Almawred
كيف تحولت سورية من دولة مارقة إلى دولة فاشلة
عربي

كيف تحولت سورية من دولة مارقة إلى دولة فاشلة

ar

يؤكّد الكتاب على أطروحة رئيسية واحدة: سورية لم تكن "دولة مارقة" بالمعنى الدقيق الذي يمنحه المؤلف للمصطلح، بل كانت نظاماً استبدادياً وراثياً يمارس القمع الداخلي بدرجة متوسطة مقارنة بدول أخرى، قبل أن تنهار تماماً وتتحول إلى "دولة فاشلة" بسبب عوامل بنيوية عميقة في تركيبتها الاجتماعية والسياسية، وليس فقط بسبب سوء القيادة أو الضغوط الخارجية. يجادل المؤلف بأن الخطر الأكبر لا يأتي من الدول القمعية وحدها، ولا من الدول الفاشلة وحدها، بل من تلك التي تجمع بين قمع داخلي ممنهج وهشاشة مؤسساتية تجعلها قابلة للانفجار، وهذه هي الحالة السورية تحديداً.

يبدأ الكتاب بوضع إطار تحليلي مزدوج لتصنيف الدول. في القسم الأول، يميّز بين نوعين من الدول القمعية: تلك التي تسيء لمواطنيها داخلياً فقط، وتلك التي تزاوج بين القمع الداخلي والعدوانية الخارجية، وهذه الأخيرة هي التي يستحق بعضها وصف "الدولة المارقة". يقدّم المؤلف فهرسة قمعية تعتمد على مؤشرات قابلة للقياس مثل عدد السجناء السياسيين وحالات التعذيب والاختفاء القسري، بالإضافة إلى "مدخلات" مثل عدد قوات الأمن لكل فرد والقيود على الحريات. ثم يربط القمع الداخلي بالسلوك الخارجي العدائي، مستشهداً بتصريحات مسؤولين أمريكيين مثل مادلين أولبرايت التي حددت معايير للدول المارقة تشمل السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب. في هذه المرحلة، يصنّف الكتاب سورية مع كوريا الشمالية وبيلاروسيا كدول تنطبق عليها صفة "الدولة المارقة"، لكنه يعود ليؤكد أن هذا التصنيف كان يحمل قدراً من التبسيط السياسي.

يخضع الكتاب هذا الإطار لاختبار إحصائي صارم، حيث يطوّر مؤشراً مركباً لانتهاكات حقوق الإنسان (مؤشر الدول المارقة) يتألف من ثلاثة مكونات: مؤشر عرقي لقياس التمييز، ومؤشر جندري لقياس عدم المساواة بين الجنسين، ومؤشر قمع فردي يقيس انتهاكات النزاهة الشخصية. يُظهر التحليل الإحصائي للفترة من 1980 إلى 2001 نتائج لافتة: كل خطوة إضافية في هذا المؤشر تزيد احتمال بدء الدولة لنزاع دولي بنسبة 10%، والدولة التي تسجل 8 درجات تكون أكثر بـ 9 أضعاف لبدء نزاع من دولة تسجل درجة الصفر. أما بالنسبة لدعم الإرهاب، فكل خطوة إضافية في المؤشر تزيد احتمال دعم الدولة للإرهاب بنسبة 57%، ما يعني أن الدولة ذات الدرجة الأعلى تكون أكثر بـ 12 ضعفاً لدعم الإرهاب. هذه النتائج تدعم أطروحة المؤلف بأن انتهاكات حقوق الإنسان الداخلية ليست مجرد قضية أخلاقية، بل هي مؤشر أمني استراتيجي.

لكن عندما ينتقل الكتاب إلى تحليل الحالة السورية تحديداً، يبدأ في تفكيك هذا التصنيف. يصف سورية بأنها نظام استبدادي وراثي يدّعي الديمقراطية، حيث هيمن حزب البعث على الجبهة الوطنية التقدمية التي تضم ستة أحزاب أخرى، والرئيس يُنتخب لسبع سنوات قابلة للتجديد بعد مبايعته. يشرح المساومة التاريخية التي أقامها النظام مع الشعب: تقديم الأمن والاستقرار مقابل التضحية بالحريات، وهي مساومة كانت مقبولة بعد انقلابات الخمسينيات والستينيات. ويقدّم أرقاماً تفصيلية عن القمع: سورية كان لديها أقل من 1000 سجين سياسي عام 2005، وهو رقم أقل بكثير من مصر (10,000-15,000) والجزائر (7,000-10,000). أما الفساد فحصلت سورية على درجة 2.4 من 10 في مؤشر الشفافية الدولية لعام 2005، محتلة المرتبة 97 من أصل 158 بلداً، مع انتشار ظاهرة "الواسطة" كشكل مقبول لممارسة الأعمال.

