Almawred
عربي

عين العرب سلسلة مدن في الثورة السورية

1 janvier 2014arالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

كتاب "عين العرب.. سلسلة مدن في الثورة السورية" هو تقرير توثيقي صادر عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يُضيء على معاناة مدينة عين العرب (كوباني) وريفها، في فترة حرجة من الحرب السورية. الموضوع المحوري للكتاب هو كشف ملابسات الحملة العسكرية الشرسة التي شنها تنظيم "دولة العراق والشام" (داعش) على المنطقة، والمأساة الإنسانية التي نتجت عنها، مع تحليل الأبعاد الاستراتيجية والجغرافية والسياسية التي جعلت من كوباني ساحة صراع محورية. يدافع الكتاب ضمنياً عن موقف الائتلاف والمعارضة السورية، معتبراً أن ما جرى يمثل نموذجاً صارخاً لتجاهل النظام السوري لواجبه في حماية المواطنين، وتخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته، مما ترك المنطقة رهينة للصراع بين تنظيم إرهابي وقوات محلية لم تحصل على الدعم الكافي.

يسير الكتاب في حجته بشكل منهجي، متدرجاً من التعريف بالمنطقة وأهميتها، وصولاً إلى تفاصيل المعركة ودور الأطراف الفاعلة. يبدأ الفصل الأول بتأصيل جغرافي وتاريخي لـ عين العرب، التي تبعد 40 كيلومتراً شرقي نهر الفرات وحوالي 131 كيلومتراً شمال شرق حلب، ويصفها بأنها ثالث أكبر المدن الكردية في سورية. يتناول تركيبها السكاني الذي يغلب عليه الطابع الكردي، والمتحدث بلهجة الكرمانجية، ويشير إلى أصول تسميتها التاريخية، سواء المرتبطة بـ "الشركة" الألمانية التي أنشأت خط قطار الشرق السريع عام 1911، أو تلك العائدة إلى "كوم إربن" بمعنى الإجماع الكردي. يستعرض التحول الإداري للمنطقة بعد ترسيم الحدود بين فرنسا وتركيا سنة 1921، لتصبح تابعة لمحافظة حلب، ثم تخضع لاحقاً لنفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) و وحدات حماية الشعب (YPG) كمقاطعة مستقلة بحكم الأمر الواقع.

ينتقل الفصل الثاني إلى الجانب السياسي والعسكري، موثقاً بدايات مشاركة كوباني في الثورة السورية منذ آذار 2011، حيث خرجت أولى المظاهرات الحاشدة مطالبة بالحرية. يشير الكتاب إلى محاولات النظام السوري إخماد هذه الاحتجاجات بقبضة أمنية، لكن دون جدوى، وصولاً إلى اغتيال المعارض الكردي مشعل تمو في 7 تشرين الأول 2011 في القامشلي، مما فجّر احتجاجات غير مسبوقة في المناطق الكردية. ثم يشرح الأهمية الاستراتيجية لـ كوباني بالنسبة لـ داعش، فهي تمثل امتداداً جغرافياً لمعقله في الرقة، والاستيلاء عليها يعني توسيع حدود "إمارته" المزعومة مع تركيا، وعزل منطقتي الجزيرة وعفرين الكرديتين عن بعضهما. كما يصف كوباني بأنها "الخاصرة الضعيفة" لقوات الحماية الكردية، كونها معزولة ومحاصرة منذ سقوط تل أبيض بيد التنظيم.

يؤرخ الكتاب بدقة لحملة داعش العسكرية، التي بدأت منذ بداية تموز 2014 بحشد قوات ضخمة في منطقة جرابلس و بلدة الشيوخ، واشتباكات أسفرت عن انسحاب القوات الكردية وسيطرة التنظيم على قرى عدة مثل خرب عطو، زور مغار، الزيارة، البياضية، جبنة، وجاروخة. ثم كانت البداية الفعلية للحملة الكبرى في 16 أيلول (سبتمبر) 2014، عندما هاجم التنظيم مقاطعة كوباني من أربعة محاور باستخدام الدبابات والمدافع الثقيلة. وفي 19 أيلول، اضطرت القوات الكردية للانسحاب من قرى شرق المنطقة مثل سرزوري، خان، كوبرلك، وأحمديان، لتتكثف أمواج النزوح نحو المدينة والحدود التركية. يكشف الكتاب عن جدل داخلي حول هذا الانسحاب، حيث أشار ناشطون إلى ما وصف بـ "الانسحاب التكتيكي" لوحدات الحماية الكردية، وهو ما رأى فيه البعض تمهيداً لتسليم المدينة، مبررين ذلك بمحاولة الحصول على أسلحة من الغرب، لكن النتيجة كانت سيطرة سريعة للتنظيم على معظم الريف ووصوله إلى مشارف المدينة في غضون ثلاثة أيام، تاركاً عشرات الآلاف من المدنيين في العراء بين الألغام الحدودية.

