
تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف
ملخص كتاب "تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف" لفواز طرابلسي
يتناول كتاب "تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف" للمؤلف فواز طرابلسي المسار التاريخي لتشكّل الكيان السياسي الذي عُرف لاحقاً بلبنان، منذ نشأة إمارة جبل لبنان في العهد العثماني وحتى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك العلاقة الجدلية بين البنى الاقتصادية والاجتماعية والطائفية التي أسست للصراع اللبناني، والإجابة التي يدافع عنها المؤلف هي أن لبنان لم يكن نتاجاً حتمياً لتطور طبيعي، بل كان نتاج تفاعلات معقدة بين صراعات إقطاعية محلية، وتدخلات أوروبية، وتحولات اقتصادية عميقة، وتوازنات طائفية هشة، وأن الحرب الأهلية لم تكن انفجاراً مفاجئاً بل نتاجاً متراكماً لتناقضات بنيوية رفضت النخب الحاكمة معالجتها.
يسير الكتاب بخط زمني واضح يربط بين المراحل التاريخية بمنطق سببي متماسك. يبدأ الفصل الأول بتحليل إمارة جبل لبنان كنظام هجين لم يكن كياناً قومياً موحداً، بل منطقة جبلية شهدت صراعاً دائماً بين سلطة عثمانية متقلبة، وأسر إقطاعية محلية متنافسة مثل آل معن وآل شهاب وآل جنبلاط، وقوى أوروبية طامحة مثل توسكانا وفرنسا. يتوقف المؤلف عند شخصية فخر الدين المعني الثاني (1591-1635) كنموذج لهذه الديناميكيات، حيث يصفه بأنه "الأمير التاجر" الذي نجح في توحيد أجزاء كبيرة من الجبل عبر تحالفاته الماهرة، وأدخل تربية دود القز وإنتاج الحرير، وهو محصول نقدي ربط الجبل بالأسواق الإيطالية وجعل بيروت مرفأً تجارياً ناشئاً. يورد الكتاب أرقاماً عن قوته العسكرية (نحو ثلاثين ألف مقاتل وثلاثين قلعة)، لكنه يبين كيف أثار طموحه المتزايد غضب السلطنة، فأُعدم شنقاً في إسطنبول عام 1635.
ينتقل الفصل الثاني إلى المرحلة المفصلية بين عامي 1858 و1861، التي شهدت انهيار النظام الإقطاعي-الطائفي المعروف بـ"النظام المقاطعجي"، وإحلال نظام "المتصرفية" محله. يصف المؤلف كيف أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان نتيجة لصراعات اجتماعية وطائفية عنيفة، انتهت بموت النظام القديم "مخصباً بالدم". يركز الفصل على انتفاضة العامة والفلاحين المسيحيين في شمال الجبل (كسروان) بقيادة طانيوس شاهين، والحرب الأهلية الطائفية في الجنوب المعروفة بـ "حوادث الستين" (1860) حيث هاجم الدروز البلدات المسيحية وسقط آلاف القتلى. يربط المؤلف هذه الأحداث باضطرابات إقليمية أوسع مثل مجازر دمشق عام 1860 التي قُتل فيها حوالي 2000 مسيحي، ويراها ردود فعل سلبية ضد "التنظيمات" العثمانية التي ساوت بين المسلمين والمسيحيين. أما التدخل الدولي فكان بقيادة فرنسا التي أرسلت 6000 جندي، وانتهى بإعلان قيام "المتصرفية" في 9 حزيران/يونيو 1861، وهو كيان شبه مستقل يحكمه متصرف عثماني مسيحي من غير اللبنانيين، مما ألغى رسمياً النظام الإقطاعي وأرسى مبدأ التمثيل الطائفي في الحكم.
يتناول الفصل الثالث تاريخ المتصرفية بين عامي 1861 و1915، ويكشف التناقض الجوهري بين مظاهر الاستقرار السياسي والإعمار الاقتصادي من جهة، وبين البؤس الاجتماعي والتبعية الاقتصادية والهجرة الجماعية من جهة أخرى. يبين المؤلف أن المتصرفية تحولت إلى بؤرة لزراعة منتوج أوحد هو الحرير الخام لخدمة صناعة نسج الحرير في ليون الفرنسية، حيث كان حوالي نصف سكان الجبل يعملون في اقتصاد الحرير الذي أدرّ نحو ثلث الدخل المحلي. تضاعف عدد معامل حلّ الحرير إلى 105 معامل عام 1898، عمل فيها نحو 15 ألف عامل، معظمهم من الموارنة، بظروف قاسية وأجور متدنية. تسبب هذا التخصص الأحادي في نتائج كارثية، إذ خُصصت أفضل الأراضي لأشجار التوت، وتراجعت زراعة الحبوب، واضطر الجبل للاعتماد على الداخل السوري لتأمين ثلثي حاجاته الغذائية. نتيجة لذلك، غادر الجبل بين 1860 و1915 حوالي ثلث سكانه تقريباً في موجات هجرة متتالية.
يخصص الفصل الرابع لتحليل تحول بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من بلدة ساحلية صغيرة إلى عاصمة اقتصادية وثقافية للمشرق العربي. يرى المؤلف أن هذا التحول كان نتاج تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: الموقع الجغرافي المتميز، والبنية التحتية العثمانية الحديثة، وبروز برجوازية تجارية محلية طموحة. يشير إلى عامل حاسم وهو أن الدور الاقتصادي الرئيسي لم يلعبه الأوروبيون كما في مدن مثل الإسكندرية، بل لعبته برجوازية محلية، حيث سيطر التجار المسيحيون على تجارة الاستيراد الدولية والمال، بينما اقتصر التجار المسلمون على التجارة الداخلية. من الأمثلة الملموسة أن من بين 140 بيتاً تجارياً لتصدير الحرير الخام، كانت الأسر المسلمة تملك ثلاثة فقط. ويصف الفصل أيضاً النهضة الثقافية التي رافقت الازدهار الاقتصادي، فيذكر تأسيس "الكليّة السورية الأميركية البروتستانتية" (لاحقاً الجامعة الأميركية في بيروت) عام 1866، وجامعة القديس يوسف عام 1876، و**"جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية"** عام 1878. ويختتم الفصل بوصف مأساوي لويلات الحرب العالمية الأولى، حيث قضى 100 ألف من سكان بيروت وجبل لبنان جوعاً مع نهاية الحرب.
يركز الفصل الخامس على السجال الفكري والسياسي الذي رافق ولادة "لبنان الكبير" في ظل الانتداب الفرنسي. يوضح المؤلف كيف انقسم اللبنانيون، خصوصاً المسيحيين، بين مشروعين متعارضين: مشروع الدولة اللبنانية المستقلة عن سورية ومشروع الاتحاد معها. في الأول من أيلول/سبتمبر 1920، أعلن الجنرال غورو "لبنان الكبير"، مضيفاً إلى متصرفية جبل لبنان المدن الساحلية (بيروت، صيدا، صور، طرابلس) وأربعة أقضية (حاصبيا، راشيا، بعلبك، عكار). يبين الفصل أن المعارضة للانتداب كانت واسعة بين المسلمين، ويقدم "مذاكرة اعتراض سكان الأقاليم المضمومة" عام 1921 التي نددت بالظلم الاقتصادي والإداري، مشيرة إلى أن سكان الملحقات يفوقون سكان الجبل (540,000 مقابل 400,000) بينما يُجبى 75% من العائدات الضريبية من الملحقات ويُنفق 80% على الجبل. يحلل الفصل المواقف المارونية المختلفة، رافضاً تبسيطها، ويحدد أربعة تيارات رئيسية: دعاة الاتحاد العربي، دعاة الاتحاد السوري، أنصار الحماية الفرنسية، ودعاة الاستقلال اللبناني.
يتناول الفصل السادس مرحلة التحوّل من الانتداب إلى الاستقلال عام 1943. يبدأ بتصوير "لبنان الكبير" تحت الانتداب ككيان اقتصادي هجين، حيث عاملته فرنسا مع سورية كوحدة اقتصادية واحدة تسيطر عليها شركاتها الاحتكارية. ينتقل الفصل إلى أزمة الثلاثينيات الاقتصادية والاجتماعية التي فجّرت احتجاجات شعبية واسعة، مثل إضرابات ضد شركات الاحتكار الفرنسية. يشكّل عام 1936 نقطة انعطاف درامية، حيث دفع رياض الصلح نحو تحالف عابر للطوائف ضد الانتداب، وأسس "حزب الاستقلال الجمهوري". تتسارع الأحداث مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ويُفصّل الملخص كيفية صياغة "الميثاق الوطني" كتسوية تبادلية: تنازل المسيحيون عن الحماية الأجنبية مقابل أسبقيتهم السياسية (رئاسة الجمهورية المارونية)، وتنازل المسلمون عن مطلب الوحدة مع سورية مقابل مشاركتهم الحقيقية في السلطة. يقرّ المؤلف بحدود هذا الاستقلال الذي كان نتاجاً لتفاهم بين مصر وبريطانيا، ويترك تساؤلات مفتوحة حول التناقض المؤسسي بين الدستور الذي يضمن أسبقية مسيحية، والميثاق العرفي الذي يقوم على المشاركة.
يتناول الفصل السابع تحوّل لبنان بعد الاستقلال إلى "جمهورية التجار"، حيث يسيطر عليها تحالف ضيق من كبار التجار والممولين عُرف بـ"الكونسورسيوم". يصفه المؤلف بأنه نواة صلبة من نحو ثلاثين أسرة ثرية، معظمها مسيحية مع أقلية من الأسر المسلمة، سيطرت على الاقتصاد عبر تحالفها مع رئاسة الجمهورية. يورد الفصل أن ثروات خمس عشرة أسرة من هذه الأسر قُدرت بـ 47 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل تسعة أضعاف خزينة الدولة لعام 1950. كما يوضح كيف تحولت بيروت إلى مركز لتجارة الذهب التي تمر عبرها ثلث حاجة العالم من الذهب، ومصباً لنفط شركة نفط العراق في طرابلس، والنفط السعودي عبر "تابلاين" في الزهراني. يختتم الفصل بالأزمة السياسية التي أدت إلى سقوط بشارة الخوري في أيلول/سبتمبر 1952 بعد فضائح الفساد المالي ونمو معارضة قادها كمال جنبلاط وكميل شمعون.
يركز الفصل الثامن على فترة حكم كميل شمعون (1958-1952)، واصفاً إياها بواحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل. يتميز العهد بازدهار اقتصادي كبير قاده تدفق رؤوس الأموال العربية، لكنه رافقه أسلوب حكم فردي وسلطوي، وانحياز صريح للمعسكر الغربي في خضم المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر. يورد الفصل دور ولبر كرين إيفلاند، عميل السي. آي. إي في بيروت، الذي اعترف بأنه وزع حقائب من الليرات اللبنانية خلال انتخابات 1957. بلغت الأزمة ذروتها في أيار/مايو 1958 مع اندلاع ثورة مسلحة سيطرت على ثلاثة أرباع البلاد، وانتهت بتدخل عسكري أميركي نزل بموجبه 15,000 جندي أميركي على شواطئ خلدة، وانتخاب فؤاد شهاب رئيساً في 31 تموز/يوليو.
يحلل الفصل التاسع مشروع فؤاد شهاب (1958-1964) وعهد خلفه شارل حلو (1964-1970)، واصفاً "الشهابية" كمحاولة جادة لبناء "دولة الاستقلال" وتحديث لبنان عبر تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، لكنها اصطدمت بمقاومة شديدة من القوى التقليدية والطائفية. يشرح المؤلف الاستراتيجية الشهابية القائمة على خلق طاقم سياسي بديل عن الزعامات التقليدية عبر قانون انتخاب جديد، واستخدام الجيش والأجهزة الأمنية كقاعدة للحكم. من أبرز الإنجازات الاقتصادية إنشاء "مصرف لبنان" كبنك مركزي، و**"قانون النقد والتسليف"، و"صندوق الضمان الاجتماعي"**. لكن الحدث المدوي الذي يختتم به الفصل هو انهيار بنك إنترا في أكتوبر 1966، الذي كان أكبر مجموعة مالية في لبنان، وأغرق الاقتصاد في أزمة حادة، حيث بلغ عدد مودعيه 145,000 مودع.
يبدأ الفصل العاشر بتحذير المطران غريغوار حداد من أن "المعجزة اللبنانية" الاقتصادية ما هي إلا ستار لاقتصاد حر تتمتع بأرباحه أقلية رأسمالية صغيرة. يطرح المؤلف السؤال المحوري حول كيفية تحوّل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة إلى حرب أهلية شاملة عام 1975. يقدم أدلة دامغة على التمركز الاحتكاري: مسح عام 1964 أظهر أن 10 أسر تسيطر على أكثرية أسهم 177 شركة، وأن 5 وكلاء يستأثرون بـ 75% من المستوردات. يرسم صورة قاتمة للبنية الاجتماعية حيث 4% فقط من اللبنانيين كانوا يحصلون على أكثر من 50% من الدخل الأهلي، فيما أعلن المطران حداد أن 80% لا يحصلون على الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. يوثق الفصل موجة من النضالات العمالية والطلابية والفلاحية، قبل أن ينفجر القتال في 13 أبريل 1975 إيذاناً باندلاع الحرب الأهلية.
يُعالج الفصل الحادي عشر مرحلة "حرب السنتين" (1975-1976)، واصفاً إياها بأنها "حوار بالسلاح" بين مشروعين متعارضين: مشروع الأمن الذي تبناه حزب الكتائب وحلفاؤه في "الجبهة اللبنانية"، ومشروع الإصلاحات السياسية الذي قادته الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط. يتوقف الفصل عند حدثين مفصليين: "السبت الأسود" في 6 كانون الأول/ديسمبر 1975، ومعركة تل الزعتر في آب/أغسطس 1976 التي سقط فيها مخيم اللاجئين الفلسطيني بعد حصار دام ستة أشهر. يشرح المؤلف كيف تطور الموقف السوري من وساطة إلى تدخل عسكري مباشر تحت غطاء "قوات الردع العربية"، بعد أن حصلت سورية على ضوء أخضر أميركي إسرائيلي مشروط بخطوط حمراء. يختتم الفصل باغتيال كمال جنبلاط في آذار/مارس 1977، معتبراً إياه عقاباً له على "المغامرة" التي خاضها لتغيير النظام.
يتناول الفصل الثاني عشر المرحلة الثانية من الحرب الأهلية (1978-1982)، مقدماً إياها كمسار لانقلاب سياسي وعسكري هدفه تغيير بنية الدولة، وبلغ ذروته بوصول بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية في أيلول/ سبتمبر 1982. يصف الفصل بناء دولتين متنافستين داخل لبنان: "دويلة ياسر عرفات" في بيروت الغربية، و"مارونستان" أو دويلة بشير الجميل التي تبلورت عبر اغتيال طوني فرنجية وعائلته في إهدن في حزيران/ يونيو 1978، وحرب "الأيام" بين القوات السورية والكتائبية، والقضاء على ميليشيا "النمور" في تموز/ يوليو 1980. يشرح المؤلف مشروع بشير السياسي الذي كان يهدف إلى إلغاء أي شراكة إسلامية-مسيحية، وإحلال تحكم مسيحي مطلق بالدولة. يختتم الفصل بحدثين كارثيين: اغتيال بشير في 14 أيلول/ سبتمبر 1982، ومجزرة صبرا وشاتيلا التي يصفها المؤلف بأنها كانت تنفيذاً لرغبة بشير المعلنة في تنفيذ "حل جذري" بحق الفلسطينيين.
يحلل الفصل الثالث عشر تحوّل لبنان بعد اغتيال بشير إلى "نظام حرب" تسيطر عليه الميليشيات، ويُفكّك اقتصاده السياسي. يطرح فواز طرابلسي فكرة أن الحرب أنشأت نظاماً اقتصادياً وسياسياً جديداً له منطقه الخاص، حوّل الدولة إلى شريك أضعف والميليشيات إلى حكّام فعليين، وأعاد إنتاج الطوائف نفسها ككيانات مسلحة.