يقرّ المؤلف بأن قمع النظام السوري حقيقي، لكنه يصر على أن مقارنته بدول مثل كوريا الشمالية أو تركمانستان تحت حكم صابر مراد نيازوف تكشف عن اختلافات جوهرية. ففي تركمانستان، صادر نيازوف عوائد الغاز الطبيعي (عاشر أكبر مصدر في العالم) لنفسه، وألغى عام 2005 معاشات التقاعد ومعونات المرض والأمومة، وأغلق معظم المشافي خارج العاصمة مما أدى إلى وفاة الآلاف من أمراض قابلة للعلاج، بينما بلغ دخل الفرد فيها 140 دولاراً. أما في كوريا الشمالية، فأشرف كيم جونغ إيل على مجاعة أودت بحياة مليون شخص، مع عقاب جماعي يمتد إلى الجيل الثالث. بالمقابل، يشير المؤلف إلى أن بشار الأسد سمح في أوائل حكمه بـ "ربيع دمشق" عام 2000، حيث صدرت أول جريدة خاصة منذ 40 عاماً، وسمح بنقد النظام، قبل أن تعود القيود مع "شتاء دمشق" عام 2001.

يكمن جوهر تحول سورية من "دولة مارقة" إلى "دولة فاشلة" في التحليل البنيوي للدولة الضعيفة. ينتقل الكتاب إلى تعريف الدولة الفاشلة بأنها تلك التي لا تستطيع حكومتها توفير الخدمات الأساسية والأمن لمواطنيها، ويميّز بين الدول الفاشلة تماماً مثل الصومال وهاييتي، والدول الضعيفة التي تعاني من فساد مؤسساتي رغم وجود حكومة وطنية مثل الفلبين وكولومبيا. هنا، يضع الكتاب سورية في فئة خاصة: دولة تبدو قوية بفضل قمعها الشديد، لكن هذا القمع يخفي هشاشة بنيوية قابلة للانفجار، كما حدث في العراق بعد الغزو. يشرح أن الدول القمعية ليست بالضرورة فاشلة، لأن قمعها يحافظ على مظهر القوة، لكنها غالباً ما تكون "ضعيفة" وتحتمل أن تنهار إذا زال جهاز قمعها.

يعمّق الكتاب تحليله للمشكلة السورية عبر مفهوم "تمزق الهوية السياسية". يصف المجتمع السوري بأنه فسيفساء ديموغرافية معقدة: عرب سنة (50%)، علويين (12%)، مسيحيين (10%)، أكراد (9%)، دروز (3%)، مع إشارة إلى أن عدد سكان سورية يبلغ 41 مليون نسمة. يوضح أن هذا التنوع ليس ميزة صرفة، بل هو مصدر ديناميكية سياسية تجعل الحكومات دفاعية بشكل كبير. الانقسام الأشد ليس دينياً أو عرقياً بالدرجة الأولى، بل هو انقسام فكري ووجودي بين من يريدون توحيد السياسة مع الدين ومن يريدون إبقاءهما منفصلين. في هذا السياق، يصف حافظ الأسد كيف بنى نظاماً شبه اشتراكي وحدّ مصالح الجماعات الاجتماعية مع الحكومة، مشترياً ولاءهم عبر التوظيف الحكومي والتعليم، موسعاً قاعدة دعمه بتضمين العديد من القادة السنة في الحكومة، ومقللاً أهمية الهويات الطائفية عبر الأيديولوجية القومية والعلمانية لحزب البعث.

يقدم الكتاب نموذجاً بيانياً يقسم الأنظمة السياسية بناءً على مستويين: تمزق الهوية وقدرات الحكومة القمعية. سورية تقع ضمن فئة "الدول المضبوطة" التي تجمع بين تشرذم هوية كبير وقدرات قمعية قوية، وهي دول تبدو آمنة لكنها ضعيفة وغير قابلة للتكيف. في المقابل، الدول الفاشلة حقاً هي تلك التي تجمع بين تمزق شديد وقدرات حكومية ضعيفة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا. هنا يكمن جوهر التحول السوري: عندما بدأت قدرات النظام القمعية في التآكل مع الأزمة الاقتصادية والضغوط الدولية، تحركت سورية من مربع "الدولة المضبوطة" نحو مربع "الدولة الفاشلة"، في انتقال كان حتمياً بسبب الهشاشة البنيوية الموروثة.

