Almawred
عربي

قراءة في ظاهرة أسلمة الحرب السورية طارق عزيزة

ar

الكتاب الذي أعده طارق عزيزة ضمن ملف "قراءات في الحركة الإسلامية في الحرب السورية" (الصادر بالتعاون بين مجلة صور ومركز دراسات الجمهورية الديمقراطية) يتناول بالتحليل ظاهرة "أسلمة الثورة السورية". الموضوع المحوري هو تفسير كيف تحول حراك شعبي سلمي انطلق بمطالب ديمقراطية وطنية في آذار/مارس 2011، إلى ساحة يهيمن عليها خطاب ديني متطرف وجماعات مسلحة ترفع رايات "الجهاد" و"إقامة الدولة الإسلامية". يدافع المؤلف عن أطروحة رئيسية مفادها أن هذه الأسلمة لم تكن نتيجة حتمية لطبيعة المجتمع السوري، بل كانت ظاهرة طارئة وناتجة عن تضافر عوامل محددة: قمع النظام الوحشي، وأخطاء المعارضة السياسية، وتدخل جهات إقليمية ودولية، وصعود جماعات "السلفية الجهادية" التي استغلت الفوضى والفراغ الأمني لتفرض نفسها.

يبدأ الكتاب برصد مشهد مفارق في الذكرى الخامسة للثورة، حين عادت المظاهرات السلمية إلى الواجهة مؤقتاً خلال "هدنة"، ورفع المتظاهرون علم الاستقلال (علم الثورة) بدلاً من الرايات الإسلامية، بل ووصل الأمر إلى وقوع مصادمات بين الأهالي ومقاتلي الجماعات الإسلامية، كما حدث في بلدة معرة النعمان في آذار/مارس 2016 حين أرغم السكان "المجاهدين" على الانسحاب من مقراتهم. يستخدم المؤلف هذا المشهد كدليل على أن السوريين رفضوا الأجندات الجهادية متى سنحت لهم الفرصة، ويعتبره مدخلاً لتحليل كيف ولماذا حدثت الأسلمة أصلاً.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل "مقدمات ظاهرة أسلمة الثورة"، ويبدأ بمفارقة لافتة: أن رواية نظام الأسد الدعائية، التي تحدثت منذ البداية عن "الإمارات السلفية" و"الفتنة الطائفية"، وجدت على أرض الواقع بعض المعطيات التي بدت وكأنها تثبتها. لكن هذه المعطيات لم تكن طبيعية، بل نتاج ممارسات النظام نفسه وتحالفاته وتركيبة المعارضة. يشير المؤلف إلى أن النظام اعتمد على تذويب المجتمع السوري المتنوع مذهبياً وطائفياً، واستغلال الحساسيات. من جهة أخرى، أدى الخطاب السلفي الدعوي الخليجي الكثيف تجاه الشيعة عموماً، والذي فسّر التحالف السوري-الإيراني في إطار طائفي ضيق، إلى خلق وعي مشحون لدى بعض أوساط المعارضة.