يُقر المؤلف في مواضع متعددة بحدود تحليله، فيعترف بأن نشأة "هوية الجبل" بقيت مسألة مفتوحة بعد نهاية الإمارة عام 1847، ويشير إلى أن صعود الطبقة الوسطى الجديدة قد لا يمثل قطيعة حقيقية مع الإقطاع بل مجرد إعادة إنتاج للامتيازات في ثوب إداري حديث. كما يقر بأن الاستقلال عام 1943 كان نتاج تفاهم بين مصر وبريطانيا أكثر منه انتصاراً خالصاً للحركة الوطنية، ويترك تساؤلات مفتوحة حول التناقض المؤسسي بين الدستور والميثاق العرفي. أما عن حتمية الحرب، فيؤكد أن رفض الإصلاح من الأعلى جعل الانفجار من الأسفل أمراً لا مفر منه، لكنه لا ينفي دور العوامل الإقليمية والقرارات الفردية والصدف.
من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، أن المؤلف يميل إلى تفسير مادي صارم للسياسة اللبنانية، مختزلاً الصراع السياسي إلى صراع بين مصالح اقتصادية، ومعتبراً أن الطائفية ليست سوى غطاء لصراع البرجوازيات. هذه النظرة، رغم قوتها التحليلية، قد تهمش دور الأيديولوجيا والعوامل الثقافية والاجتماعية المستقلة. كما أن إرجاع الهجرة الجماعية بأكملها إلى العوامل الاقتصادية يترك جانباً تأثير السياسات العثمانية والعوامل الثقافية. وأخيراً، يمكن القول إن تقديم الحرب الأهلية كمسار انقلابي بقيادة بشير الجميل قد يقلل من أهمية العوامل الأخرى كمقاومة الحركة الوطنية وتدخل سورية، ويختزل الصراع الطائفي المعقد في مشروع شخصي.
Personnes
Chapitres(14)
1.الفصل الأول: إمارة جبل لبنان9–44▼ résumé
يُشكّل الفصل الأول من كتاب «تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف» للمؤلف فواز طرابلسي مدخلاً تأسيسياً لفهم نشأة «الكيان السياسي» الذي سُمي لاحقاً لبنان، عبر تتبع مسار إمارة جبل لبنان منذ الحكم العثماني المبكر وحتى انهيار نظامها. المحور الأساسي للفصل هو تفكيك الطبيعة الهجينة لهذه الإمارة، التي لم تكن كياناً قومياً موحداً، بل منطقة جبلية شهدت صراعاً دائماً بين سلطة مركزية عثمانية متقلبة، وأسر إقطاعية محلية متنافسة، وقوى أوروبية طامحة، وطوائف دينية مختلفة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن تاريخ هذه الإمارة هو تاريخ صراع على السلطة والموارد، تشكلت من خلاله البنى الطائفية والاقتصادية التي ستؤدي لاحقاً إلى الحرب الأهلية وصولاً إلى اتفاق الطائف.
يسير الفصل بخط زمني واضح، مبتدئاً بوصف نظام «المقاطعة» أو «الالتزام» العثماني. يشرح المؤلف كيف كانت السلطنة تمنح زعيماً محلياً (ملتزماً) حق جباية الضرائب في منطقة معينة مقابل حماية مصالحها، مما خلق طبقة من الأسر الإقطاعية القوية مثل آل معن وآل شهاب وآل جنبلاط. يوضح الفصل العوامل الخمسة الأساسية التي حركت تاريخ هذه الفترة: أولاً، دوافع التوسع الإقليمي لهذه الأسر؛ ثانياً، التنافس الدولي الأوروبي وخاصة من توسكانا وفرنسا اللتين دعّمتا أطرافاً محلية؛ ثالثاً، استثمار فترات ضعف السلطنة للتمرد وعدم دفع الضرائب؛ رابعاً، النزاعات الأسرية والداخلية بين المقاطعجيين وحتى داخل العائلة الواحدة على الخلافة؛ وخامساً، الصراع الطبقي بين المقاطعجيين والفلاحين على نسب الريع وملكية الأرض.
يأخذ الفصل فخر الدين المعني الثاني (1591-1635) نموذجاً مفصلاً لهذه الديناميكيات. يصفه المؤلف بأنه «الأمير التاجر» الذي نجح في توحيد أجزاء كبيرة من جبل لبنان عبر تحالفاته الماهرة، أولاً مع العثمانيين ضد خصومه المحليين، ثم مع قوى أوروبية مثل توسكانا لإضفاء الشرعية على تمرده. يُظهر الفصل كيف استغل فخر الدين فترات الضعف العثماني (مثل انقلاب الانكشارية عام 1622) لتوسيع إمارته من بشراي في الشمال إلى عكار وبعلبك، وكيف استخدم نفوذه لتغيير التركيبة السكانية بتشجيع هجرة الموارنة المسيحيين من الشمال إلى المناطق الدرزية في الجنوب. يورد الفصل أرقاماً عن قوته العسكرية (نحو ثلاثين ألف مقاتل وثلاثين قلعة)، ويشير إلى إنجازه الاقتصادي الأبرز: إدخال تربية دود القز وإنتاج الحرير، وهو محصول نقدي ربط الجبل بالأسواق الإيطالية، مما جعل بيروت مرفأً تجارياً ناشئاً. لكن طموح فخر الدين المتزايد وعلاقته المباشرة مع أوروبا أثارا غضب السلطنة، فتمكنت من القضاء عليه بعد أن خذله حلفاؤه الأوروبيون، وأُعدم شنقاً في إسطنبول عام 1635.
بعد انقطاع نسل آل معن، ينتقل الفصل إلى حكم آل شهاب، ويسلط الضوء على شخصية بشير شهاب الثاني (1748-1840) المعروف بـ «الأمير الأحمر». يوضح المؤلف كيف صعد هذا الأمير إلى السلطة بالعنف والاغتيالات، بدعم خارجي من أحمد باشا الجزار وداخلي من الزعيم الدرزي بشير جنبلاط. يُظهر الفصل تطوراً حاسماً: ظهور لاعبين سياسيين جدد من خلفية مسيحية، مثل جرجس باز، الذي أصبح الممسك الفعلي بالسلطة في الجبل. يصف الفصل انهيار التحالف بين البشيرين (شهاب وجنبلاط) بعد عامية انطلياس وعامية لحفد (سنوات 1820-1840)، وهي انتفاضات شعبية كبرى قادها مسيحيون ودروز معاً ضد الظلم الإقطاعي، مطالبة بخفض الضرائب وإقامة العدل. ويبين المؤلف كيف استغل بشير شهاب الثاني هذه الانتفاضات أولاً، ثم قمعها بمساعدة جنبلاط، قبل أن ينقلب عليه ويقتله بمساعدة والي عكا، مما أضعف النفوذ الدرزي في الجبل بشكل حاسم.
يشكل الاحتلال المصري لبلاد الشام (1831-1840) بقيادة إبراهيم باشا نقطة تحول في الفصل. يبين المؤلف كيف طبق إبراهيم باشا سياسات تحديثية كإنشاء المجالس التمثيلية وفرض المساواة بين المسلمين والمسيحيين، مما أثار حفيظة الزعماء الدروز الذين تمردوا عليه. وللمرة الأولى، يستخدم الفصل مصطلح الصراع «الطائفي» عندما يقمع إبراهيم باشا التمرد الدرزي بجيش من المقاتلين المسيحيين بقيادة بشير شهاب الثاني. لكن حكم المصريين انتهى بسقوط عكا عام 1840 ونفي بشير إلى مالطة، تاركاً وراءه إمارة منهكة ومجتمعاً مشحوناً بالاحتقانات الطائفية والاقتصادية الجديدة.
يُختتم الفصل بتحليل الاقتصاد السياسي للمرحلة الأخيرة من الإمارة. يصف المؤلف بالتفصيل النظام الإقطاعي القائم على استغلال الفلاحين المسيحيين من قبل مشايخ الدروز، حيث كان المسيحيون منتجين ويدفعون الضرائب بينما كان الدروز معفيين منها غالباً. يقدم الفصل أمثلة على البنى الاقتصادية المتمايزة: ظهور مدن تجارية مسيحية مثل زحلة ودير القمر كمراكز للتجارة والمال، مقابل اعتماد المقاطعجية الدروز على الريع من أراضيهم. يبرز المؤلف مصطلح «المدبر» كوظيفة إدارية مسيحية أسهمت في تكوين نواة لطبقة وسطى ورأس مال تجاري. ويختتم بإظهار الدور المتصاعد للكنيسة المارونية، التي أصبحت قوة اقتصادية وسياسية كبرى تمتلك ثلث أراضي جبل لبنان، وانتخبت عام 1845 بطريركاً من أصل عامي، مما يعكس التحول في موازين القوى. يقر الفصل ضمنياً بأنه يترك مسألة «هوية الجبل» مفتوحة، حيث أن نهاية الإمارة عام 1847 بإعلان الباب العالي إلغاء وضعها الخاص لم تكن حلاً، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع ستقود إلى تقسيم إداري طائفي (القائم مقاميتين) والحرب الأهلية.
باختصار، ينجح الفصل في تقديم سردية مركبة تتجاوز النظرة الأسطورية للإمارة اللبنانية. حجته الأساسية قوية ومتماسكة، إذ يربط بين التحولات الاقتصادية (اقتصاد الحرير، ظهور الرأسمالية التجارية) والتحولات السياسية (صراع الإقطاعيين، التدخل الأوروبي) والتحولات الطائفية (هجرة الموارنة، صعود الكنيسة). النقطة الأكثر قابلية للنقاش، والتي يوثقها النص نفسه، هي مدى مسؤولية شخصيات مثل فخر الدين وبشير شهاب الثاني في خلق التوترات الطائفية عبر سياساتهم المتعمدة في تغيير التركيبة السكانية، مما يجعل الصراع الطائفي ليس مجرد نتاج حتمي للتطور الاقتصادي، بل نتاج قرارات سياسية واعية أيضاً.
2.الفصل الثاني: موت النظام المقاطعجي مخصّباً بالدم45–72▼ résumé
الفصل الثاني: موت النظام المقاطعجي مخصّباً بالدم
يُحلل هذا الفصل المرحلة المفصلية في تاريخ جبل لبنان بين عامي 1858 و1861، التي شهدت انهيار النظام الإقطاعي-الطائفي المعروف بـ "النظام المقاطعجي"، وإحلال نظام "القائم مقاميتين" محله، والذي لم يدم طويلاً قبل أن يُستبدل هو الآخر بنظام "المتصرفية". يرى المؤلف أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان نتيجة لصراعات اجتماعية وطائفية عنيفة، انتهت بموت النظام القديم "مخصباً بالدم"، حيث خرجت من رحمه بنية طائفية جديدة ومؤسسات سياسية مختلفة.
يسير الفصل عبر مرحلتين رئيسيتين. الأولى تبدأ بإرسال الدولة العثمانية شكيب أفندي لفرض الأمن وتثبيت السيطرة على جبل لبنان بعد اضطرابات 1840. ألغى هذا "النظام" استقلال المقاطعجيين وحوّلهم إلى موظفين حكوميين، وأنشأ مجلساً طائفياً من 11 عضواً يمثلون الطوائف الست: الموارنة، الدروز، الروم الأرثوذكس، الروم الكاثوليك، السنة والشيعة، ليعاون كل قائم مقام. لكن هذا النظام لم يلغِ النفوذ الإقطاعي تماماً، بل تعويضاً جزئياً للزعماء الدروز، عُينوا حكاماً على الأقضية في الجنوب، لكن من دون سلطة على رعاياهم المسيحيين. في المقابل، بقي الفلاحون المسيحيون في الشمال تحت رحمة مقاطعجيهم الموارنة من آل الخازن وآل حبيش. أدى هذا التناقض إلى سلسلة من النزاعات بين المقاطعجيين أنفسهم وبينهم وبين العامة.
المرحلة الثانية والأكثر حدة هي انتفاضة العامة والفلاحين المسيحيين، والتي اتخذت شكلين متمايزين. الأول كان انتفاضة اجتماعية في شمال الجبل (كسروان) ضد الإقطاع المسيحي، بقيادة طانيوس شاهين الذي أصبح "وكيلاً عاماً". طالب الثوار بالمساواة وإلغاء الضرائب الإضافية "الاحتقارات" وإنشاء حكم محلي ينتخبونه. صادر الفلاحون أراضي المشايخ وهددوا بنية السلطة. أما في الجنوب، فتحول الصراع إلى حرب أهلية طائفية بين الفلاحين المسيحيين والأسياد الدروز، عُرفت بـ "حوادث الستين" (1860)، حيث هاجم الدروز البلدات المسيحية في الشوف والإقليم مثل جزين ودير القمر، وسقط آلاف القتلى، ولجأ الناجون إلى صيدا أو احتموا بالقرى الشيعية.
لكن الفصل لا يختزل الأحداث في لبنان فقط، بل يربطها باضطرابات إقليمية أوسع في الدولة العثمانية، مثل انتفاضة الخبز في حلب عام 1850، ومجازر دمشق عام 1860، والتي قُتل فيها حوالي 2000 مسيحي. يرى المؤلف أن هذه الأحداث، رغم اختلاف محركاتها المحلية، تعبر عن ردود فعل سلبية ضد "التنظيمات" العثمانية التي ساوت بين المسلمين والمسيحيين، وتزامنت مع أزمة اقتصادية حادة فاقمت التوترات الاجتماعية. على سبيل المثال، في دمشق لعبت عوامل مثل تراجع المكانة الاجتماعية لبعض الوجهاء المسلمين، وصعود تجار مسيحيين من الطبقة الوسطى، دوراً في توجيه غضب الغوغاء ضد الأقلية المسيحية.
أما التدخل الدولي، فكان بقيادة فرنسا التي أرسلت 6000 جندي بقيادة الجنرال بوفور دوتبول، وبريطانيا التي دعمت الدولة العثمانية. شكلت هذه القوى لجنة دولية في بيروت أشرفت على محاكمة المتهمين ودفع التعويضات، ووضعت نظاماً جديداً هو "النظام العضوي" في 9 حزيران/يونيو 1861، الذي أعلن قيام "المتصرفية". كانت المتصرفية كياناً شبه مستقل في جبل لبنان، يحكمه متصرف عثماني مسيحي من غير اللبنانيين، ويعاونه مجلس إدارة منتخب ذو صلاحيات استشارية. أعاد هذا النظام دمج القائم مقاميتين في كيان واحد، وألغى رسمياً النظام المقاطعجي، وأرسى مبدأ التمثيل الطائفي في الحكم.
يُقر المؤلف بأن ثوار كسروان دفعوا ثمناً باهظاً لثورتهم. ورغم اتفاقهم مع آل الخازن في تموز/يوليو 1859 لإنهاء الثورة، إلا أن العثمانيين فرضوا عودة المشايخ وأجبروا الفلاحين على دفع متأخراتهم. انتهى زعيم الثورة طانيوس شاهين إلى وضع نفسه تحت حماية القنصل الفرنسي في بيروت بعد هجوم شنه يوسف كرم، وهو من وجهاء الموارنة المعادين للثورة. لكن المفارقة أن المتصرف الجديد داوود باشا عزل يوسف كرم نفسه في أيار/مايو 1861، ليكمل بذلك إزاحة النفوذ الإقطاعي القديم.
في النهاية، يحمل الفصل حجة قابلة للنقاش، يلمح إليها المؤلف في إسقاطه على الحاضر. فهو يرى أن "حوادث الستين" ليست مجرد حدث تاريخي، بل نموذج أولي للحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). من خلال هذا الإسقاط، يشير الكاتب إلى أن صراعات لبنان المعاصرة، كخطوط التماس والمناطق المحاصرة وشعارات التطهير الطائفي، هي إعادة تمثيل لسابقة تاريخية عميقة، وأن جذور الحرب الأهلية الحديثة موجودة في البنى الاجتماعية والطائفية التي تشكلت وتصلبت في ذلك القرن التاسع عشر. الإشارة إلى صورة "الأخوين العدوين" اللذين قتلا بعضهما وهما يتشابكان في البحر هي استعارة قوية لهذه "الجريمة التأسيسية" للعنف اللبناني.
