Almawred
The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant
English

The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant

Michael Kerr and Craig Larkin1 janvier 2015enOxford University Press

يطرح كتاب "العلويون في سوريا: الحرب، الإيمان والسياسة في بلاد الشام" لـمايكل كير وكريغ لاركين سؤالاً محورياً حول طبيعة الحرب الأهلية السورية من منظور الطائفة العلوية، ويسعى إلى تفكيك الاختزال السائد في شعار "الله، سوريا، بشار ولا شيء آخر". يجادل الكتاب بأن هذا الاختزال لا يعكس واقعاً معقداً، وأن فهم دور العلويين يتطلب قراءة أعمق لتاريخهم وهويتهم المرنة والمتغيرة، وكيف تفاعلوا مع الحرب، سواء في صفوف الموالاة أو المعارضة. الهدف الأساسي هو سد الفجوة في المعرفة حول هذه الطائفة، وتقديم تفسير يتجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تختزل الصراع في الطائفية أو التدخل الخارجي.

يبدأ الكتاب بمشهد الحرب الأهلية كخلفية للتحليل، متتبعاً جذور الصراع من الانتفاضة السلمية في درعا في مارس 2011 إلى التمرد المسلح بعد رد فعل الأمن العنيف. ثم يتعمق في تحليل الأسباب التي جعلت الحرب تبدو وكأنها صراع طائفي بحت، محذراً من أن هذه النظرة تشوه فهم التجربة العلوية المعقدة. يعترف الكتاب بأن تفعيل الحدود الطائفية أصبح سمة بارزة، حيث استغل النظام هذا التفعيل لحشد الطائفة خلفه، بينما استخدمه الخصوم لتجييش الشارع السني. لكنه يرى أن هذا التفسير وحده غير كافٍ، ويدعو إلى النظر في العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي شكلت هوية العلويين وموقفهم.

يتتبع الكتاب الجذور التاريخية للطائفة العلوية منذ نشأتها كفرقة باطنية منشقة عن الشيعة في القرن التاسع على يد محمد بن نصير النميري، وتحول تسميتها من "نصيرية" إلى "علوية" في العصر الحديث للتخلص من الدلالات السلبية. ويشير إلى أن العلويين يشكلون حوالي 12% من سكان سوريا، ويتركزون في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، لكنهم هاجروا أيضاً إلى المدن الكبرى. يصف الكتاب معتقداتهم بأنها توفيقية تجمع بين عناصر من الإسلام الشيعي والمسيحية، وتقوم على فكرة الثالوث الإلهي المتجسد في علي ومحمد وسلمان الفارسي، والإيمان بتناسخ الأرواح، والتمسك بالمعرفة الباطنية السرية.

يشرح الكتاب كيف عانى العلويون من التهميش والاضطهاد في ظل الحكم العثماني، حيث كانوا يُعتبرون زنادقة وفقراء، وعاشوا في المناطق الجبلية الوعرة قرب اللاذقية حافظين على هويتهم القبلية والدينية بمعزل عن الدولة. ويذكر الفتوى الشهيرة التي أصدرها ابن تيمية عام 1317 ضد النصيريين، واصفاً إياهم بأنهم "أكفر من اليهود والنصارى"، وهي فتوى استُخدمت لاحقاً لتغذية العداء الطائفي. لكن مع قدوم الانتداب الفرنسي بعد 1920، تغير وضع العلويين جذرياً، حيث اتبع الفرنسيون سياسة فرق تسد، فأسسوا "دولة العلويين" في 1922 وعاصمتها اللاذقية، وجندوا العلويين في الجيش كقوة موالية لهم، مما خلق توتراً دائماً مع السنة الذين نظروا إليهم كعملاء للغرب.

ينتقل الكتاب إلى تحليل الخطابات الاستعمارية والعلوم الاجتماعية التي شكلت فهم العلويين، ويجادل بأن الفهم السائد لهم كطائفة منسجمة ومغلقة هو نتاج هذه الخطابات، وليس انعكاساً لواقع تاريخي محض. فالتصنيفات التي فرضها الاستعمار حولت العلويين من مجموعة دينية واجتماعية متنوعة إلى "طائفة سياسية" محددة المعالم، مما مهّد لاستغلال هذه الهوية في صراعات السلطة لاحقاً. ويشير إلى أن الإرث الاستعماري خلق توتراً دائماً مع السنة، الذين نظروا إلى العلويين كعملاء للغرب وخونة للقومية العربية.

يحلل الكتاب التحولات الديموغرافية الكبرى التي شهدتها الطائفة العلوية تحت حكم حزب البعث، ويقدم إجابة واضحة: إن صعود العلويين من تهميش جبلي إلى هيمنة على الدولة، ثم تراجع قاعدتهم الديموغرافية النسبية، هو ما جعل نظام الأسد هشاً على المدى البعيد. يشرح الكتاب كيف ساهمت سياسات حزب البعث، وخاصة الإصلاحات الزراعية، في تسريع هجرة العلويين من الجبل إلى المدن. ففي عام 2010، تجاوز عدد سكان اللاذقية 400 ألف نسمة، كان حوالي 50% منهم من العلويين. وفي طرطوس، شهدت زيادة عشرة أضعاف في عدد سكانها بين عامي 1960 و2010، حيث بلغت نسبة العلويين فيها حوالي 80%. أما في دمشق، فلم يكن في عام 1945 أكثر من 4200 علوي، بينما يقترب عددهم اليوم من نصف مليون نسمة.

يصف الكتاب كيف استغل النظام موارده لتعزيز التضامن العلوي عبر توجيه الوظائف في القطاع العام بشكل شبه حصري للعلويين، حيث بلغت نسبة الذكور العلويين العاملين في القطاع العام في اللاذقية 81%، مقارنة بـ 57% من المسيحيين و 44% من السنة. لكنه يشير إلى مفارقة ديموغرافية خطيرة: فبينما حسنت السياسات التنموية مستوى التعليم وخفّضت معدلات الأمية بين العلويين (انخفضت الأمية في اللاذقية وطرطوس إلى 10.7% و 12.4% على التوالي)، أدت في الوقت نفسه إلى انخفاض حاد في معدلات الخصوبة (انخفض متوسط عدد الأطفال لكل أسرة علوية من 8 إلى 2 في غضون جيلين). في المقابل، استمرت معدلات النمو الديموغرافي في المناطق السنية مرتفعة جداً، متجاوزة 3% سنوياً، مما جعل السنة يدركون تزايد ثقلهم العددي وغذى احتجاجاتهم ضد احتكار العلويين للوظائف العامة.

ينتقل الكتاب إلى تحليل العلاقة المعقدة بين الطائفة العلوية وحزب البعث، ويوضح كيف تحول العلويون داخل الحزب، خاصة بعد انفصال الوحدة مع مصر في 1961، حيث أصبحت قوته الأساسية من الريف ومن خريجي الكلية الحربية الذين كان العلويون يشكلون نسبة كبيرة منهم ( 60% وفقاً للمؤرخ حنا بطاطو). هذا الجيش العلوي الريفي، إلى جانب "اللجنة العسكرية"، كان الأداة التي استولت على السلطة في انقلاب 1963. ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، بنى نظاماً "نيو-باتريمونيالياً" قوامه "جماعة" علوية من أقاربه وأتباعه في مراكز الأمن والجيش الحساسة، مع إبقاء توازن طائفي ظاهري عبر إشراك سنة في المناصب العليا.

يخصص الكتاب حيزاً مهماً لانتفاضة الإخوان المسلمين (1976-1982) ، ويعتبرها لحظة حاسمة. يصف كيف استغل الإخوان الصراع الطائفي وأعلنوا الجهاد ضد حكم العلويين "الكفار"، وشنوا هجمات اغتيال وتخريب استهدفت النخبة العلوية، أبرزها مجزرة كلية المدفعية في حلب عام 1979 التي راح ضحيتها أكثر من 50 ضابطاً علوياً. رد النظام بوحشية غير مسبوقة، وبلغ ذروته باقتحام حماة. ويرى الكتاب أن بقاء النظام جاء بسبب التماسك العلوي وتنظيمهم الأمني، وانقسام المجتمع السني نفسه، حيث ظل الفلاحون السنة موالين للبعث خوفاً من إلغاء الإصلاح الزراعي.

وفي عهد بشار الأسد، يركز الكتاب على إضعافه المتعمد لركيزتي النظام: حزب البعث والطائفة العلوية. فبسبب سياسات التحرير الاقتصادي، قلص بشار نفوذ الحزب وجرّد الفلاحين السنة من مكتسباتهم، مما أفقد النظام قاعدته العريضة وجعله أكثر اعتماداً على العائلة الضيقة (آل الأسد ومخلوف). وفي الوقت نفسه، أفقدته سياساته اتصاله بالعلويين العاديين، إذ انقطعت الصلة بين النخبة العلوية الجديدة التي انشغلت بالثراء السريع وجماهير الطائفة الفقيرة. ويذكر الكتاب تهميش غازي كنعان وانتحاره المفترض، وتهميش آصف شوكت، كأمثلة على التصدعات داخل النواة العلوية.

يحلل الكتاب التنوع الجغرافي للطائفة العلوية، مقسماً إياها إلى فئتين عريضتين: علويو الساحل و علويو الداخل. الأولون هم سكان المعقل الجغرافي التاريخي للطائفة، والثانيون هم من يعيشون خارج هذا المعقل في المدن السورية الداخلية مثل حمص و حماة و دمشق و حلب. يرى الكتاب أن التنوع في الهوية العلوية هو متغير إيجابي يدمجهم في المجتمع السوري الأوسع، بينما التضامن العلوي هو متغير سلبي نابع من مخاوف تاريخية كامنة تجاه الأغلبية السنية. ويخلص إلى أنه رغم تنوع ردود فعل العلويين على الانتفاضة، فإنها تقاربت نحو التضامن الطائفي بسبب المخاوف الأمنية، خاصة بعد تحول الاحتجاجات إلى حرب أهلية وظهور جماعات متطرفة مثل جبهة النصرة و داعش.

ينتقل الكتاب إلى تحليل ظاهرة "الشبيحة"، وهي تسمية أطلقتها المعارضة على الميليشيات الموالية للنظام، ويجادل بأن هذا المصطلح أصبح أداة سياسية للتشويه والتجريد من الشرعية، بدلاً من كونه وصفاً دقيقاً. يشرح أن أصول المصطلح تعود لوصف عصابات التهريب في المنطقة الساحلية التي ارتبطت بعائلة الأسد منذ سبعينيات القرن العشرين، مثل فواز الأسد ومنذر الأسد. لكن بعد تقرير لقناة العربية في مارس 2011، انتشرت الكلمة بسرعة وأصبحت تُستخدم كمرادف لكل من يحمل السلاح دفاعاً عن النظام، بغض النظر عن خلفيته الطائفية، مما أخفى التنوع الهائل لهذه القوات.

يصف الكتاب كيف نظم النظام هذه الميليشيات من خلال مؤسستين رئيسيتين: الأولى هي "اللجان الشعبية" التي نشأت بشكل شبه تلقائي في أبريل 2011، والثانية هي "قوات الدفاع الوطني" التي تأسست في 2012 بدعم إيراني واضح، حيث صرّح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري في سبتمبر 2012 بأن أكثر من 50 ألف سوري نُظّموا على غرار ميليشيا "الباسيج" الإيرانية. ولا يغفل الكتاب دور المقاتلين الأجانب من الشيعة العرب من العراق ولبنان، مثل "كتائب حزب الله" و**"عصائب أهل الحق"** و**"لواء أبو الفضل العباس"**، ويعتبر حزب الله اللبناني أبرز هذه الجماعات.

يحلل الكتاب استراتيجيات النظام في التعامل مع الانتفاضة، ويفكك الافتراض السائد بأن النظام كان "غير عقلاني" أو "منفصلاً عن الواقع". يقدم المؤلف رينود ليندرز حجةً مضادة مفادها أن القمع الذي مارسه النظام لم يكن "أمراً أحمق"، بل كان استراتيجية محسوبة ومتكيفة ومستندة إلى تعلم من الأخطاء، وإن كانت وحشية. يصف ثلاث استراتيجيات رئيسية استخدمها النظام لتحويل الاحتجاج السلمي إلى حرب أهلية طائفية: استراتيجية "البطاقة الإسلامية" التي أطلق بموجبها سراح سجناء إسلاميين متشددين من سجن صيدنايا، وتصعيد العنف الطائفي عبر مجازر متعمدة في مناطق مختلطة طائفياً مثل مجزرة ساحة الساعة في حمص في 18 أبريل 2011، وتضييق قاعدة الدعم على عشيرته العلوية والأجهزة الأمنية.

