء العرب، يذكر عبد القادر المازني وعمر الفاخوري الذي أهداه كتاباً وكتب عليه: "إلى أخي خالد الذي يدلنا على الطريق". كما يذكر حنا مينه وفارس زرزور وعبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ (رواية "بين القصرين") ويوسف إدريس (كتاب "قاع المدينة").

يتحدث بكداش عن حفظه للقرآن الكريم منذ الطفولة، وعن استشهاده به في خطاباته، ويقول: "يجب على كل مناضل... أن يقرأ القرآن". يستشهد بكداش بقول علي بن أبي طالب: "إن للفقير حقاً في مال الغني"، معتبراً أنها بذرة لفكرة القيمة الزائدة الماركسية. يقرأ بكداش لـالدكتور حسين مروة في "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، ويشيد بتراث أبو النصر الفارابي (كتاب "المدينة الفاضلة") وابن رشد (كتاب "تهافت التهافت"). يصف بكداش علاقته بـأحمد كفتارو مفتي الجمهورية بأنها ودية، ويذكر أنه قال له مقولة لينين حول اتحاد الكادحين لبناء جنة على الأرض، فأمر كفتارو ابنه بتسجيلها.

في ختام الحوار السياسي، يرفض بكداش الانتماء إلى الماسونية لأنه دخل الحزب الشيوعي السوري، ويصف صدام حسين بأنه "طاغية"، وينتقد حربه ضد إيران وحربه ضد الكويت. يوضح بكداش أنه لم يكتب مذكراته لأنه مشغول وليس لديه وثائق كافية، وأنه يفكر في ذلك. ينفي بكداش أي تفكير في توريث منصب الأمين العام لابنه الدكتور عمار بكداش. ويختتم الحوار بعبارة عن الموسيقيين والشعراء والروائيين الذين يحبهم، من بيتهوفن وتشايكوفسكي وأم كلثوم إلى بوشكين وناظم حكمت وألف ليلة وليلة.

يقر الفصل ببعض التحفظات، مثل اعتراف بكداش بوجود أخطاء في المدرسة الواقعية الاشتراكية، حيث "يهملون الجانب السلبي". كما يترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية انفصال فريق يوسف فيصل ومراد يوسف، حيث يقول بكداش: "لا أدري". يُظهر النص حججاً قابلة للنقاش، مثل تبرير بكداش لتأخير المؤتمرات بنصيحة سوفييتية، وانفعاله عند اتهامه بالديكتاتورية، وتأكيده أن الانشقاقات لم تضعف الحزب رغم اعترافه بخروج عدد من الأعضاء.

في فقرة أخيرة، يمكن القول إن الفصل يقدم صورة معقدة لشخصية خالد بكداش، فهو يمزج بين الدفاع العنيد عن إرثه الحزبي واعترافاته النادرة بالأخطاء، وبين السياسي الصارم والإنسان العاشق للشعر والياسمين. الملمح الأبرز هو محاولته المستمرة لتفنيد اتهامات الديكتاتورية من خلال الإشارة إلى المرجعيات اللينينية والهيئات الحزبية، مع بقاء بعض التناقضات واضحة، كتفسيره لتأخير المؤتمرات تارة بالمسؤولية الشخصية وتارة بالنصيحة السوفييتية.

4.41–48▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول موقف الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش من الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970، ويتناول طبيعة العلاقة التي نشأت بين الحزب والسلطة، بالإضافة إلى مواقف الحزب من قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية مثل القطاع العام والبرجوازية الطفيلية والديمقراطية. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن الحزب اختار دعم النظام بعد تردد أولي، لكنه حافظ على مسافة نقدية في قضايا معينة، ساعياً للتأثير من الداخل.

يسير النص على شكل حوار مطول مع خالد بكداش، حيث يبدأ بتأريخ العلاقة الشخصية التي جمعته بـ حافظ الأسد منذ كان وزيراً للدفاع. يذكر بكداش أنه التقى الأسد في بيته وتحادثا في أمور مختلفة، ووجدا نقاط التقاء كثيرة، وأن الأسد أثبت عملياً أنه وطني ورجل دولة كفء. ويؤكد بكداش أن قيام الجبهة الوطنية التقدمية كان مبادرة شخصية من الأسد، واجه خلالها صعوبات كبيرة، حتى داخل حزب البعث نفسه، ويعتبر أن قيامها كان حدثاً كبيراً عزز موقف سورية دولياً.