3.الفصل الثالث: المتصرفية في عظمتها وبؤسها 73–92▼ résumé
ملخص الفصل الثالث: «المتصرفية في عظمتها وبؤسها»
يدرس هذا الفصل تاريخ المتصرفية في جبل لبنان بين عامي 1861 و1915، ويكشف عن التناقض الجوهري بين مظاهر الاستقرار السياسي والإعمار الاقتصادي من جهة، وبين البؤس الاجتماعي والتبعية الاقتصادية والهجرة الجماعية من جهة أخرى. يرى المؤلف أن المتصرفية، التي أُنشئت كـ«نظام عضوي» لحماية المسيحيين بعد أحداث 1860، تحولت إلى ساحة لصراع القوى المحلية والدولية، حيث كانت فرنسا اللاعب الأهم، لكنها لم تكن قادرة على حل التناقضات البنيوية التي ورثها النظام الجديد عن الإمارة.
يبدأ الفصل بمصير اثنين من أبرز ضحايا «النظام العضوي»: الأمير عبد القادر الجزائري ويوسف بك كرم. استُقبل الأمير عبد القادر بحفاوة في باريس من قبل نابليون الثالث، ونال أوسمة أوروبية لدوره في إنقاذ المسيحيين في دمشق، لكنه انكفأ إلى قصره متفرغاً للعبادة حتى وفاته عام 1883. أما يوسف بك كرم، فقد عاد من منفاه في اسطنبول عام 1862 بمسموحة من المتصرف داود باشا، لكن الهدنة لم تدم طويلاً؛ ففي يناير 1866 شنّ عصياناً مسلحاً قصد به إسقاط نظام المتصرفية، ودارت اشتباكات بين مسلحيه والقوات العثمانية في كسروان وإهدن. أوقف زحفه نحو بيت الدين قرب بكفيا، وتدخلت فرنسا لنقله إلى منفاه الأوروبي على بارجة حربية فرنسية، ثم تنقل بين الجزائر وفرنسا وبلجيكا واسطنبول محاولاً العودة دون جدوى، واستقر أخيراً في إيطاليا عام 1884 حيث توفي عام 1889. ويعتبر الفصل أن عصيان كرم كان آخر محاولة لإنشاء حكومة مسيحية في الجبل.
بعد نفي كرم، برزت قيادة جديدة على رأسها البطريرك الماروني بولس مسعد الذي سارع إلى اسطنبول عام 1867 وأذعن للسلطان، ناقضاً بذلك تيار الاستقلال الذاتي المسيحي. دارت الحياة السياسية في المتصرفية بين ثلاثة مراكز قوة: بكركي (مركز البطريركية المارونية)، وبيت الدين (مركز المتصرف ومجلس الإدارة)، ليصبح بعبدا مقراً لاحقاً. لعبت فرنسا دور الوسيط بين البطريرك والمتصرفين، مبقيةً تركيزها على نجاح «التجربة العثمانية النموذجية» التي رأت فيها نموذجاً تحتذي به مناطق أخرى.
في الجانب الاقتصادي، يبين الفصل أن المتصرفية تحولت إلى بؤرة لزراعة منتوج أوحد هو الحرير الخام، لخدمة صناعة نسج الحرير في ليون الفرنسية. امتد إنتاج الحرير من جزين إلى الشوف وعكار، ووصل إلى البقاع وحاصبيا وحمص وولاية بيروت. كانت غرفة تجارة ليون تصف سورية بأنها «مستعمرة لليون». حوالي نصف سكان الجبل عملوا في اقتصاد الحرير، الذي أدرّ نحو ثلث الدخل المحلي. تضاعف عدد معامل حلّ الحرير إلى 105 معامل عام 1898، بينها خمس معامل فرنسية كبرى، وعمل فيها نحو 15 ألف عامل، معظمهم من الموارنة، وظروف العمل كانت قاسية بأجور متدنية واستخدام للأطفال. تسبب هذا التخصص الأحادي في نتائج كارثية: خُصصت أفضل الأراضي لأشجار التوت، وتراجعت زراعة الحبوب، واضطر الجبل للاعتماد على البقاع والداخل السوري لتأمين ثلثي حاجاته الغذائية، مما أدى إلى عجز تجاري كبير.
نتيجة تعميم الاقتصاد السوقي، واستمرار الملكيات الكبيرة والأوقاف الكنسية (التي كانت تملك نحو ثلث أراضي الجبل)، بدأت موجات هجرة متتالية. بين 1860 و1915 غادر الجبل حوالي ثلث سكانه تقريباً. عائدات المهاجرين بالكاد غطّت العجز التجاري. في البداية، عاد كثيرون بعد جمع المال لشراء أرض، لكن ملاك الأراضي لم يكونوا يبيعون، مما اضطرهم للاستقرار في بلاد الاغتراب. بلغت الهجرة أبعاداً دفعت السلطات العثمانية للتدخل، ولاحقاً قامت حركة فلاحية في الشمال تطالب بتوزيع أراضي الأوقاف، فدعا كاتب فرنسي الهوى إلى تملك الدولة للأوقاف تدريجياً لاستباق ثورة محتملة.
مع إنشاء المتصرفية، تحول التركيب السكاني لمصلحة أغلبية مسيحية مارونية، واتسعت الفجوة الاقتصادية: انتقلت الملكية العقارية من الدروز إلى المسيحيين، وتركز الموارنة في القطاعات المميزة كالتجارة والخدمات وتربية دود القز، فيما هُشّش الدروز وتعلقوا بالزراعة والحرف. حصل الموارنة على سبعة أصوات مقابل خمسة للدروز في مجلس الإدارة. في المقابل، تطورت داخل الجماعة الدرزية مواجهة بين الزعامة الجنبلاطية والزعامة الإرسلانية بعد وفاة سعيد جنبلاط في سجن عثماني ببيروت عام 1861. مع ذلك، أُعيد توظيف أبناء الأسر المقاطعجية السابقة في الوظائف الإدارية، رغم أن المتصرف واصا باشا (1883-1892) اعترف بأن هذا يشكل خرقاً للسياسة العثمانية الرسمية القاضية بتفكيك النظام الإقطاعي، لكن الكلام بقي أسهل من التنفيذ.
الوجه الأبرز هو صعود طبقة اجتماعية وسياسية جديدة ارتبطت بنمو اقتصاد الحرير وتغلغل رأس المال الكولونيالي والهجرة، وهي طبقة من أبناء المدبرين، وملاك الأرض المتوسطين، والموظفين، وأصحاب المهن الحرة، والتجار، والمهاجرين العائدين. كانت هذه القوة «متوسطة» بمعنيين: موقعها بين المشايخ والعامة، وتموضعها السياسي بين قطبي بكركي وبيت الدين. شكل مجلس الإدارة معقل هذه الفئة، ومن أبرز أعضائه: حبيب باشا السعد رئيس المجلس، سعد الله الحويك نائب الرئيس، جرجس زوين الذي فاز ضد مرشح مدعوم من الكنيسة، حبيب بيطار، نعوم باخوس، محمد الحاج حسن (شيعي عامي)، شديد عقل (صاحب حلالة حرير)، الياس شويري، سليمان كنعان (وسيط في بيع أراضي جنبلاط)، بالإضافة إلى مثقفين فرنسيي الهوى مثل خيرالله خيرالله وبولس جيم وبشارة خليل الخوري. رغم أن المتصرفين الإصلاحيين سعوا لكسب هذه القوة المستقلة عن الكنيسة المارونية، إلا أن أعضاء المجلس عارضوا رفع الضرائب وطالبوا بالاستقلال المالي والدعم الإداري، بينما نبتت في وسطهم أفكار الاستقلال اللبناني والقومية اللبنانية.
لم تنجح إصلاحات السلطنة العثمانية الكبرى كإعلان الدستور عام 1876 في اختراق حدود المتصرفية، فإما رُميت الإصلاحات في الأدراج أو قضت عليها الكنيسة المارونية بدعم من فرنسا. السياسات الفرنسية بعد 1878 أصبحت أكثر اعتماداً على البطريرك منها على المتصرف، والقنصل الفرنسي جوزيف سيينكيفيتش أعلن: «يجب أن تبقى فرنسا إكليركية في لبنان». في المقابل، سعى المتصرف رستم باشا (1873-1885) للحد من دور رجال الدين بدعم الوجهاء الجدد، والمتصرف مظفر باشا (1902-1907) خاض في إصلاح إداري طموح وأدخل الاقتراع السري، لكن خليفه يوسف بك (1907-1912) تراجع عن جميع تلك الإجراءات.
أنعشت الهزيمة العثمانية في حرب 1877-1878 مع روسيا آمال الاستقلال، فيما بدأت باريس ولندن تفكران بتجزئة السلطنة. وضع الملحق العسكري الفرنسي في بيروت خطة لاحتلال سورية وفلسطين باستخدام الساحل اللبناني والجبل كرأس جسر، وفي عام 1912 وضع مستشارو رئيس الوزراء بوانكاريه خططاً لاحتلال فرنسي مباشر للجبل أو لدعم الموارنة لإنشاء «فرنسا مصغرة». عشية الحرب العالمية الأولى، عانى الجبل من تراجع مداخيل الحرير وتراجع عدد السكان دافعي الضرائب بسبب الهجرة، مما دفع مجلس الإدارة للتحرك طالباً مساعدة مالية وتوسيع صلاحياته. دعمت «اللجان اللبنانية» في بيروت والقاهرة وباريس هذا النضال الاستقلالي، لكن المطالب لم تحظ باهتمام الكي دورسيه ولا بموافقة البطريرك.
أصدرت السلطنة العثمانية بروتوكول ديسمبر 1913 كنسخة معدلة عن الأنظمة العضوية، لكن هذه الإصلاحات مثل فتح مرفأ جونية التجاري قضت عليها معارضة البرجوازية الفرنسية. في أكتوبر 1914 دخلت السلطنة الحرب إلى جانب ألمانيا وألغت النظام الخاص بجبل لبنان، وأعادت دمجه بالسلطنة وعيّنت حاكماً عثمانياً مسلماً. في النهاية، ستعطي مآسي الحرب العالمية الأولى معنى جديداً لمطالب توسيع الجبل واستقلاله الذاتي.
الفصل لا يخلو من حجج قابلة للنقاش، إذ يمكن التساؤل عما إذا كان صعود الطبقة الوسطى الجديدة قد مثّل فعلاً قطيعة مع الإقطاع أم مجرد إعادة إنتاج للامتيازات في ثوب إداري حديث. كما أن إرجاع الهجرة الجماعية بأكملها إلى العوامل الاقتصادية يترك جانبا تأثير السياسات العثمانية والعوامل الثقافية، لكن المؤلف لا ينفي أن العائدات غطّت عجزاً تجارياً، مما يوضح تعقيد العلاقة بين الهجرة والتبعية للخارج.
4.الفصل الرابع: بيروت عاصمة التجارة والثقافة 93–126▼ résumé
بيروت في هذا الفصل ليست مجرد مدينة، بل هي مختبر يدرس فيه فواز طرابلسي ولادة لبنان الحديث. الموضوع المحوري للفصل هو تحول بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من بلدة ساحلية صغيرة إلى عاصمة اقتصادية وثقافية للإمبراطورية العثمانية في المشرق العربي، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التحول كان نتاج تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: الموقع الجغرافي المتميز، والبنية التحتية العثمانية الحديثة، وبروز برجوازية تجارية محلية طموحة استطاعت أن تفرض نفسها في الاقتصاد الكولونيالي العالمي.
يسير الفصل خطوة بخطوة في رسم صورة شاملة لهذا التحول. يبدأ بالبنية التحتية التي غيرت وجه المدينة، فيذكر أن مجلس بيروت البلدي الذي تأسس عام 1885/1886 كان جهازاً قوياً يشرف على مشاريع الأشغال العامة وجباية الضرائب والأمن. يصف كيف توسعت المدينة خارج أسوارها التي اختفت في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكيف بنيت السراي والثكنة العسكرية والمستشفى كرموز للحداثة العثمانية. ثم ينتقل إلى البنى التحتية الحديثة مثل شركة غاز بيروت البلجيكية التي حصلت على امتياز لتزويد المدينة بالطاقة الكهربائية وبناء خط ترامواي افتتح عام 1905 بخمسة خطوط، وتحسين النظافة والصحة العامة، ونقل المحجر الصحي إلى موقع جديد شمالاً.
يشير المؤلف إلى عامل حاسم في فهم تفرد بيروت، وهو أن الدور الاقتصادي الرئيسي لم يلعبه الأوروبيون كما في مدن مثل الإسكندرية، بل لعبته برجوازية محلية. يوضح كيف انتقلت التجارة من الأيدي الأوروبية إلى المحليين بعد أن أصبحت بيروت ولاية بذاتها، مع تفصيل لتوزع الأدوار الاقتصادية طائفياً: إذ سيطر التجار المسيحيون على تجارة الاستيراد الدولية والمال وتمثيل الشركات الأوروبية، بينما اقتصر التجار المسلمون على التجارة الداخلية بين مرافئ السلطنة وتصدير المنتجات الزراعية. يقدم الفصل أمثلة ملموسة على هذه الهيمنة، فيذكر أنه من بين 140 بيتاً تجارياً لتصدير الحرير الخام، كانت الأسر المسلمة تملك ثلاثة فقط، وأن جميع مستوردي المنتجات المصنعة والبناء والأدوية كانوا مسيحيين، وأن أحد عشر تاجر قطن كان بينهم تاجر مسلم واحد فقط.
يتعمق الفصل في بنية الطبقة التجارية نفسها، مفرقاً بين الأرستقراطية التجارية القديمة التي وصلت في القرنين السابع عشر والثامن عشر مثل آل سرسق وبسترس وطراد، والبرجوازية المالية والصناعية الجديدة، التي كان آل فرعون وشيحا نموذجاً لها. يضرب مثلاً بتأسيس شركة "بنك فرعون وشيحا" عام 1915، والتي أصبحت أكبر شركة لحل الشرانق في ولاية بيروت وسيطرت على 15% من صادرات الحرير الإجمالية واحتكرت استيراد الفحم الحجري من بريطانيا منذ عام 1914.
ثم ينتقل الفصل بشكل طبيعي إلى الحديث عن النهضة الثقافية التي رافقت الازدهار الاقتصادي، ويقدمها كنتيجة مباشرة للتفاعل بين البيئة الحضرية لبيروت والعنصر البشري القادم من جبل لبنان. يصف المنافسة الشرسة بين الإرساليات التبشيرية الأجنبية (اليسوعيون الفرنسيون والبروتستانت الأميركيون والبريطانيون) والكنائس المحلية والسلطات العثمانية في بناء المدارس. يذكر تأسيس "الكليّة السورية الأميركية البروتستانتية" (لاحقاً الجامعة الأميركية في بيروت) عام 1866، ونقل جامعة القديس يوسف من غزير إلى بيروت عام 1876، وتأسيس "جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية" عام 1878 كرد فعل على النشاط الإرسالي، وازدياد عدد مدارس ولاية بيروت الرسمية من 157 مدرسة عام 1885 إلى 359 مدرسة عام 1915.
لا يكتفي الفصل بسرد المؤسسات، بل يقدم سيراً ذاتية موجزة لأهم أعلام النهضة، مثل ناصيف اليازجي، وابنه إبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، وأحمد فارس الشدياق، ويوسف الأسير. يوضح كيف كان هؤلاء المثقفون وافدين حديثين من جبل لبنان إلى بيروت، وكيف التقت في كتاباتهم هموم ثلاثية: تحرير اللغة العربية وتجديد الأدب، والنضال ضد النظامين الإقطاعي والكنسي القديم في الجبل، وتبني القيم العلمانية والليبرالية والوطنية القادمة من أوروبا. يؤكد المؤلف على أن الشدياق كان الأكثر جذرية، إذ نقد المجتمع الرأسمالي في بريطانيا بجرأة ودافع عن حق المرأة المتساوي في اللذة الجنسية وتبنى الأفكار الاشتراكية، بينما كان بطرس البستاني رائداً في صوغ فكرة "الوطن" السوري الطبيعي القائم على المواطنة وليس على الدين.