يسجل الكتاب حالات مبكرة على تطييف الحراك الشعبي، أبرزها خطبة الشيخ يوسف القرضاوي في 25 آذار/مارس 2011 (بعد عشرة أيام من أول مظاهرة في دمشق وأسبوع من انطلاق مظاهرات درعا)، والتي حملت رموزاً طائفية واضحة حيث قال إن النظام وطائفته العلوية لا يمثلون الإسلام. ويذكر أيضاً أدوار الشيخ عدنان العرعور الذي صدر خطاباً طائفياً في نيسان/أبريل 2011 وامتلأت برامجه على قناة "صفا" بالحديث عن "العلوية" و"الشيعة" ودعوات الجهاد، واكتسب متابعة كبيرة في حمص ودرعا وإدلب وحماه ودير الزور. يركز الكتاب على دلالة تسميات "جمع الثورة" التي كانت تطلق على أيام الجمعة (الموعد الرئيسي للمظاهرات) عبر صفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد" على فيسبوك، بإشراف أحد أبناء "الإخوان المسلمين" في المنفى. من الأمثلة: "جمعة الله معنا" (8/7/2011)، "جمعة لن نركع إلا لله" (12/8/2011)، وصولاً إلى جدل حول تسمية "جمعة إعلان الجهاد" في 17/2/2012 التي اضطرت الصفحة للتراجع عنها واستبدالها بـ "جمعة الدفاع عن النفس" بعد انتقادات ناشطي الحراك السلمي الذي كان يفضل "جمعة الدولة المدنية". يرى الكتاب أن هذه التسميات ساهمت في تأجيج الاستقطاب وشحن الخطاب الديني، وأتت معطوفة على القمع الوحشي لتهيئة الأجواء للانزلاق نحو العنف، وهو ما كان ضمن حسابات النظام الذي أفرج عن معتقلين إسلاميين من أصحاب "الفكر التكفيري" ممن شاركوا في "الجهاد العراقي" وساهموا لاحقاً في تشكيل مجموعات جهادية.

يخصص الكتاب قسماً هاماً لـ "جدلية العسكرة والأسلمة". يوضح أن المظاهر المسلحة الأولى كانت عفوية وارتجالية بهدف الدفاع عن النفس، وكانت أقرب إلى "رد فعل" على عنف النظام منها إلى مبادرة منظمة. ومع ذلك، بدأت المعارضة في تضخيم ظاهرة الانشقاقات عسكرياً، خاصة بعد إعلان تشكيل "لواء الضباط الأحرار" في 4 حزيران/يونيو 2011 وتأسيس "الجيش السوري الحر" في 29 تموز/يوليو 2011. عملت وسائل إعلام عربية مثل الجزيرة والعربية على تضخيم هذه الظاهرة إعلامياً، مما خلق حالة من "العسكرة الإعلامية" سبقت المواجهات الفعلية. يعتبر المؤلف أن البدء الفعلي للمواجهة العسكرية المفتوحة كان في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 عبر الهجوم على مبنى المخابرات الجوية في حرستا بريف دمشق. وبالتوازي مع المشهدين السلمي والعسكري، كان المشهد الثالث ينمو بسرية: مشهد "الثورة الجهادية". ظهرت الملامح الجهادية بوضوح عندما حملت معظم الكتائب والألوية أسماء إسلامية وامتلأت بياناتها بالعبارات الدينية، ثم ظهر تنظيم "القاعدة" ممثلاً بـ "جبهة النصرة لأهل الشام" في 23 كانون الثاني/يناير 2012، وبعدها بأشهر أعلنت جبهة النصرة و**"حركة أحرار الشام الإسلامية"** وغيرهما عن "تأسيس دولة إسلامية عادلة" في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، بعد أيام من تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة". استقطبت هذه التنظيمات مقاتلين أجانب، بينما أرسل "حزب الله" اللبناني "مجاهديه" إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام، وتبعته ميليشيات شيعية إيرانية وعراقية وأفغانية. بلغ ذروة التطييف عندما تم في 12 حزيران/يونيو 2013 عقد مؤتمر لعلماء دين إسلامي في القاهرة تحت عنوان "موقف علماء الأمة من القضية السورية"، وأعلن الداعية محمد حسان أن "المعادلة تغيّرت بنزول الروافض إلى أرض الشام".