يعترف الكتاب بعدة حدود وتحفظات، أبرزها أن العلويين والنظام ليسوا شيئاً واحداً رغم تداخلهما، وأن نجاح النظام في الصمود أمام ثورة 2011 يعود جزئياً إلى دعم دولي وتفوق عسكري، وليس فقط إلى التماسك الطائفي. كما يقر بأن الكثير مما كتب عن العلويين في العصر ما قبل الحديث كان جدلياً ومتحيزاً، وأن الانقسامات الداخلية بين العلويين أنفسهم استمرت حتى العصر الحديث. ويترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل العلويين في سوريا ما بعد الحرب، وما إذا كان النظام قادراً على البقاء، ومدى نجاح محاولات إعادة تعريف المذهب العلوي ومدى قبولها من قبل التيارات السنية المتشددة.

يمكن القول إن الكتاب يقدم حجة قابلة للنقاش بشكل واضح، مفادها أن نجاح النظام في بناء دولة مركزية قوية والارتقاء بالطائفة العلوية، هو نفسه ما جعله هشاً على المدى الطويل. فاعتماد النظام على قاعدة ديموغرافية ضيقة ومتقلصة، وتحوله إلى "مليشيا دولة" تعتمد على ولاء أقلية خائفة، جعله غير قادر على استيعاب التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون اللجوء إلى العنف. هذه الفكرة تُلقي بثقلها على التحليل السياسي وتطرح تساؤلاً جدلياً حول ما إذا كانت الحلول قصيرة المدى للسيطرة على الدولة تُنتج حتماً هشاشة طويلة المدى، وتجعل أي حل سياسي مستقبلي أمراً بالغ الصعوبة.

Chapitres(13)

1.مقدمة: من أجل 'الله، سوريا، بشار ولا شيء آخر'؟ - مايكل كير1–26▼ résumé

هذا الملخص الأمين للفصل التمهيدي من كتاب "العلويون في سوريا: الحرب، الإيمان والسياسة في بلاد الشام" يقدم نظرة شاملة ومتكاملة على الأفكار الرئيسية التي يطرحها الكاتب، دون إضافة أو حذف جوهري.


يطرح هذا الفصل التمهيدي، الذي كتبه مايكل كير، سؤالاً محورياً يتعلق بفهم طبيعة الحرب الأهلية السورية من منظور الطائفة العلوية: هل يمكن اختزال موقف العلويين في شعار "الله، سوريا، بشار ولا شيء آخر"؟ يجيب الكاتب بأن هذا الاختزال لا يعكس واقعاً معقداً، ويسعى من خلال هذا الفصل، الذي يمثل مدخلاً للكتاب بأكمله، إلى تفكيك هذه البساطة الظاهرية. الهدف هو تقديم قراءة أكثر عمقاً للعلاقة بين النظام السوري والطائفة العلوية، وطبيعة الهوية العلوية المرنة والمتغيرة، وكيف تفاعل أفراد هذه الطائفة مع الحرب، سواء في صفوف الموالاة أو المعارضة.

يسير الفصل وفق بنية واضحة، حيث يبدأ باستعراض مشهد الحرب الأهلية السورية كخلفية للتحليل. ينتقل الكاتب من مشهد الحرب الضاري إلى جذور الصراع، مشيراً إلى أن الانتفاضة التي بدأت في درعا في مارس 2011 كاحتجاجات سلمية، تحولت إلى تمرد مسلح بعد رد فعل الأمن العنيف. ثم يتعمق في تحليل الأسباب التي جعلت الحرب تبدو وكأنها صراع طائفي بحت، لكنه يحذر من أن النظرة الأحادية الجانب من خلال عدسة الطائفية أو التدخل الخارجي تشوّه فهم التجربة العلوية المعقدة. يعترف الكاتب بأن تفعيل الحدود الطائفية (Boundary Activation) أصبح سمة بارزة للصراع، حيث استغل النظام هذا التفعيل لحشد الطائفة خلفه، بينما استخدمه الخصوم لتجييش الشارع السني. لكنه يرى أن هذا التفسير وحده غير كافٍ.

يستخدم الكاتب عدة حجج وأمثلة لبناء فكرته المركزية. أولاً، يقدم خلفية تاريخية عن الطائفة العلوية، مستعرضاً نشأتها كفرقة باطنية منشقة عن الشيعة في القرن التاسع، وتحول تسميتها من "نصيرية" إلى "علوية" في العصر الحديث للتخلص من الدلالات السلبية. يشير إلى أن العلويين يشكلون حوالي 12% من سكان سوريا، ويتركزون في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، لكنهم هاجروا أيضاً إلى المدن الكبرى. ثانياً، يناقش طبيعة الهوية العلوية قبل الحرب، مؤكداً أنها كانت هوية علمانية إلى حد كبير، ولم تكن الممارسة الدينية علنية أو جوهرية في حياة معظم العلويين، بل كانت الهوية أشبه برمز ثقافي جماعي. يوضح الكاتب أن النظام بقيادة حافظ الأسد لم يعزز هوية علوية صريحة، بل عمل على دمج الطائفة ضمن دولة علمانية قومية عربية، من خلال شبكات محسوبية (Clientelism) استفاد منها العلويون في الجيش والحزب والدولة.

ثالثاً، يحلل الكاتب التحول الذي طرأ على الوظيفة السياسية للدين في الطائفة العلوية بعد اندلاع الحرب. يصف كيف أن طقوساً مثل "التثبيت" (وهي طقوس دينية علوية شبيهة بالتثبيت المسيحي)، التي لم تكن ممارسة شائعة، تحولت إلى طقس جماعي للشباب المنضم إلى ميليشيات الشبيحة، مما جعلها علامة فارقة للهوية الجماعية في مواجهة التهديد. يقدم الكاتب هذا كمثال حي على كيف أن الحرب فرضت على العلويين إعادة تعريف لأنفسهم، ليس بالضرورة كطائفة دينية، ولكن كجماعة ذات مصير مشترك ومهددة بالوجود.

يقر الكاتب صراحةً بحدود تحليله، حيث يشير إلى أن هذا الفصل هو مجرد مدخل للكتاب، وأن التفاصيل العميقة والتحليلات المتخصصة ستأتي في الفصول التالية. يترك أسئلة مفتوحة حول مدى نجاح النظام في حشد الطائفة خلفه بشكل كامل، وحول دور العلويين في المعارضة، وهو موضوع يعترف بأنه غالباً ما يتم تهميشه. يشير إلى أن الفصل يهدف إلى سد الفجوة في المعرفة حول هذه الموضوعات، معترفاً بأن التفسيرات السائدة لا تقدم صورة كاملة.

من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في هذا الفصل، تأتي فكرة أن النظام هو الذي "فعّل" الطائفية بشكل متعمد لضمان بقائه، في مقابل فكرة أن الطائفية كانت كامنة دائماً وظهرت كرد فعل طبيعي على التطرف السني. يقدم الكاتب حججاً تدعم الطرفين: من ناحية، يصف كيف أن النظام استغل شعارات التكفير والإرهاب لتصوير المعارضة كعدو وجودي؛ ومن ناحية أخرى، يعترف بأن خطاب المعارضة الإسلامي الراديكالي، مثل جبهة النصرة وداعش، جعل من المستحيل على العلويين عدم رؤية أنفسهم كهدف.

1.نشأة المجتمع العلوي في سوريا - أسلام فاروق-علي27–48▼ résumé

ملخص فصل «نشأة المجتمع العلوي في سوريا» لـأسلم فاروق-علي

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو نشأة المجتمع العلوي في سوريا وتطوره التاريخي، ويسعى إلى تقديم فهم أعمق لكيفية تشكل هذه الجماعة دينياً وسياسياً، وكيف أثرت جذورها العقائدية والتاريخية على دورها في الصراع السوري الراهن. يقدم الكاتب إجابة مفادها أن العلويين ليسوا مجرد أقلية دينية، بل هم نتاج تراكم تاريخي معقد من الانقسامات العقائدية والصراعات السياسية والتهميش الاجتماعي، وأن فهم هذه الجذور ضروري لتفسير مواقفهم وتحالفاتهم اليوم.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بواقعة محددة ومعاصرة: في 31 مايو 2013، ألقى الشيخ يوسف القرضاوي خطبة في الدوحة وصف فيها العلويين (نصيرية) بأنهم "أكثر كفراً من اليهود والنصارى" استناداً إلى فتوى ابن تيمية، ودعا المسلمين إلى التوجه إلى سوريا لدعم المعارضة. في المقابل، استشهد الكاتب بفتاوى شيعية من آية الله سيد كاظم الحائري وآية الله سيد محمد صادق الروحاني اللذين أفتيا بوجوب الجهاد في سوريا لحماية المقدسات الشيعية، مما أدى إلى فتح مكاتب تسجيل رسمية في إيران لتسهيل السفر للمشاركة في القتال. يستخدم الكاتب هذه الأمثلة كدليل على الاستقطاب الطائفي الحاد الذي يصاحب الحرب الأهلية، ويحذر من أن الاختزال الديني للصراع يعيق الفهم الحقيقي للظاهرة السياسية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الجذور التاريخية لتشكل المذهب العلوي (النصيرية). يوضح الكاتب أن الانقسام بين السنة والشيعة بدأ كنزاع سياسي حول خلافة النبي محمد بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ولكن الأمر استغرق حوالي ثلاثمئة عام لتتبلور مذاهب عقائدية متميزة. يشرح أن المذهب السني تبلور نتيجة صراع بين علماء الحديث والمعتزلة الذين تأثروا بالفلسفة الفارسية واليونانية، في حين أن الشيعة تطوروا كحركة سياسية ودينية تدعم علي بن أبي طالب وأحفاده. أما المذهب النصيري فقد ظهر كفرع من التشيع في القرن التاسع الميلادي على يد محمد بن نصير، وهو شخصية غامضة ادعى النبوة والألوهية لعلي بن أبي طالب. يصف الكاتب العقيدة النصيرية بأنها عقيدة باطنية (esoteric) تعتمد على التأويل الرمزي للنصوص الدينية، وتؤمن بالتقية (إخفاء العقيدة) بسبب الاضطهاد المستمر.

يواصل الفصل تتبع تاريخ العلويين في ظل الحكم العثماني. يذكر أن العلويين عانوا من التهميش والاضطهاد من قبل السلطات السنية، إذ كانوا يُعتبرون زنادقة وفقراء. عاشوا في المناطق الجبلية الوعرة قرب اللاذقية، حيث حافظوا على هويتهم القبلية والدينية بمعزل عن الدولة. يشير الكاتب إلى أن هذا العزلة والتهميش ساهما في تشكيل وعي جماعي قائم على الخوف والبقاء.

مع قدوم الانتداب الفرنسي بعد 1920، تغير وضع العلويين جذرياً. يشرح الفصل أن الفرنسيين، كجزء من استراتيجية "فرق تسد"، منحوا العلويين امتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية لم تكن متاحة لهم في العهد العثماني. قام الفرنسيون بتجنيد العلويين في الجيش السوري كقوة موالية لهم، وأسسوا "دولة العلويين" المستقلة في 1922، وعاصمتها اللاذقية، والتي ضمت المناطق الجبلية ذات الأغلبية العلوية. هذه السياسة خلقت انقساماً: فبينما سعى القوميون العرب السنة إلى توحيد سوريا، فضل كثير من العلويين الاستقلال الذاتي تحت الحماية الفرنسية. يخلص الكاتب إلى أن هذا الإرث الاستعماري خلق توتراً دائماً مع السنة، الذين نظروا إلى العلويين كعملاء للغرب وخونة للقومية العربية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة استقلال سوريا عام 1946 وما تلاها من انقلابات عسكرية. يذكر أن العلويين تمكنوا من تعزيز نفوذهم في المؤسسة العسكرية، مما مهد الطريق لصعود حافظ الأسد، وهو علوي من قرية القرداحة قرب اللاذقية، وُلد عام 1930 وشارك والده في مقاومة الفرنسيين. يشرح الكاتب كيف استطاع حافظ الأسد، بعد انقلاب 1970، بناء دولة مركزية قوية قائمة على القومية العربية والعلمانية، لكنه اعتمد بشكل كبير على شبكة من الموالين العلويين في الجيش والأجهزة الأمنية. يشير الكاتب إلى أن نظام الأسد لم يكن مجرد واجهة لحكم علوي، بل حكم عبر حزب البعث وأشرك شخصيات سنية بارزة مثل عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس، لكن المشكلة الأساسية كانت في العجز الشرعي الناتج عن الاعتماد المفرط على الأقلية العلوية.

