Almawred
عربي

في علاقة السويداء بدرعا في زمن الثورة - ه. الخطيب

1 janvier 2014arمركز دراسات الجمهورية الديمقراطية

كتاب "في علاقة السويداء بدرعا في زمن الثورة" للباحث همام الخطيب، والصادر عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، هو دراسة تحليلية معمقة لمسار العلاقة بين محافظتي السويداء ودرعا خلال سنوات الثورة السورية. الموضوع المحوري للكتاب هو تفكيك أسباب تحول هذه العلاقة من التضامن الأولي الذي شهدته بداية الثورة عام 2011، إلى حالة من التوتر والاحتقان والاقتتال بالوكالة الذي أدارته أجهزة النظام. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن نظام الأسد اتبع عمداً إستراتيجية "التفتيت والتذرير" للنسيج المجتمعي السوري، مستغلاً التنوع الطائفي والمناطقي، ومحوّلاً الاختلافات التاريخية والهواجس المشروعة بين المجموعات المختلفة إلى وقود لحرب بالوكالة تخدم بقاءه. يخلص الكتاب إلى أن فشل الثورة في تقديم رؤية وطنية ديمقراطية قادرة على استيعاب التنوع السوري، جعلها عاجزة عن مواجهة خطاب النظام الذي رفع لواء "حماية الأقليات" وأشعل فتيل الصراعات.

يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل منطقي دقيق يبدأ بالتمهيد التاريخي، ثم يستعرض العلاقة قبل الثورة، لينتقل إلى مرحلة التضامن فالتوتر فالصدام، ويحلل الأطراف الفاعلة ودوافعها. تبدأ الورقة بوضع الخلفية السكانية والجغرافية لكل من المحافظتين؛ السويداء الفقيرة التي يعتمد اقتصادها على تحويلات المغتربين وزراعتها، وعدد سكانها نحو 350 ألف نسمة، ودرعا الأكثر كثافة سكانية حيث يبلغ عدد سكانها مليوناً وأربعمئة ألف نسمة، واللتان ترتبطان عبر خطين حدوديين رئيسيين هما الخط الغربي والخط الجنوبي. ثم يعود المؤلف إلى التاريخ ليس بغرض الاستعراض، بل ليفسر استمرار تأثيره على المواقف الراهنة. يُشير الكتاب إلى تراكمات سلبية في الذاكرة الجمعية لأهالي السويداء، منها شعورهم بأن أهالي درعا "خذلوهم" في الثورة السورية الكبرى عام 1925 عندما كان الجيش الفرنسي يقصف السويداء من أراضي درعا، وخاصة من بصرى الشام، وكذلك هجمات البدو القديمة التي كانت تأتي من الخاصرة الغربية. بالمقابل، يُذكر المؤلف جانباً مشرقاً يتمثل في موقف الشيخ إسماعيل باشا الرفاعي من حوران الذي فضل اللجوء إلى الأردن مع خمسين فارساً لمدة سنتين على أن يحارب إخوانه في جبل العرب، وحكمت عليه فرنسا بالإعدام غيابياً. هذه الذاكرة المزدوجة خلقت حساسية مسبقة استغلها النظام لاحقاً.

يصف الكتاب العلاقة الاقتصادية المتينة التي نشأت بين المحافظتين قبل الثورة، والتي اقتصرت عليها تقريباً؛ حيث كانت درعا مصدراً للأيدي العاملة والآليات الزراعية، بينما كانت السويداء سوقاً لتصريف الخضار واللحوم. لكن كل شيء تغير مع انطلاق شرارة الثورة في درعا. في بدايتها، كانت السويداء أول من ردت فعل تضامني على مستوى الوطن، حيث سجل المحامون أول اعتصام لنصرة درعا بتاريخ 27 مارس 2011، وتلتها اعتصامات وإضاءة الشموع. كما أعلن معارضو السويداء المحافظة "مضافة" لأهالي درعا النازحين، حيث استقبل الناشطون نحو 7000 نازح، وأكدوا على وحدة الشعب السوري نبذاً للطائفية. ومع ذلك، بدأ النظام يعمل منذ اللحظة الأولى على زرع بذور الفتنة، ومن أبرزها "فيديو الشيخ الخليلي" الشهير الذي قام فيه بشتم الدروز، والذي تبين أن المخابرات السورية كانت وراءه.

