Almawred
عوامل السلم والنزاع الأهلي في سوريا - ي.مرعي (م)
عربي

عوامل السلم والنزاع الأهلي في سوريا - ي.مرعي (م)

1 janvier 2013arمركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا (CCSDS)

ملخص شامل لكتاب "عوامل السلم والنزاع الأهلي في سوريا"

يدور الكتاب حول إشكالية جوهرية: كيف يمكن فهم عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في سوريا في خضم الثورة السورية؟ لا يقدم الكتاب إجابة واحدة، بل هو عبارة عن دراسة نقدية متعددة الأوجه، تجمع بين آراء ناشطين شباب تم استبيانهم من قبل مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا (CCSDS)، وتحليلات متعمقة من أربعة باحثين سوريين هم محمد سامي الكيال و ناريمان عامر و بدرخان علي و محمد ديبو. الموقف الذي يدافع عنه الكتاب بشكل جماعي هو رفض النظرة السكونية والتبسيطية للمجتمع السوري التي تختزله في "مكونات" أهلية وطائفية جامدة، ويعمل على تفكيك هذه النظرة من خلال مناهج نقدية تركز على البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكامنة، وعلى "فعل السلطة" و"الصراع الاجتماعي" كأساس لفهم ديناميكيات السلم والنزاع.

يسير الكتاب وفق منطق تراكمي وتفاعلي. يبدأ بتقديم الإطار النظري لمفهوم "السلم الأهلي"، مستعرضاً مقوماته مثل: إدارة التعددية السلمية، الاحتكام إلى القانون، الحكم الرشيد، التعددية، العدالة الاجتماعية، ووجود إعلام حر. ثم ينتقل إلى عرض الأهداف العملية للمشروع الذي أنتج الكتاب، وهو تدريب صحفيين مواطنين، ويفصح عن منهجيته: استبيان آراء الشباب المشاركين لتحديد 4 عوامل لترسيخ السلم الأهلي (التعاضد الإغاثي، الشعارات الثورية الموحدة، دور رجال الدين، الإسراع في تشكيل حكومة مدنية، محاسبة المسؤولين/العدالة الانتقالية، المصالح الاقتصادية، تعزيز قوة أحد أطراف النزاع) و4 عوامل للنزاع الأهلي (إقصاء الآخر، الانتقام السياسي، الانتقام الطائفي، صراع القوميات، غياب الممارسة الديمقراطية، قلة الاطلاع على الأقليات، التدخل الدولي، الصراع الطبقي). لكن القيمة الحقيقية للكتاب تنبثق من الردود النقدية للباحثين الأربعة على هذه الاستبيانات.

تتوالى حجج الباحثين لتقويض التصور "المكوناتي" للمجتمع. محمد سامي الكيال في دراسته النقدية "عوامل النزاع والسلم الأهلي في سوريا" هو أول من يفكك هذه العوامل. يرى أن هذه العوامل "تقتصر في معظمها على ما استجد خلال الثورة" ولا تتناول البنية الاجتماعية العميقة. ويجادل بأن تركيز البحث على مكونات منفصلة (طائفية، إثنية) ينتج "نظرة سكونية" للمجتمع. يقترح الكيال مفهوماً بديلاً هو "التوق إلى الحياة" بدلاً من "السلم الأهلي"، وهو مفهوم يرفض كل أشكال السيطرة والهيمنة السلطوية، ويركز على سعي البشر لتحرير قدراتهم وشروط حياتهم من قبضة السلطة (بمفهومها الواسع). بالنسبة له، الثورة السورية هي تعبير عن هذا التوق، وليست حرباً أهلية بين مكونات. النزاع الأساسي، في رأيه، هو بين دوافع البشر نحو الحياة الحرة وفعل السلطة القامع.

تتجاوز ناريمان عامر في دراستها "سوريا: فيما يؤجج سلمها ويطفئ عنقها" إطار الاستبيان لتقديم عوامل أخرى. تؤكد على أن سوريا كانت "دولة أمنية" أقامت عقداً اجتماعياً يقوم على "القمع مقابل الأمن"، وأن الثورة جاءت كنتيجة لتراكم عوامل داخلية وخارجية، مع ترجيحها لـ"ثقل اللحظة الخارجية" المتمثلة بموجة الثورات العربية. لتفسير النزاع، تستخدم مفهومين أساسيين: "أزمة الهوية" حيث أن الدولة السورية الحديثة لم تكتمل، ولا تزال هويات ما قبل الدولة (تقليدية، طائفية) فاعلة ومعيقة للولاء الوطني. والمشكل الاقتصادي الذي تراكم عبر عقود، وأدى إلى تركز الثروة بيد فئة طفيلية من رجال الأعمال، مما فاقم التدهور وخلق جيشاً من الفقراء شكّل الشريحة الأكبر في الكتائب المقاتلة. ترى عامر أن أفضل سيناريو للسلم هو "الوصول إلى توافق ضمن منهجية واضحة وحل سياسي".