في القسم الأخير، يعود الفصل إلى الحرب الأهلية الحالية ويحلل كيف أن النظام السوري استغل المخاوف الوجودية للعلويين، وزرع الفتنة بينهم وبين السنة. يذكر أن الكاتب يعترف بأن هناك تداخلاً بين المجتمع العلوي والنظام، لكنه يؤكد أن الحرب الأهلية فجرت الانقسامات الطائفية والعرقية. يستشهد الكاتب بحادثة رمزية من 2014، عندما سُئل طلاب في قرية عزيزية بريف حلب عن رؤيتهم لسوريا المستقبل: فأجاب طالب علوي بأن "الشعب السوري عاش دائماً تحت راية واحدة – التعايش السلمي"، لكنه اتهم السنة بكسر هذا الميثاق، ورفع زملاؤه صور بشار الأسد وهم يهتفون "الله، سورية، بشار ولا غيرها". هذا المثال يوضح كيف أن الشباب العلوي نشأ في ظل الصراع ويرى أن المعارضة تشكل تهديداً لوجوده.

أما بخصوص الحدود التي يقرها الفصل، فيعترف الكاتب بأن العلويين والنظام ليسا شيئاً واحداً، رغم تداخلهما. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل العلويين في سوريا ما بعد الحرب، وما إذا كان النظام قادراً على البقاء. يشير إلى أن مستقبل الجماعة مرهون بنتيجة الصراع الذي يتجاوز حدود سوريا، ولا يوجد حل سياسي أو عسكري واضح في الأفق.

من بين الحجج القابلة للنقاش في الفصل، يمكن الإشارة إلى التركيز على دور الخوف الوجودي كعامل تفسيري وحيد لولاء العلويين للنظام، مما قد يقلل من شأن العوامل الأيديولوجية والاقتصادية. كما أن الفصل يقدم رواية تاريخية تتهم السنة بتعصب تجاه العلويين دون التطرق بالتفصيل إلى دور العلويين أنفسهم في تأجيج الصراع بعد وصولهم إلى السلطة. ومع ذلك، يظل الفصل مهماً في كشف الجذور العميقة للانقسام الطائفي في سوريا وتأثير الإرث الاستعماري في تشكيل الهوية السياسية للعلويين.

2.العلويون في الحقبة العثمانية - ستيفان وينتر49–62▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو نشأة الطائفة العلوية وتطورها التاريخي، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الطائفة لم تكن كياناً ثابتاً، بل تشكلت عبر قرون من التفاعل بين المعتقدات الدينية المتنوعة والظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة. يجادل الفصل بأن العلويين، الذين عُرفوا في البداية باسم النصيريين، تطوروا من جماعة دينية مهمشة إلى جماعة ذات حضور سياسي وعسكري حاسم في سوريا الحديثة، مروراً بمراحل من الاضطهاد والتكيف والاندماج الجزئي.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل تاريخية رئيسية. أولاً، يتناول الأصول الدينية للطائفة، موضحاً أن معتقداتها توفيقية (توفيقية) تجمع بين عناصر من الإسلام الشيعي والمسيحية وحتى معتقدات وثنية سابقة. يذكر الكاتب أربع خصائص رئيسية للدين العلوي وفقاً لـمحمود فكش: فكرة الثالوث الإلهي المتجسد في علي ومحمد وسلمان الفارسي، والإيمان بتناسخ الأرواح، والتمسك بالمعرفة الباطنية السرية، واستعارة بعض الطقوس من المسيحية. لكن يارون فريدمان يقدم تفسيراً أدق، مؤكداً أن مصطلحات الثالوث مستمدة من تيارات صوفية شيعية موجودة مسبقاً، وليس حصراً من الوثنية. كما يشير فريدمان إلى أن العلويين يرفضون عقيدة الحلول (أن الله يحل في جسد بشري) ويفضلون مفهوم الظهور، أي أن علياً هو مظهر لإلهيات الخالق وليس تجسيداً كاملاً له.

ثانياً، يتتبع الفصل الانتشار الجغرافي للطائفة منذ مؤسسها محمد بن نصير النميري (توفي عام 883 أو 873) في العراق. يصف كيف انتقلت القيادة إلى أبي محمد الجنان الجنبلاني ثم إلى الحسين بن حمدان الخصيبي (توفي 947) الذي استقر في حلب. لكن الشخصية المحورية كانت أبو سعيد الميمون الطبراني (توفي 1031) الذي انتقل من طبريا إلى اللاذقية تحت الحكم البيزنطي، حيث كان له حرية التبشير وتحويل سكان الجبال الساحلية (ربما الوثنيين) إلى العقيدة النصيرية. وهكذا أصبحت جبال اللاذقية المعقل الجغرافي للطائفة، التي وصفها المؤرخون لاحقاً بـ"الأقلية المتراصة".

ثالثاً، يركز الفصل على نمط تاريخي متكرر من التفاعل بين العلويين والعالم الخارجي، يتأرجح بين المواجهة والتعاون ومحاولات الاندماج. يورد مثالاً على ذلك الفتوى الشهيرة التي أصدرها ابن تيمية عام 1317 ضد النصيريين، واصفاً إياهم بأنهم "أكفر من اليهود والنصارى"، ومحللاً فيها أحكام التعامل معهم. يشرح الفصل السياق التاريخي لهذه الفتوى من خلال رواية ابن كثير وابن بطوطة عن تمرد نصيري في جبلة بقيادة شخص ادعى أنه المهدي، مما أدى إلى مذبحة. لكن حنا بطاطو يقدم تفسيراً براغماتياً، نقلاً عن ابن بطوطة، حيث تدخل رئيس أمراء طرابلس لمنع الإبادة الكاملة للعلويين بحجة أنهم "يعملون الأرض للمسلمين"، مما يظهر أن قيمتهم الاقتصادية كانت أحياناً تحميهم من التصفية الكاملة.

رابعاً، يتناول الفصل فترة الحكم العثماني (منذ عام 1516) والتي استمر فيها تهميش العلويين، الذين عانوا من الاضطهاد والإهمال. يذكر الكاتب أن السلطان سليم الأول شن حملات ضدهم مستنداً إلى فتاوى دينية، كما حدث مرة أخرى في عشرينيات القرن التاسع عشر. نقطة التحول الأولى كانت الحملة المصرية على سوريا بقيادة إبراهيم باشا في عام 1831، والتي أدى تجنيدها الإجباري للسوريين إلى أول انتفاضة علوية مسجلة في سبتمبر 1834. على الرغم من أن هذه الانتفاضة قمعت، إلا أن التجنيد الإجباري أصبح خطوة أولى نحو إدماج العلويين في أجهزة الدولة. حدث تطور لاحق في أواخر القرن التاسع عشر عندما استغل الزعيم العلوي إسماعيل خير بك انشغال الدولة العثمانية بحرب القرم (1853-1856) لتوسيع نفوذه وإدارة منطقة صافيتا بكفاءة، ليصبح أول زعيم نصيري يحكم منطقة متنوعة طائفياً. لكنه قُتل على يد عمه بعد عودة القوات العثمانية، مما يكشف انقسامات المجتمع العلوي الداخلية.

خامساً، يحلل الفصل التأثير الغربي، حيث بدأ المبشرون المسيحيون الأمريكيون بالاهتمام بالعلويين في أواخر العهد العثماني، منشئين مدارس قدمت فرصاً للتعليم والارتقاء الاجتماعي. لكن المبشرين فشلوا في تنصيرهم؛ بدلاً من ذلك، حركوا في العلويين رغبة في الاندماج الاجتماعي، وبدأوا في التأكيد على هويتهم الإسلامية لأول مرة في عشرينيات القرن العشرين، معلنين انتماءهم للإسلام الشيعي، خشية أن يغادر المبشرون ويتركوهم وحيدين.

سادساً، يغطي الفصل فترة الانتداب الفرنسي (منذ 1923). اتبع الفرنسيون سياسة فرّق تسد، فقسّموا سوريا إلى دويلات طائفية، وأسسوا "دولة العلويين" وعاصمتها اللاذقية. استغل الفرنسيون الانقسامات الداخلية للعلويين (بين قبائل الخياطين، الحدادين، المتاورة، الكلبية) والتقسيمات الدينية الداخلية (الشمسيون، القمريون، المرشديون). لكن الأهم أن الفرنسيين فشلوا في قراءة التحولات الاجتماعية؛ إذ تحول أقوى حلفائهم العلويين، جابر العباس، إلى داعم للقضية الوطنية، بينما تحول الشاعر القومي بدوي الجبل إلى انفصالي. في عام 1936، ومع توقيع معاهدة الاستقلال، عُقد مؤتمر في طرطوس في 25 فبراير لدعم الوحدة السورية، تبعه اجتماعات للقادة الدينيين العلويين الذين أكدوا انتماءهم للإسلام، مما دفع مفتي فلسطين أمين الحسيني إلى إصدار فتوى عامة تؤكد أن العلويين مسلمون.

سابعاً، يناقش الفصل الجهود الفكرية لإعادة تعريف الهوية العلوية، ويركز على دور العالم العلوي عبد الرحمن الخير الذي كتب في عام 1937، مجادلاً بأن العلويين هم طائفة مسلمة إمامية وعربية أصيلة، وأن الممارسات الغريبة التي نسبت إليهم دخلت خلال فترات الاضطهاد والحروب الصليبية. حظيت جهوده بقبول من المؤسسة الدينية الشيعية، حيث قدم مراجع شيعية مثل السيد محسن الطباطبائي الحكيم والإمام موسى الصدر مقدمات لكتبه.

أخيراً، يختتم الفصل بتحليل صعود العلويين في سوريا المستقلة. بعد الاستقلال، أصبح الجيش السوري وسيلة للارتقاء الاجتماعي للأقليات المهمشة، وانخرط العلويون فيه بأعداد تفوق نسبتهم السكانية لأسباب منها: تشجيع الفرنسيين للتجنيد الطائفي، الفقر الاقتصادي، ونظرة النخب السنية الحضرية الدونية للجيش. وجد العلويون ملاذاً في حزب البعث العلماني الاشتراكي الذي وعد بالمساواة، وتوسع الحزب بشكل كبير في منطقة اللاذقية. أدى الانقلاب البعثي عام 1963 إلى إزاحة النخب السنية الحضرية، وتزايد النزعة الطائفية داخل الحزب والجيش، مما مهد الطريق لصعود حافظ الأسد، الضابط العلوي من قرية القرداحة، الذي قاد انقلاباً عام 1970 وأسس نظاماً بنى مراكز قوته على أسس طائفية وعشائرية، معتمداً على أسرته وقبيلته ثم الطائفة العلوية الأوسع.

يعترف المؤلف بحدود وصفه، مشيراً إلى أن الكثير مما كتب عن العلويين في العصر ما قبل الحديث كان جدلياً ومتحيزاً بسبب العداء وعدم الوصول المباشر لنصوصهم الدينية السرية. يقر بأن الانقسامات الداخلية بين العلويين أنفسهم، والتي أضعفتهم تاريخياً، استمرت حتى العصر الحديث. ويترك أسئلة مفتوحة حول مدى نجاح محاولات إعادة تعريف المذهب العلوي ومدى قبولها من قبل التيارات السنية المتشددة، خاصة بعد أن أفادت الفتاوى التاريخية مثل فتوى ابن تيمية في تغذية العداء الطائفي.

3.المجتمع، الطائفة، الأمة: الخطابات الاستعمارية والعلوم الاجتماعية حول العلويين في سوريا إبان فترتي الانتداب والاستقلال المبكر - ماكس وايس63–78▼ résumé

يُحلل هذا الفصل كيف تشكّلت هوية العلويين في سوريا عبر خطابين متداخلين: الخطاب الاستعماري الفرنسي خلال فترة الانتداب، والخطاب الأكاديمي لعلماء الاجتماع الذين تابعوا دراسة المجتمع السوري بعد الاستقلال. يجادل المؤلف بأن الفهم السائد للعلويين كطائفة منسجمة ومغلقة هو نتاج هذه الخطابات، وليس انعكاساً لواقع تاريخي محض. فالتصنيفات التي فرضها الاستعمار، والتي تبنّاها لاحقاً بعض علماء الاجتماع، حولت العلويين من مجموعة دينية واجتماعية متنوعة إلى "طائفة سياسية" محددة المعالم، مما مهّد لاستغلال هذه الهوية في صراعات السلطة لاحقاً.