يقترح الكتاب نموذجاً للإصلاح يركز على تعزيز المؤسسات الوطنية لتجاوز الانقسامات الطائفية، محذراً من أن الحرية غير المقيدة في دولة منقسمة قد تؤدي إلى حرب أهلية أو حمام دم كما حدث في لبنان. وينتقد المقاربات الغربية التي تركز على فرض الديمقراطية السريعة، مستشهداً بالتجربة العراقية التي أثبتت أن الانتقال المفاجئ إلى انتخابات تنافسية يمكن أن يؤدي إلى صراع عنيف. بدلاً من ذلك، يدعو إلى إصلاحات تدريجية لا تهدد النخب الحاكمة بل تدمجها عبر حوافز اقتصادية وسياسية، مع التركيز على بناء مؤسسات قوية وروابط مجتمعية قبل التغيير السياسي الكامل. يقترح إنشاء مجلس أمن وطني سوري على غرار مجلس الأمن القومي التركي، يكون مسؤولاً عن حماية الطبيعة الموحدة والعلمانية للدولة، مع تحديد خطوط حمراء للسلوك السياسي والديني، والسماح بحريات ثقافية للأقليات مثل الأكراد.

يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل سورية، خاصة فيما يتعلق بقدرة النظام الفاسد نفسه على الإصلاح من الداخل، وقدرة أي مؤسسة على تجاوز الانقسامات الطائفية العميقة التي وصفها الفصل بدقة. يقرّ المؤلف أن النموذج الجديد الذي يقدمه قد لا يلقى قبولاً سهلاً من القادة المحليين والدوليين، لكنه يرى أسباباً للتفاؤل الحذر، منها إجماع متزايد على فشل المحاولات السابقة وتزايد القلق الدولي من مخاطر الدول الفاشلة كالإرهاب والجريمة. الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هي طرحه بأن الحل الوحيد لسورية ليس في التغيير الثوري الفوري، بل في إصلاح تدريجي تحت مظلة مؤسسة أمنية قوية، وهو موقف قد يعترض عليه من يرون أن النظام الاستبدادي نفسه هو مصدر المشكلة وليس جزءاً من الحل.

Chapitres(9)

1.الفصل الأول: الدول القومية القمعية المارقة: ما مدى قبحها وخطورتها؟29–102▼ résumé

يطرح هذا الفصل إطاراً تحليلياً لتصنيف الدول القمعية، مركزاً على التمييز بين نوعين رئيسيين: الدول القمعية داخلياً (التي تسيء لمواطنيها) والدول القمعية العدوانية (التي تجمع بين القمع الداخلي والسلوك العدائي إقليمياً وعالمياً). يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الخطر الأكبر على السلام العالمي لا يأتي من الدول القمعية فحسب، بل من تلك التي تزاوج بين القمع الداخلي المتفاقم والعدوانية الخارجية، وهي التي يستحق بعضها وصف "الدولة المارقة". يسعى الكتاب إلى وضع معايير موضوعية لقياس هذه الظواهر، وتصنيف الدول وفق درجات القمع والعدوانية، بهدف توجيه السياسات الدولية والأممية للتعامل مع أسوأ الأنظمة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر بناء تصنيف معقد. يبدأ بتعريف القمع الداخلي بوصفه انتهاكاً منهجياً للحقوق الأساسية والحريات المدنية، يشمل القتل السياسي، والاعتقال التعسفي، والعقاب الجماعي، والسيطرة على الاقتصاد، وخلق ثقافة الخوف والتبعية. يستشهد المؤلف بنموذج ديكتاتور هايتي فرانسوا دوفالييه (بابا دوك) في خمسينيات وستينيات القرن العشرين كمثال على نظام لا يمكن التنبؤ به، يزرع الرعب عبر الاستبداد المطلق. ثم ينتقل إلى اقتراح "فهرسة قمعية" مبنية على مؤشرات قابلة للقياس، مقدمًا جدولاً (الجدول رقم 1-1) يتضمن "مخرجات" مثل عدد السجناء السياسيين والاغتيالات وحالات التعذيب والاختفاء القسري، و"مدخلات" مثل عدد قوات الأمن لكل فرد والقيود على الحريات. يقر المؤلف بصعوبة جمع بيانات دقيقة من هذه الأنظمة التي تخفي انتهاكاتها، لكنه يرى أن بناء هذا الإطار ضروري لمنح المصطلحات مثل "عالية القمعية" أو "مارقة" معنى تحليلياً مفيداً.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تعريف العدوانية، ربطاً بسلوك الدول الذي يزعزع الاستقرار الإقليمي والعالمي. يورد الفصل معايير محددة من تصريحات مسؤولين أمريكيين مثل مادلين أولبرايت، وتشمل: السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، دعم وتمويل الإرهاب، الاتجار بالأسلحة والمخدرات، والقيام بهجمات عسكرية عبر الحدود. يوضح أن الدول المارقة، بحسب التعريف الذي يتبناه الكتاب، هي تلك التي تجتمع فيها درجات عالية من القمع الداخلي والعدوانية الخارجية. يذكر أن كوريا الشمالية وبيلاروسيا وسورية هي حالات تنطبق عليها هذه الصفة، مستشهداً بنشر كوريا الشمالية لأسلحة الدمار الشامل، وتورط بيلاروسيا في تهريب الأسلحة والمخدرات، ودعم سورية للإرهاب.