يبحث بدرخان علي في "الصراع الاجتماعي/السياسي في سياق الثورة" من خلال التركيز على بنية النظام السوري نفسه. يصف النظام بأنه "سلطاني/سلطوي"، مغلق حول نواة عائلية/أمنية/عسكرية، لكنه في الوقت نفسه متشعب بعلاقات مع بنى اجتماعية واسعة. يشرح أن الثورة اندلعت حين انفرط "العقد التسلطي الشعبوي"، وهو عقد إذعان بين السلطة والشعب. عندما رد النظام بالعنف المفرط، لم يعد بالإمكان إغلاق حلقة العنف الجهنمية، مما أدى إلى تدمير السلم الأهلي التقليدي من قبل النظام والمعارضة المسلحة على حد سواء. يؤكد علي أن ما يحدث ليس حرباً أهلية بالمعنى الكلاسيكي، بل هو ثورة دخلت الطور العسكري، مما أنتج "كارثة إنسانية وصراعاً أهلياً عميقاً" لا يزال يهدد بالانزلاق إلى حرب أهلية شاملة.

أما محمد ديبو في دراسته "الطائفية كعامل من عوامل النزاع الأهلي"، فيفكك بنية النظام من منظور طائفي. يرى أن النظام ليس طائفياً في جوهره، بل هو "نظام سلطوي يستجدي الطائفية لمصلحته". قام النظام بتقويض الحياة السياسية والمجتمع المدني، تاركاً فراغاً ملأته طائفية مبطنة. وقد قام بتطييف المجتمع: جعل الطائفة العلوية "طائفة سياسية" مرتبطة بالسلطة، وفي المقابل قام بتطييف التيار الإسلامي/الإخوان المسلمين ليكون كبش فداء. هذا الاستقطاب الطائفي بقي في حالة كمون حتى انفجر بقوة بعد الثورة، حينما ألقت السلطة بكل أوراقها الطائفية، وسلكت المعارضة أحياناً الطريق نفسه عبر تمثيل نفسها كمكونات طائفية (مؤتمر للعلويين، آخر للمسيحيين). خلاصة ديبو هي أن الحل الوحيد هو تعزيز خطاب وطني جامع يركز على "المواطنة" التي تساوي الجميع أمام القانون.

تشمل الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها: الإشارة إلى أن المشروع انطلق من ورشات تدريبية لبرنامج الإعلام المدني ضمت صحفيين مواطنين. وتحديد عوامل السلم والنزاع من قبل الشباب والنقاش حولها. الإشارة إلى أن سوريا كانت دولة أمنية تستند إلى "عقد القمع مقابل الأمن". تحليل بدرخان علي لبنية النظام ووصفها بأنها "سلطانية/سلطوية". تحليل محمد ديبو لكيفية تحول العلويين إلى "طائفة سياسية" تخدم النظام، وكيف تم "تطييف" الإخوان المسلمين. وكذلك الإشارات إلى حالات الاستغلال والنزوح (نزوح سكان حلب إلى الساحل) والتي خلقت مشاكل طبقية جديدة. إضافة إلى اقتراح محمد سامي الكيال لمفهوم "التوق إلى الحياة" كبديل للسلم الأهلي التقليدي.

يعترف الكتاب بحدوده بوضوح. محمد سامي الكيال في مقدمته النقدية يشير إلى المشاكل المنهجية في الاستبيان نفسه، مثل أن المشاركين هم من سوية ثقافية متقاربة ولا يمثلون عينة دالة على المجتمع السوري بأسره، وأن آراءهم قد تكون "موجهة" نتيجة التدريبات التي تلقوها. كما يقر بأن كل دراسة مهما بلغت لا يمكنها الإلمام بكل تعقيدات الموضوع. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة، أبرزها: حتى لو تم فهم عوامل النزاع، ما هي الآليات العملية لوضع مفهوم "التوق إلى الحياة" أو "المواطنة" موضع التنفيذ وسط الفوضى والتدخلات الإقليمية والدولية؟ وكيف يمكن للمعارضة نفسها أن تتجاوز الخطاب "المكوناتي" الذي تنتقده؟

هناك حجج قابلة للنقاش بوضوح في الكتاب. أبرزها هو النقد الحاد والشامل للنظرة "المكوناتية" للمجتمع السوري. ففي حين يرى الباحثون أن هذه النظرة هي نتاج تفكير سلطوي يعيد إنتاج الطائفية، يمكن القول إن التجربة السورية المباشرة (منذ 2011) وخاصة في سياق الحرب، أظهرت إلى حد كبير أن الخطاب الطائفي والمذهبي أصبح واقعاً معاشاً وفاعلاً بقوة على الأرض، ليس فقط من قبل النظام بل ومن قبل فاعلين معارضين وإقليميين. وبالتالي، فإن تجاهل أو تفكيك هذا البعد فقط دون تقديم آليات ملموسة لمواجهته على مستوى القاعدة الشعبية والميليشيات قد يكون غير كافٍ، بل قد يبدو مثالياً في مواجهة واقع دموي شديد التطييف. النقاش حول مدى نجاعة التصور النقدي للباحثين في مقابل الوقائع اليومية للنزاع هو جدل أساسي يثيره الكتاب.