يسير الفصل عبر ثلاثة محاور رئيسية. أولاً، يفحص كيف نظر المستعمرون الفرنسيون إلى العلويين خلال فترة الانتداب (التي بدأت رسمياً في 1920) واعتبروهم "طائفة حربية" (martial race) يمكن استخدامها كأداة للسيطرة على الأغلبية السنية. هذا التصور لم يكن جديداً كلياً، بل استعاره الفرنسيون من تصنيفات عثمانية سابقة. ثم ينتقل إلى مناقشة كيف طوّر علماء الاجتماع، خاصة في منتصف القرن العشرين، مفاهيم مثل "التعددية الطائفية" (confessional pluralism) التي جسّدت هذه التقسيمات كحقائق اجتماعية ثابتة، مما ساهم في تثبيت الحدود بين الطوائف وتجاهل التداخلات التاريخية بينها.

الدليل المركزي الذي يستند إليه المؤلف هو تحليل النصوص الاستعمارية الفرنسية (مثل تقارير الضباط والإداريين) والأعمال الأكاديمية المبكرة عن سوريا. يبرز كيف أن هذه النصوص غالباً ما صورت العلويين على أنهم كتلة واحدة متماسكة، رغم الانقسامات الداخلية الحادة بينهم (قبلية، جغرافية، دينية). مثال مهم يذكره الفصل هو التركيز الفرنسي على "الغموض الديني" للعلويين (باعتبارهم "باطنية")، مما جعلهم يبدون أكثر تجانساً وتمايزاً عن بقية المسلمين. وظّف الفرنسيون هذه الصورة لتبرير سياسة "فرّق تسد"، بإنشاء دولة جبل العلويين في 1922 (والتي ضُمت لاحقاً إلى سوريا في 1936).

يقبل المؤلف أن خطابه يحمل تحفظاً مهماً: هو لا ينكر أن للعلويين سمات دينية واجتماعية ميّزتهم تاريخياً، لكنه يرفض فكرة أن هذه السمات هي وحدها التي تفسر موقعهم السياسي لاحقاً. يترك السؤال مفتوحاً حول مدى تقبّل العلويين أنفسهم لهذه التصنيفات الخارجية، وما إذا كان بعضهم قد استفاد منها لبناء هوية سياسية جديدة. في النهاية، يُظهر النص أن هوية العلويين "السياسية" لم تكن نتاجاً طبيعياً لماضيهم، بل صيغت بشكل حاسم خلال التفاعل بين القوى الاستعمارية والخطابات الأكاديمية في القرن العشرين.

4.'اذهب إلى دمشق يا بني': التحولات الديموغرافية للعلويين في ظل حكم حزب البعث - فابريس بالانش79–106▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل التحوّلات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدتها الطائفة العلوية في سوريا تحت حكم حزب البعث، ويقدّم إجابة واضحة: إن صعود العلويين من تهميش جبلي إلى هيمنة على الدولة، ثم تراجع قاعدتهم الديموغرافية النسبية، هو ما جعل نظام الأسد هشاً على المدى البعيد، رغم نجاحه في البقاء بدعم خارجي.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من العهد العثماني، حيث يُظهر أن العلويين كانوا طائفة مهمشة تعيش في عزلة بجبال اللاذقية (جبل الأنصارية)، ومحرومة من الاستقرار في المدن أو المراكز الحضرية. يذكر الفصل أنه في منتصف القرن التاسع عشر، أدّت النزاعات الداخلية وشحّ الموارد إلى نزوح بعض العلويين نحو سهول حمص وحماة، حيث عملوا كمزارعين مستأجرين في أراضٍ يملكها سنّة ومسيحيون.

مع انهيار الدولة العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي، أنشأ الفرنسيون في عام 1920 "دولة العلويين" بهدف حماية الطائفة من هيمنة الأغلبية السنية. يركز الفصل على مفارقة جوهرية: رغم أن هذه الدولة صُممت نظرياً لتتطابق مع الحدود الديموغرافية للعلويين، إلا أن السلطة السياسية والاقتصادية بقيت في أيدي النخبة السنية والمسيحية في المدن. يورد الفصل أرقاماً دالة من تعداد 1935، حيث كان العلويون يشكلون ثلثي سكان الدولة العلوية، لكنهم لم يمثلوا سوى 3% من سكانها الحضر. ففي مدينة اللاذقية (عدد سكانها 31,800 نسمة)، كان العلويون 500 نسمة فقط (1.6%). وبحلول عام 1947، ارتفعت نسبتهم إلى 7.8% في المدينة نفسها، مما يشير إلى بداية التحضر، لكن الفقر كان سائداً؛ يُوصف حي رمل الشمالي العلوي بأنه كان بلا كهرباء أو ماء أو خدمات.

يصف الفصل الجيش الفرنسي، وتحديداً "القوات الخاصة للمشرق"، بأنه كان طريق الترقية الاجتماعية للعلويين الفقراء والأميين. هذا التمثيل المفرط للعلويين في الجيش يفسر، حسب الكاتب، هيمنتهم على اللجنة العسكرية لحزب البعث بعد انقلاب 1963. ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، تمت أَسْلَمَة هذا التمثيل المفرط في أجهزة المخابرات والوحدات العسكرية الرئيسية.

يشرح الفصل كيف أن سياسات حزب البعث، وخاصة الإصلاحات الزراعية، سرّعت هجرة العلويين من الجبل. فتجفيف مستنقعات سهل الغاب عام 1968 وبناء سدود على نهر العاصي خلق فرص عمل في السهول، مما دفع آلاف العائلات العلوية للنزوح إليها. يصف الكاتب هذه المرحلة بأنها "نزول العلويين من الجبل"، وهو انتقال ديموغرافي كبير.

الجزء الأكثر حسماً في التحليل هو الربط بين هذا التحول وديناميكيات السلطة. يستعير الكاتب نظرية ابن خلدون عن العصبية، والتي طبقها ميشال سورات على النظام السوري. فحسب هذه النظرية، الجيل الأول يمسك بالسلطة بقوة (عصبية حافظ الأسد)، والجيل الثاني يحافظ عليها (بشار الأسد)، أما الجيل الثالث فيضعفها. يرى المؤلف أن سياسة المحسوبية الطائفية التي انتهجها حافظ الأسد لتمكين العلويين وخلق كوادر موالية، أنتجت على المدى الطويل قاعدة دعم ديموغرافية غير كافية.

يخلص الفصل إلى أن ضعف النظام الحالي لا يعود فقط إلى القمع، بل إلى "التفوق الاجتماعي الحصري" للعلويين، مما جعلهم أقلية مميزة لكنها معزولة. فمع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كشفت الشعارات الطائفية (مثل "يا علوي يا مسيحي، احنا بدنا الحرية" أو "العلويين للقبر والمسيحيين لبيروت") عن هوة عميقة. هذا الخوف من الاضطهاد و"التطهير العرقي" عزز دعم العلويين للأسد، لكنه في الوقت نفسه جعل النظام يعتمد على قاعدة ضيقة وغير قابلة للتوسع. يذكر الكاتب أن بشار الأسد نجح في الحفاظ على السلطة بدعم من روسيا وإيران، لكنه يطرح تساؤلاً مفتوحاً عن ثمن ذلك على الدولة السورية ككل.

باختصار، يحتوي الفصل على حجة قابلة للنقاش بشكل واضح: أن نجاح سياسات التمكين العلوي هو الذي أدى إلى ضعف النظام على المدى الطويل، وليس فشلها. هذه الفكرة تُلقي بثقلها على التحليل السياسي وتطرح تساؤلاً جدلياً حول ما إذا كانت الحلول قصيرة المدى للسيطرة على الدولة تُنتج حتماً هشاشة طويلة المدى.

5.علويو سوريا وحزب البعث - ريموند هينبوش107–124▼ résumé

ملخص الفصل: «علويو سوريا وحزب البعث» – ريموند هينبوش

يُركّز هذا الفصل على التحوّلات الديموغرافية والمكانية والاجتماعية التي شهدتها الطائفة العلوية في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: كيف تمكّن النظام السوري بقيادة حافظ الأسد من تأمين ولاء الطائفة العلوية وتحويلها من أقلية ريفية مهمّشة إلى العمود الفقري للدولة، وما العواقب التي ترتّبت على هذا التحوّل في سياق الأزمة السورية؟ يوضح المؤلف أن هذه التحوّلات لم تكن عفوية، بل نتاج سياسات ممنهجة من إعادة توزيع الأراضي، والتوسّع العمراني، والتوظيف في القطاع العام، والتعليم، والتجنيد العسكري، وهي سياسات خلقت في النهاية تناقضات داخلية أضعفت قدرة النظام على الصمود.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبّع الموجات المتعاقبة للهجرة العلوية من جبل العلويين إلى المدن الساحلية الكبرى مثل اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة، ثمّ إلى دمشق. يبدأ بوصف التغيير الجذري في المشهد الديموغرافي للمنطقة الساحلية، حيث استولى النظام على الأراضي الزراعية الشاسعة التي كانت بيد النخبة السنية والمسيحية في ستينيات القرن العشرين، وأعاد توزيعها على الفلاحين العلويين. كان الهدف المزدوج لهذه السياسات هو تأمين دعم الطائفة العلوية من خلال فرص ملموسة للتنمية والترقية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تقويض المجتمعات السنية والكردية التي كانت تقف في وجه حكم حافظ الأسد.

بحلول الثمانينيات، أصبح العلويون يشكّلون الأغلبية في المدن الساحلية الأربع الكبرى (اللاذقية، جبلة، بانياس، طرطوس)، وتحوّل الساحل السوري بأكمله إلى إقليم علوي ممتدّ من الحدود التركية إلى اللبنانية ومن الساحل إلى سهل الغاب. ففي عام 2010، تجاوز عدد سكان اللاذقية 400 ألف نسمة، كان حوالي 50% منهم من العلويين و40% من السنّة و10% من المسيحيين. أما طرطوس، فشهدت زيادة عشرة أضعاف في عدد سكانها بين عامي 1960 و2010، من 15 ألف نسمة فقط إلى ما يقرب من 150 ألف نسمة، حيث بلغت نسبة العلويين فيها حوالي 80%. وقد تمّ تعزيز هذا التغيير بدمج مناطق علوية مجاورة في البلديات، مثل بسندة ودمسخو في اللاذقية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى دمشق، مسلّطاً الضوء على الهجرة العلوية الكبيرة إليها تحت شعار "اذهب إلى دمشق يا بني!"، وهي عبارة أصبحت نكتة شامية شائعة تصف حرص الأمهات العلويّات على إرسال أبنائهنّ إلى العاصمة بحثاً عن عمل. ففي عام 1945، لم يكن في دمشق أكثر من 4200 علوي، أمّا اليوم فيقترب عددهم من نصف مليون نسمة. لقد عزّز حافظ الأسد سيطرته على العاصمة بإحاطتها بحزام من المنشآت العسكرية والإسكان للضباط، حيث كان العلويون يشكّلون الأغلبية بسبب تمثيلهم المفرط في الجيش. ظهرت أحياء علوية غير رسمية مثل المزة، بالإضافة إلى تجمّعات في ضواحٍ مثل جرمانا وصحنايا، حيث كان العلويون أكثر قبولاً من قبل الطائفتين الدرزية والمسيحية مقارنة بالأحياء السنية المحافظة مثل دوما وحرستا وداريا.

يشرح الفصل كيف استغلّ النظام موارده لتعزيز التضامن العلوي (العصبية) عبر توجيه الوظائف في القطاع العام بشكل شبه حصري للعلويين. فبعد انقلاب 1963، كان العلويون في المناصب الإدارية يعيّنون أقاربهم من القرى المجاورة. ومع توسّع الدولة، أصبحت المؤهلات التعليمية شرطاً للتوظيف، لكنّ العلويين ظلّوا في موقع امتياز بفضل علاقاتهم السياسية. بحسب إحصاء 2004، كان أكثر من 80% من العلويين العاملين يعملون في الجيش أو الصناعة المملوكة للدولة أو القطاع العام. في اللاذقية، بلغت نسبة الذكور العلويين العاملين في القطاع العام 81%، مقارنة بـ57% من المسيحيين و44% من السنّة. وفي طرطوس، كانت النسبة 39.5%، وهي أعلى بكثير من المتوسط الوطني البالغ 26.9%. تعكس هذه الأرقام الطابع النيو-باتريمونيالي للنظام، حيث تمّ استغلال موارد الدولة كمكافأة للولاء.