الفصل لا يخلو من تحفظات واعتراف بالحدود. يقر المؤلف بأن النهضويين لم يستوعبوا المفاهيم الغربية دون تفكر نقدي، ويضرب مثلاً بشدياق نفسه الذي انبهر بالمساواة القانونية في إنكلترا لكنه اكتشف بؤس فلاحيها وفساد نظام ملكية الأرض فيها. كما يشير إلى محدودية رؤية بعضهم لدور المرأة، كما في خطاب البستاني الذي حصرها في البيت. ثم ينتقل إلى بعد سياسي أكثر حدة، فيتتبع كيف تحولت الأفكار القومية العربية من أحلام ثقافية إلى حراك سياسي بعد أحداث السلطنة العثمانية. يذكر كيف أن تعليق الدستور العثماني عام 1878 ونفي مدحت باشا ثم اغتياله، واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 وفرنسا لتونس، دفع القوميين العرب إلى العمل السري. ويوجز مسار هذه الحركات من "جمعية النهضة العربية" في إسطنبول عام 1905، إلى "حركة بيروت الإصلاحية" عامي 1912 و1913 التي طالبت باللامركزية والاعتراف بالعربية كلغة رسمية، وأخيراً "المؤتمر العربي الأول" في باريس عام 1913.
يختتم الفصل بوصف دموي لويلات الحرب العالمية الأولى، التي يراها المؤلف مفتاحاً لفهم كل التطورات التالية. يصف معاناة سكان جبل لبنان وبيروت تحت وطأة التجنيد الإجباري "سفر برلك"، والمجاعة، وغزو الجراد، وتفشي الأمراض كالكوليرا والتيفوس، حتى وصلت المجاعة إلى حالات أكل البشر. ويضرب مثلاً بشهادة الكاهن الماروني أنطون يمين الذي يرفض تحميل العثمانيين وحدهم المسؤولية، بل يحمل الأغنياء اللبنانيين والمرابين الذين بلغت فوائدهم 40% مسؤولية كبرى. ويختم مدخلاً للفصل التالي بأن 100 ألف من سكان بيروت وجبل لبنان قضوا جوعاً مع نهاية الحرب.
أكثر ما يثير النقاش في هذا الفصل هو العلاقة الجدلية التي يرسمها طرابلسي بين الحداثة الاقتصادية والطائفية. فهو لا يقدم التطور الطائفي كشيء متأصل في الماضي، بل يصوره كنتيجة لمسار تاريخي محدد، حيث أدى الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي تحت سقف الدولة العثمانية إلى خلق تفاوت اقتصادي طائفي واضح بين برجوازية مسيحية مسيطرة على التجارة العالمية وبرجوازية إسلامية مهمشة في الأدوار الاقتصادية الإقليمية. هذا الربط بين الحراك الاقتصادي والصراع الطائفي هو جوهر التحليل الذي يقدمه الكاتب، ويظهر بوضوح في تتبعه لنشأة النهضة الثقافية أيضاً كنتاج لهذا التفاعل الحضري الفريد.
5.الفصل الخامس: جدليات الاتصال والانفصال 127–148▼ résumé
يتركز الفصل الخامس، الموسوم بـ«جدليات الاتصال والانفصال»، على السجال الفكري والسياسي الذي رافق ولادة «لبنان الكبير» في ظل الانتداب الفرنسي، ويجيب المؤلف عن سؤال محوري: كيف انقسم اللبنانيون، خصوصاً المسيحيين منهم، بين مشروعين متعارضين، مشروع الدولة اللبنانية المستقلة عن سورية ومشروع الاتحاد معها، وما هي الحجج الاقتصادية والسياسية والطائفية التي استند إليها كل فريق؟
يبدأ الفصل بتتبع الأحداث التي سبقت إعلان الانتداب. ففي آذار/مارس 1920، أعلن المؤتمر السوري العام في دمشق استقلال سورية وبايع الأمير فيصل ملكاً عليها، مع تقديم وعد غامض بمراعاة المطالب اللبنانية. ولحسم الخلاف، أُرسلت لجنة كينغ-كراين الأمريكية التي استقبلت 1,613 عريضة من مختلف المناطق، وأظهرت النتائج تأييداً ساحقاً (أكثر من %80) لسورية موحدة ومستقلة، مقابل %15 طالبوا بالانتداب الفرنسي، معظمهم من الموارنة. أوصت اللجنة بوحدة سورية الطبيعية تحت حكم الملك فيصل، ورفضت المشروع الصهيوني، لكن توصياتها وُضعت على الرف. وفي نيسان/أبريل 1920، منح مؤتمر سان ريمو فرنسا انتدابها على سورية ولبنان.
يتناول الفصل بعد ذلك المفاوضات بين الأمير فيصل ومجلس إدارة جبل لبنان. في 10 حزيران/يونيو 1920، أصدر المجلس بياناً أكد فيه الاستقلال ورغبة لبنان في العيش بسلام مع جيرانه. وفي 10 تموز/يوليو، تحرك وفد من ثمانية أعضاء من المجلس (برئاسة سعد الله حويك) نحو دمشق لعقد اتفاق مع فيصل لاستنكار الانتداب مقابل اعتراف فيصل باستقلال لبنان. غير أن القوات الفرنسية اعترضت الوفد واعتقلته، واتهمه الجنرال غورو بالتآمر لدمج لبنان بسورية. وبعد يومين، حل غورو مجلس الإدارة، ونفى أعضائه الثمانية إلى كورسيكا. وفي 14 تموز/يوليو، أرسل غورو إنذاراً إلى فيصل قبله الأخير، لكن الفرنسيين زعموا أن الجواب تأخر. وفي 24 تموز/يوليو، هزمت القوات الفرنسية الجيش العربي في ميسلون بقيادة يوسف العظمة (الذي قُتل في المعركة)، ودخلت دمشق. بعد سقوط المملكة السورية، فر فيصل ليصبح ملكاً على العراق، وقسم الفرنسيون سورية إلى دويلات عدة. في الأول من أيلول/سبتمبر 1920، أعلن غورو «لبنان الكبير»، مضيفاً إلى متصرفية جبل لبنان المدن الساحلية (بيروت، صيدا، صور، طرابلس) وأربعة أقضية (حاصبيا، راشيا، بعلبك، عكار).
يوضح الفصل أن المعارضة للانتداب و«لبنان الكبير» كانت واسعة بين المسلمين، الذين فضلوا دولة عربية مستقلة أو الوحدة مع سورية. اندلعت أعمال عنف ضد الفرنسيين في جبل عامل والبقاع وجبل لبنان، وتكررت هجمات على قرى مسيحية في الجنوب (بين كانون الأول/ديسمبر 1920 وكانون الثاني/يناير 1921 هوجمت 30 قرية). واجهت القوات الفرنسية هذه المقاومة بقمع شديد، مستخدمة الإعدامات والعقوبات الجماعية وسياسة «الأرض المحروقة». كما قدم وجهاء المدن الساحلية والبعلبك «مذاكرة اعتراض سكان الأقاليم المضمومة» (عام 1921)، نددت بالظلم الاقتصادي والإداري الذي انطوى عليه الضم، مشيرة إلى أن سكان الملحقات يفوقون سكان الجبل (540,000 مقابل 400,000) بينما يُجبى %75 من العائدات الضريبية من الملحقات ويُنفق %80 على الجبل، وأن غالبية الوظائف الإدارية حصرت بموظفي المتصرفية السابقين، المتصرفية ممنياً تكبدت المدن الساحلية خسائر فادحة بفصلها عن الداخل السوري.
يتعمق الفصل في تحليل المواقف المارونية، رافضاً تبسيطها. ويحدد أربعة تيارات رئيسية:
- دعاة الاتحاد العربي: نخبة صغيرة (منهم إسكندر عمّون، فريد الخازن، إميل خوري) أيدت المملكة السورية المستقلة والموحدة.
- دعاة الاتحاد السوري: أنصار وحدة «سورية الطبيعية»، وتنظيماهم البارزة «اللجنة الشرقية» و«اللجنة المركزية السورية» في باريس (يضمّان جورج سمنة، شكري غانم، جبران خليل جبران). كانوا منقسمين بشأن الانتداب، فبعضهم دعمه والبعض الآخر ظل مطلباً بالاستقلال.
- أنصار الحماية الفرنسية: تيار متطرف (مثل فرانسوا تيان) دعا إلى ضم لبنان المسيحي إلى فرنسا وجعل الفرنسية لغته الرسمية. وتيار معتدل رأى في الحماية ضماناً للمسيحيين (مثل البطريرك إلياس حويك وإميل إده وشارل قرم).
- دعاة الاستقلال اللبناني: استلهموا تقاليد مجلس الإدارة، وتنظيمهم «الاتحاد اللبناني» (أسسه يوسف السودا في القاهرة) نادى بلبنان الكبير كجمهورية مستقلة، ديموقراطية، متعددة الطوائف، مستندين لحجج اقتصادية (الاكتفاء الذاتي الغذائي، منفذ بحري). وقد تنوعت مواقفهم، فمنهم من عارض الاستعمار (السودا) ومنهم من دعا لعلاقات وثيقة مع سورية (بولس نجيم، خير الله خير الله، سليمان كنعان).
أما الفصل الأخير فيتناول الجدل الدائر حول حجم الدولة الجديدة وحدودها، واصفاً لبنان الكبير بـ«اللبن المدموس» بين الرغبة في «ملجأ مسيحي» والحاجة إلى الجدوى الاقتصادية. ويبرز تناقض جورج سمنة الذي رأى في الانفصال هزيمة للمسيحيين أنفسهم. كما يبين انقسام الموظفين الفرنسيين أنفسهم حول حجم لبنان؛ فمنهم من دعم تكثير الدويلات (ده كي الذي انتقد ضم المناطق المسلمة المقترحاً إعادة طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع وعكار إلى سورية لتأمين أغلبية مسيحية)، ومنهم من عارضه، لكن المصالح الاقتصادية لبرجوازية بيروت حالت دون فصل طرابلس. ويخصص الفصل مساحة لترسيم الحدود الجنوبية بين لبنان وفلسطين برعاية لجنة عسكرية فرنسية-بريطانية مشتركة (من حزيران/يونيو 1921 إلى شباط/فبراير 1922)، حيث طالب البريطانيون (استجابة للضغوط الصهيونية) بجعل نهر الليطاني حداً لفلسطين، لكن الفرنسيين انتصروا وأبقت الحدود اللبنانية جنوب حوض الليطاني، مع التخلي عن بحيرة الحولة لفلسطين. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن المسألة ظلت بلا حل، وأن الدستور الذي صدر في 23 أيار/مايو 1926 (بعد لجنة ضمت بترو طراد، عمر الداعوق، شبل داموس، ميشال شيحا) أعلن «الجمهورية اللبنانية» مع علم وثنائي (فرنسي وأرزة)، واعترف بالطائفية السياسية في توزيع المناصب والأحوال الشخصية، وجعل الرئيس غير مسؤول أمام أي مؤسسة بل أمام المفوض السامي الفرنسي. ورغم مشاركة متزايدة من المسلمين في مجلس تمثيلي جديد، إلا أن السجال حول الاتصال والانفصال استمر، وتقدم إميل إده بمذكرة إلى الخارجية الفرنسية يقترح فيها تصغير لبنان وضم طرابلس إلى سورية لضمان أغلبية مسيحية محصنة.
يتجنب المؤلف تقديم تحيز واضح، لكنه يفضح التناقضات الاقتصادية التي انطوى عليها المشروع اللبناني، ويظهر هشاشة الأسس التي قام عليها الكيان الجديد. يقر الفصل بأن مواقف الموارنة لم تكن أحادية، وأن تيارات متعددة تنازعتها، ويشير بصراحة إلى أن الدعوات لتصغير لبنان جاءت من داخل المعسكر المسيحي نفسه لضمان «الملجأ المسيحي»، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول هوية الدولة التي تأسست على أسس طائفية وسياسية هشة، وهو ما سيبقى مفتوحاً طوال الفترة الانتدابية وما بعدها.
6.الفصل السادس: من الانتداب إلى الاستقلال149–186▼ résumé
ملخص الفصل السادس: من الانتداب إلى الاستقلال
يُؤرِّخ هذا الفصل لمرحلة التحوّل الحاسم في تاريخ لبنان الحديث، بدءاً من ترسيخ النظام الانتدابي الفرنسي في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وصولاً إلى نيل الاستقلال عام 1943. المحور الأساسي الذي يعالجه المؤلف هو الكيفية التي تشكّلت بها الدولة اللبنانية ككيان مستقل، ليس فقط عبر المفاوضات السياسية، بل كنتيجة لتفاعل معقّد بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والطائفية والإقليمية. الإجابة التي يقدّمها هي أن الاستقلال لم يكن مجرد هبة من فرنسا، بل جاء ثمرة نضال وطني، وتحالفات محلية وإقليمية، وتقاطع مصالح الأوليغارشية التجارية الصاعدة مع الظروف الدولية الناجمة عن الحرب العالمية الثانية.
يسير الفصل وفق بنية زمنية تحليلية. يبدأ بتصوير "لبنان الكبير" تحت الانتداب ككيانٍ اقتصادي هجين، حيث عاملته فرنسا مع سورية كوحدة اقتصادية واحدة تسيطر عليها شركاتها الاحتكارية كـ "المصالح المشتركة" و "الشركات ذات الامتياز". في مقابل ذلك، طوّرت سلطات الانتداب بيروت كمرفإ رئيسي للداخل السوري، مما عزز دور برجوازية تجارية-مالية مندمجة مع النظام، كما يتجسّد في شخصي ميشال شيحا و هنري فرعون. أما الجبل، فشهد انهيار اقتصاد الحرير في الثلاثينيات، مما أطلق موجة هجرة جديدة، وروجت نخبة مثقفة مسيحية مثل شارل قرم لفكرة "فينيقية" لبنان كوطن قومي مسيحي ذي وجهة متوسطية، في مقابل رؤية وحدوية عربية.
ينتقل الفصل بعدها إلى السجال السياسي حول الهوية والمستقبل، متجسداً في الصراع بين قطبي السياسة: إميل إدّه زعيم "الكتلة الوطنية"، الذي رأى في لبنان وطناً قومياً مسيحياً يجب تحجيمه درءاً لخطر المسلمين، و بشارة الخوري زعيم "الكتلة الدستورية"، الذي دعا إلى استقلال لبنان بعلاقات وثيقة مع سورية والعرب، وضمان حقوق المسيحيين عبر الدستور. يوضح المؤلف كيف كان هذا التنافس يعكس أيضاً مصالح طبقية متباينة، فارتبط إدّه بالأرستقراطية التجارية المتداعية، فيما اندمج الخوري بالبرجوازية المالية-التجارية الصاعدة تحت ظل الانتداب.
يتعمّق الفصل في أزمة الثلاثينيات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي فجّرت احتجاجات شعبية واسعة. يصف إضرابات ضد شركات الاحتكار الفرنسية مثل "شركة الجر والتنوير" و "الريجي" التي احتكرت التبغ، وكيف قاد البطريرك الماروني أنطون عريضة حركة احتجاج ضد احتكار التبغ، مما أدى إلى خلاف استثنائي مع سلطات الانتداب وفتح حواراً مع "الكتلة الوطنية" السورية. يُظهر الفصل أن هذه الحركات الاحتجاجية، التي جمعت طوائف مختلفة، هي التي مهّدت لنضج فكرة الاستقلال وتشكيل تيار وطني متعدّد الطوائف.
يُشكّل عام 1936 نقطة انعطاف درامية على الصعيدين الإقليمي والمحلي. مع توقيع معاهدة استقلال بين فرنسا وسورية، طالب لبنان بمعاملة مماثلة، لكن فرنسا عرضت عليه "معاهدة صداقة" تمنحه استقلالاً داخلياً فقط. أدى هذا إلى إحياء الجدل بين "الاتصال" و"الانفصال". من جهة، دفع رياض الصلح نحو تحالف عابر للطوائف ضد الانتداب، وأسس "حزب الاستقلال الجمهوري"، ناقلاً السجال من هوية البلد الخارجية إلى علاقات القوى داخله. تزامن ذلك مع ولادة أحزاب أيديولوجية جديدة على الساحة اللبنانية: "الحزب السوري القومي الاجتماعي" لأنطون سعادة، "حزب الكتائب اللبنانية" لبيار الجميل، و "حزب النجادة" لعدنان الحكيم، مما زاد من استقطاب الهوية بين "اللبنانية" و"العروبية".
