
كشف الغموض عن سوريا فريد لاوسن وحازم نهار
يستهدف هذا الكتاب كشف الغموض الذي يحيط بالنظام السوري ومعارضته وسياساته الخارجية، مقدمًا إجابة واضحة ومترابطة: استمرارية النظام لا تعود إلى شرعيته أو قوته الوطنية، بل إلى بنيته التسلطية، وتحالفاته الاقتصادية-الاجتماعية، وبراغماتيته الخارجية، واستغلاله للقضايا القومية والدينية. يرى المؤلفان أن النظام كيان له "نواة صلبة" تضع البقاء في الحكم فوق أي اعتبار، وهو ما يفسر قمعه الوحشي للثورة السورية منذ آذار/ مارس 2011.
تبدأ حجة الكتاب بتحليل بنية النظام السوري، مصنفة إياه، وفق توصيف فولكر بيرتس، بأنه "نظام رئاسي تسلطي بملامح وراثية". توضح الفصول الأولى أن سلطة النظام تستند إلى تقديس الفرد الحاكم، حيث كانت ظاهرة تقديس حافظ الأسد "استراتيجية للسيطرة" تقوم على المطاوعة لا الشرعية. ورغم صعوبة توقع انتقال هذه القداسة إلى بشار الأسد، إلا أن النواة الصلبة للنظام تحركت فور وفاة الأب في 10 حزيران/يونيو 2000 لتنصيب الابن، في مشروع وُصف بأنه "عصرنة الاستبداد". يعرض الكتاب مصادر الشرعية الداخلية للنظام، مثل دعم القضية الفلسطينية، والخطاب العروبي رغم تهميش حزب البعث نفسه، و"العلمانية" التي تجذب الأقليات، وحماية الأقليات التي تعززت بعد الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان/أبريل 2003، حيث أصبحت سورية "جاذبة للأقليات في المنطقة". إلى جانب ذلك، يُظهر الكتاب كيف وظف النظام الدين، فقمع الإسلاميين لكنه استقطب رجال دين موالين كـ أحمد كفتارو وأحمد حسون ومحمد سعيد رمضان البوطي، الذي قام بدور "بابوي" في دعم النظام منذ انتفاضة 1979-1982. أما عنصر "الأمن والاستقرار" القائم على القمع، فيستشهد الكتاب بتقدير يشير إلى وجود عنصر استخبارات لكل 153 سورياً فوق سن الخامسة عشرة في عام 2007، مشيرًا إلى أن هذا الاستقرار بدأ يهتز بسبب سياسات التحرير الاقتصادي.
ينتقل الكتاب بعدها إلى تحليل الاقتصاد السياسي السوري، كاشفًا العلاقة المعقدة بين النظام ومجتمع القطاع الخاص. يستند التحليل إلى عمل بسام حداد الذي يرى أن النظام، القادم من خلفية راديكالية ريفية وأقلوية، كان بحاجة للقطاع الخاص اقتصادياً لكنه رفض مشاركته السلطة، فكان حله "ترك القطاع الخاص ينمو بما يكفي لإنقاذ الاقتصاد، لكن ليس بما يكفي لتهديد احتكار السلطة". يُقدم الفصل مثالاً تاريخياً حاسماً من عمل سلوى إسماعيل، حين واجه النظام أزمة وجودية في الثمانينيات: وقف تجار حلب في طليعة المعارضة داعين لإضراب عام، بينما أبقى التجار الدمشقيون السنة محالهم مفتوحة، مما عزز تحالفاً تاريخياً مع النظام العسكري ذي القيادة العلوية. يخلص الكتاب إلى أن هذا التحالف هو أساس النظام، ورغم صعود "أولاد السلطة" في عهد بشار، إلا أن النظام لم يسع لتقويض تحالفاته القديمة. يتعمق التحليل في آثار التحرير الاقتصادي، موضحًا أن الإصلاح اقتصر على الجانب الاقتصادي لتجنب المشاركة السياسية، وأن القانون ظل أداة سيطرة. يُقدم الكتاب أرقامًا صارمة: ارتفعت نسبة من هم تحت خط الفقر الأدنى من 11.4% عام 2004 إلى 12.3% عام 2007، لكن الخطر الأكبر كان على من هم فوق هذا الخط بقليل، حيث بلغ عددهم نحو 4.5 ملايين نسمة، مهددين بالانزلاق إلى الفقر، ليصبح عدد من هم تحت خط الفقر نحو 7 ملايين نسمة (34.3%). كما تجاوزت البطالة 16.5% عام 2009.