يتناول الفصل أيضاً "المفارقة الديموغرافية": فالسياسات التنموية التي حسّنت مستوى التعليم وخفّضت معدّلات الأميّة بين العلويين، أدّت في الوقت نفسه إلى انخفاض حادّ في معدّلات الخصوبة. ففي عام 1960، كانت نسبة الأميّة بين سكان اللاذقية ممن هم في سن الخامسة عشرة وما فوق 60%، وهي قريبة من المتوسط الوطني. بحلول عام 2004، انخفضت الأميّة في اللاذقية وطرطوس إلى 10.7% و12.4% على التوالي، أي أقلّ من المتوسط الوطني (17.5%). كما ارتفعت نسبة حملة الشهادات الجامعية من 1.8% في اللاذقية عام 1981 إلى 6.3% عام 2004، وهي النسبة الثانية على المستوى الوطني بعد دمشق. وقد انعكست هذه القفزة التعليمية على الخصوبة: ففي غضون جيلين، انخفض متوسط عدد الأطفال لكل أسرة علوية من 8 إلى 2. ويعزو المؤلف هذا الانخفاض أيضاً إلى الثقافة العلوية الأكثر علمانية وانفتاحاً، والتي تسمح للمرأة بمتابعة التعليم والعمل، ممّا يؤخّر الزواج والإنجاب.

في المقابل، استمرّت معدّلات النمو الديموغرافي في المناطق السنية مرتفعة جداً، متجاوزة 3% سنوياً في أجزاء واسعة من الهلال السني الممتد من حمص والرقة وحلب إلى دير الزور. وتشير بيانات التعداد بين 1994 و2004 إلى ازدياد الفجوة: ففي مناطق بانياس، انخفض النموّ العلوي إلى 1.6% سنوياً، بينما كان النموّ الإجمالي للمنطقة مرتفعاً بفضل الخصوبة السنية. هذا التباين جعل السنّة يدركون تزايد ثقلهم العددي، ممّا غذّى احتجاجاتهم ضدّ احتكار العلويين للوظائف العامة، كما حدث في بانياس نفسها حيث اندلعت مواجهات عنيفة في ربيع 2011 اتّهم فيها العلويون بالسيطرة على وظائف محطّة الكهرباء ومصفاة النفط.

في القسم الأخير من الفصل، يربط المؤلف هذه التحوّلات الديموغرافية بالصراع العسكري. فمع اندلاع الانتفاضة في 2011، شهدت المنطقة الساحلية موجات عنف ومذابح ضدّ المدنيين العلويين في قرى مثل أروامو ومعان، وردّ علويو النظام بوحشية. لكنّ حقيقة أنّ القاعدة البشرية العلوية تشيخ وتتقلّص، بينما تتوسّع قاعدة السنّة، تطرح أزمة حادة للنظام. فالجيش العربي السوري، الذي يعتمد على المجنّدين العلويين في وحدات النخبة (الفرقة الرابعة، سلاح الجو)، بدأ يعاني من نقص في القوى البشرية. هرب ضبّاط سنّة بارزون مثل الملازم عبد الرزاق طلاس والجنرال مناف طلاس، ممّا أثبت عدم موثوقية الوحدات السنية في تنفيذ هجمات كبيرة. نتيجة لذلك، لم يستخدم النظام هذه الوحدات في هجماته الرئيسية، واضطرّ للاعتماد بشكل متزايد على مقاتلين خارجيين من حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية، بالإضافة إلى تجنيد إجباري للعلويين في الساحل (جميع الذكور بين 20 و40 عاماً).

أخيراً، يلاحظ الفصل ظاهرة "العودة إلى المستقبل": فمع تصاعد العنف، هرب عشرات الآلاف من العائلات العلوية من المدن الكبرى (حلب، دمشق) إلى قرى جبل العلويين ومنطقة الساحل، ملتجئين إلى المدن الصغيرة مثل صافيتا والقرداحة ودريكيش. هذه ليست المرة الأولى التي يتراجع فيها العلويون إلى جبالهم خوفاً من الاضطهاد؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين، هاجر علويو حلب بأعداد كبيرة بعد انتفاضة الإخوان المسلمين. يعتبر الساحل الآن الملاذ الآمن الوحيد للطائفة، حيث يستضيف حوالي مليون نازح داخلي، منهم سنّة أيضاً، لكنّ العلويين لا يرون لأنفسهم مكاناً آخر في سوريا.

في خاتمته، يطرح الفصل استنتاجاً "نيو-خلدونياً": فسياسات حافظ الأسد التنموية التي سرّعت التحوّل الديموغرافي للعلويين – عبر التمدّن، والتعليم، وانخفاض الخصوبة، والانسحاب من المدن الكبرى – كانت الهدف منها تعزيز دعم الطائفة، لكنّها في النهاية أضعفت قدرة بشار الأسد على البقاء في الصراع. لقد حوّلت هذه السياسات الطائفة العلوية، في أقلّ من نصف قرن، من فلاحين أميّين بلا أرض إلى عمود الدولة، لكنّ هذا التحوّل جاء بتكلفة باهظة تمثّلت في استنزاف قاعدتها البشرية وزيادة عزلة النظام.

6.معضلة العلويين لدى جماعة الإخوان المسلمين السوريين - رافاييل لوفيفر125–140▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل العلاقة المعقدة والمتوترة بين طائفة العلويين والدولة السورية في ظل حكم حزب البعث، مركّزاً على المفارقة الأساسية التي يعيشها النظام: إذ يعتمد بقاؤه على دعم أقلية علوية متماسكة، لكن نجاح سياسات الانماء والتجنيد جعل هذا الدعم هشّاً ومصدر ضعف على المدى الطويل. يطرح الكاتب فكرة أن النظام أصبح رهينة لنجاحاته السابقة، حيث حوّل العلويين من جماعة مهمشة وفقيرة إلى عمود السلطة، لكن هذا التحول جعل استمراريته مرهونة بولاء أقلية ضئيلة العدد.

يسير الفصل خطوة خطوة في تتبع مسار العلويين، مستخدماً مزيجاً من التحليل التاريخي والاجتماعي والسياسي. يبدأ بمرحلة ما قبل قيام الدولة السورية، حيث كانت الطائفة العلوية تشكّل أقلية مضطهدة دينياً واجتماعياً، متركزة في جبالها، وتعاني من الفقر والتهميش. ويصف الكيفية التي ساهمت بها سياسة الانتداب الفرنسي في تعزيز الوعي الطائفي بفصلها في كيان حكم خاص وتجنيد أبنائها في الجيش، مما خلق وصمة عار بالتعاون مع المستعمر في نظر السنة.

ينتقل بعدها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، مسلطاً الضوء على التحولات الطبقية. فمع تطور الرأسمالية الزراعية، هاجر العلويون الفقراء إلى سهول حماه وحمص كعمال زراعيين موسميين، مما جعلهم جماعة قابلة للتجنيد السياسي من قبل الأحزاب الثورية، وفي مقدمتها حزب البعث. كانت العلمانية والقومية العربية جسراً للعلويين للاندماج في المجتمع الوطني كمواطنين متساوين، بعيداً عن هويتهم الدينية، كما يوضح دور مؤسس الحزب ميشيل عفلق (مسيحي) في جعله صديقاً للأقليات.

ثم يشرح الفصل كيف صعد العلويون داخل حزب البعث، خاصة بعد انفصال الوحدة مع مصر (1961). مع تراجع القاعدة الحضرية للحزب بسبب الصراعات، أصبحت قوته الأساسية من الريف، ومن خريجي الكلية الحربية الذين كان العلويون يشكلون نسبة كبيرة منهم (60% وفقاً للمؤرخ حنا بطاطو). هذا الجيش العلوي الريفي، إلى جانب "اللجنة العسكرية"، كان الأداة التي استولت على السلطة في انقلاب 1963.

يوضح الفصل صراعات ما بعد الانقلاب داخل البعث، وكيف أن عدم الاستقرار الأمني دفع الفصائل إلى بناء تحالفات على أساس طائفي ومناطقي، مما عزز الهيمنة العلوية مع كل جولة تطهير. ويصل ذروة هذا التحليل في مرحلة حكم حافظ الأسد الذي بنى نظاماً "نيو-باتريمونيالياً" (قائماً على المحسوبية)، قوامه "جماعة" علوية من أقاربه وأتباعه في مراكز الأمن والجيش الحساسة، مثل رفعت الأسد وعلي دوبا ومحمد الخولي، مع إبقاء توازن طائفي ظاهري عبر إشراك سنة في المناصب العليا والوزارية.

يبحث الفصل بعدها في المفارقة التي خلقتها سياسات الأسد: من جهة، تطورت الطائفة علوية وظهرت فيها برجوازية وطبقة وسطى متعلمة ومستفيدة من القطاع العام. ومن جهة أخرى، تعمّقت الانقسامات الطبقية داخل الطائفة بين نخبة "البارونات" الأغنياء (الذين تحالفوا مع برجوازية دمشق السنية) وجمهور العلويين الفقراء في الريف والأرياف، الذين بقوا مخلصين للنظام من خلال شبكات المحسوبية والوظائف الأمنية. هذا الولاء لم يمنع أن تصبح الطائفة قوة محافظة تدافع عن الوضع القائم خوفاً من تحرير الاقتصاد الذي قد يعيد السيطرة للسنة.

يُخصّص الفصل حيزاً مهماً لانتفاضة الإخوان المسلمين (1976-1982)، معتبراً أنها لحظة حاسمة. يصف كيف استغل الإخوان الصراع الطائفي وأعلنوا الجهاد ضد حكم العلويين "الكفار"، وشنوا هجمات اغتيال وتخريب استهدفت النخبة العلوية. مجزرة كلية المدفعية في حلب (1979) التي راح ضحيتها أكثر من 50 ضابطاً علوياً، هي مثال رئيسي استخدمه الكاتب لتوضيح كيف ألهبت التصعيد الطائفي المشاعر. رد النظام بوحشية غير مسبوقة، وبلغ ذروته باقتحام حماة. ويرى الفصل أن بقاء النظام جاء بسبب التماسك العلوي وتنظيمهم الأمني، وانقسام المجتمع السني نفسه، حيث ظل الفلاحون السنة موالين للبعث خوفاً من إلغاء الإصلاح الزراعي، وبقيت برجوازية دمشق مخلصة للأسد بسبب مصالحها الاقتصادية.

أما عن عهد بشار الأسد، فيركز الفصل على إضعافه المتعمد لركيزتي النظام: حزب البعث والطائفة العلوية. لإفساح المجال للإصلاحات النيوليبرالية، قلّص بشار نفوذ الحزب وجرّد الفلاحين السنة من مكتسباتهم، مما أفقد النظام قاعدته العريضة وجعله أكثر اعتماداً على العائلة الضيقة (آل الأسد ومخلوف). وفي الوقت نفسه، أفقدته سياساته اتصاله بالعلويين العاديين، إذ انقطعت الصلة بين النخبة العلوية الجديدة (التي انشغلت بالثراء السريع والاندماج مع البرجوازية السنية) وجماهير الطائفة الفقيرة. ويذكر الفصل تهميش غازي كنعان (أبرز بديل علوي للأسد) وانتحاره المفترض، وتهميش آصف شوكت، كأمثلة على التصدعات داخل النواة العلوية.

يعترف الفصل بحدوده وتحفظاته، إذ يقر بأن التحليل الطائفي لا يفسر كل شيء، وأن الهويات في سوريا متعددة ومتداخلة، وأن الاصطفافات كانت غالباً عابرة للطوائف، كما حصل في انقلابي 1966 و1970. كما يقر بأن نجاح النظام في الصمود أمام ثورة 2011 يعود جزئياً إلى دعم دولي وتفوق عسكري، وليس فقط إلى التماسك الطائفي. ويترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل التوازن الديموغرافي بعد أن تكبد العلويون خسائر بشرية فادحة (حوالي 60,000 قتيل) وتراجع معدلات الإنجاب.

في نهاية المطاف، يقدم الفصل حجّة قابلة للنقاش، مفادها أن نجاح النظام في بناء دولة مركزية قوية، والارتقاء بالطائفة العلوية، هو نفسه ما جعله هشّاً. فالنظام لم يعد يمثل دولة لكل السوريين، بل أصبح أقرب إلى "مليشيا دولة" تعتمد على ولاء أقلية خائفة، مما جعله غير قادر على استيعاب التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون اللجوء إلى العنف، وهو ما أثبتته انتفاضة 2011 والحرب الأهلية التي تلت.

7.التنوع والتضامن العلوي: من الساحل إلى الداخل - ليون ت. غولدسميث141–158▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل من كتاب "علويو سوريا: الحرب والإيمان والسياسة في المشرق" العلاقة المعقدة والمتطورة بين الطائفة العلوية والنظام السوري، مروراً بالحزب الواحد والانتفاضة الشعبية، وصولاً إلى الحرب الأهلية. يركّز الفصل بشكل خاص على تحول هذه العلاقة من اندماج طائفي تحت راية البعث إلى هوية طائفية دفاعية في مواجهة تهديد وجودي.