يوضح الكتاب العوامل التي ساهمت في توتر العلاقة، وأولها العامل السياسي: إستراتيجية النظام القائمة على التفتيت الطائفي ومفهوم "حماية الأقليات"، الذي استفاد من خوف الدروز التاريخي من الأكثرية السنية ومن شعورهم بالنقص، مما دفعهم للالتفاف حول النظام كحامٍ. في المقابل، يعترف المؤلف بفشل المعارضة في السويداء، واصفاً إياها بأنها "نخبوية" وغير مندمجة في المجتمع، وليس لها حاضنة شعبية كبيرة، مما جعلها غير قادرة على تشكيل إستراتيجية بديلة. العامل الثاني تاريخي، ويتمثل في شعور الخذلان المذكور سابقاً. العامل الثالث اقتصادي؛ فالسويداء من أفقر المحافظات، وعلّل المؤلف ذلك بخطة نظامية تهدف إلى ربط الأقليات بعجلة النظام، وهذه الخطة نجحت في تجنيد شباب السويداء العاطلين والفقراء في جيش الدفاع الوطني مقابل رواتب زهيدة، وهم غالباً ما يغنمون خلال مهاجمتهم مناطق درعا القريبة. العامل الرابع ديني؛ يتمثل في خوف أهالي السويداء، الذين ينتمون لمذهب التوحيد المحافظ والمنغلق على نفسه، من تمدد الجماعات السلفية والمتطرفة كـ جبهة النصرة في درعا. ويذكر المؤلف أن أهالي درعا وعشائرها أصدرت عدة بيانات لطمأنة الدروز وتحذيرهم من الفتنة التي يسعى لها النظام، منها بيان من الجيش الحر - الجبهة الجنوبية بتاريخ 16 تشرين الثاني 2014، لكن هذه البيانات لم تنجح في تبديد المخاوف.

في القسم الأهم والتفصيلي، يتناول الكتاب ظاهرة "فوضى السلاح" في السويداء وأثرها المباشر على درعا. هنا يقدم المؤلف وصفاً دقيقاً لآلية عمل النظام: بدأ بإخافة الأهالي عبر دعايات عن نية أهالي درعا استهدافهم، ثم وزّع السلاح للحماية الشخصية عبر "لجان شعبية" تطوعية. بعد ذلك، وبتشكيل "جيش الدفاع الوطني"، تحولت هذه اللجان إلى قوة منظمة تتراوح رواتبها بين 15 و50 ألف ليرة، وأصبح يُطلب منها الخروج في مهمات قتالية إلى درعا، ومن رفض نُزع سلاحه. ويصل عدد مقاتلي الدفاع الوطني في السويداء إلى عشرة آلاف مقاتل. يستعرض الكتاب تفاصيل ستة ميليشيات رئيسية تنسق مع جيش الدفاع الوطني: ميليشيا الحزب القومي السوري الاجتماعي بزعامة سمير الملهم وتوصف بأنها من أخطر الميليشيات، ميليشيا حزب الله التي ترسل عناصرها لإيران لتدريبات تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر، كتائب البعث التي وصل عدد مقاتليها إلى 2600 مقاتل ولها راتب أفضل ومعظم عملياتها خارج السويداء، ميليشيا حزب التوحيد التابعة للنائب الدرزي السابق وائل وهاب، ومقاتلو جمعية البستان التابعة لرجل الأعمال رامي مخلوف بإدارة هند زهر الدين زوجة العميد عصام زهر الدين. وتشير الدراسة إلى أن مشايخ السويداء أدانوا القتال خارج المحافظة واعتبروا من يُقتل هناك ليس شهيداً، لكن التوتر ظل قائماً.

على الجانب الآخر، يوثق الكتاب قصة "ثوار السويداء في درعا"، وهم المنشقون الدروز الذين انضموا للجيش الحر. يذكر المؤلف أنهم واجهوا صعوبتين أساسيتين: انعدام الحاضنة الشعبية لهم في السويداء (فالمعارضة المحلية لا تريد إقحام المحافظة في العمل العسكري)، وعدم رغبة المعارضة في ذلك لخشيتها من اقتتال داخلي. لذلك، التجأ هؤلاء المنشقون إلى درعا، وكان أولهم المهندس الملازم خلدون زين الدين الذي أسس كتيبة سلطان الأطرش في 7 ديسمبر 2011، والتي لاقت حاضنة قوية ودعماً من أهالي درعا. تشكل تجمع "كتائب السهل والجبل" ونفذ عمليات نوعية، أبرزها "معركة ظهر الجبل" في السويداء، حيث تسلل عشرات المقاتلين لتحرير المحافظة. وفشلت المعركة بسبب انفضاح أمر الحملة، والظروف المناخية السيئة من عواصف ثلجية، والتنسيق الضعيف مع ناشطي المحافظة. استشهد خلدون زين الدين وخمسة عشر مقاتلاً من رفاقه بعد معركة استمرت ثلاثة أيام. لاحقاً، شُكل المجلس العسكري للسويداء بقيادة العقيد مروان الحمد الذي أعلن استقالته لاحقاً في 23 نوفمبر 2013 بسبب الحصار المفروض على تسليح الثوار، قائلاً في بيانه إن المجلس لم يتلق "أي قطعة سلاح أو رصاصة واحدة". وانتهى وجود ثوار السويداء في درعا بعد اختطاف جبهة النصرة لأحد قادتهم.