في القسم الذي يتناول الدول "متفاقمة القمع"، يستعرض الفصل بالتفصيل حالات كوريا الشمالية وتركمانستان تحت حكم صابر مراد نيازوف. يصف الكاتب كيف سعى كلا النظامين إلى فرض "عبودية" مطلقة على مواطنيهما، مع إغلاق الحدود ورفض تقديم أي مكاسب سياسية. يذكر أن نيازوف صادر عوائد الغاز الطبيعي (عاشر أكبر مصدر في العالم) لنفسه، بينما يُقدر دخل الفرد في تركمانستان بـ 140 دولاراً. في عام 2005، ألغيت معاشات التقاعد ومعونات المرض والأمومة، وأغلقت معظم المشافي خارج العاصمة، مما أدى إلى وفاة الآلاف من أمراض قابلة للعلاج. أما في كوريا الشمالية، فيشير الفصل إلى أن كيم جونغ إيل أشرف على مجاعة أودت بحياة مليون شخص. تم تأليه القيادة عبر أيديولوجية صارمة تمنع أي انحراف، حتى الاستماع للراديو الأجنبي أو الجلوس على جريدة عليها صورة كيم إل سونغ يعاقب عليه. الانتقال القسري للسكان والعقاب الجماعي الذي يمتد إلى الجيل الثالث والتعذيب والإجهاض القسري وقتل الرضع هي ممارسات شائعة.

بالنسبة للدول "عالية القمعية"، يناقش الفصل زيمبابوي تحت حكم روبرت موغابي، وغينيا الاستوائية تحت حكم تيودورو أوبيانج نغوما، وبيلاروسيا تحت حكم ألكسندر لوكاشينكو. يصف الكاتب حملة موغابي في عام 2005 لتدمير قرى الأكواخ حول هراري، مما خلف بين 100 ألف و1.2 مليون شخص بلا مأوى. استخدم موغابي حصص الطعام كسلاح سياسي، وحرم المعارضة من المساعدات الغذائية الدولية. كما قام بتزوير الانتخابات أعوام 2000 و2002 و2005، واعتقل قادة المعارضة مثل مورغان تسفانجيراي. في غينيا الاستوائية، يذكر أن الرئيس نغوما (الذي وصل إلى السلطة بقتل عمه) مسؤول عن مقتل 50 ألف شخص (عُشر السكان) بين عامي 1979 و1994. يتم تحويل عائدات النفط الهائلة إلى العائلة الحاكمة، بينما لا يتجاوز الإنفاق الحكومي على الصحة 1% في عام 2005. في بيلاروسيا، يستخدم لوكاشينكو البلطجية لضرب المعارضين، ويسيطر على الاقتصاد والقضاء ووسائل الإعلام، ويفرض رقابة أيديولوجية على التعليم حيث يتوجب على طلاب الجامعات منذ عام 2007 اجتياز دورة "أسس إيديولوجية".