عند اندلاع الحركة التصحيحية، يصف بكداش حالة التردد والتساؤل داخل الحزب الشيوعي السوري، حيث كان هناك انقسام. ففي حين طلب بعض الرفاق في حلب ودمشق التظاهر ضد الحركة إلى جانب بعثيين سابقين، اتخذ المكتب السياسي للحزب قراراً بالمشاركة في هذه المظاهرات بأغلبية 5 أصوات مقابل صوتين، وكان بكداش ويوسف فيصل من المعارضين للقرار. لكن بعد صدور بيان القيادة القطرية المؤقتة في 11 تشرين الثاني، قرر الحزب تأييد الحركة، لأن البيان أوضح اتجاهها. يذكر بكداش أنه لم يكن متحمساً للمشاركة في التظاهرات، وشعر أن صاحب الحركة وطني، ففضل التريث، وبعد ذلك التقى بالرئيس الأسد وطلب وزيرين في الحكومة، فوافق الأسد بعد تردد، وشارك الحزب بوزيرين منذ ذلك الحين.

ينتقل الحوار إلى مرحلة لاحقة، حيث يشير بكداش إلى تصاعد الأحداث الداخلية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، بدءاً من مجزرة المدفعية بحلب عام 1979، والتي تعرض خلالها الحزب الشيوعي لهجمات شديدة من الإخوان المسلمين. وعند سؤاله عن الدروس المستفادة، يؤكد بكداش على ضرورة أن يتذكرها كل مناضل وطني لضمان عدم تكرارها.

أما فيما يخص الاقتصاد، فيعلن بكداش تأييده المطلق للقطاع العام ووقوفه بشكل قاطع ضد التفريط به، معتبراً أنه ضروري ويلعب دوراً إيجابياً في توطيد الوضع الحالي، وأن غيابه سيجعل الوضع أسوأ. وعن مصطلح "البرجوازية الطفيلية"، يشرح بكداش أنه يعني الجماعات التي لا تشارك في عملية الإنتاج الصناعي أو الزراعي، لكنها تجني أرباحاً طائلة عبر السمسرة والتهريب والصفقات مع رأس المال الاحتكاري الإمبريالي، ويربطها بـ البرجوازية البيروقراطية في أجهزة الحكم. ويوضح أن هذه البرجوازية ليست طبقة متجانسة، بل فئة خطرها لا يزال قائماً، لكنه لا يعارضها إذا تحولت إلى فئة منتجة تساهم في تطوير الإنتاج الوطني، مستشهداً بنظرية ماركس عن القيمة الزائدة.

في الشق السياسي، يوضح بكداش أن موقف الحزب من النظام ليس معارضة تقليدية، بل هو قائم على التوازن بين الوضع الداخلي والسياسة العامة الوطنية. ويفرق بين نوعين من المعارضة: الأولى تهدف للقضاء على الحكم بالإرهاب، والثانية تسعى لتعبئة الشعب من أجل تحسين مستوى المعيشة في ظل الحكم القائم، وهو النوع الذي يتبناه الحزب. كما يرفض فكرة أن يكون الحزب معارضة برلمانية على الطريقة الغربية، مؤكداً أن نواب الحزب في مجلس الشعب يؤيدون السياسة العامة لسورية ويدافعون عن مطالب الشعب دون أن يكونوا في المعارضة.

وأخيراً، يتطرق الحوار إلى قضية الديمقراطية والصحافة. يطالب بكداش بتوسيع الديمقراطية لجماهير الشعب وقواه الوطنية، مستغرباً كيف أن الحزب الشيوعي السوري، وهو عضو في الجبهة ولديه ممثلون في الحكومة ومجلس الشعب، لا يمتلك جريدة علنية، على عكس القوى الرجعية والأصولية التي تتمتع بديمقراطية واسعة في استخدام المساجد والحفلات. ويؤكد أنهم طالبوا بصحافة علنية أمام المؤتمر السابع لحزب البعث لكنهم لم يحصلوا عليها، وسيواصلون النضال من أجلها، معتبراً أن كل شيء ممكن في المدى المنظور. كما يرى إمكانية توسيع الجبهة الوطنية التقدمية لإدخال قوى وطنية أخرى موجودة خارجها، مثل شخصيات دينية معينة، لكنه يرفض فكرة تأسيس حزب ديمقراطي جديد واصفاً إياها بـ "حصان طروادة".