يبدأ الفصل بتتبع الجذور التاريخية لهذه العلاقة. فبعد صعود حزب البعث إلى السلطة في 1963، وجد العلويون، الذين كانوا يمثلون أقلية فقيرة ومهمشة، في الحزب والجيش وسيلتين للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذا التغلغل لم يكن مجرد طموح فردي، بل تحول بمرور الوقت إلى شبكة محسوبية وولاءات عشائرية، خاصة في عهد حافظ الأسد. مع ذلك، لم تكن العلاقة نعمة مطلقة. فبينما حظيت النخبة العلوية بامتيازات، ظلّت الغالبية العظمى من العلويين العاديين تعيش في فقر وتهميش في الريف الساحلي، مما خلق توتراً خفياً بين المجتمع والنظام.

يتناول الفصل تحولاً جوهرياً في عهد بشار الأسد، حيث أدت سياسات التحرير الاقتصادي إلى إثراء برجوازية حضرية جديدة، وإهمال الجيش والمناطق الريفية التي كانت معقلاً للعلويين. يشير الفصل إلى أن مظاهرات اللاذقية في أكتوبر 2007 كانت مؤشراً على هذه الضغوط، إذ خرج العلويون أنفسهم للتظاهر ضد تردي أوضاعهم، مما يدل على أن النسيج الاجتماعي الذي كان يدعم النظام بدأ يتصدع.

عند اندلاع الانتفاضة السورية في 2011، يوضح الفصل أن الشرارة الأولى لم تكن طائفية بقدر ما هي احتجاج على الفساد والقمع، وانطلقت من مناطق سنية فقيرة مثل درعا. في البداية، كان بعض العلويين الليبراليين يقفون مع المحتجين. لكن الأمور أخذت منحى مختلفاً حين لجأ النظام إلى الحل الأمني والقمع العنيف، مما دفع المعارضة نحو التطرف والعسكرة. يُظهر الفصل كيف قام النظام بتجنيد "الشبيحة" الميليشيات العلوية، وصوّر الصراع على أنه حرب وجودية ضد "الإرهاب التكفيري"، مما دفع العلويين إلى الالتفاف حوله خوفاً على بقائهم، خاصة مع تصاعد الخطاب الطائفي من جهات مثل الشيخ عدنان العرعور. يصبح التطرف الطائفي هنا حلقة مفرغة: كلما زاد عنف النظام، زاد تطرف المعارضة، وكلما زاد تهديد المعارضة للطائفة العلوية، زاد تمسكها بالنظام.

يختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه الحرب خلقت قطيعة هوياتية. فبينما تخلّى العلويون عن الخطاب القومي العربي لصالح هوية "سورية" ترتبط بالدولة، تخلّت المعارضة عن الهوية السورية العلمانية لصالح هوية إسلامية فوق وطنية تغذيها التمويلات والخطابات السلفية من الخليج. نتيجة هذه الديناميكية، أصبحت الطائفة العلوية رهينة للنظام، والنظام رهيناً لبقائها، مما يجعل أي حل سياسي مستقبلي أمراً بالغ الصعوبة.

ملاحظة (رأي يحتمل النقاش): يقدّم الفصل تحليلاً مقنعاً للطابع الديناميكي للهوية العلوية، بعيداً عن الصورة النمطية الثابتة. لكن يمكن القول إن الفصل يركز بشكل كبير على دور "الخوف الوجودي" كمحرّك لسلوك العلويين، مما قد يقلل من وزن عوامل أخرى مثل المصالح الاقتصادية الفردية للنخبة الحاكمة أو ضعف الإرادة السياسية لدى المجتمع العلوي لتشكيل موقف مستقل عن النظام. هذه القراءة، رغم دقتها، قد تُبسّط تعقيد المشهد السياسي السوري الذي لا يمكن اختزاله في ردود فعل طائفية بحتة.

8.المحسوبية والزبائنية في اقتصاد السوق الاجتماعي لبشار - آلان جورج159–180▼ résumé

هذا ملخص أمين للفصل الثامن "المحسوبية والزبائنية في اقتصاد السوق الاجتماعي لبشار" للكاتب آلان جورج، وهو جزء من كتاب "The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant" لـ Michael Kerr و Craig Larkin. يركّز الملخص على الأفكار الرئيسية والحجج والأمثلة الواردة في النص، بأسلوب مباشر وموجز.

يتناول الفصل المحوري موضوع التناقض الظاهري في هوية العلويين في بلاد الشام، إذ هم مجموعة شديدة التنوع والتشرذم، لكنهم أظهروا تضامناً كبيراً أثناء الانتفاضة السورية التي بدأت في مارس 2011. يقدّم الكاتب إجابة تفسيرية لهذا التناقض من خلال تقسيم الطائفة جغرافياً إلى فئتين عريضتين: علويو الساحل و علويو الداخل. فالأولون هم سكان المعقل الجغرافي التاريخي للطائفة الممتد من شمال لبنان عبر الساحل السوري إلى جنوب تركيا، والثانيون هم من يعيشون خارج هذا المعقل في المدن السورية الداخلية مثل حمص و حماة و دمشق و حلب. يرى الكاتب أن التنوع في الهوية العلوية هو متغير إيجابي يدمجهم في المجتمع السوري الأوسع، بينما التضامن العلوي هو متغير سلبي نابع من مخاوف تاريخية كامنة تجاه الأغلبية السنية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع تاريخي وجغرافي للطائفة. يبدأ بشرح كيف أن تركيز العلويين في المناطق الساحلية والجبلية في شمال غرب سوريا هو نتيجة لتهميشهم التاريخي من المجتمع الإسلامي السائد، بدءاً من الاضطهاد العباسي في القرن العاشر الذي نُقلوا إثره من بغداد إلى أطراف بلاد الشام. ثم يصف "الفترة الذهبية" التي تلتها حتى أواخر القرن الحادي عشر، والتي انتهت بوصول السلاجقة الأتراك السنة، مما دفع العلويين للانسحاب إلى جبال الساحل. بعد قرون من العزلة النسبية، بدأت الطائفة في توسيع آفاقها الاجتماعية والسياسية تدريجياً بين عامي 1830 و 1970، مدفوعة بتعزيز التعليم وفرص العمل، خاصة في المجال العسكري. وبلغ هذا الصعود ذروته بوصول حافظ الأسد العلوي إلى رئاسة سوريا في عام 1970، مما شكل نقلة نوعية للعلويين العاديين. لكن هذا الانتقال لم يكن آمناً تماماً بسبب الصراع بين النظام السوري والإخوان المسلمين بين 1976 و 1982، مما أعاد إحياء مخاوف العلويين وجعلهم عرضة للتجنيد كدعامة للنظام.

يحلل الفصل أربعة مصادر رئيسية للتنوع داخل الطائفة العلوية. أولاً، التضاريس والاتصال، حيث أدت الطبيعة الوعرة لجبل الساحلية إلى تجزئة الطائفة إلى عشائر وقبائل مختلفة على مر القرون، مما حال دون فرض أي فرد أو مجموعة سيطرتها على الطائفة بأكملها. ثانياً، الهوية والامتياز القبلي، حيث كانت القبيلة المصدر الأساسي للهوية حتى القرن العشرين، وأدى صعود قبيلتي الكلبية و الحدادين في ستينيات القرن الماضي، اللتين أنتجتا صلاح جديد و حافظ الأسد، إلى هيمنتهما على النخبة الحاكمة، مما خلق تفاوتاً في الفرص بين العلويين. ثالثاً، الانقسامات الوطنية، حيث قسمت الحدود السياسية لثلاث دول (لبنان، سوريا، تركيا) الطائفة بين عامي 1920 و 1939، مما أضاف طبقات من الهوية الوطنية (لبنانية، سورية، تركية) تختلف في تأثيرها على العلويين، حيث يميل العلويون اللبنانيون إلى إبراز هويتهم الطائفية، بينفض العلويون السوريون إلى إخفائها، ويتجه العلويون الأتراك نحو الاندماج في الثقافة التركية مع فقدان اللغة العربية. رابعاً، عدم المساواة بين العلويين، حيث تزايدت الفجوة الاقتصادية بين النخبة العلوية المقربة من النظام وعامة العلويين، خاصة بعد انتقال السلطة إلى بشار الأسد في عام 2000 وسياساته الاقتصادية "الاشتراكية السوقية"، مما أدى إلى تركيز هائل للثروة في أيدي أفراد مثل رامي مخلوف، بينما عانى العلويون العاديون من الجفاف والإهمال.

يخلص الفصل إلى أن ردود فعل العلويين على الانتفاضة كانت متنوعة، لكنها تقاربت نحو التضامن الطائفي. يناقش الفصل أن علويي الساحل أظهروا ولاءً قوياً للنظام منذ البداية، معبرين عنه في مظاهرات تأييد مثل تلك التي جرت في 26 مارس 2011 في اللاذقية. في المقابل، كان علويو الداخل، مثل سكان دمشق و حمص، الأكثر احتمالاً للتعاطف مع المعارضة أو على الأقل التردد في دعم النظام، كما يتجلى في مشاركة البعض في احتجاجات ساحة الساعة في حمص وتشكيل "حزب الحداثة والديمقراطية" الذي ضم علويين من منطقة حماة في مؤتمر أنطاليا في 1 يونيو 2011. لكن سرعان ما تلاشت هذه الاختلافات بسبب المخاوف الأمنية. يورد الكاتب مثالاً على ذلك أن العديد من علويي الداخل بدأوا يشعرون بأنهم أكثر عرضة للخطر من نظرائهم على الساحل، خاصة بعد أن وصل عدد القتلى من العلويين في قوات الأمن إلى حوالي 11,000 بحلول منتصف 2013. كما أن تحول الاحتجاجات إلى حرب أهلية، وظهور جماعات متطرفة مثل جبهة النصرة و الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، عزز قناعة الكثيرين بصحة رواية النظام عن الخطر الإرهابي، مما دفعهم إلى دعمه ضمناً على الأقل.

يعترف الفصل بوضوح بصعوبة تحديد علاقة واضحة بين ردود فعل العلويين المختلفة وظروفهم الجغرافية أو الاجتماعية. يشير إلى أن علويي الداخل المتمدنين، رغم أنهم كانوا الأكثر احتمالاً للتعاطف مع المعارضة في البداية، إلا أن ضعف ارتباطهم بالنظام جعلهم يشعرون بضعف وانكشاف أكبر عندما تحولت الانتفاضة إلى نزاع طائفي. هذا التناقض بين التنوع والتماسك هو جوهر تحليل الكاتب، حيث يرى أن التهديد باضطهاد سني محتمل هو العامل الموحّد الأقوى. يمكن القول، بناءً على الحجج المقدمة، أن الفصل يطرح سيناريو مقلقاً للعلويين، وهو أن النضال من أجل الحفاظ على نظام الأسد سيؤدي إلى تصعيد الطائفية والحرب الأهلية والتطرف الديني، مما قد يعكس عملية التنوّع والاندماج الطويلة التي شهدتها الطائفة في سوريا، ويدفعها إلى الانسحاب الاجتماعي والمكاني مرة أخرى إلى معقلها الساحلي.

9.علويو طرابلس: الهوية والعنف والجغرافيا السياسية الحضرية - كريغ لاركين وأوليفيا ميدها181–206▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل أوضاع الطائفة العلوية في مدينة طرابلس اللبنانية، مركزاً على هويتها المتنازع عليها وعنفها الحضري وجغرافيتها السياسية. يقدّم المؤلفان، كريغ لاركين وأوليفيا ميدها، إجابة أساسية مفادها أن حي جبل محسن العلوي ليس مجرد ساحة معركة بالوكالة عن الحرب في سوريا، بل هو "مسرح حرب" مستقل بذاته، له مظالمه المحلية وصراعاته السياسية وتوتراته الداخلية التي تعود لعقود. يرى الفصل أن استمرار العنف بين جبل محسن وجاره السني باب التبانة يعود إلى فشل الدولة اللبنانية بقدر ما يعود إلى تدخل القوى الإقليمية، وأن مستقبل الاستقرار يعتمد على معالجة التفاوت الاقتصادي والسيطرة على الأجهزة الأمنية.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه القضية المعقدة. يبدأ بتقديم جبل محسن كجيب علوي محاصر على قمة تل، يعيش فيه أقل من 10% من سكان طرابلس البالغ عددهم نصف مليون نسمة. يشرح كيف أن الاعتماد التاريخي على نظام الأسد العلوي في سوريا، والتواطؤ العسكري مع القوات السورية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والدعم الحالي لـبشار الأسد في الحرب السورية، يغذي المظالم والعداوات. ثم يستعرض تاريخ العنف الدوري منذ مايو 2008، والذي أدى إلى أكثر من 20 جولة قتال، و170 حالة وفاة، ومئات الإصابات. يصف الفصل ذروة العنف في أغسطس 2013 عندما استهدف تفجيرا سيارة مفخختان مسجدي التقوى والسلام خلال صلاة الجمعة، مما أدى إلى اتهام علويين من جبل محسن، بمن فيهم رئيس الحزب العربي الديمقراطي علي عيد، وأشعل موجة انتقامية ضد الطائفة.