في نهاية الفصل، يناقش المؤلف تعريف مصطلح "الدولة المارقة"، متتبعاً جذوره اللغوية من "روج" اللاتينية بمعنى يتسول، وصولاً إلى استخدامه في عهد إدارة كلينتون لوصف إيران والعراق. ينقل عن أنطوني ليك، مستشار الأمن القومي السابق، وصفه لكوبا وكوريا الشمالية وإيران والعراق وليبيا بأنها دول "مرتدة" تقف على "الجانب الخطأ من التاريخ". كما يُظهر الفصل تحفظاً على الاستخدام السياسي الفضفاض للمصطلح، ويدعو إلى حصره في الحالات التي تجمع بين القمع المتفاقم والعدوانية المثبتة، مثل كوريا الشمالية وإيران. أخيراً، يشير الفصل إلى أن الدول الفاشلة ليست بالضرورة قمعية، لأن انهيار الدولة يعني غياب جهاز القمع، بينما الدول القمعية غالباً ما تكون "ضعيفة" وتحتمل أن تنهار إذا زال جهاز قمعها. يختتم بتأكيد أن كل الدول القمعية تشكل تهديداً، لكن الدول المارقة فقط هي التي تستحق أعلى درجات الاهتمام والإدانة الدولية.

1.الفصل الأول: لماذا تعتبر الدول الفاشلة مهمة؟243–268▼ résumé

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا أصبحت الدول الفاشلة تشكل هاجساً أمنياً واقتصادياً عالمياً، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الدول لم تعد مجرد مشكلة إنسانية أو تنموية هامشية، بل تحولت إلى مصدر رئيسي للتهديدات التي تواجه الدول القوية والمصالح الغربية، وأن إصلاحها يتطلب مقاربة جديدة تتجاوز الوصفات الجاهزة.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح هذا التحول الجذري في النظرة إلى الدول الضعيفة. يبدأ المؤلف بالإشارة إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانت نقطة التحول الحاسمة. فقبل هذا التاريخ، كان الاهتمام الغربي منصباً على القوى العظمى، لكن الهجمات أثبتت أن دولة ضعيفة مثل أفغانستان يمكن أن تشكل خطراً على مصالح دول قوية. ويستشهد المؤلف بإعلان الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة عام 2002 الذي يؤكد هذه الفكرة، ويضيف أن الفقر والمؤسسات الضعيفة والفساد تجعل الدول عرضة للشبكات الإرهابية. هذا التوجه لم يقتصر على أميركا، بل تبنته دول غربية أخرى كبريطانيا التي أصدرت وحدة استراتيجية رئيس وزرائها تقريراً في شباط/فبراير 2005 بعنوان "الاستثمار في الوقاية" يوضح العلاقة بين عدم استقرار الدولة والإرهاب الدولي.

لتأكيد هذه النقطة، يقدم المؤلف سلسلة من الأمثلة والأدلة. يذكر أن الإرهابيين الذين نشأوا في أفغانستان وباكستان والصومال هاجموا أهدافاً أميركية وأوروبية. كما يشير إلى التدخلات العسكرية الغربية في البلقان في التسعينيات، وفي تيمور الشرقية وهاييتي وسيراليون، لملء الفراغ الأمني الذي تتركه الحكومات الضعيفة. ويورد أرقاماً مهمة: تقرير البنك الدولي يشير إلى أن عدد الدول الفاشلة التي تؤوي إرهابيين ارتفع من 11 دولة في عام 2000 إلى 26 دولة في عام [يحتاج تحققاً]. كما يذكر أن الصراعات في نيجيريا والإكوادور والعراق تساهم في رفع أسعار النفط وتهديد الاقتصاد العالمي. ويضرب مثلاً بأن الدول المجزأة مثل كولومبيا وأفغانستان لا تزال المصدر الرئيسي للمخدرات غير المشروعة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى البعد الإنساني والاقتصادي للمأساة. يصف المؤلف كيف يعاني ما يصل إلى ملياري شخص يعيشون في هذه الدول من "أكثر أنواع الحياة بؤساً في العالم". ويدعم هذا بعرض إحصاءات صارمة: ثلاثة من كل أربعة أشخاص في هذه المناطق (حوالي ثلاثين بلداً) يعيشون في نزاعات مسلحة، و350 مليون شخص يعانون من مؤشرات اقتصادية كتيبة، حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد هو نصف ما هو عليه في الدول منخفضة الدخل الأخرى، ومعدل وفيات الأطفال يبلغ الضعف. ويضيف أن فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) يصيب أكثر من 5.7 مليون شخص، وأكثر من 100 مليون شخص محرومون من الوصول إلى المياه النظيفة. هذه الدول، كما يوضح، هي العائق الأكبر أمام تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية للألفية بحلول 2015، وهي أكثر عرضة للحروب الأهلية بـ 200 مرة من الدول المستقرة.