في الختام، يثني الحوار على الشعار الوطني "سورية لن تركع"، مستشهداً بمقولة الجنرال شارل ديغول حول استحالة إخضاع سورية، وذلك بناءً على تجربة فرنسا التي اضطرت لإرسال مائة وخمسين ألف جندي لقمع الثورة السورية حين كان عدد سكان البلاد 5 ملايين نسمة.

4.الاشتراكيون الديمقراطيون (أزمة النمو)93–110▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول موقف الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش من القضية الفلسطينية، وخصوصاً قضية تقسيم فلسطين عام 1948، وكيف أثّر هذا الموقف في علاقة الحزب مع القوى الفلسطينية والعربية، وأدى إلى أزمات داخلية. الإجابة التي يقدّمها المؤلف عبر حواره مع بكداش هي أن الحزب لم يوافق أبداً على قرار التقسيم، بل دافع عن موقف الاتحاد السوفييتي الذي صوّت لصالحه. يرى بكداش أن الدفاع عن الحليف السوفييتي هو الذي جرّ على الحزب اتهامات بالخيانة، وليس موقفاً مبدئياً مؤيداً للتقسيم.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر حوار مطوّل بين المؤلف (عماد نداف) وخالد بكداش، يتتبّع تطور الموقف منذ البدايات. يبدأ الفصل بوصف العلاقة الناشئة في مطلع الثمانينات بين فصائل المقاومة الفلسطينية والأحزاب الشيوعية العربية، ويزور كل من جورج حبش وسمير غوشة موسكو للحصول على الدعم السوفييتي. ثم ينتقل فجأة إلى الماضي، ليشرح بكداش الموقف التاريخي للحزب القائل بـ"دولة ديمقراطية واحدة يعيش فيها العرب واليهود"، ورفضه لهجرة اليهود. وعند طرح سؤال حول انتقال الحزب من معاداة التقسيم إلى القبول به، يرد بكداش بشدة نافياً هذا التحول، ويؤكد أن الحزب لم يؤيد التقسيم لا في 1948 ولا بعدها.

يستخدم المؤلف أدلة من داخل الحزب وخارجه لمواجهة رواية بكداش. فهو يستشهد بنصوص من تقرير بكداش نفسه أمام المؤتمر الثالث للحزب عام 1956 والتي تؤكد أن الحزب "شَنّ نضالاً شديداً لا هوادة فيه ضد كل مشروع للتقسيم". كما يشير إلى "البيان الرباعي" الذي أصدره الحزب مع ثلاثة أحزاب شيوعية عربية أخرى ضد التقسيم، وصاغه بكداش شخصياً. ثم ينتقل إلى اتهام خصوم الحزب، مثل ظهير عبد الصمد، الذي كتب أن الحزب وقف "في زاوية ضيقة بعد موافقته على قرار التقسيم". هنا، يحدث جدل حاد بين المحاور وبكداش حول مصداقية هذه الاتهامات، ويرد بكداش بالتشكيك في الانتماء الماركسي-اللينيني لمنتقديه، واصفاً إياهم بأنهم انضموا إلى الحزب "صدفة" دون قناعة علمية.

يقرّ الفصل بحدود وتحفظات واضحة في الرواية. يعترف بكداش أن دم الحزب "سال" بسبب دفاعه عن موقف السوفييت، ويصرّح لأول مرة أن الشيوعيين شاركوا في العمل المسلح وقدّموا شهداء، لكنه يرفض نشر التفاصيل لأسباب استراتيجية، تاركاً الحقيقة للتاريخ ليكشفها. كما يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول تغيير اسمالحزب الشيوعي الفلسطيني إلى حزب الشعب الفلسطيني، حيث يعلن بكداش عدم موافقته على التغيير، لكنه يستبعد قطع العلاقة معه.