تتسارع الأحداث نحو الاستقلال مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. في 1941، أعلنت فرنسا الحرة اعترافها باستقلال البلدين، لكنها لم تترجمه فعلياً. يشرح الفصل كيف دفعت المصالح الاقتصادية للأوليغارشية المالية-التجارية، التي راكمت أرباحاً طائلة خلال الحرب وطالبت بخصخصة الشركات الفرنسية والتحرر من قيود منطقة الفرنك، نحو خيار الاستقلال. كما يسلط الضوء على الدور المحوري للعاملين الخارجيين: بريطانيا التي كانت الطرف المهيمن في المنطقة، و مصر التي استضافت مفاوضات القاهرة في حزيران 1943، حيث التقى بشارة الخوري و رياض الصلح واتفقا على الميثاق الوطني الشهير.
يُفصّل الملخص كيفية صياغة هذا "الميثاق الوطني" كتسوية تبادلية: تنازل المسيحيون عن الحماية الأجنبية مقابل أسبقيتهم السياسية (رئاسة الجمهورية المارونية)، وتنازل المسلمون عن مطلب الوحدة مع سورية مقابل مشاركتهم الحقيقية في السلطة. يُظهر الفصل أن الاستقلال لم يتحقق دون صدامات عنيفة، بل جاء بعد أزمة تشرين الثاني/نوفمبر 1943 التي شهدت اعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء من قبل المفوض السامي هيللو، وإضراباً وطنياً، وتدخلاً بريطانياً حاسماً أجبر فرنسا على الإفراج عن المعتقلين وإعلان انتهاء الانتداب.
يقرّ المؤلف بحدود هذا الاستقلال الذي كان نتاجاً لتفاهم بين مصر و بريطانيا، حيث لعبت الأولى دور الضمانة العربية، ولعبت الثانية الدور الحاسم في إنهاء الانتداب واختيار الثنائي الحاكم. يترك الفصل تساؤلات مفتوحة حول التناقض المؤسسي في صميم الجمهورية الجديدة بين الدستور الذي يضمن أسبقية مسيحية، والميثاق العرفي الذي يقوم على المشاركة، مشيراً إلى أن تاريخ لبنان اللاحق سيكون تاريخ النزاع بين هذين النصين التأسيسيين. يمكن القول إن الفصل يميل إلى تفسير مادي للاستقلال، مركزاً على دور الأوليغارشية الاقتصادية والضغوط الدولية، أكثر من كونه انتصاراً خالصاً للحركة الوطنية، مما يجعله عرضة للنقاش حول دور الكفاح الشعبي والمقاومة الوطنية في تحقيق هذا الاستقلال.
8.الفصل السابغ: جمهورية التجار187–213▼ résumé
الفصل السابع، «جمهورية التجار»، يتناول تحوّل لبنان بعد الاستقلال إلى جمهورية يسيطر عليها تحالف ضيق من كبار التجار والممولين، ويحلل العلاقة الجدلية بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية في تلك الفترة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن النظام الاقتصادي اللبناني لم يكن رأسمالية حرة بالمعنى الكلاسيكي، بل كان نظاماً يقوم على هيمنة «الكونسورسيوم»، وهي مجموعة من نحو ثلاثين أسرة ثرية، سيطرت على الاقتصاد عبر تحالفها مع رئاسة الجمهورية، وأخضعت الدولة ومؤسساتها لخدمة مصالحها.
يسير الفصل خطوة خطوة من تحليل النكبة الفلسطينية وانعكاساتها على لبنان، مروراً بدراسة تركيب الأوليغارشية التجارية المالية وعلاقتها بالسلطة، وصولاً إلى الأزمة السياسية والاقتصادية التي أدت إلى سقوط عهد بشارة الخوري. يبدأ الفصل بتداعيات نكبة 1948، حيث تسبّب انهيار الجيوش العربية في موجة هجرة يهودية معاكسة لفلسطينيي الجليل الذين رأت فيهم الحكومة اللبنانية عبئاً اقتصادياً، بينما استقبل لبنان رؤوس أموال فلسطينية كبيرة. من التداعيات المباشرة كانت محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة أنطون سعادة، والتي تزامنت مع انقلاب حسني الزعيم في سوريا. يصف الفصل كيف أن حسني الزعيم، بدعم من وكالة الاستخبارات الأميركية، أطاح بالقيادة المدنية السورية ملقياً عليها مسؤولية الهزيمة في فلسطين، ثم سلم سعادة للسلطات اللبنانية التي أعدمته في 8 تموز/يوليو 1949 بعد محاكمة صورية.
بعد هذه المقدمة السياسية، يتحول الفصل إلى صلب موضوعه، وهو تشريح «الكونسورسيوم». يصفه المؤلف بأنه نواة صلبة من الأسر المسيحية (معظمها مارونية وروم كاثوليك وأرثوذكس) وأقلية من الأسر المسلمة (سنية وشيعية ودرزية)، مع حرص على المصاهرة للحفاظ على الثروات. يوضح أن هذه الأسر راكمت ثرواتها من ثلاثة مصادر رئيسية: اقتصاد الحرير والتجارة في زمن المتصرفية، وأرباح الحرب العالمية الثانية (التي أنفقت القوات الحليفة خلالها 7 ملايين جنيه إسترليني في سوريا ولبنان)، وأموال الهجرة من أفريقيا والأميركتين والبلدان العربية النفطية.
تفصيلاً، يبين الفصل كيف سيطر الكونسورسيوم على القطاع المالي عبر «بنك سورية ولبنان» الذي كان يحتكر إصدار العملة، وعلى قطاع التأمين عبر شركة «الاتحاد الوطني»، وعلى الاستيراد حيث كانت أسرة كتانة وحدها تملك نصف الوكالات الأميركية الخمسين. كما امتدت سيطرتهم إلى السياحة (فنادق سان جورج والبريستول)، والخدمات العامة (شركة مرفأ بيروت، شركات المياه والكهرباء، شركة حصر التبغ والتنباك)، والمقاولات، والطيران (شركتا «آر ليبان» و«ميدل إيست آرلاينز»)، والمصانع الكبرى. يورد الفصل أن ثروات خمس عشرة أسرة من هذه الأسر قُدرت بـ 47 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل تسعة أضعاف خزينة الدولة لعام 1950. سياسياً، انتخب 11 من أبنائهم نواباً، واحتل خمسة منهم مناصب وزارية، وكانوا يمولون اللوائح الانتخابية في الريف، مما جعلهم «الإقطاع السياسي» الجديد.
يقدم الفصل نموذج ميشال شيحا لتحليل العلاقة بين السلطتين، حيث دعا إلى أن يمارس رجال الأعمال سلطتهم الاقتصادية عبر رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية)، وأن يُختزل دور البرلمان في تحقيق «السلم الطائفي» فقط، وهو ما خدم مصالح الاقتصاد الحر بإبقاء التشريعات والضرائب في حدها الأدنى. لكن النموذج لم يطبق حرفياً، إذ سرعان ما تنازلت الأوليغارشية عن الإدارة للزعماء السياسيين لاستيعاب فائض العمالة.
ينتقل الفصل لتحليل الدور الاقتصادي الوسيط للبنان، حيث تحولت بيروت إلى مركز لتجارة الذهب التي تمر عبرها ثلث حاجة العالم من الذهب في طريقه إلى الخليج، ومصباً لنفط شركة نفط العراق في طرابلس، ومصباً للنفط السعودي عبر «تابلاين» في الزهراني. أدى هذا الاندماج في الاقتصادات النفطية إلى منافسة حادة بين المصالح الفرنسية والأنكلوسكسونية. يفضح الفصل العلاقات النيو-كولونيالية مع فرنسا، حيث سيطر «بنك سورية ولبنان» برئاسة الفرنسي هنري بيسون على مجمل الاقتصاد، مستنزفاً الأرباح وينقلها إلى فرنسا، وحتى أن شركاته كانت تصدر سنوياً أرباحاً معفاة من الضرائب تقدر بـ 10 ملايين ليرة لبنانية.
في مقابل هذه الهيمنة التجارية، يخصص الفصل مساحة لوضع الصناعة اللبنانية الخاضعة، ويقدم نموذج نعيم أميوني الذي انتقد التحول إلى اقتصاد خدمات وتحذير من تحوّل اللبنانيين إلى «طيفة من الخدم». يخصص الفصل أيضاً قسماً لتحليل انفصام الوحدة الاقتصادية مع سوريا، وكيف أن المستوردين اللبنانيين رفضوا أي مساومة على حرية التجارة مع سوريا، معتبرين أن عائدات الترانزيت أهم من سوق تضم أربعة ملايين مستهلك، على حد تعبير الصحافي السوري. توج هذا النزاع في تشرين الثاني/نوفمبر 1950 بقطع سوريا للعلاقات الاقتصادية، معلنة سعيها لتحقيق «الاستقلال الاقتصادي عن لبنان».
أخيراً، يصف الفصل الأزمة السياسية التي أدت إلى سقوط بشارة الخوري، نتيجة لانتخابات أيار/مايو 1947 التي أفرزت «مجلس الـ 11 رأسمالي والـ 44 من أذنابهم»، واغتيال شريكه رياض الصلح عام 1951، وفضائح الفساد المالي (كفضيحة بناء مطار بيروت)، ونمو معارضة قادها كمال جنبلاط وكميل شمعون تحت اسم «الجبهة الوطنية الاشتراكية». بلغت الأزمة ذروتها في أيلول/سبتمبر 1952 عندما أعلنت المعارضة إضراباً نيابياً عاماً، ورفض قائد الجيش فؤاد شهاب فضه بالقوة، مما اضطر الخوري للاستقالة. يختم الفصل بإشارة إلى أن اللعب على ورقة الانضمام إلى الأحلاف العسكرية الغربية كان عاملاً خارجياً حاسماً في سقوط الخوري، حيث انتخب كميل شمعون بدعم من الكتل الجنوبية رئيساً في 17 أيلول/سبتمبر 1952.
يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً مادياً صارماً للسياسة اللبنانية، مختزلاً الصراع السياسي إلى صراع بين مصالح اقتصادية، ومعتبراً أن الطائفية ليست سوى غطاء لصراع البرجوازيات. هذه النظرة، رغم قوتها التحليلية، قد تهمش دور الأيديولوجيا والعوامل الثقافية والاجتماعية المستقلة، وتجعل من الدولة مجرد أداة في يد الأوليغارشية دون اعتبار لديناميكياتها الذاتية.
8.الفصل الثامن: عهد شمعون: السلطوية والانحياز الغربي (1958-1952)214–231▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على فترة حكم كميل شمعون (1958-1952) كواحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ لبنان الحديث. يجادل المؤلف فواز طرابلسي بأن عهد شمعون تميز بازدهار اقتصادي كبير قاده تدفق رؤوس الأموال العربية ونمو قطاعي المال والخدمات، لكن هذا الازدهار رافقه أسلوب حكم فردي وسلطوي، وانحياز صريح للمعسكر الغربي في خضم المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر. يخلص الفصل إلى أن سياسات شمعون أدّت إلى تمزيق النسيج السياسي والطائفي في لبنان، وأشعلت ثورة مسلحة عام 1958 انتهت بتدخل عسكري أميركي (عملية "الوطواط الأزرق")، وفرض تسوية رفعت فؤاد شهاب إلى الرئاسة.
يسير الفصل خطوة خطوة، بدءاً باستعراض سنوات الازدهار الاقتصادي التي شهدها لبنان، حيث فاضت زيادة الدخل القومي عن نسبة الزيادة السكانية، وسُجلت معدلات قياسية في قطاعات البناء والمال والسياحة. يُعزو المؤلف هذا الازدهار إلى عوامل إقليمية مثل طفرة النفط في الخليج والسعودية، وتدفق رؤوس الأموال العربية هرباً من موجة التأميمات في سوريا والعراق ومصر، وصدور قانوني الشركات المساهمة (1954) والسرية المصرفية (1955). لكنه يشير فوراً إلى أن هذا الازدهار عمّق الفوارق الاجتماعية والمناطقية، وركز فوائده في العاصمة بيروت وجبل لبنان، بينما استوعبت القطاعات المالية والتجارية كل المكاسب.
ينتقل الفصل إلى تفكيك أسلوب شمعون في الحكم، واصفاً إياه بالسلطوي. يذكر أن أولى خطواته السياسية كانت القطيعة مع حليفه السابق كمال جنبلاط، وذلك تحت ضغط من المصالح النفطية الأميركية التي رأت في جنبلاط معارضاً لتأميم النفط. يوضح المؤلف كيف نقض شمعون كل التزاماته السابقة، التي تضمنت محاربة الفساد وحياد لبنان دولياً، فأرسى تقليدين لتركيز السلطة: اختيار رؤساء وزراء ضعفاء يعتمدون على تقديماته، والحكم عبر علاقة مباشرة مع المدراء العامين للوزارات السيادية (معظمهم من الموارنة) متجاوزاً وزراءهم. أما السلطة التشريعية فأخضعها عبر قانون انتخاب جديد في تشرين الثاني/نوفمبر 1957، قسّم لبنان إلى 33 دائرة انتخابية وخفّض عدد النواب من 77 إلى 66، وهو ما ضمن له أكثرية نيابية مطيعة، على الرغم من أنه أعطى المرأة حق الانتخاب والترشح لأول مرة.
أما المحور الثالث والأخطر في الفصل فهو انحياز شمعون المعلن للمعسكر الغربي في مواجهة المد القومي العربي. يذكر الفصل أن الإدارة الأميركية رأت في القومية العربية عدواً، وركزت على أهمية لبنان الاستراتيجية كمنفذ للنفط وموقع لقواعد عسكرية يمكن استخدامها. ربط شمعون لبنان رسمياً بـ"مبدأ أيزنهاور" في آذار/مارس 1957، ودعم حلف بغداد المعادي للشيوعية رفضاً لانضمام لبنان لـ"حلف الدفاع العربي". يورد الفصل دور ولبر كرين إيفلاند، عميل السي. آي. إي في بيروت، الذي اعترف بأنه وزع حقائب من الليرات اللبنانية تحت إشراف شمعون خلال انتخابات 1957 لضمان فوز مرشحين موالين، ما أدى إلى خسارة شخصيات رئيسية في المعارضة مثل صائب سلام وكمال جنبلاط. وقد استخدم الفصل تقريراً للسفير الأميركي ماك كلنتوك يُحذر فيه من أن المسيحيين أقلية صغيرة في لبنان والعالم العربي، وعليهم تقاسم السلطة والوظائف مع المسلمين، وهو ما كان دليلاً على معرفة واشنطن بجذور الأزمة.
بلغت الأزمة ذروتها في أيار/مايو 1958 بعد اغتيال الصحافي المعارض نسيب المتنى، مما أطلق شرارة "ثورة مسلحة" سيطرت على ثلاثة أرباع البلاد، وقادها زعماء مسلمون ومختلطون. يصف الفصل كيف التزم الجيش بقيادة فؤاد شهاب سياسة "الحياد الفعال" لاحتواء الثوار دون سحقهم، رفضاً لأوامر شمعون باقتحام معاقلهم. بينما طالب وزير الخارجية شارل مالك وكميل شمعون بالإنزال العسكري الأميركي، بعد سقوط الملكية في العراق في 14 تموز/يوليو 1958، والذي اعتبرته واشنطن نقطة تحول تهدد حلفاءها في المنطقة.