ثم يركز المؤلف على المعضلة الاقتصادية. فبينما تستفيد دول مستقرة مثل الصين والهند وتركيا من العولمة، فإن الدول الفاشلة غير قادرة على جذب الاستثمارات أو تصدير سوى سلع قليلة في "جيوب محمية". ويوضح كيف أن البيئة التجارية المتصدعة تمنع الشركات العالمية الكبرى مثل إكسون وشل من الاستثمار الفعال، وتجعل من المستحيل على الشركات المحلية أن تتعلم وتنافس. هذا يخلق "ازدواجاً قطبياً عالمياً" بين دول تربح من العولمة وأخرى تخسر، مما يغذي دورة من عدم الاستقرار والفشل.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تعريف وتحليل مفهوم "هشاشة الدولة". يقرّ المؤلف بعدم وجود إجماع على تعريف واحد، لكن الخبراء يتفقون على أن الدولة الفاشلة هي تلك التي لا تستطيع حكومتها توفير الخدمات الأساسية والأمن لمواطنيها. يميز المؤلف بين الدول الفاشلة تماماً مثل الصومال وهاييتي، والدول الضعيفة التي تعاني من فساد مؤسساتي رغم وجود حكومة وطنية كالفلبين وكولومبيا وباكستان. ويشير إلى أن بعض الدول مثل سورية وأوزبكستان قد تبدو قوية، لكن قمعها الشديد يخفي قابلية للانفجار كما حدث في العراق بعد الغزو. ويذكر أن عدد هذه الدول يختلف حسب المصدر: وزارة التنمية الدولية البريطانية حددت 46 دولة هشة، والبنك الدولي حدد 30 دولة، ومجلة فورين بوليسي حددت 60 دولة، ومركز التنمية الدولية حدد 44 دولة.

يخلص الفصل إلى انتقاد حاد للمقاربات الغربية الحالية. يرى المؤلف أن التقارير الرسمية تركز على كيفية التعامل مع الأزمات وتقديم حلول عامة "بقياس واحد للجميع" كإقامة انتخابات وإصلاح اقتصادي، متجاهلة المشاكل الهيكلية العميقة. ويشير إلى أن الجهود الدولية حققت نتائج إيجابية محدودة، معترفاً بـ "المعرفة المحدودة" للعوامل التي تسبب الهشاشة، ومقتبساً تقريراً لـ مجموعة تقويم البنك الدولي المستقلة يفيد بأن "التدخل الدولي السابق في الدول الفاشلة فشل في حصد أي تحسينات مهمة". ويستعرض بإيجاز أعمال باحثين بارزين مثل روبرت روتبرغ وفرانسيس فوكوياما وروبرت بوتنام، لكنه يخلص إلى أنهم جميعاً يركزون على تشخيص المشاكل دون تقديم وصفة علاجية مبتكرة.

في القسم الأخير من الفصل، يضع المؤلف "منهجاً جديداً" يقوم على فكرة أن الحل هو "التنمية" ولكن بالمعنى الشامل: تحويل النظام الذي يتعاون من خلاله أفراد المجتمع. يرى أن الدول الفاشلة تعاني من انفصال بين الدولة والمجتمع بسبب الاستعمار والنخب المنعزلة. ويقدم نموذجاً يركز على البيئة الاجتماعية والثقافية المحلية، وعلى ربط الدولة بالمجتمع عبر استخدام المؤسسات غير الرسمية والهويات المحلية، بدلاً من فرض نماذج غربية. ويضرب أمثلة: شيعة العراق لن يدعموا حكومة تنكر دور الإسلام، والأكراد يصرون على الفدرالية، والسكان الأصليون في غواتيمالا والإكوادور وبوليفيا يحتاجون لأن يكونوا شركاء في صنع القرار. ويؤكد على ضرورة وجود محركات اقتصادية قوية جاذبة للاستثمار.

أخيراً، يحدد الفصل نطاق الكتاب: فهو يركز على الدول التي تعاني من خلل "هيكلي أساسي" في تصميمها، وليس فقط بسبب سوء القيادة. ويميز بين دول مثل كوريا الشمالية التي يمكن إصلاحها بتغيير السياسات، ودول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تحتاج إلى "إعادة هندسة مؤسساتية". ويذكر قائمة توضيحية (غير شاملة) لأبرز الدول الفاشلة حسب تعريفه، تشمل دولاً من أفريقيا (أنغولا، الصومال، السودان)، أميركا اللاتينية (بوليفيا، الإكوادور، غواتيمالا)، الشرق الأوسط (العراق، لبنان، سورية)، البلقان (البوسنة، صربيا)، جنوب آسيا (النيبال، باكستان، سريلانكا)، والقوقاز (أفغانستان، أذربيجان، جورجيا).