يعرض الفصل حججاً مثيرة للنقاش. أبرزها التناقض الظاهري في موقف الحزب: ففي الوقت الذي يدّعي فيه بكداش رفض التقسيم، يصف المؤلف الموقف اللاحق للحزب الذي يقبل بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بأنه "تقسيم" في واقع الأمر. ثم يستفسر المؤلف: إذا وافق الحزب على واقع ما بعد التقسيم، أفلا يعني ذلك قبولاً ضمنياً به؟ يرد بكداش بأن الحزب سار مع "جميع الوطنيين التقدميين العرب" في التركيز على مقاومة التوسع الإسرائيلي و"تحرير الأراضي العربية المحتلة" وفقاً للقرار 242، وهو ما يراه المؤلف تخلّياً عن شعار "تحرير فلسطين" ذي البعد الاستراتيجي.

5.رجل الياسمين والأدب111–126▼ résumé

ملخص الفصل: «رجل الياسمين والأدب»

المحور الأساسي لهذا الفصل هو الأزمات والانقسامات المتتالية التي شهدها الحزب الشيوعي السوري، والتي يقدمها المؤلف من خلال حواره مع الأمين العام التاريخي للحزب، خالد بكداش. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذه الانقسامات لم تكن مجرد صراعات شخصية، بل هي نتاج لتفاعل عوامل اجتماعية وأيديولوجية معقدة، أبرزها تأثير "البرجوازية الصغيرة" على مسيرة الحزب، و"المنعطفات الصعبة" التي تواجهها الحركة الشيوعية، والخلافات الفكرية حول الهوية الأيديولوجية للحزب بين التمسك بـ "الماركسية-اللينينية" والانزلاق نحو "الاشتراكية الديمقراطية". يقدم خالد بكداش نفسه كممثل للخط التاريخي المستمر الذي يعتبر هذه الانقسامات عملية "تطهير" ضرورية ومستمرة.

يسير الفصل على شكل حوار مطول، حيث يطرح الكاتب أسئلة تستعرض تاريخ الحزب وأزماته، بدءاً من أجواء الثمانينات في سورية. يصف الكاتب المشهد السياسي في ذلك الوقت، حيث كانت شوارع دمشق تعيش أجواءً دموية، مستذكراً مجزرة المدفعية بحلب ومجزرة LGV بدمشق. في خضم هذه الأجواء، كان الكاتب يلتقي بشخصيات شيوعية مختلفة مثل يوسف فيصل ورياض الترك ودانيال نعمة، الذين يمثل كل منهم اتجاهاً في أزمة الحزب. يذكر الكاتب الانشقاقات التي حدثت: "الحزب الشيوعي السوري"، "الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي"، "منظمات القاعدة"، "اللجنة المؤقتة"، و"حركة اتحاد الشيوعيين".

يعرض الفصل وجهات نظر مختلفة حول أسباب الانقسام الأخير. يقول بكـداش إن الانقسام بدأ عندما عاد من موسكو عام 1986 ووجد "بذور انتهازية يمينية" في الحزب، مشيراً إلى أن يوسف فيصل يسعى لتحويل الحزب من حزب شيوعي بروليتاري إلى حزب اشتراكي ديمقراطي. يصف بكـداش تفاصيل الأزمة: إسقاط ثلاثة أعضاء من اللجنة المركزية هم داود حيدق، يعقوب كروق، ورافت الكردي في كونفرس دمشق، مما دفع يوسف فيصل للانسحاب. كما يتحدث بكـداش عن تدخل الحزب الشيوعي السوفييتي، وتحديداً يوناماريوف ومبعوثه يوري سيبانوفيتش غرودنوف (سفير روسيا في عمان)، الذي حاول منع انعقاد المؤتمر السادس وهدد بحذف اسم بكـداش من "الموسوعة السوفييتية". يصر بكـداش على أن الأساس الأيديولوجي والسياسي هو الجوهر، معترفاً بدور العامل الشخصي، مثل رغبة البعض في أن يكونوا "ملكاً في قرية على أن يكونوا وزيراً في مدينة".