يتناول الفصل تفاصيل التدخل العسكري الأميركي، والذي نزل بموجبه 15,000 جندي أميركي على شواطئ خلدة، بدعم من 70 بارجة حربية تابعة للأسطول السادس. لكن واشنطن لم تأت لإنقاذ شمعون، بل لفرض تسوية أنهت حكمه. يروي الفصل كيف أن المبعوث الأميركي روبرت مورفي مارس ضغوطاً على قادة الثورة (مثل صائب سلام) وقائد الجيش شهاب لقبول حل، بعد أن هدد بتدمير أحياء المعارضة. انتخب مجلس النواب فؤاد شهاب رئيساً في 31 تموز/يوليو بأكثرية 48 صوتاً، وغادر شمعون الرئاسة في أيلول/سبتمبر.
يختتم الفصل بوصف "الثورة المضادة" التي شهدتها المناطق المسيحية بعد انتخاب شهاب مباشرة، وقيام حزب الكتائب وناشطين مسيحيين بالخطف على الهوية وصدامات طائفية، والتي لم تستتب إلا بعد تشكيل حكومة رباعية توازنية برئاسة رشيد كرامي وبيار الجميل وبيار إده وحسين العويني، وانعقاد مصالحة تحت شعار "لا غالب ولا مغلوب". يغادر آخر جندي أميركي الأراضي اللبنانية بنهاية تشرين الأول/أكتوبر 1958.
ملاحظة ختامية: يميل الفصل صراحةً إلى اتهام شمعون بالفساد والسلطوية، ويبني حجته بشكل كبير على وثائق أميركية واعترافات عملاء الـسي. آي. إي، مما يجعله يقدم سردية واضحة لكنها قد تُقرأ على أنها غير متوازنة تماماً من منظور القوى الوطنية المسيحية التي اعتبرت نفسها محاصرة بين المد الناصري والثورة المسلحة. كما أن اعتماد الكاتب على المصادر الدبلوماسية الأميركية والبريطانية قد يُسائل عن مدى كفايتها وحدها لفهم تعقيدات الصراع الداخلي.
9.الفصل التاسع: الشهابية وبناء الدولة232–271▼ résumé
ملخص الفصل التاسع: الشهابية وبناء الدولة
يُركّز هذا الفصل على فترة حكم الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) ثم عهد خلفه شارل حلو (1964-1970)، ويحلّل المشروع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي عُرف باسم "الشهابية". الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الشهابية كانت محاولة جادة لبناء "دولة الاستقلال" وتحديث لبنان عبر تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، لكنها اصطدمت بمقاومة شديدة من القوى التقليدية والطائفية، وخلقت تناقضات داخلية عميقة، وأفضت في النهاية إلى أزمة شاملة مع نهاية العقد.
يبدأ الفصل بعرض دروس شهاب من تجربة ثورة 1958، والتي جعلته يدرك التفاوت الاجتماعي والسياسي بين المناطق، ويدفع نحو سياسة الحياد في النزاعات العربية، متجسدةً في لقائه بالرئيس جمال عبد الناصر. ثم ينتقل إلى الحدث السياسي الأبرز في بداية عهده: محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليلة رأس السنة عام 1961. يشير المؤلف إلى أن هذه المحاولة، التي أُحبطت، وفرت لشهاب غطاءً شعبياً واسعاً و"فرصة ذهبية" للأجهزة الأمنية، خاصة "المكتب الثاني"، لتوسيع نفوذها وسيطرتها على الحياة السياسية والإدارية، متخذةً من "حالة الطوارئ" ذريعةً.
على الصعيد السياسي، يشرح الفصل الاستراتيجية الشهابية القائمة على ثلاث ركائز: أولاً، خلق طاقم سياسي بديل عن الزعامات التقليدية عبر قانون انتخاب جديد (الدائرة الصغرى وزيادة عدد النواب) مما سمح بصعود وجهاء جدد مدعومين من الأجهزة الأمنية. ثانياً، استخدام الجيش والأجهزة الأمنية كقاعدة للحكم. ثالثاً، نقل مركز القوة من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية، مما أتاح لرئيس الوزراء رشيد كرامي الحكم عبر المراسيم الاشتراعية.
أما على الصعيد الإداري، فيصف الفصل إنشاء "مصالح مستقلة" و**"مجالس ومشاريع"** كبنية إدارية موازية، مما أدى إلى تضخم جهاز الدولة بتوظيف ما لا يقل عن عشرة آلاف موظف جديد. كما يذكر تعديل التركيبة الطائفية في الإدارة لصالح المسلمين، حيث انخفضت حصة الموارنة من الوظائف من النصف في عهد شمعون إلى الثلث فقط في نهاية عهد شهاب. ويؤكد المؤلف أن شهاب اكتفى بتصحيح الخلل الطائفي ولم يضع الطائفية السياسية نفسها موضع نقاش، مكتفياً بحقن النظام بقدر من العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
اقتصادياً، يوضح الفصل كيف واكب شهاب تحول الاقتصاد اللبناني من قطاعات إنتاجية إلى قطاعات خدمية، فأسس "مصرف لبنان" كبنك مركزي لتنظيم القطاع المالي، وأصدر "قانون النقد والتسليف"، ونظم علاقات العمل عبر "قانون العقود الجماعية"، وأحدث إصلاحاً اجتماعياً بارزاً بإنشاء "صندوق الضمان الاجتماعي". كما بادرت الدولة بدور نشط في التنمية الريفية من خلال بناء سد على نهر الليطاني و**"المشروع الأخضر"**، وتطوير التعليم الرسمي عبر إضافة كلية حقوق للجامعة اللبنانية.
ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن تنامي المعارضة للشهابية، والتي تشكلت من ثلاثة محاور رئيسية: الأول، الأوليغارشية (البرجوازية المالية) التي رأت في أي تدخل حكومي انتقاصاً من أرباحها. الثاني، "الإقطاع السياسي" من الزعامات التقليدية التي تضررت من منافسة الوجهاء الجدد. الثالث، النزعة الاستقلالية المارونية التي قادتها جريدة "النهار" بزعامة غسان تويني والتي رأت في الدولتية الشهابية تهديداً للحريات وانحيازاً ضد المسيحيين. ويصف الفصل معركة برلمانية حامية قادها النائب ريمون إده اتهم فيها "المكتب الثاني" ببسط السيطرة البوليسية، معتبراً أن "كارتير ماركس داخل الحدود" هو الفقر وليس الشيوعية.
ثم يحلل الفصل القاعدة الاجتماعية للشهابية، والتي قامت بشكل أساسي على تحالف غريب بين حزب الكتائب بزعامة بيار الجميل والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة كمال جنبلاط. يوضح دوافع كل طرف، فـ الكتائب وجدت في الدولة مصدراً للقوة والنفوذ، بينما رأى جنبلاط فيها وسيلة لربط طائفته بالجمهور المسلم الناصري ودفع الإصلاح.
يكرس الفصل قسماً مطولاً لعهد شارل حلو (1964-1970)، واصفاً إياه بـ"عهد الازدواجية والتناقضات". فقد واجه حلو انقساماً بين الشهابيين ("النهج") و**"الحلف الثلاثي"** (معارضة مسيحية بقيادة شمّعون وإده والجميل) من جهة، وبين ركيزتي العهد الشهابي (الكتائب وجنبلاط) من جهة أخرى. ويبرز الفصل هنا صعود الحركات الاجتماعية والإضرابات العمالية والفلاحية التي كانت مكبوتة في عهد شهاب، مطالبين بزيادة الأجور وتنظيم العمل. كما يتناول بالتفصيل حملة التحريض ضد "الغرباء" (الفقراء، السوريين، والفلسطينيين) التي استغلها حزب الكتائب ككبش فداء للأزمات الاجتماعية، والتي بلغت ذروتها باستصدار قانون لمنع بيع العقارات لغير اللبنانيين.
الحدث المدوي الذي يختتم به الفصل تقريباً هو انهيار بنك إنترا في أكتوبر 1966، الذي كان أكبر مجموعة مالية في لبنان. يصف المؤلف كيف أن إفلاس هذا البنك، الذي تركزت فيه ودائع صغار المودعين (بلغ عددهم 145,000 مودع) وكان مرتبطاً بالشهابيين، أغرق الاقتصاد في أزمة حادة. ويشير إلى أن موجودات البنك كانت تفوق ديونه، وأن هناك شبهات بأن إغراقه تم بقرار سياسي تحت ضغوط من الأوليغارشية والقوى الغربية، مما فتح باباً لتبادل الاتهامات بين أجنحة الطبقة الحاكمة.
يختم الفصل بالحديث عن تداعيات حرب حزيران 1967 التي زجت بلبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي عبر دخول الفدائيين الفلسطينيين إلى الجنوب، مما أدى إلى صدامات مع الجيش اللبناني وأزمات سياسية حادة، انتهت بتوقيع "اتفاق القاهرة" عام 1969 الذي نظم الوجود الفلسطيني. ويُنهي المؤلف الفصل بلوحة بانورامية عن بيروت عاصمة الثقافة العربية في الستينيات، حيث ازدهرت الصحافة ودور النشر والمسرح والموسيقى والأدب، واصفاً إياها بأنها ملجأ ومحفز للإبداع للمثقفين العرب الهاربين من الأنظمة القمعية، قبل أن تطويها الحرب الأهلية.
في الخلاصة، يقدم هذا الفصل نقداً عميقاً للشهابية، مظهراً تناقضها الجوهري: فهي من جهة سعت لبناء دولة قوية ومؤسسات حديثة وعدالة اجتماعية، لكنها من جهة أخرى قامت على القمع الأمني، واستنساخ الطائفية بدلاً من إلغائها، وخلق طبقة جديدة من المحسوبين، مما أدى إلى تأزم المجتمع وانقسامه، وأرسى الأسس للصراعات التي انفجرت لاحقاً.
10.الفصل العاشر: من الأزمة الاجتماعية إلى الحرب الأهلية (1975-1968)272–320▼ résumé
بدأ الفصلُ العاشر بعنوان «من الأزمة الاجتماعية إلى الحرب الأهلية (1975-1968)» بتحذيرٍ ناريّ من المطران غريغوار حداد، مطران بيروت للروم الكاثوليك، الذي رأى أن «المعجزة اللبنانية» الاقتصادية ما هي إلا ستارٌ لاقتصاد حر يقمع فيه القوي الضعيف، وتتمتع بأرباحه أقلية رأسمالية صغيرة، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيقود البلاد إلى كارثة محققة. يطرح المؤلف، فواز طرابلسي، السؤال المحوري حول كيفية تحوّل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة إلى حرب أهلية شاملة عام 1975، ويقدّم إجابةً تُحمّل المسؤوليةَ لبنية اقتصادية احتكارية وطائفية رفضت أي إصلاح جذري.
يسير الفصل خطوةً خطوةً بتفكيك هذه البنية. يبدأ بتحليل أزمة بنك إنترا التي كشفت عن هشاشة الاقتصاد اللبناني القائم على الوساطة المالية وتحويل البترودولارات للعواصم الغربية، مما جعل لبنان محطة عبور لا مركز إيداع. يوضح الكيفية التي ساد بها هذا النموذج على الاقتصاد، فبينما كانت المصارف تملك كتلة نقدية ضخمة تجاوزت 5 مليارات دولار، كانت استثماراتها تتركز في المضاربة والقروض الخارجية لا في دعم القطاعات الإنتاجية المحلية. يقدم الفصل أدلةً دامغة على التمركز الاحتكاري: مسحٌ عام 1964 أظهر أن 10 أسر تسيطر على أكثرية أسهم 177 شركة تجارية وخدماتية، وأن 5 وكلاء للشركات الأوروبية والأميركية يستأثرون بـ 75% من المستوردات، فيما تسيطر 4 أسر تنتمي إلى «كونسورسيوم الاستقلال» على القطاع المالي والصناعي والتأميني عبر شركات قابضة. هذا الاحتكار كان مقنناً قانونياً بموجب المرسوم رقم 17514 الصادر عام 1964، الذي حمى «الوكلاء الحصريين» للشركات الأجنبية.
ينتقل الفصل لفحص القطاع الصناعي، الذي شهد طفرة بين عامي 1964 و1974 حيث ارتفعت حصته من الدخل الأهلي، لكنها كانت طفرة تبعية ومعتمدة على الاستخدام المكثف للأيدي العاملة الرخيصة، حيث تضاعف عدد العمال الصناعيين من 16,000 إلى 111,000 خلال عشر سنوات. أدى ذلك إلى تبعية وتمركز: سيطرت الشركات الأجنبية على الصناعات، وتفاقم العجز التجاري ليصل إلى مليار ونصف ليرة لبنانية عام 1974. أما القطاع الزراعي، فكان مشهداً آخر للانهيار بفعل سيطرة الشبكة التجارية المالية عليه، فـ 10 سماسرة يتحكمون بثلثي سوق التفاح، و3 منهم يسيطرون على ثلث سوق الحمضيات. اختفت تقريباً «الشراكة» الزراعية التقليدية، وحلّ محلها نموذجان هجينان: «المزارعة الرأسمالية» في البقاع، وارتباط المزارعين بالصناعة الاحتكارية كحال مئات العائلات التي تنتج لصالح مصنع سكر واحد أو «إدارة حصر التبغ والتنباك الريجي».
يُظهر الفصل الآثار الاجتماعية المدمرة لهذا النموذج الاقتصادي: حراكاً سكانياً عنيفاً تمثّل في هجرة ريفية كثيفة واغتراب. فبينما كان نصف سكان لبنان يعيشون على الزراعة في أواخر الخمسينيات، لم تبق منهم سوى 20% تعمل في القطاع بحلول 1975، وخسر القطاع أكثر من 100,000 عامل في أقل من عقدين. استورد لبنان عمالة سورية رخيصة ليحلوا محل اللبنانيين الذين هاجروا أو رفضوا العمل اليدوي. تضاعفت كلفة المعيشة بين 1964 و1975، وصُنّفت بيروت كواحدة من أغلى مدن العالم، بفعل الاحتكار ورفع الأسعار الاعتباطي من قبل المستوردين. تفاقمت الأزمة السكنية بسبب المضاربة العقارية التي ابتلعت الإيجارات 40% من دخل الأسرة، بينما بقي 40 ألف شقة فخمة فارغة في بيروت وحدها عشية الحرب، في حين تكدس الوافدون من الأرياف في أحياء فقيرة.
يرسم الفصل صورةً قاتمة للبنية الاجتماعية عشية الحرب بأنها «بنية من الامتيازات والفروقات الصغيرة المتولدة عن المحسوبية والنظام الطائفي تشتغل داخل بنية من الامتيازات والفروقات الطبقية الكبرى». فـ 4% فقط من اللبنانيين كانوا يحصلون على أكثر من 50% من الدخل الأهلي، فيما أعلن المطران حداد أن 80% لا يحصلون على الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الذي قدّره بـ 1,480 ليرة لبنانية شهرياً، بينما كان أجْر 97% من العمال لا يتجاوز 350 ليرة. الفوارق بين المركز والأطراف كانت صارخة: الدخل الفردي في بيروت 1,600 دولار سنوياً مقابل 160 دولار في الجنوب. تشكل «حزام الفقر» حول بيروت من مهاجرين ريفيين ونازحين من الجنوب هرباً من الحرب الإسرائيلية، وسكنه خليط طائفي لكنه شهد تمديناً سريعاً للشيعة الذين تحولوا من أغلبية ريفية إلى أكثر من ثلاثة أرباع من سكان المدن بحلول السبعينيات؛ وأصبح هذا الحزام بؤرة للأحزاب الشعبوية من اليمين واليسار.
في خضم هذا الاحتقان، ظل عالم الأعمال تحت سيطرة مسيحية، وإن بدأت تتغير معادلاتها. أظهرت دراسة أن المسلمين استحوذوا على 45.5% من المؤسسات التجارية و49.4% من الصناعية و51% من المصارف بحلول عام 1972، مما يعكس تحولاً طفيفاً لكنه لم يلغِ التفاوت. في المقابل، كان 69% من عمال الصناعة من المسلمين، وخاصة الشيعة. تفاقمت التمايزات داخل الطبقات الوسطى المتضخمة، التي تشكل 53% من السكان، عبر المجالين الأثيرين: الإدارة المتضخمة (حوالى 100 ألف موظف) والنظام التعليمي الذي بات يخرّج «علامةً لا للشيء» ويدفع بخريجيه إلى أسواق العمل الخارجية. زادت الأزمة من حدة «المصافي» التعليمية: فـ 18% فقط من تلامذة الابتدائي يصلون إلى الثانوية، والعلامة اللاغية في اللغة الفرنسية تخدم أبناء العائلات الثرية، والفروق شاسعة بين التعليم الخاص والعام، حيث يتقاضى خريج الجامعة الأميركية راتباً يزيد بثلاثة أضعاف على خريج الجامعة اللبنانية.