حجج قابلة للنقاش بناءً على النص: يطرح الفصل فكرة أن إصلاح الدول الفاشلة يجب أن يكون من الداخل عبر ربط المؤسسات بالهويات والتقاليد المحلية، وهذا موقف قابل للنقاش مقابل من يرون أن الحلول العالمية (كالديمقراطية الليبرالية وحكم القانون) هي الأجدى. كما أن تعريفه للدولة الفاشلة بأنها "المستبعد أن تزدهر حتى مع قادة أفضل" هو تعريف حتمي قد يعترض عليه من يرى أن القيادة الجيدة كفيلة بتغيير أي دولة.

2.الفصل الثاني: تبني التنمية: المكونات المفقودة269–302▼ résumé

يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً: لماذا تفشل الدول الضعيفة في تحقيق التنمية رغم المساعدات الدولية؟ ويقدم المؤلف إجابة واضحة: لأنها تفتقر إلى مكونين أساسيين، هما التماسك الاجتماعي القوي والمؤسسات غير الرسمية المنتجة. فغياب هذين المكونين يحول دون بناء أنظمة حكم شرعية وفعالة، وهي شرط ضروري لأي تنمية حقيقية.

يبدأ الفصل بانتقاد طريقة تفكير المجتمع الدولي، خاصة الغربي، في التعامل مع الدول الفاشلة. يشير المؤلف إلى ثلاثة أسباب رئيسية لهذا العجز في الفهم: أولاً، التركيز المفرط على الليبرالية والتعددية الثقافية مما يعيق رؤية الدور الحاسم للهويات الجماعية (القبلية، العرقية، الدينية) في هذه المجتمعات. وثانياً، هيمنة النموذج الاقتصادي الضيق على أجندة التنمية، متجاهلاً أن التنمية في مراحلها الأولى هي عملية سياسية واجتماعية بالأساس، وليست مجرد مسألة اقتصادية. وثالثاً، نسيان الغربيين لكيفية بناء دولهم الحديثة عبر قرون من النضال والتجارب، مما يجعلهم غير مستعدين لمواجهة تحديات مختلفة تماماً في دول مصطنعة الحدود.

بعد ذلك، يشرح المؤلف كيف تعمل عملية التنمية تاريخياً. يرى أنها عملية معقدة يقودها التحديث الاقتصادي الذي يحركه السوق والمنافسة. هذه العملية تبدأ ببطء عندما تبدأ الشركات والأفراد، بدافع من الثقة في المستقبل، في الاستثمار وزيادة الإنتاجية. يؤدي هذا إلى ارتفاع الدخل وزيادة الطلب، مما يجبر الشركات والحكومة على التحسن. والأهم أن هذه الدورة تتغذى ذاتياً: فالتقدم يبني الثقة، والأرباح تجذب المزيد من الاستثمارات، والتوقعات المرتفعة تفرض الإصلاحات. لكن الشرط الأساسي لانطلاق هذه الدورة هو وجود بيئة مؤسساتية آمنة، تحمي حقوق الملكية وتنفذ العقود وتكفل أمن الاستثمارات. وهذه البيئة، كما يوضح، لا توفرها إلا المؤسسات، سواء كانت رسمية (قوانين، دساتير) أو غير رسمية (أعراف، تقاليد، معايير اجتماعية).

يؤكد الفصل أن المؤسسات غير الرسمية هي الأكثر أهمية في الدول الفقيرة، لأن المؤسسات الرسمية فيها ضعيفة ومحدودة. المشكلة أن برامج التنمية الدولية تركز حصراً تقريباً على بناء المؤسسات الرسمية (إصلاح القضاء، إنشاء هيئات رقابية)، متجاهلة الأعراف الاجتماعية القوية التي تحكم سلوك الناس فعلياً. ويضرب أمثلة على قوة المؤسسات غير الرسمية: في إيطاليا ما بعد الحرب، كانت معايير الفساد غير الرسمية أقوى من القوانين الرسمية. وفي المكسيك، كان هناك عرف غير مكتوب يحدد اختيار الرئيس، وفي آسيا الوسطى، أصبحت القوانين العشائرية هي قواعد اللعبة الأساسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. هذه المؤسسات غير الرسمية تتمتع بقدرة هائلة على البقاء، حتى عند تغيير القوانين الرسمية، وهذا يجعل إصلاحها صعباً للغاية.