أخيراً، يقدم الكتاب تحليلاً لـ"ملف الاختطاف" الذي أصبح أداة رئيسية في إشعال الفتنة. يشرح المؤلف أن الاختطاف بدأ كحوادث فردية انتقامية، ثم تطور ليصبح عملاً منظماً من قبل السلطة. ويحدد المؤلف ثلاثة أهداف للنظام من هذا الملف: أولاً، تصوير الثورة كحرب طائفية (أكثرية سنية ضد أقليات) وإخراج السويداء من الثورة. ثانياً، هدف عسكري، حيث أن إشعال حرب بين درعا والسويداء يخرج الثوار من مواجهة النظام إلى مواجهة جيرانهم. ثالثاً، هدف مالي، حيث بلغت الأموال التي دفعها أهالي السويداء كفدية نحو 500 مليون ليرة سورية، تذهب مباشرة للمسؤولين الفاسدين. ويذكر الكاتب بجرأة أن %98 من حالات الاختطاف في السويداء تمت في مناطق سيطرة النظام، معللاً ذلك بأن النظام هو المستفيد الأكبر. يصف وفيق ناصر، رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، بأنه رأس هذه الشبكة القائمة على "شبكة من المخبرين واللصوص وقطاع الطرق"، ويعتمد بشكل كبير على مجموعة بدو بقيادة الشيخ جامل البلعاس.

الكتاب غني بالوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، مثل تزامن انطلاق الثورة مع اعتصام المحامين في السويداء، واستقبال 7000 نازح درعاوي، وتفصيل تشكيل الميليشيات ورواتبها وعلاقتها المباشرة بأركان النظام كرامي مخلوف وحزب الله وإيران، وفشل "معركة ظهر الجبل" المأساوي، واستقالة العقيد مروان الحمد بسبب حصار السلاح، ومبلغ الفدية الخيالي البالغ 500 مليون ليرة، والنسبة المذهلة البالغة 98% لعمليات الخطف في مناطق النظام. كل هذه التفاصيل تترك أثراً عميقاً في ذهن القارئ وتدعم أطروحة المؤلف المركزية.

يقرّ المؤلف صراحة ببعض التحفظات والحدود، أبرزها اعترافه بفشل المعارضة السياسية في التعامل مع التنوع السوري وتعاملها معه كمسألة شكلية أو "زينة". ويترك أسئلة مفتوحة حول كيفية إيجاد حاضنة شعبية للمعارضة داخل السويداء، وكيفية بناء ثقة حقيقية بين المكونات بعد أن دمرتها آلة النظام الدعائية والأمنية. يقترح الكتاب جملة من التوصيات للمعارضة تهدف إلى تفنيد خطاب النظام، وبناء الجسور، والعمل على تمثيل حقيقي للمحافظة في الهيئات السياسية، منتقداً التمثيل الصوري.

في الخاتمة، وبينما يصر المؤلف على أن نظام الأسد هو المحرك والمستفيد الأكبر من كل حلقات العنف والفتنة، يمكن القول إن الكتاب يتحمل جزءاً من المسؤولية من خلال انتقاده الصريح لأداء المعارضة السياسية والعسكرية. هذا النقد الذاتي يُعد حجة قابلة للنقاش بجدية؛ فبينما يظهر الكتاب أن الخوف والجوع هما المحركان الأساسيان لانخراط الدروز الفقراء في ميليشيات النظام، فإنه يحمّل النخب المعارضة نفسياً مسؤولية عدم كسب القلوب والعقول في السويداء، وكأن الفشل في مواجهة إستراتيجية نظام متكاملة تُعزى بالأساس إلى وجود "فكر وسلوك وطني ديمقراطي" غير مكتمل. تظل هذه النقطة مفتوحة للنقاش حول قدرة أي خطاب، في ظل الإرهاب والبطالة والتجويع، على منافسة نظام يتحكم بكل أدوات القمع والمال.