بعد رسم هذه الخلفية الاقتصادية والاجتماعية المأزومة، ينتقل الفصل إلى رصد الحركات الاجتماعية التي هزت لبنان عشية الحرب كتعبير عن «رغبة عميقة في التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي». يوثق موجة من النضالات الفلاحية، أبرزها انتفاضة فلاحي عكار عام 1970 وانتفاضة مزارعي التبغ في النبطية التي أسفرت عن سقوط قتلى في يناير 1972، وتحركات العمال الزراعيين لتشكيل اتحادهم الوطني. على الصعيد العمالي، يصف الفصل الوحدة النقابية غير المسبوقة تحت مظلة «الاتحاد العام لعمال لبنان»، وإضرابه العام المهدّد في فبراير 1975، وإضرابه الفعلي في أغسطس 1975 الذي طالب للمرة الأولى بالحد من الأرباح التجارية وإنشاء التعاونيات. ثم يتناول سلسلة الإضرابات العمالية القاعدية منذ 1970، وأبرزها إضراب عمال معامل «غندور» للحلويات، الذي قمعته الشرطة عام 1974 وسقط فيه قتيلان، مما أثار موجة غضب واسعة.
أما الحركة الطلابية، فيصفها الفصل بأنها «ثورة ضد مجتمع التجار»، بدأت بمطالب تعليمية ثم تحولت إلى مساءلة جذرية للمجتمع متأثرة بهزيمة 1967 وانطلاقة المقاومة الفلسطينية. أبرز محطاتها: إضراب الجامعة اللبنانية لـ 45 يوماً عام 1971، وإضراب عام للتعليم الرسمي في 1975 شارك فيه 11,580 أستاذاً، مما دفع الحكومة لفصل 784 أستاذاً، مما أثار موجة تضامن واسعة. يختتم الفصل هذه الجولة بوصف احتقان السياسة حيث تناقض خطورة الأزمة مع عودة الزعماء التقليديين الذين أعاقوا أي إصلاح، وأبرزهم صائب سلام الذي أطلق حكومته باسم «الثورة من فوق» لكنها اصطدمت بـ«السلطان الخفي» للأوليغارشية التجارية-المالية، كما في فشل مشاريع وزير الاقتصاد مروان اسكندر بالإصلاحات الضريبية، ووزير الصحة إميل بيطار بضبط أسعار الأدوية. وفضح الفصل النظام الضريبي غير العادل الذي يعفي الأغنياء والمضاربات العقارية ويركز على ضرائب الاستهلاك والضرائب المقتطعة من المصدر، ليجسد «كيف انتهت الادعاءات الإصلاحية هباءً منثوراً».
على الجانب الآخر، حلّل الفصل انقسام الطبقات الوسطى بين رؤيتين متصارعتين للأمن: رؤية حزب الكتائب واليمين المسيحي الداعية لقمع الحراك الاجتماعي والمقاومة الفلسطينية، ورؤية كمال جنبلاط والحركة الوطنية التي ربطت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بتنظيم الوجود الفلسطيني. وفي سياق هذا الانقسام، رصد الفصل تبلور حركتين اجتماعيتين داخل الطائفتين الكبيرتين. داخل المسيحية، ظهرت «حركة الشبيبة المسيحية» و«تجمع المسيحيين الملتزمين» الداعمة للتغيير الجذري والعلمانية، إلى جانب صوت المطران غريغوار حداد الذي قلب معادلة الأمن مؤكداً أن الظروف الاجتماعية الجائرة هي الخطر الحقيقي على أمن لبنان. أما في صفوف الشيعة، فبرز الإمام موسى الصدر الذي استثمر في الطائفية لبناء زعامته، فأسس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» عام 1969 وأطلق «حركة المحرومين» عام 1974، مقدماً خطاباً شعبوياً يزاوج بين الحقوق الطائفية والمناطقية، ومهدداً بالعصيان المدني، لكنه في الوقت نفسه انحاز أكثر فأكثر للنظام بحثاً عن موقع له ولطائفته.
يختم الفصل بسلسلة الأحداث المتسارعة التي أوصلت البلاد إلى حافة الحرب: اشتباكات الجيش مع الفدائيين، «اتفاق ملكارت»، قانون إلغاء الطائفية في الوظيفة العامة عام 1975 الذي أثار اعتراض المسيحيين، قمة الرئيسين فرنجية والأسد وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك، وأخيراً أحداث صيدا في فبراير 1975 حيث أطلق الجيش النار على تظاهرة صيادين وسقط النائب معروف سعد قتيلاً، مما أدى إلى اشتباكات واسعة ومجزرة في حق فلسطينيين في عين الرمانة، لينفجر القتال في 13 أبريل 1975 إيذاناً باندلاع الحرب الأهلية. يخلص الفصل إلى أن البرجوازية اللبنانية والمؤسسة السياسية لم تكونا مستعدتين للتنازل عن أي من امتيازاتهما، محمّلاً إياهما مسؤولية انزلاق الاحتقان الاجتماعي إلى انقسام طائفي دموي.
يقرّ المؤلف ضمنياً بأنه على الرغم من قوة الحركات الاجتماعية، إلا أن فشلها في تحقيق إنجازات ملموسة دفع الاحتجاج إلى الشارع وأضعف القوى الإصلاحية لصالح القوى الطائفية المتطرفة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى حتمية الحرب، رغم تأكيده على أن رفض الإصلاح من الأعلى جعل الانفجار من الأسفل أمراً لا مفر منه. يمكن القول إن الفصل يقدم سرداً مادياً متقناً يربط التحولات الاقتصادية الكبرى بالحراك الاجتماعي والسياسي والطائفي، وهو أمر قوي ومقنع، لكنه قد يُهمّش بعض العوامل الإقليمية والأيديولوجية البحتة، مقللاً من دور القرارات الفردية والصدف في دفع البلاد نحو الحرب، لصالح تفسير بنيوي شبه حتمي.
11.الفصل الحادي عشر: الإصلاح بواسطة السلاح321–349▼ résumé
يُعالج الفصل الحادي عشر بعنوان «الإصلاح بواسطة السلاح» مرحلةً محورية في الحرب الأهلية اللبنانية، امتدت من عام 1975 حتى 1976، وعُرفت بـ«حرب السنتين». يرى المؤلف أن هذه الفترة لم تكن مجرد اقتتال عشوائي، بل كانت بمثابة «حوار بالسلاح» بين مشروعين متعارضين: مشروع الأمن الذي تبناه حزب الكتائب وحلفاؤه في «الجبهة اللبنانية»، ومشروع الإصلاحات السياسية الذي قادته الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط. يحاول كل فريق فرض رؤيته بالقوة، مستغلاً تنامي دور منظمة التحرير الفلسطينية في القتال، مما فتح الباب أمام تدخل إقليمي حاسم من سورية وإسرائيل.
يسير الفصل خطوة خطوة مع اشتعال الأحداث، بدءاً من الاشتباكات الأولى في عين الرمانة، مروراً بتشكيل الحكومات المتعاقبة (حكومة نور الدين الرفاعي العسكرية التي لم تصمد سوى ثلاثة أيام، ثم حكومة رشيد كرامي السداسية)، ووصولاً إلى محاولات الحوار والمفاوضات. يوضح المؤلف أن كل محاولة سياسية كانت تتعثر بسبب التصعيد العسكري، الذي كان أداةً ضغط بيد كل فريق. على سبيل المثال، يذكر أن «لجنة الحوار الوطني» التي تشكلت برئاسة كميل شمعون وكرامي، تمكنت من الإجماع على ضرورة إلغاء الطائفية السياسية باستثناء بيار الجميل، لكن هذا الإنجاز سرعان ما أجهضته الميليشيات.
يُفصّل الفصل المواقف المتناقضة للقوى الفاعلة. فمن جهة، يظهر بيار الجميل رافضاً أي تعديل جوهري على الدستور أو الميثاق الوطني لعام 1943، ومتمسكاً بالنظام الطائفي باعتباره ضمانة للمسيحيين، ومعلناً أن «العلمنة» التي يدعو لها اليسار هي مجرد «لعب بالنار». من جهة أخرى، يطرح كمال جنبلاط «البرنامج الانتقالي للإصلاح الديمقراطي»، الذي تضمن إلغاء الطائفية السياسية والإدارية، وقانوناً مدنياً اختيارياً للأحوال الشخصية، وقانون انتخاب على أساس النسبية. يُظهر الفصل كذلك تبايناً حاداً داخل المعسكر المسيحي نفسه، حيث لعب سليمان فرنجية دوراً مستقلاً أحياناً، بينما برز بشير الجميل كصوت مختلف داخل الكتائب، إذ التقى جنبلاط سراً وأبدى استعداده لقبول العلمنة مقابل رفع الضغط العسكري عن المناطق المسيحية.
يتوقف الفصل عند حدثين مفصليين: «السبت الأسود» في 6 كانون الأول/ديسمبر 1975، حيث ارتكبت ميليشيا الكتائب مجزرة بحق مسلمين رداً على مقتل أربعة من عناصرها، ومعركة تل الزعتر التي سقط فيها مخيم اللاجئين الفلسطيني في آب/أغسطس 1976 بعد حصار دام ستة أشهر، واصفاً إياها بـ«إحدى أبشع المجازر». كما يغطي الفصل مرحلة الاغتيالات السياسية، كان أبرزها اغتيال كمال جنبلاط في آذار/مارس 1977، معتبراً إياها عقاباً له على «المغامرة» التي خاضها لتغيير النظام.
مع بلوغ الصراع ذروته، وانقسام الجيش اللبناني إلى شطرين (الجيش النظامي و«جيش لبنان العربي» بقيادة أحمد الخطيب)، أصبح التدخل الخارجي أمراً محتوماً. يشرح المؤلف بالتفصيل كيف تطور الموقف السوري من وساطة إلى تدخل عسكري مباشر، تحت غطاء «قوات الردع العربية»، وذلك بعد أن حصلت سورية على ضوء أخضر أميركي إسرائيلي مشروط بخطوط حمراء، أهمها عدم التقدم جنوب نهر الليطاني. على الجانب الآخر، كشفت الفصل عن العلاقة السرية التي نسجتها «الجبهة اللبنانية» مع إسرائيل للحصول على السلاح والتدريب، والتي بلغت ذروتها بلقاءات بين قادة الكتائب وشخصيات إسرائيلية كـشيمون بيريز وموشيه ديان، قبل أن يختار المسيحيون في النهاية الخيار السوري.
في تحليله للتحالف بين الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، يقرّ المؤلف أن مصالح الطرفين تقاطعت دون أن تتطابق. فبينما كانت منظمة التحرير تبحث عن ملاذ آمن لمواصلة عملياتها ضد إسرائيل، كانت الحركة الوطنية تسعى لتوظيف الثقل العسكري الفلسطيني لفرض إصلاحات سياسية داخلية. هذه الشراكة، بحسب الكاتب، منحت الحركة الوطنية القوة لمواجهة الميليشيات اليمينية والهجوم عليها، لكنها في المقابل كلفتها تأييداً شعبياً واسعاً، بسبب الطابع الطائفي الذي أدخله الوجود الفلسطيني المسلح إلى النزاع.
يختتم الفصل بفكرة أن محاولة فرض الإصلاح بواسطة السلاح قد هُزمت في النهاية على يد الأسلحة السورية. فبعد وصول إلياس سركيس إلى الرئاسة في أيار/مايو 1976، وانتشار «قوات الردع العربية» بقيادة سورية في بيروت، بدا أن الدولة تستعيد زمام المبادرة. لكن المؤلف يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان لبنان يسير نحو سلام حقيقي، مشيراً إلى أن اغتيال جنبلاط وبدء جولة جديدة من الصراع، يؤكدان أن البلاد كانت على أعتاب دورة جديدة من الحرب، وليس نهايتها.
12.الفصل الثاني عشر: «أطول انقلاب في تاريخ لبنان350–375▼ résumé
يُعالج هذا الفصل، وهو بعنوان «أطول انقلاب في تاريخ لبنان»، المرحلة الثانية من الحرب الأهلية اللبنانية (من حوالي عام 1978 حتى عام 1982)، مقدماً إياها كمسار لانقلاب سياسي وعسكري متكامل الأركان، هدفه تغيير بنية الدولة والمجتمع اللبنانيين. يرى المؤلف أن ذروة هذا الانقلاب تمثلت في وصول بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية في أيلول/ سبتمبر 1982، محمولاً على دعم الولايات المتحدة وعلى حراب الغزو الإسرائيلي للبنان. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذا الانقلاب، الذي وصفه أحد مستشاريه بأنه «أطول انقلاب في تاريخ لبنان»، لم يكن مجرد تغيير للسلطة، بل مشروعاً لإعادة تعريف لبنان على أسس طائفية مسيحية متشددة، بدعم خارجي إسرائيلي وأميركي، وفي مواجهة المشروع الفلسطيني والعربي.
يسير الفصل خطوة خطوة، شارحاً تفكك التحالف الثلاثي الذي جمع الرئيس الياس سركيس، وسورية، وحزب الكتائب. كان المحرك الأساسي لهذا التفكك هو عملية السلام الأميركية بين مصر وإسرائيل، والتي بلغت ذروتها بزيارة السادات للقدس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد في 1978 ثم معاهدة السلام في آذار/ مارس 1979. تضافرت ثلاثة عوامل لهز عهد سركيس: ردود الفعل العربية المتناقضة على كامب ديفيد، والهجوم الإسرائيلي المضاد (الذي تجسد في اجتياح 1982)، وانقلاب التحالفات الكتائبية من دمشق إلى إسرائيل.
في مقابل تفكك التحالف الثلاثي، يصف الفصل بناء دولتين متنافستين داخل لبنان. الأولى هي «دويلة ياسر عرفات» في بيروت الغربية والمناطق ذات الغالبية المسلمة، حيث بنيت إدارة فلسطينية شبه مستقلة. الثانية هي «مارونستان» أو دويلة بشير الجميل، والتي تبلورت عبر سلسلة من الخطوات العنيفة. يعدد الفصل هذه الخطوات بالتفصيل: اغتيال طوني فرنجية وعائلته في إهدن في حزيران/ يونيو 1978، والذي مثل انقساماً جذرياً في الصف المسيحي؛ ثم حرب «الأيام» بين القوات السورية والكتائبية والتي انتهت بخروج السوريين من بيروت الشرقية وبروز بشير كبطل؛ ثم القضاء على ميليشيا «النمور» بقيادة داني شمعون في تموز/ يوليو 1980 في مجزرة دامية؛ وأخيراً السيطرة على مدينة زحلة البقاعية في 1980-1981، وما تلاها من حصار سوري و«أزمة صواريخ» مع إسرائيل كادت أن تؤدي إلى مواجهة شاملة.
يشرح الفصل بتمعن الأيديولوجية والمشروع السياسي لبشير الجميل. كان مشروعه يهدف إلى إلغاء أي شراكة إسلامية-مسيحية، وإحلال تحكم مسيحي مطلق بالدولة. كشفت مذكرات أعدها أنصاره، كـميشال عون وأنطوان نحم وكريم بقرادوني، عن خطط تقسيمية تهدف إلى جعل لبنان حليفاً استراتيجياً لإسرائيل. بل إن بشير كان يبيع لفكرة «إسرائيل الثانية» للسفير الأميركي، ويعد السعوديين بحلف ضد الشيوعية والنفوذ السوفييتي. وقد تجسد هذا المشروع التقسيمي في خطاب القسم الذي لم يُلقه بشير حياً، لكنه كشف عن رؤيته: لبنان ليس بلداً مسيحياً بل «وطن للمسيحيين والمسلمين اللبنانيين»، وقد تم تجريده من هويته العربية لصالح انتماء «مشرقي»، واعتبرت الحرب التي شنها حرباً ضد لبنان من قبل «الديانتين التوحيديتين» (الإسلام واليهودية).