ينتقل الفصل بعدها إلى مناقشة الأبعاد المكانية والسياسية للصراع. يصف خطة أمنية عسكرية نُفذت في أبريل 2014 ونشرت 1,400 عنصر من قوى الأمن الداخلي والجيش، مما أدى إلى مصادرة الأسلحة واعتقال أو اختفاء قادة ميليشيات. لكنه يلاحظ أن الهدنة هشة، ولا تزال التوترات والتدهور الاقتصادي قائمين، حيث يعيش أكثر من 63% من السكان تحت خط الفقر. يرفض الفصل التفسير الإعلامي السائد بأن العنف هو مجرد امتداد للحرب السورية، ويؤكد بدلاً من ذلك على دور الفاعلين المحليين والمظالم المتراكمة، مستشهداً بتدفق أكثر من مليون لاجئ سوري إلى لبنان، من بينهم 62,000 مسجل في طرابلس وحدها.

يتعمق الفصل في تاريخ الطائفة العلوية في لبنان. يذكر أن العلويين حصلوا على اعتراف رسمي كطائفة دينية بموجب المعاهدة اللبنانية الفرنسية عام 1936، وأن تعداد 1932 أظهر أنهم يشكلون أقل من 1% من السكان. يناقش الفصل حالة عدم اليقين الديموغرافي، مشيراً إلى محاولات سياسية لتعزيز أعدادهم، مثل مرسوم التجنيس الرئاسي عام 1994 الذي منح الجنسية لنحو 8,000 علوي. كما يذكر أن أعداداً كبيرة من العلويين غيروا هويتهم الدينية إلى سنة أو شيعة للحصول على وظائف أو لتسهيل الاندماج، وأن تسجيل الناخبين العلويين في طرابلس انخفض من 15,224 عام 2009 إلى 14,565 عام 2013. على الرغم من ذلك، تظهر استطلاعات أن معظم سكان جبل محسن ملتزمون بالبقاء والصمود، حيث يختار 90% منهم إصلاح منازلهم المتضررة بدلاً من الانتقال، و89% يشعرون بأمان أكبر داخل الحي مقارنة بخارجه، وهو ما يعزوها الفصل إلى الفقر المدقع وقلة البدائل الاقتصادية.

يختتم الفصل بتحليل القوة السياسية للطائفة، والتي تتركز في الحزب العربي الديمقراطي برئاسة علي عيد. ينشأ الحزب من حركات يسارية علوية في ستينيات القرن العشرين، وتلقى دعماً عسكرياً وسياسياً من سوريا منذ تدخلها في لبنان عام 1976. يوضح الفصل كيف تحول الحزب من نشاط مدني إلى تعبئة مسلحة بعد نزوح العلويين من جبل محسن في عام 1976 إثر اشتباكات مع حركة فتح وتيارات إسلامية، حيث شكلت صدمة الطرد هذه أساساً للاستياء والرغبة في الانتقام المسلح.

يقر المؤلفان بحدود التحليل، مشيرين إلى أن التركيز على الطائفية والصراع السوري في الخطاب الإعلامي والأكاديمي يخفي في كثير من الأحيان التاريخ المعقد لاندماج العلويين والتواطؤ اللبناني في الصراع. يتركان أسئلة مفتوحة حول مستقبل الاستقرار، مؤكدين أن الحل يعتمد على تنسيق وثيق ومركزي بين أجهزة الاستخبارات اللبنانية المتداخلة، والالتزام السياسي بالاستثمار الاقتصادي في الأحياء الفقيرة، دون ذلك، ستظل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية قابلة للاستغلال من قبل "قادة الأزقة" وفروع الاستخبارات المتنافسة والشيوخ المتطرفين والنخب السياسية. في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش، مفادها أن الصراع في طرابلس ليس مجرد انعكاس للحرب في سوريا، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل المحلية والإقليمية، وأن الحلول الأمنية وحدها غير كافية دون معالجة جذرية للفقر والتهميش.

10.ملاحقة الأشباح: ظاهرة الشبيحة - آرون لوند207–224▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل ظاهرة «الشبيحة» في لبنان، مركزاً على جماعة الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن بمدينة طرابلس، ويجيب عن السؤال المحوري: كيف نشأت هذه الظاهرة المسلحة الطائفية، وما آليات استمرارها رغم تغير الظروف السياسية؟ يذهب الكاتب إلى أن الشبيحة ليست مجرد ميليشيا عابرة، بل نتاج تفاعل معقد بين عوامل ثلاثة: سياسة التقسيم السورية في لبنان، والإهمال الاقتصادي والاجتماعي من قبل الدولة اللبنانية، وتحوّل طرابلس إلى ساحة لتصدير الصراعات الإقليمية.

يسير الفصل عبر أربع مراحل زمنية لتطور الحزب العربي الديمقراطي منذ تأسيسه عام 1982 على يد علي عيد. المرحلة الأولى (1982–1993) اتسمت بالتبعية لسوريا، حيث منحت دمشق الحزب غطاءً سياسياً وميليشياوية، مقابل ولائه. في هذه الفترة حصل العلويون على مقعدين نيابيين في البرلمان اللبناني، وأُنشئت محاكم علوية خاصة. المرحلة الثانية (1993–2000) شهدت تراجعاً سورياً عن الحزب، حيث خسر علي عيد مقعده النيابي في انتخابات 1996 لمصلحة رجل الأعمال أحمد حبوس، وذلك بسبب انزعاج الرئيس حافظ الأسد من سمعة عيد العنيفة وعلاقته بـ رفعت الأسد الذي حاول الانقلاب في 1984. هذا التهميش السياسي عزّز خطاب الحزب بوصفه «صوت الشعب العلوي الحقيقي» المُقصى من الدولة.

المرحلة الثالثة (2000–2013) تميزت بعودة العلاقات بين الحزب وبشار الأسد، مع انتقال زعامة الحزب إلى رفعت عيد. أدى الانسحاب السوري من لبنان في أبريل 2005 إلى إعادة بناء ميليشيا علوية قوامها 1000 مقاتل لتأمين جبل محسن. تزامن ذلك مع انقسام لبنان إلى معسكري 8 آذار (تحالف سوري-حزبي) و14 آذار (تحالف مناهض لسوريا)، مما أدى إلى مواجهات عنيفة في طرابلس صيف 2008. المرحلة الرابعة (2014 وما بعدها) تمثلت بهروب رفعت وعلي عيد إلى سوريا في يوليو 2014 بعد اتهامات جنائية متعلقة بتفجيري مسجدي التقوى والسلام، مما ترك فراغاً في القيادة.

من أبرز الأدلة التي يستخدمها الكاتب الشهادات الميدانية لسكان جبل محسن ونشطاء سياسيين. تصف شهادة أحد النشطاء العلويين جبل محسن بأنه «غرفة بلا نوافذ» محاصرة بأحياء سنية معادية، فيما يصف متحدث باسم الحزب سكان الحي بأنهم «تحت حصار مجرد ومادي». تظهر الشهادات كيف حوّلت عقود العنف المكان إلى بيئة عسكرية: متاريس خرسانية، أنفاق، وحواجز مضادة للقناصة تحمل تحذيراً من الموت.

يكشف الفصل أيضاً عن تناقض خطير: فبينما يقدّم الحزب العربي الديمقراطي نفسه كحامٍ وحيد للعلويين، يتحول هو نفسه إلى مصدر تهديد. أحد المقيمين يقول إن الناس يخافون من أبطالهم كما يخافون من الميليشيات المنافسة. تنقل إحدى الشهادات أن الحزب يقدم «أسلحة ومقابلات تلفزيونية» فقط، دون خدمات حقيقية، مما يجعله «قائداً سيئاً» يظل السكان ملتزمين به خوفاً من الصراع الدائر في سوريا.

يحلل الكاتب أيضاً اقتصاد الحرب الذي يربط بين الأحياء المتناحرة. يتشارك تجار ومقاتلون من جبل محسن وباب التبانة في شراء السلاح ودفع «الإتاوات» لحماية المحلات؛ هذا النظام يعمل عبر ثلاث طبقات: ممولين (سياسيون وخليجيون)، وسطاء (تجار أو شيوخ)، ومقاتلين من شباب عاطلين عن العمل يُدفع لهم رواتب. دراسة صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية عام 2010 تشير إلى أن هؤلاء الشباب لا يقاتلون من أجل مبادئ دينية بقدر ما يفعلون ذلك «لقلة آفاقهم وحاجتهم المادية».

ينتقل الفصل بعدها إلى ثلاث سرديات متصارعة حول كيفية تخيل جبل محسن. السردية الأولى: الـغيتو المحاصر - يقدّم الحزب العربي الديمقراطي الحي على أنه حصن علماني يقاوم الإرهاب التكفيري، مع إشارات قليلة للدين في ملصقات الشهداء (عكس ملصقات حزب الله الشيعية). في هذه السردية، يقبل الحزب أن يتحول جبل محسن إلى «ساحة لتصريف الضغط» من قبل القوى الإقليمية على حساب دماء سكانه. السردية الثانية: الرهينة الأعزل - ينتقد هذه السردية سياسيون ونشطاء علويون يرون أن عائلة عيد تمارس «إرهاباً» ضد العلويين أنفسهم أشد مما تمارسه ضد خصومهم. أحد المحامين العلويين يقارن بين حزب الله الذي يبني جمعيات ويموّل أبناءه، وبين الحزب العربي الديمقراطي الفارغ أيديولوجياً والذي لا يقدّم سوى «مقاهي، وشارعين، وبشار الأسد ورفعت عيد».

السردية الثالثة: اليتيم المهجور - يصور السكان الحي كضحية للإهمال المتعمد من الدولة اللبنانية التي تتعامل معهم كمواطنين درجة ثانية. يقدّم الكاتب إحصائيات صادمة: أقل من 3% من الطلاب يصلون إلى المرحلة الثانوية، أكثر من 82% لا يمتلكون تأميناً صحياً، و63% يعيشون على أقل من 4 دولارات يومياً. هذه الأوضاع تجعل 43% من سكان جبل محسن يعلنون ولاءهم السياسي لقائد غير لبناني (غالباً بشار الأسد)، بينما ينفي العلويون خارج الحي هذا الانتماء المزدوج.

يختتم الفصل بتحذير من الخلط بين الطائفية والأمن. يرى الكاتب أن العنف في طرابلس ليس مجرد صراع أمني، بل هو نتاج سياسة إقليمية ولعبة مصالح بين نخب لبنانية تستفيد من «سياسة عدم الاستقرار». الدليل على ذلك أن قادة الميليشيات يُعتقلون ثم يُفرج عنهم، والمحاكمات لا تجري، بينما الفراغ الناتج عن اعتقالهم يُملأ بجماعات أكثر تطرفاً مثل جبهة النصرة التي نفّذت هجوماً انتحارياً في مقهى بجبل محسن في يناير 2015 (9 قتلى و30 جريحاً). يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل الحزب، حيث يعلق الكاتب أن مصيره «مرتبط بمصير سوريا»، وأن أي قطيعة مع الماضي ستكون صعبة لتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية بين المتحاربين.

في الفقرة الأخيرة، يمكن القول إن الفصل ينجح في تفكيك الصورة النمطية عن «الشبيحة» كميليشيا دموية فحسب، ولكنه يبالغ أحياناً في اعتبارهم ضحايا محضين للجغرافيا السياسية. قد ينتقد القارئ أن التحليل يركز على البنى الخارجية (الدولة، سوريا، الاقتصاد) ويُقلل من دور الفاعلية الذاتية للجماعة في اختيار العنف كاستراتيجية، خاصة أن شهادات النشطاء أنفسهم تشير إلى تورط مقاتلي الحزب في ترويع السكان المحليين. ومع ذلك، تظل مساهمة الفصل الأساسية هي تفسيره لاستمرار هذه الظاهرة رغم كل التغييرات، مما يشير إلى أن جذورها ليست في شخصيات القادة بل في بنية متكاملة من الفقر والإقصاء والفاعلية الإقليمية.