أما الانتهاكات، فيخصص الكتاب مساحة لتفصيلها، موثقاً جرائم منظمة لـ داعش شملت القتل العشوائي للمدنيين باستخدام الأسلحة الثقيلة، والتهجير القسري تحت وطأة السلاح، وهو ما يعتبر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما يذكر عمليات الخطف على الهوية، مثل اختطاف درغام صفوان بصراوي مع 14 مدنياً كردياً على جسر قره قوزاق، وخطف محمود بصرواي خشمان في ناحية صرين، مشيراً إلى أن التنظيم كان يحتجز لديه ما لا يقل عن 157 مدنياً كردياً في مدينة منبج في ذلك الوقت.

يتناول الفصل الثالث البعد الإنساني الكارثي، حيث يقدر عدد النازحين من كوباني وقرى ريف حلب الشمالي بما لا يقل عن 100 ألف نازح في غضون أيام قليلة، متجمعين على الشريط الحدودي مع تركيا في ظروف مأساوية. ويسجل الكتاب استجابة الحكومة التركية التي أرسلت 1575 شاحنة مساعدات إنسانية بقيمة 27 مليون ليرة تركية، إلى جانب جهود الائتلاف الوطني السوري و الحكومة السورية المؤقتة التي وزعت مساعدات غذائية وحليب أطفال وبطانيات، وشكلت لجان إغاثة لمتابعة النزوح الكثيف، الذي قدره أحد أعضاء لجنة الإغاثة بنحو 110 آلاف نازح خلال اليومين الأولين فقط بعد فتح الحدود.

أما الفصل الرابع، فيناقش تدخل التحالف الدولي عبر غارات جوية استهدفت قرى ونواحٍ كثيرة في كوباني. يعترف الكتاب بأن الغارات لم تلحق بالتنظيم الضرر المطلوب في البداية، لأن عناصره كانوا يتوقعون القصف ويخلون مواقعهم مسبقاً، لكنه يشير لاحقاً إلى إعلان مسؤولين أكراد أن القصف الجوي أجبر مقاتلي داعش على التراجع عند أطراف المدينة، واصفاً ذلك بأكبر تراجع للتنظيم منذ دخوله. ويختتم الفصل بخبر إنزال جوي أمريكي لأسلحة وذخائر وإمدادات طبية للقوات الكردية، مع بقاء المعارك مستمرة بين الطرفين تدعمها قوات التحالف وفصائل من الجيش الحر مثل كتائب شمس الشمال.

يقر الكتاب صراحةً في خاتمته بحدود ما حدث، ويعبر عن إحباط واضح. فهو يرى أن مدينة عين العرب وريفها تعرضتا لتجاهل صارخ من قبل نظام الأسد، الذي لم يدافع عنها، ولم يذكرها حتى في تصريحاته، تاركاً الأمر "لتحالف غربي عاجز" لم يتمكن بترسانة دوله الستين من وقف التمدد الداعشي. ويصف ترك إدارة الصراع لقوات الحماية الشعبية بأنه تم دون مساندة دولية مجدية في البداية، في ظل تجاذبات حول التدخل البري وإنشاء منطقة آمنة. يختتم الكتاب بصورة مؤثرة للنازحين الذين ينتظرون على الحدود التركية "الإنصاف الدولي" الذي طالما انتظره السوريون منذ ما يقارب أربع سنوات، مما يترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة حول فاعلية المجتمع الدولي ومسؤولية النظام السوري.

من حيث الحجج القابلة للنقاش، يقدم الكتاب تقييماً قاسياً للانسحاب التكتيكي لوحدات الحماية الكردية، واصفاً إياه بأنه "تسليم كامل للمدينة"، وهذه وجهة نظر قد يختلف معها آخرون باعتبارها ضرورة عسكرية لتجنب خسائر فادحة. كما أن النبرة النقدية الشديدة تجاه أداء التحالف الدولي، والتي تصفه بالعاجز رغم تأكيدها على نجاح الغارات لاحقاً في دفع التنظيم للتراجع، تحمل بعض التناقض الذي قد يُقرأ على أنه يعكس مرارة اللحظة وصعوبة تقدير الوضع الميداني المتقلب.