بعد تحليل النظام، ينتقل الكتاب إلى المعارضة السورية، متتبعاً تاريخها من بدايات عهد بشار. يصف الكتاب "ربيع دمشق" الذي أعقب تولي بشار، حيث أطلق سراح معتقلين وأغلِق سجن المزة سيئ السمعة، ووقع أكثر من 1000 ناشط على بيان في كانون الثاني/يناير 2003 يدعو للإصلاح. لكن النظام سرعان ما قمع هذه الحركة، وازداد القمع وحشية بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، وبلغ ذروته باعتقالات بعد "إعلان دمشق-بيروت" في أيار/مايو 2006. ثم يتناول الكتاب انتفاضة الأكراد في آذار/مارس 2004 في القامشلي، موضحاً كيف أظهرت قدرة العمل الشعبي وكيف تعامل معها النظام أمنياً فقط، دون تغيير سياساته التمييزية. يُورد الكتاب أن الأكراد يشكلون نحو مليوني نسمة (10% من السكان). ويحلل الكتاب ضعف المعارضة في سياق الثورة، فيعدد انتقاداتها: أزمة هوية، خطاب أيديولوجي غير ديمقراطي يشبه خطاب السلطة، قيادات غير كفؤة، وغياب التواصل مع المجتمع. يذكر الكتاب تشكيلات المعارضة كـ المجلس الوطني السوري في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2011، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ناقلاً ضغوطاً أميركية (تصريح هيلاري كلينتون) لتجاوز المجلس الوطني. وينتقد الكتاب الخطاب السياسي للمعارضة، معتبراً إياه شعبوياً، وأخلاقياً تطهرياً أو براغماتياً مفرطاً، ومشيراً إلى جدالها العقيم حول "وحدة المعارضة" و"التدخل الخارجي" و"عسكرة الثورة"، معتبراً العسكرة خياراً اضطرارياً بسبب عنف النظام. ويختتم هذا المحور بالإشارة إلى فشل مؤتمر جنيف2 في كانون الثاني/يناير 2014، وإجراء النظام "انتخابات" رئاسية في 3 حزيران/يونيو 2014 رفضتها المعارضة والأمم المتحدة والغرب.
أما المحور الرابع فيتناول السياسة الخارجية السورية وتحالفات النظام، رافضاً التفسيرات التي تختصرها في "حسابات خاطئة". يرى الكتاب أن هذه السياسة، رغم شعاراتها القومية والممانعة، هي في جوهرها أداة لخدمة النظام وتحصينه. يستشهد الكتاب بكيفية توظيف لبنان كورقة ضغط في السياسة الإقليمية ومنطقة عازلة، مؤكداً أن هذا الدور استمر بموافقة أميركية. يُقر الكتاب بنجاح النظام في المناورة وتجنب الضغوط، لكنه يؤكد أن هذا النجاح لم ينعكس على الداخل السوري، ولا على تحسين صورته، ولا على حماية السيادة الوطنية (حيث تخترق الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية باستمرار). في المقابل، ينتقد الفصل المعارضة لعدم فهمها لطبيعة تحالفات النظام الخارجية وقراءتها الخاطئة للعلاقات الدولية، مما جعلها تقدم خطاباً انفعالياً وتدخل في تحالفات وهمية غير منتجة.
يقر الكتاب بحدود تحليله، مشيراً إلى أن السياسات الاقتصادية لا يمكن اعتبارها السبب الرئيس للثورة، بل هي "ساهمت في توسيع رقعة الاحتجاجات"، بينما العوامل الحاسمة كانت المناخ الإقليمي للثورات العربية وارتباط الشعب السوري به. كما يقر بصعوبة التنبؤ بمستقبل المعارضة المنقسمة، ويترك أسئلة مفتوحة حول إمكانية تشكيل مظلة سياسية حقيقية تستحقها الثورة.
تتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية للكتاب في اعتماده على تحليل البنية الاجتماعية والتحالفات الاقتصادية-السياسية، متجنباً التفسيرات الأحادية. يقدم الكتاب مفهومًا بديلاً عن النظرة إلى النظام بأنه "علوي" فقط، ويقدم مفهوم "العلوية السياسية" لوصف شكل الحكم الذي يهيمن عليه ضباط من الأقلية العلوية، لكنه يرتكز أيضاً على تحالفات مع قوى اجتماعية أخرى، خاصة التجار السنة. ويرى الكتاب أن صعود "أولاد السلطة" في عهد بشار، كطبقة أوليغارشية جديدة تعتمد على المحسوبية والامتيازات، أدى إلى انحلال التحالف التقليدي بين النظام والبرجوازية الوطنية، مما يضعف أسس الاستبداد ويفتح الباب أمام احتمالات التغيير.
مع ذلك، يقدم الكتاب حججاً قابلة للنقاش. فاعتبار صعود أولاد السلطة سبباً وحيداً لانهيار التحالف التقليدي قد يكون مبالغاً فيه، خاصة مع وجود عوامل أخرى مثل السياسات الدولية والضغوط الخارجية التي لم يناقشها الكتاب بعمق. كما أن التركيز على القوانين الاقتصادية بين 1966 و1986 قد يُغفل التطورات اللاحقة بعد إلغاء محاكم الأمن الاقتصادي في 2004. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن تحليل المعارضة يركز على ضعفها وانقساماتها دون تقديم تقييم متوازن للتحديات الهائلة التي واجهتها في مواجهة نظام استبدادي عنيف. أخيرًا، قد يكون التمييز النظري بين "القانون الطبيعي" و"القانون المؤسساتي" مبالغاً فيه، إذ إن معظم الدول الحديثة تُخضع الملكية والتبادل لاعتبارات الصالح العام. رغم هذه النقاط، يظل الكتاب مرجعاً قيماً لفهم آليات الاستبداد السوري وتعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سورية قبل وبعد الثورة.
Analyse & mots-clés
Personnes
Événements