يبحث الفصل أيضاً في موقف حلفاء الحزب في الجبهة الوطنية التقدمية، حيث يروي بكـداش لقاءه مع عبد الله الأحمر وعبد الحليم خدام بتكليف من الرئيس حافظ الأسد، وأخبرهم بوجود انقسام، مؤكداً في الوقت نفسه دعم الحزب للجبهة شريطة أن يدافع عن مطالب الشعب. وعند سؤاله عن مستقبل المنشقين، يجيب بكـداش بأنهم يسيرون في طريق "تأبيد المرتدين والمحرفين في الاتحاد السوفييتي" واصفاً إياهم بأنهم أصبحوا "حركة اشتراكية ديمقراطية". يرفض بكـداش الإعلان عن أسماء قيادة حزبه لأسباب أمنية، ويؤكد أن تحالفه مع حزب البعث لا يزال وطيداً.

ينتقل الحوار إلى مناقشة أدبيات الحزب المنشق، حيث يرى بكـداش أنها "عادت إلى الوراء" بطرحها لأفكار اشتراكية ديمقراطية قديمة، مثل "السكوت عن الصهيونية" و"التخلي عن المركزية الديمقراطية" و"تعويم شعار الاشتراكية". يشرح بكـداش مفهومه للأيديولوجية، مؤكداً أنها ليست فقط للطبقة العاملة بل تمثل تحالفاً مع الفلاحين، منتقداً اتجاه يوسف فيصل الذي يحدد تطور القوى المنتجة كأساس للتقدم الاجتماعي. يتناول الفصل أيضاً العلاقات الشخصية، حيث يذكر بكـداش أن المنشقين زاروه في المستشفى عندما مرض.

لم يقتصر الحوار على الانقسام الأخير، بل تطرق إلى تاريخ الحزب وأزماته القديمة. طلب الكاتب من بكـداش تفسيراً لظاهرة الانقسامات، فأجاب بكـداش بأنها تنبع من طبيعة "الوضع الاجتماعي العام الذي يولد مثل هذه القوى"، مستشهداً بـلينين الذي قال إنهم يعيشون في "أوقيانوس من البرجوازية الصغيرة". وأكد أن نضال الآراء دليل عافية، لكنه يجب أن يخضع لمبدأ "سيطرة الأقلية للأكثرية" وانضباط "شبه عسكري". واعتبر أن التطهير من "العقلية البرجوازية الصغيرة" هو عملية مستمرة، معترفاً بأن الحزب لم يقم بالعمل التثقيفي الكافي لمنع هذه الانشقاقات.

خصص جزء من الفصل للرد على الهجمات الشخصية ضد بكـداش. دافع عن والده الذي كان ضابطاً في المدفعية ورفض العمل تحت الانتداب الفرنسي، وعمل مناظراً لتعمير الطرقات ثم في "التنظيفات" بعد رفضه لسرقة الإسمنت، وتوفي بذات الرئة. أما بالنسبة لهجمات هاشم الأمين، فأوضح بكـداش أن الأمين لم يتحمل صعوبات النضال، واتهمه بأنه يبحث عن "مبررات لخروجه". فيما يخص قدري القلعجي، قال بكـداش إنه كان يحلم بمنصب في اللجنة المركزية ولم ينتخب، ورشاد عيسى "أبعد نفسه" عندما انقطع عن العمل احتجاجاً على موقف الاتحاد السوفييتي من التقسيم.

تناول الفصل قضايا حساسة مثل قضية فرج الله الحلو، حيث دافع بكـداش عن نفسه بقوة نافياً مسؤوليته عن اعتقاله، مؤكداً أنه أرسل تحذيراً من موسكو يطلب فيه عدم إرسال الحلو إلى دمشق، لكن القيادة في غيابه لم تستجب. ثم انتقل الحوار إلى سياسة "التعريب" التي تبنّاها بكـداش داخل الحزب، موضحاً أنه بذل جهداً لتوسيع قاعدة الحزب بين العرب، مؤكداً أنه من "العرب المستعربة" رغم أصوله الكردية. وفي خضم الحديث عن شخصيات أخرى، نفى بكـداش أن يكون وراء إبعاد الياس مرقص وياسين الحافظ، معتبراً أن الخلاف معهم كان سياسياً بحتاً. وأخيراً، تحدث عن رفيق رضا الذي وصفه بأنه شخص "مشبوه" و"خرّب كثيراً"، واشتبه في تورطه باعتقال فرج الله الحلو.