11.العلويون في المعارضة السورية - كارستن ويلاند225–244▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل ظاهرة "الشبيحة" في سوريا، وهي تسمية أطلقتها المعارضة على الميليشيات الموالية للرئيس بشار الأسد. يجادل المؤلف بأن هذا المصطلح أصبح أداة سياسية للتشويه والتجريد من الشرعية، بدلاً من كونه وصفاً دقيقاً للجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب النظام. ويرى أن الاستخدام العشوائي لكلمة "شبيحة" أخفى التنوع الهائل لهذه القوات، ويشكل تحدياً طويل الأمد لتماسك النظام وسيادته.

يبدأ الفصل بتتبع أصول المصطلح، فيشرح أن كلمة "شبيحة" مشتقة من الجذر العربي "ش ب ح" الذي يعني "شبح"، لكن له دلالات أخرى في اللهجة العلوية الساحلية مثل "القوي" أو "المقدام". تاريخياً، استُخدمت الكلمة لوصف عصابات التهريب في المنطقة الساحلية، والتي ارتبطت بعائلة الأسد منذ سبعينيات القرن العشرين. كان فواز الأسد ومنذر الأسد، ابنا عم الرئيس بشار، من أبرز زعماء هذه العصابات التي اشتهرت بالعنف والجريمة المنظمة في اللاذقية.

يشرح الفصل كيف عاد المصطلح للظهور بقوة في مارس 2011، عندما استخدمته قناة العربية في تقرير عن قمع الاحتجاجات في اللاذقية، واصفةً المسلحين الموالين للنظام بـ "عصابات إجرامية تسمى الشبيحة". بعد هذا التقرير، انتشرت الكلمة بسرعة في وسائل الإعلام الغربية والعربية، وأصبحت تُستخدم كمرادف لكل من يحمل السلاح دفاعاً عن النظام، بغض النظر عن خلفيته الطائفية أو الجغرافية.

يتناول الفصل تطور المصطلح من وصف لمجموعات مسلحة محدودة إلى "إهانة سياسية" شاملة. فقد استُخدم المصطلح لوصف حتى المؤيدين غير المسلحين للنظام، مثل الصحفيين والسياسيين، تحت مسمى "شبيحة إعلام". وفي المقابل، تبنى بعض المؤيدين المتشددين للنظام التسمية بفخر، ورددوا هتافات مثل "شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد".

ينتقل الفصل إلى وصف التنوع الفعلي للميليشيات الموالية للنظام، مشيراً إلى أن الاعتقاد بأنها تقتصر على الأقلية العلوية هو تبسيط مفرط. صحيح أن الطائفة العلوية كانت الأكثر تعبئة، لكن النظام استقطب مقاتلين من طوائف ومناطق مختلفة. في محافظة الحسكة مثلاً، استقطب النظام مقاتلين من عشائر عربية سنية مثل طي بقيادة محمد فارس، ومن مسيحيين ضمن ميليشيا "سوتورو"، مستغلاً التوترات العربية-الكردية. كما استعان النظام بحزب البعث الذي يضم ملايين الأعضاء، وشكل "كتائب البعث" التي ضمت سنّة في مدينة حلب مثل عشيرة البرّي.

يتقصّى الفصل بالتفصيل المؤسستين الرئيسيتين اللتين نظّمتا هذه الميليشيات. الأولى هي "اللجان الشعبية"، التي نشأت بشكل شبه تلقائي في أفريل 2011 كحراسة للجوار، قبل أن تتطور إلى جماعات مسلحة تُدفع لها رواتب من صندوق خيري تسيطر عليه رامي مخلوف، ابن خال الرئيس. الثانية هي "قوات الدفاع الوطني"، التي تأسست في 2012 بدعم إيراني واضح، وقد صرّح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري في سبتمبر 2012 بأن أكثر من 50 ألف سوري نُظّموا على غرار ميليشيا "الباسيج" الإيرانية. يتلقى عناصر قوات الدفاع الوطني تدريباً عسكرياً لمدة أسابيع ويتقاضون راتباً شهرياً يُقدّر بـ 15 ألف ليرة سورية.

لا يغفل الفصل دور المقاتلين الأجانب، وغالبيتهم من الشيعة العرب من العراق ولبنان، الذين جندتهم إيران. تشكل هذه الجماعات، مثل "كتائب حزب الله" و**"عصائب أهل الحق"** و**"لواء أبو الفضل العباس"**، جزءاً أساسياً من القوة العسكرية للنظام. ويُعد حزب الله اللبناني أبرز هذه الجماعات، حيث قاد الهجوم على القصير في مايو 2013، مبرراً تدخله بوجود تهديد "تكفيري" وجودي.

في ختام الفصل، يطرح المؤلف تحفظات مهمة حول مستقبل النظام. فرغم أن هذه الميليشيات ساعدت في قلب دفة الحرب لصالح الأسد، إلا أن اعتماد النظام المتزايد على قادة محليين متحمسين وطامحين للسلطة، وعلى قوات أجنبية، يُضعف سيطرته المركزية. يشير الفصل إلى حوادث اشتباكات بين ميليشيات موالية، مثل محاولة عناصر من قوات الدفاع الوطني عرقلة وقف إطلاق نار في حمص في فبراير 2014، واشتباكهم مع مقاتلين مسيحيين من الحزب السوري القومي الاجتماعي. يخلص المؤلف إلى أن دمج هذه القوى قد يفرض على النظام تقديم تنازلات على حساب استراتيجية وطنية طويلة الأمد، وقد يؤدي إلى تآكل سيادته لصالح إيران وحلفائها.

12.القمع ليس 'أمراً أحمق': استجابات النظام للانتفاضة والتمرد السوري - رينود ليندرز245–404▼ résumé

يُفكّك هذا الفصل الافتراض السائد بأن النظام السوري، وبشار الأسد تحديداً، كان «غير عقلاني» أو «منفصلاً عن الواقع» في تعامله مع الانتفاضة الشعبية التي تحولت إلى تمرد مسلح. يقدم المؤلف، رينود ليندرز، حجةً مضادة مفادها أن القمع الذي مارسه النظام لم يكن «أمراً أحمق»، بل كان استراتيجية محسوبة ومتكيفة ومستندة إلى تعلم من الأخطاء، وإن كانت وحشية وغير أخلاقية. يهدف الفصل إلى تفسير كيف تمكن هذا النظام، رغم كل التحديات، من البقاء صامداً لأكثر من أربع سنوات من الاحتجاجات والحرب الأهلية.

يبدأ الفصل بنقد الصورة النمطية للديكتاتور المنعزل عن الواقع، مستشهداً بتسريبات البريد الإلكتروني للأسد وزوجته التي صورتاهما وكأنهما يعيشان في شرنقة مذهبة، وبمسرحية الدمى الساخرة «ماسيت ميتي» التي جسدت الرئيس بشخصية «باشو» الوحيدة. لكن المؤلف يرفض هذه الصورة، معتبراً أنها نابعة من نظرة أيديولوجية تميل إلى وصف الأنظمة الاستبدادية بالفشل الذريعي. ويشير إلى أن نجاحات النظام العسكرية النسبية في 2013 و2014 تناقض هذه التصورات، وتظهر قدرته على التكيف والتعلم، حتى لو ظلت التحديات كبيرة ومهددة بانهياره في المستقبل.

ينتقل الفصل إلى لحظة ما قبل الانتفاضة، محللاً مقابلة الأسد الشهيرة مع صحيفة وول ستريت جورنال التي أكد فيها مناعة سوريا. يجادل المؤلف بأن هذه الثقة المفرطة لم تكن دليلاً على العمى، بل شاركها معظم المحللين والنظريات التي ترى أن التعبئة الشعبية تحتاج إلى انقسامات في النخبة الحاكمة. وعندما اندلعت الاحتجاجات في درعا، أطلق النظام النار، وهو ما اعتُبر خطأً فادحاً لأنه أشعل المزيد من الاحتجاجات. لكن الفصل يشير إلى أن الأبحاث الأكاديمية حول العلاقة بين القمع والتعبئة لم تقدم إجابة قاطعة، وأن ما حدث في درعا كان نتيجة مزيج من العوامل المحلية والعواطف التي يصعب توقعها، لا مجرد حماقة النظام.

يوضح الفصل أن النظام لم يكن غبياً أو منقسماً على نفسه في البداية، بل كان متردداً ومنقسماً حول كيفية الرد. ففي فبراير 2011، تدخل وزير الداخلية سعيد سمور شخصياً لتهدئة متظاهرين في سوق الحريقة بدمشق، مما يدل على وعي النظام بتأثير القمع المتغير. ومع ذلك، خلصت لجنة حكومية إلى أن فشل قمع الاحتجاجات في تونس ومصر كان سبب انتشارها، وأنه يجب تجنب ذلك في سوريا. عندما بدأت الاحتجاجات، لم تكن لدى قوات الأمن تعليمات واضحة، فتصرفوا بشكل مستقل، مما أدى إلى تصعيد الموقف. عندها، تحول النظام بسرعة نحو الرد العنيف الحاسم، مدركاً – كما يفهم منظرو الألعاب – أن المظاهرات في البيئات القمعية ترسل إشارات قوية للآخرين وتخلق تأثيراً متتالياً يصعب إيقافه.

يواصل الفصل استكشاف استراتيجيات النظام لمنع انتشار الاحتجاج، مركزاً على التلاعب بالهويات المحلية والإقليمية. فقد صور النظام احتجاجات درعا على أنها تعبر عن مظالم محلية خاصة بأبناء حوران، وسمح لنواب درعا بتأكيد هويتهم الحورانية في البرلمان. كما استبدل المحافظين المحليين وأطلق «حواراً وطنياً» على المستوى البلدي، تمخض عنه انتخابات محلية في ديسمبر 2011. تزامنت هذه الجهود مع تعزيز النظام لحلفائه المحليين وإنشاء حواجز عسكرية لعزل المدن عن بعضها. الهدف كان منع تحول المظالم المحلية إلى انتفاضة وطنية موحدة.

يتناول الفصل بالتفصيل كيف حوّل النظام الاحتجاج السلمي إلى حرب أهلية طائفية ومذهبية، وهي استراتيجية كانت محورية لبقائه. يصف المؤلف ثلاث استراتيجيات رئيسية:

  1. استراتيجية «البطاقة الإسلامية»: أطلق النظام سراح سجناء إسلاميين متشددين من سجن صيدنايا اعتباراً من منتصف 2011، بهدف إضعاف المعارضة العلمانية وإظهار المعارضة على أنها إرهابية متطرفة، مما يعزز صورته كحامي للأقليات.
  2. تصعيد العنف الطائفي: نفذ النظام مجازر متعمدة في مناطق مختلطة طائفياً، مثل مجزرة ساحة الساعة في حمص (18 أبريل 2011) ومجزرة العاصي في حماة (4 يوليو 2011)، بهدف بث الخوف والفرقة بين المكونات السورية وإجبار الأقليات على الاصطفاف خلفه.
  3. تضييق قاعدة الدعم: قام النظام تحت حكم بشار بقصره على عشيرته العلوية والأجهزة الأمنية، مبتعداً عن سياسة والده حافظ التي كانت تقوم على إشراك قطاعات أوسع من المجتمع. هذا التضييق جعل النظام أكثر اعتماداً على العنف وأقل قبولاً لأي معارضة، حتى من داخل الطائفة العلوية.

يختتم الفصل بمناقشة استراتيجيات النظام على المستوى الدولي، مؤكداً على قدرته على التكيف. يذكر أن النظام استفاد من الجمود الدولي وانقسام مجلس الأمن، واعتمد على دعم حلفائه الرئيسيين روسيا وإيران. كما يُظهر الفصل كيف استغل النظام المخاوف من الإرهاب والتطرف، ليقدم نفسه على أنه خط الدفاع الأخير ضد الفوضى، محولاً بذلك الصراع من ثورة شعبية إلى حرب بالوكالة بين القوى الكبرى والإقليمية. هذا التكيف الدولي، رغم كونه وحشياً، يُظهر أن النظام كان عقلانياً ومحسوباً في سعيه للبقاء، وليس مجرد أداة غبية للقمع.

في النهاية، يقدم الفصل نقداً قابلاً للنقاش حول فكرة «العقلانية» نفسها. فبينما يثبت المؤلف أن النظام لم يكن «أحمق» بل كان يحسب حساباته، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى عقلانية استراتيجية تقوم على تدمير الدولة ومؤسساتها وتمزيق النسيج الاجتماعي. هل يمكن اعتبار القمع الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين «عقلانياً» حتى لو أطال عمر النظام؟ يقر ليندرز بأن هذه الاستراتيجيات قد تؤدي في النهاية إلى انهيار النظام، ويترك هذا السؤال مفتوحاً، معترفاً بأن القوة المتنامية للتمرد قد تثبت فشل هذه الحسابات على المدى الطويل.