لم يغفل الفصل الإشارة إلى حدود هذا المشروع وتحفظاته. فانهيار «مارونستان» بشير في مواجهة السوريين في الشمال قلصها إلى أقل من سدس مساحة لبنان. كما أقر الفصل بالدور الأميركي المزدوج: دعم بشير علناً بينما كان الوسيط فيليب حبيب يتفاوض مع عرفات وسورية. والأهم هو الاعتراف بإشكالية الدور الإسرائيلي: فقد ساعد بشير على الوصول إلى الرئاسة، لكنه منحه أيضاً شعوراً بالإهانة في لقاء ناتانيا عندما طالبه مناحيم بيغن بعقد معاهدة سلام فورية، وهو ما أرّق بشير وأخر التزامه.
يختتم الفصل بحدثين كارثيين: اغتيال بشير في 14 أيلول/ سبتمبر 1982 بتفجير مركز حزب الكتائب، ومجزرة صبرا وشاتيلا في الأيام التالية. يصف الفصل المجزرة بدقة، كاشفاً عن تورط جيش لبنان الحر بقيادة سعد حداد ووحدات من القوات اللبنانية تحت قيادة إيلي حبيقة، مع غطاء من الجيش الإسرائيلي الذي أطلق قنابل إنارة فوق المخيمين طوال الليل. يقرر المؤلف أن المجزرة لم تكن مجرد رد فعل على الاغتيال، بل تنفيذاً لرغبة بشير المعلنة في تنفيذ «حل جذري» بحق الفلسطينيين، معتبراً إياهم «شعباً زائداً». ويشير إلى أن مجلة الجيش الإسرائيلي رأت في المجزرة محاولة لدفع فلسطينيي لبنان إلى هجرة شاملة لإحداث «توازن سكاني جديد».
في التحليل النهائي، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حول طبيعة الحرب اللبنانية. فبتقديمها كمسار انقلابي بقيادة بشير الجميل، فإنه يقلل من أهمية العوامل الأخرى كمقاومة الحركة الوطنية وتدخل سورية، ويختزل الصراع الطائفي المعقد في مشروع شخصي آنذاك. ومع ذلك، فإنه يظل ضرورياً لفهم كيف أن مأساة لبنان لم تكن مجرد حرب عشوائية، بل كانت صراعاً على هوية الدولة وحدودها، انتهى بأحد أطرافه إلى اعتناق العنف كأداة وحيدة لإعادة تشكيل البلاد.
13.الفصل الثالث عشر: نظام الحرب: الاقتصاد السياسي لميليشيات 376–409▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل التحوّل الجذري الذي شهده لبنان بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل في أيلول/سبتمبر 1982، حيث يصف كيف تحوّلت البلاد إلى "نظام حرب" تسيطر عليه الميليشيات، ويُفكّك اقتصاده السياسي. يطرح فواز طرابلسي فكرة أن الحرب لم تكن مجرد صراع دموي، بل أنشأت نظاماً اقتصادياً وسياسياً جديداً له منطقه الخاص، حوّل الدولة إلى شريك أضعف والميليشيات إلى حكّام فعليين، وأعاد إنتاج الطوائف نفسها ككيانات مسلحة.
يسير الفصل خطوة خطوة مع بداية عهد الرئيس الجديد أمين الجميل، الذي انتخب في 21 أيلول/سبتمبر 1982 في ثكنة الجيش نفسها التي انتخب فيها أخوه وتحت حماية إسرائيلية. يبيّن الكاتب كيف وصل حزب الكتائب عملياً إلى السلطة، ويستخدم مقولة ريمون إده بأن لبنان أصبح يحكمه آل الجميل "على الطريقة السوموزية". يروي الفصل كيف استخدم أمين وجود القوات الدولية "كهراوة لضرب خصومه المسلمين" كما لاحظ طوماس فريدمان، وكيف اجتاحت عناصر "القوات اللبنانية" بيروت الغربية في الأيام الأولى لرئاستهم وخطفوا مئات المسلمين. ويورد أيضاً أحداثاً مثل تدمير الأبنية غير المرخصة في الأوزاعي والرمل العالي بالضاحية الجنوبية ذريعة قربها من المطار، وأمر أمين جيشه باحتلال بيروت الغربية في آب/أغسطس 1983.
في المقابل، يصف الفصل نشوء "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" في أيلول/سبتمبر 1982، والتي حوّلت "نزهة الأسبوعين" التي وعد بها أرييل شارون إلى مغامرة دموية كلفت إسرائيل مئات الجنود. ينتقل السياق إلى مفاوضات السلام، حيث يوضح أنه في 17 أيار/مايو 1983 وُقّعت معاهدة سلام لبنانية-إسرائيلية، لكنها وُلدت ميتة بعد أن وصفها الرئيس السوري حافظ الأسد لوزير الخارجية الأميركي بأنها "اتفاق إذعان"، ولم يوقّعها أمين الجميل، ثم تراجعت حكومته عنها في 5 آذار/مارس 1984. يُظهر الفصل كيف شنّ الأسد هجوماً مضاداً عبر "جبهة الإنقاذ الوطني" التي تشكّلت في 23 تموز/يوليو 1983، بهدف إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الغزو الإسرائيلي.
يُفصّل الفصل "حرب الجبل" التي اندلعت بعد انسحاب إسرائيل من عاليه والشوف في أيلول/سبتمبر 1983، والتي انتهت بمجازر ارتكبها مسلحو وليد جنبلاط راح ضحيتها لا أقل من 1500 مدني مسيحي، ودمّرت 55 قرية. ويشرح الكاتب كيف تحوّل وليد جنبلاط من مشروع والده العلماني إلى انتقام طائفي، مؤكّداً أن "التمايز الطائفي لا يمكنه أن يشتغل من دون مكونه الطبقي". كما يصف تشكّل "الاتفاق الثلاثي" في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 1985 بين قادة الميليشيات الرئيسية الثلاث: جنبلاط، نبيه بري، وإيلي حبيقة، والذي تعهّد بإنهاء الحرب وحل الميليشيات، لكن أمين الجميل عارضه وتحالف مع سمير جعجع لتنظيم انقلاب عسكري أطاح بحبيقة في آذار/مارس 1986، مما قضى على الاتفاق مؤقتاً.
في ذروة الفصل، يحلّل طرابلسي الاقتصاد السياسي للسيطرة الميليشياوية. يرى أن الحرب أنشأت نظاماً جديداً تحوّلت فيه القوة إلى وسيلة رئيسية للاستحواذ على الفائض الاقتصادي. يصف تفكك دور بيروت المركزي لصالح عشرة كانتونات على الأقل، لكل منها مرافئها غير الشرعية التي تحوّلت إلى منشآت اقتصادية متكاملة تتحكم بالتجارة الخارجية، من مرفأ العبدة في الشمال إلى مرفأ الناقورة في الجنوب الذي يديره جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي. ويوضح كيف هُشّشت الدولة، إذ استولت الميليشيات على ربع مداخيلها على الأقل من الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة، وظهرت عشرات المحطات الإذاعية والتلفزيونية المملوكة لها.
يغوص الكاتب في تفاصيل "الاقتصاد المافيوي" الذي نشأ: تهريب السلاح والمخدرات، حيث تضاعفت المساحة المزروعة بالحشيشة ودخلت زراعة الأفيون لأول مرة، ويقدّر إجمالي قيمة المخدرات التي ينتجها لبنان بنحو 5 مليارات دولار أميركي ويقدّر عائداتها السنوية بين 500 مليون ومليار دولار. ويصف سرقة مرفأ بيروت التي تولاها حزب الكتائب (وقدرت مسلوباتها بمليار دولار)، وسرقة "البنك البريطاني للشرق الأوسط" التي تعتبر أكبر عملية سطو على مصرف في التاريخ (قدرت بـ 500 مليون جنيه إسترليني). ويضيف إلى ذلك القرصنة البحرية التي اختفت فيها 150 باخرة تجارية بين 1985 و1987، واستيراد النفايات السامة من أوروبا وطمرها في الأراضي اللبنانية.
يتطرق الفصل إلى الأبعاد الاجتماعية لهذا النظام، موضّحاً كيف فرضت الميليشيات على "رعاياها" داخل الغيتوات الطائفية رسوماً على كل شيء: من دخول السيارات والبضائع إلى السلع الاستهلاكية والمعاملات الإدارية. ففي طريق من بيروت إلى الجنوب، كان على المرء عبور حواجز متعددة تفرض رسوماً. ويشير إلى أن شركات كبيرة مثل "طيران الشرق الأوسط" و"الريجي" كانت تدفع أموال حماية طائلة لمعظم الميليشيات. ويخلص إلى أن زعماء الميليشيات أجروا مع نهاية الحرب "تبييضاً" لأموالهم، محوّلين شركاتهم إلى شركات رسمية مسجلة.
في ختام صورة قاتمة، يصف طرابلسي الحرب كآلية لـ"تصفية ديموغرافية" حققت توازناً جديداً عبر القتل والتهجير: 88,000 قتيل و 91,000 جريح، وإجلاء 900,000 مهجّر بين المسيحيين و 1,100,000 مهجّر بين المسلمين، وهجرة نحو ثلث سكان لبنان، أي حوالي 1,071,000 نسمة. يقرّ الكاتب بصعوبة قياس مقدار ما رشح من ثروات الحرب إلى القواعد، لكنه يؤكد أن منطقها يتبع منطق التبادل غير المتكافئ، "فالواجب الرئيسي للمحاسيب هو أن يموتوا من أجل زعمائهم!"، تاركاً أسئلة مفتوحة حول التكلفة البشرية والاجتماعية لهذه المنظومة التي حوّلت البلاد إلى ساحة لـ "سبع عشرة طائفة من الكانتونات والمرافئ والميليشيات المسلحة".
يتضمن الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح، مثل التفسير المادي للصراع الطائفي الذي يرى فيه أداة للسيطرة الاقتصادية قبل كل شيء، والربط المباشر بين "عمالة" بشير الجميل لإسرائيل وتأسيسه لدولة الكتائب القمعية، ونظرة الكاتب لوظيفة الحرب كأداة لتحقيق توازن ديموغرافي مدروس. هذه التفسيرات تظل رؤية تحليلية للمؤلف يمكن مناقشتها على ضوء تعقيدات الحرب اللبنانية المتعددة الأبعاد.
14.خاتمة مؤقتة: اتفاق الطائف في التباساته والتناقضات410–441▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب فواز طرابلسي قراءة نقدية لـ اتفاق الطائف، الذي تم التوقيع عليه في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1989 في مدينة الطائف بالسعودية، ويُقدّره الكاتب كمسار لإنهاء الحرب الأهلية، لكنه يُصرّ في الوقت نفسه على كشف ما يسميه "التباساته وتناقضاته". الجواب المحوري الذي يقدمه المؤلف هو أن الاتفاق، بدلاً من أن يكون حلاً جذرياً للأزمة اللبنانية، أعاد إنتاج النظام الطائفي نفسه بعد تعديل توازنات القوى داخله، وأنه أسس لمرحلة جديدة من الهيمنة السورية على لبنان، تاركاً أسئلة كبرى حول هوية البلد ونهائية كيانه دون إجابات حاسمة.
يسير الفصل عبر مرحلتين رئيسيتين: أولاً، يحلل فترة "الفراغ الرئاسي وازدواجية السلطة" التي سبقت الاتفاق، ويركز على شخصية الجنرال ميشال عون الذي عيّن نفسه رئيساً للحكومة العسكرية في أيلول/سبتمبر 1988 بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل دون انتخاب خلف له. يصفه الكاتب بأنه "بشير الجميل رقم اثنين"، مشبهاً إياه بـ بشير الجميل في سعيه إلى وحدة السلطة المسيحية واستخدامه للجيش كأداة للحل. يذكر أن عون حظي بدعم من صدام حسين، وخاض حرباً ضد القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع في شباط/ فبراير 1989، ثم قام بانقلاب كامل في آذار/مارس من العام نفسه ليشن ما سماه "حرب التحرير" ضد القوات السورية. يستعرض الكاتب نتائج هذه الحروب الكارثية: 1,876 قتيلاً، 7,234 جريحاً، تدمير 55,660 شقة، انهيار قيمة الليرة اللبنانية من 550 ليرة إلى 1,200 ليرة للدولار، وهجرة أكثر من 200 ألف لبناني، معظمهم من المسيحيين، إلى جانب هروب رؤوس أموال قُدّر بنحو مليار دولار. هذه الأرقام، المندمجة في السرد، تعمل كدليل مادي على فداحة فترة التمرد التي سبقت الطائف وتُظهر تكلفتها البشرية والاقتصادية.
ثانياً، ينتقل الفصل إلى شرح بنود اتفاق الطائف وتنفيذها بعد سقوط عون ونفيه إلى فرنسا في آب/أغسطس 1990. يشرح الكاتب كيف أدى الاتفاق إلى إعادة صياغة الدستور اللبناني، حيث تم تعريف لبنان للمرة الأولى على أنه "عربي الانتماء" و"الوطن النهائي للبنانيين"، مما يُنهي جدلاً تاريخياً حول الهوية. لكن الكاتب يُشير إلى تناقض أساسي: فبينما وعدت الوثيقة بمرحلة انتقالية نحو "جمهورية ثالثة" تلغى فيها الطائفية السياسية، وتضمنت نصاً على إنشاء هيئة خاصة لهذا الغرض، إلا أن هذه الهيئة "لم تر النور" أبداً بسبب معارضة زعماء مسيحيين وتواطؤ من زعماء مسلمين. يُحلل الكاتب التعديلات على توزيع السلطة: استبدال نسبة 5:5 بـ 6:5 في مجلس النواب (الذي زيد إلى 128 مقعداً)، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية (الذي تحول إلى رمز) لمصلحة رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، مما أنشأ "ترويكا حاكمة" وصفها بـ "نظام فتنة جديد" بسبب علاقات القوى المرجحة بين رؤساء الجمهورية والوزراء والنواب.
يُعرّج الفصل على الدور السوري المهيمن بعد الطائف، مستشهداً بتصريح لـ العقيد غازي كنعان، رئيس جهاز الأمن السوري في لبنان، قال فيه: "انتم اللبنانيون أذكياء ومبدعون وجار ناجحون... أتركوا السياسة لنا... مجالكم التجارة ومجالنا السياسة والأمن". يعتبر الكاتب هذا التصريح برنامجاً متكاملاً يُظهر كيف أُوكلت الدولة اللبنانية بكاملها، وليس فقط الملف الأمني، للمسؤولين السوريين. ويُضيف أن اتفاقيات مثل "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" (التي وقعها الرئيسان حافظ الأسد والياس الهراوي في أيار/مايو 1991) و"اتفاقية الدفاع والأمن" جعلت من حرية الصحافة في لبنان "هماً أمنياً" بالنسبة لدمشق.
يقرّ الكاتب صراحة بحدود الاتفاق وطبيعته المؤقتة، إذ يُشير إلى أن الأسئلة المفتوحة حول الهوية والإنماء المتوازن بقيت دون حلول جذرية. كما يعترف بأن تنفيذ "الجمهورية الثالثة" اللاطائفية أُجّل إلى أجل غير مسمى. في المقابل، يُمكن القول إن الطائف نجح في وقف إطلاق النار ووضع حد للاقتتال المسلح، وهو إنجاز لا يُمكن إنكاره. لكن قراءة الفصل تُظهر أن هذا النجاح الأمني جاء على حساب ترسيخ الطائفية السياسية وتكريس التبعية لسورية، مما جعل الاتفاق، في نظر الكاتب، تسوية مؤقتة وليس حلاً تأسيسياً، تاركاً إرثاً من التباسات حول هوية الدولة وسيادتها لا تزال تُشكل السياسة اللبنانية حتى اليوم.
Analyse & mots-clés
Personnes