يخصص الكتاب تحليلاً نقدياً لـ "المعارضة السورية والأسلمة"، مركزاً على موقف "المجلس الوطني" ثم "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" من ظاهرة الأسلمة، والذي وصفه بـ "الالتباس والتذبذب". يوضح أن الموقف الرسمي من "جبهة النصرة/القاعدة" تراوح بين الإنكار في البداية (اعتبارها من نسيج النظام)، ثم اعتبارها "جزءاً من الثورة"، وأخيراً دعوة زعيمها أبو محمد الجولاني للتخلي عن ارتباطه بالقاعدة. يستشهد بتصريحات برهان غليون (أول رئيس للمجلس الوطني) الذي وصف الحديث عن دور القاعدة بأنه "مسيء بحق شهداء الثورة"، وتصريحات جورج صبرا (الرئيس التالي) الذي نفى وجوداً حقيقياً للتنظيم داخل سوريا. لكن المفارقة الكبرى التي يكشفها الكتاب هي أن الائتلاف نفسه الذي كان ينفي وجود القاعدة، استنكر بعد أشهر قرار الولايات المتحدة بإدراج "جبهة النصرة" على قائمة الإرهاب، معتبراً أن "كل من يقاتل النظام هو جزء من الثورة". بل إن صفحة "الثورة السورية" خصصت جمعة للتضامن مع النصرة ورفض وسمها بالإرهاب. الأسوأ من ذلك، أن الائتلاف أصدر بياناً يصف الهجوم على قرى ريف اللاذقية من قبل الكتائب الجهادية بـ "انتصارات الجيش الحر"، في حين أن هذه الهجمات كانت مجازر في حق المدنيين العزل وفق تقارير هيومن رايتس ووتش.

على الرغم من هذا التبني، يذكر الكتاب أن غالبية الكتائب الجهادية استمرت في رفض أي انخراط سياسي واتهام المعارضة بالعمالة للغرب. لكن مع تصاعد المخاوف الدولية من التطرف وبدء مسارات التسوية السياسية، حدث تحول لافت تمثل في مشاركة "حركة أحرار الشام الإسلامية" و**"جيش الإسلام"** في "الهيئة العليا للمفاوضات" التي شكلتها المعارضة في الرياض في 4 كانون الأول/ديسمبر 2015، وتسمية المسؤول السياسي في جيش الإسلام كبيراً للمفاوضين. يطرح الكتاب تساؤلاً مفتوحاً حول كيفية تعامل هذه التشكيلات ذات الأيديولوجيات الدينية المطلقة مع السياسة واستحقاقاتها.

في خلاصته، يؤكد الكتاب أن طغيان "الخطاب الجهادي" كان نتيجة تحولات أنتجت معطيات مركبة زادت من تعقيد المشهد، وأضرت بالثورة وصورتها داخلياً وخارجياً، وعززت فرص النظام في تقديم نفسه كشريك في "الحرب على الإرهاب". بينما يعتبر المؤلف أن سعي النظام لدفع الثورة نحو الأسلمة وإثارة النعرات الطائفية كان "منطقياً" ضمن استراتيجياته، فإنه يحمّل المعارضة جزءاً كبيراً من المسؤولية عن أخطائها المدمّرة، المتمثلة في تبني خطاب وسلوك صبّ في مصلحة النظام وساعد في حرف الثورة عن مسارها الوطني الأول. الكتاب يترك السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذه الجماعات التي بدأت تنخرط في السياسة، وكيف ستتعامل مع مبادئ الديمقراطية التي تتعارض مع أيديولوجياتها.

الدراسة واضحة في موقفها النقدي من كل من النظام والمعارضة. من الحجج القابلة للنقاش، التركيز على دور "خطاب القرضاوي والعرعور" كعامل أساسي في التطييف، بينما يرى بعض المحللين أن العوامل الميدانية (القمع اليومي، العجز عن حماية المدنيين) كانت أكثر تأثيراً في دفع الناس نحو الخيارات المتطرفة من تأثير خطباء التلفاز. أيضاً، يبدو أن الدراسة تركز على دور جهات عربية معينة في الدفع نحو الأسلمة (الجزيرة، القرضاوي، العرعور) دون موازنة ذلك بدرجة كافية مع الدور المباشر للنظام في خلق البيئة الخصبة للتطرف من خلال الإفراج المتعمد عن السلفيين الجهاديين. ورغم ذلك، يقدم الكتاب تحليلاً متماسكاً ومفيداً لكيفية تحول ثورة ديمقراطية إلى حرب استنزاف طائفية معقدة.