6.127–154▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول حوار مطول مع خالد بكداش، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري، حيث يتناول سيرته الذاتية، وتاريخ الحزب، ومواقفه السياسية والفكرية، وأزماته الداخلية. الإجابة التي يقدمها المؤلف من خلال الأسئلة المطروحة هي محاولة لرسم صورة شاملة للرجل والحزب، كاشفة عن شخصيته القيادية، وتقييمه للأحداث، ونظرته للعلاقات الحزبية والديمقراطية الداخلية.

يبدأ الحوار باستفسار عن حالات الاختراق الأمني داخل الأحزاب، مستشهداً بحالة مالينوفسكي، النائب في الدوما الذي كان عميلاً للاستخبارات القيصرية، والذي ظل لينين يدافع عنه رغم الشبهات. ويؤكد بكداش أن مسألة أمن الحزب هي مسؤولية كبيرة، لكنه يرفض فكرة إحباطه من مثل هذه الحالات، قائلاً إنه جاء من أجل مبادئ لينين وليس من أجل أشخاص معينين. وعند سؤاله عن الأصدقاء، يفرق بين العلاقات الرفاقية والصداقية، ويذكر أسماءً مثل فرج الله الحلو وحسن قريطم وأنطوان ثابت وفوزي الشلق.

ينتقل الحديث إلى أزمة التيتوية في خمسينات القرن العشرين، حيث يوضح بكداش موقف الحزب المعارض للتسيير الذاتي كما طرحه الرئيس اليوغسلافي الراحل جوزيف بروز تيتو، معتبراً أنه قد يؤدي إلى عودة الرأسمالية. ويؤكد أن هذه الظاهرة لم تشكل أزمة حقيقية في الحزب، مشيراً إلى أن قدري القلعجي كان من بين من غازلوا التيتوية، لكنها لم تطل. ثم يتطرق إلى تاريخ انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن السوري، موضحاً أنه حدث تدريجياً مع تطور الكيانين المستقلين، وصولاً إلى الاستقلال التنظيمي الكامل في عام 1954.

يتناول الحوار بعد ذلك الأزمة التي برزت بعد هزيمة حزيران 1967، حيث ظهرت نزعات قومية متأثرة ببعض قوى المقاومة الفلسطينية. يشرح بكداش هذه النزعات كميول تحريفية يمينية أو يسارية، ويعزوها إلى وجود "أوقيانوس من البرجوازية الصغيرة" وتشجيع من الأعداء، دون أن ينكر مسؤولية الظروف التاريخية. وفي سياق الحديث عن المقاومة الفلسطينية، يروي بكداش لقاءاته مع ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة، مشيداً بعلاقات الحزب الجيدة معهم، ومؤكداً على أهمية دعم سورية للمقاومة.

عند الحديث عن "المؤتمر الثالث" للحزب، يصف بكداش جولاته المكثفة في المنظمات الحزبية من الجزيرة إلى عفرين ودير الزور، والتي أدت إلى إصابته بـ "احتضاض في القلس". ويكشف عن حصوله على 44 صوتاً من أصل 44 في المؤتمر. وعن تيار رياض الترك، يرفض بكداش اتهامات التغيب عن اجتماعات المكتب السياسي، ويوجّه انتقادات لسياسات رياض الترك بعد انفصاله، متّهِماً إياه بتأييد أعمال الأصوليين من "الإخوان المسلمين". وعن إمكانية وحدة بين رياض الترك ويوسف فيصل ومراد يوسف، يؤكد أن الوحدة لم تحدث بعد، وأنهم لا يزالون فريقين داخل حزب واحد.

يواجه الحوار مسألة تأخر عقد المؤتمرات الحزبية، حيث يتحمل بكداش المسؤولية، لكنه يكشف أن الرفاق السوفييت (كوسينين وسوسلوف) نصحوه بعدم عقد مؤتمر عام في سنة 1955 خشية اتهامها بالشيوعية، وأنه استمع لتلك النصيحة. وفيما يتعلق بالديمقراطية الداخلية، يدافع بكداش عن مبدأ المركزية الديمقراطية، مؤكداً على خضوع الأقلية للأكثرية، لكنه يقر بحق الأقلية في التعبير عن رأيها داخل الهيئات الحزبية، لا عبر منبر ديمقراطي عام. وعن وجود معارضة داخلية، ينفي ذلك، قائلاً إن الرفاق المنفصلين هم خارج الحزب.

ينتقل الحوار لاحقاً إلى جوانب شخصية وإنسانية، حيث يُظهر بكداش حبه لدمشق من خلال تذكره لأزهارها كالياسمين والفل. ويتحدث عن شغفه بالشعر العربي، محفظاً أبياتاً للمتنبي، وامرئ القيس، وعمرو بن كلتوم، وطرفة بن العبد، وعنترة، وأبي العلاء المعري. كما يعرب عن إعجابه بالشعراء المعاصرين محمد مهدي الجواهري ونزار قباني وسعيد عقل، بالإضافة إلى شعراء راحلين مثل رئيف خوري ورضوان الشهال. ويحكي قصة زواجه من السيدة وصال (أم عمار)، وكيف تم في ظروف سرية، ويكشف عن علاقة رومانسية أخرى لم تكتمل بسبب اختلاف الطبقة الاجتماعية.

يستمر الحوار في استكشاف شخصيته كمثقف قارئ، حيث يذكر روايات قرأها مثل "الشمس تشرق أيضاً" لهيمنغواي، وكتب ستالين مثل "أسس اللينينية" و"الماركسية والقضية الوطنية". ومن بين الروائيين، يفضّل موباسان وإميل زولا وبلزاك وأندريه مالرو ومكسيم غوركي ودوستويفسكي وتولستوي وجورج أمادو، ومن العرب إبراهيم عبد القادر المازني وعمر الفاخوري. ويعترف بوجود أخطاء في المدرسة الواقعية الاشتراكية، مثل التركيز على البطل الإيجابي فقط. وعن تدخل السياسي في الأدب، يؤكد بكداش على حرية الأديب، لكنه يرى إمكانية تصحيح المواقف السياسية غير الصحيحة في العمل الأدبي.

يختتم الحوار بعدة قضايا: يروي موقفه من القرآن، الذي حفظ منه أجزاءً في صغره ويستشهد به في خطاباته، وعلاقته الودية مع المفتي أحمد كفتارو. ويرفض الماسونية لأنها تتناقض مع الفكر الشيوعي. ويعبر عن رأيه السلبي تجاه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، منتقداً حربه ضد إيران وغزوه للكويت. وعن سبب عدم كتابته لمذكراته، يعزو ذلك لانشغاله وعدم توفر الوثائق لديه. وينفي أي تفكير في توريث منصب الأمانة العامة لابنه. ينهي بكداش الحوار بعبارة جامعة تجمع ما يحب من فنون وثقافة، من الموسيقى والشعر إلى الرواية.

في النهاية، يمكن القول إن هذا الفصل يقدم صورة معقدة لزعيم شيوعي مخضرم، تجمع بين الصرامة الأيديولوجية والمرونة التكتيكية، وبين النضال السياسي الصلب والحساسية الثقافية. يظهر خالد بكداش كشخصية تدافع بحزم عن إرث الحزب وتاريخه، وتعترف ببعض الأخطاء والهفوات، وفي الوقت نفسه، تكشف عن جوانبها الإنسانية والثقافية. الحوار مثير للجدل في نقاط مثل تبرير تأخير المؤتمرات بناءً على نصائح خارجية، أو رؤيته للديمقراطية الداخلية، أو موقفه من الانتقادات الموجهة لشخصه كقائد. هذه النقاط تظل مفتوحة للتفسير والمناقشة، لكنها بلا شك تسلط الضوء على تعقيدات العمل الحزبي تحت ظروف سياسية وأمنية قاسية.