يقدم الفصل تصنيفاً تاريخياً للدول الناجحة، وهي نوعان فقط: "الأمة الدولة" و"الدولة الأمة". الأولى، مثل بريطانيا وفرنسا واليابان، نشأت عبر قرون على يد مجموعة بشرية واحدة تشترك بلغة وثقافة وتاريخ مشتركين. هذا التماسك سمح ببناء مؤسسات غير رسمية متينة (ثقة، تعاون، آداب مشتركة)، ثم بناء مؤسسات رسمية شرعية على هذا الأساس، مما جعل تكاليف المعاملات الاقتصادية منخفضة وحفز التنمية. أما الثانية، ومثالها الهند وجنوب أفريقيا وماليزيا، فهي دول تشكلت من عدة شعوب مختلفة، لكن الاستعمار، وتحديداً الاستعمار البريطاني، لعب دوراً حاسماً في توحيدها عبر استثمار طويل الأمد (لأجيال) في بناء مؤسسات رسمية متينة (جيش، خدمة مدنية، نظام تعليمي) وهوية وطنية جديدة تبنّاها النخبة المحلية، مثلما حدث مع مؤسس الهند جواهرلال نهرو وموهانداس غاندي الذي تدربا على الأفكار البريطانية. في المقابل، الدول الفاشلة هي غالباً نتاج استعمار سيء، حيث رُسمت حدودها اعتباطياً، وجُمعت فيها جماعات ذات هويات متعارضة دون أي تاريخ مشترك، وتُركت بمؤسسات رسمية هشة مفروضة من الخارج وغير شرعية في نظر السكان.

يوضح الفصل أن الهوية هي مفتاح فهم المشكلة. الهوية الجماعية القوية (دينية، عرقية، قبلية) هي التي تخلق الثقة ورأس المال الاجتماعي داخل المجموعة، وتخفض تكاليف التعامل الاقتصادي، وتسمح ببناء مؤسسات غير رسمية منتجة. لكن في الدول الفاشلة، حيث تكون الهوية الوطنية ضعيفة والمجتمع منقسماً، تتحول الهويات الفرعية إلى مصدر للصراع وعدم الاستقرار. ويستشهد بدراسة روبرت بوتنام التي تشير إلى أن التنوع العرقي يرتبط عكسياً بمستوى الثقة، حتى في المجتمعات المستقرة. وفي الدول الهشة، يتحول هذا التنوع إلى لعنة، حيث يصبح من المستحيل الاتفاق على توفير سلع عامة (مثل الصحة والتعليم) أو بناء مؤسسات وطنية شرعية. يضرب مثالاً بأن الإنفاق على علاج الإيدز في أفريقيا يرتبط بشكل وثيق بالانقسام العرقي، حيث تنفق المجتمعات الأكثر تجانساً أضعاف ما تنفقه المجتمعات المنقسمة.

يقر المؤلف بحدود تجربته، مشيراً إلى أن حتى الدول المتقدمة ذات المؤسسات المتينة مثل الولايات المتحدة تعاني من آثار التنوع على الثقة. كما يعترف بأن بعض الدول القليلة، مثل بوتسوانا وكوريا الجنوبية وتركيا وكستاريكا، استطاعت النمو بسرعة على الرغم من عدم استيفائها الكامل لشروط "الحكم الجيد" بالمعنى الغربي، وذلك بفضل تماسكها الاجتماعي النسبي وقدرتها على تكييف المؤسسات الحديثة مع تقاليدها المحلية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي قد يسبق إرساء معايير الحكم الجيد الرسمية، وليس العكس دائماً.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم نقداً قوياً وجذرياً للنموذج السائد في التنمية. فهو يرفض فكرة أن مجرد ضخ الأموال وتقديم الخبرات الفنية لبناء مؤسسات رسمية هو الحل، ويؤكد أن التنمية عملية عضوية عميقة تعتمد على "النظام الاجتماعي" القائم على الثقة والتماسك والهوية المشتركة. وهذه حجة قابلة للنقاش، فهي تركز بشكل كبير على العامل الثقافي والهوياتي وقد تقلل من شأن العوامل الاقتصادية والسياسية الملموسة، مثل الفساد وسوء الإدارة وتركة الاستعمار الاقتصادية. لكنها بلا شك تقدم تفسيراً مقنعاً لفشل العديد من جهود بناء الدولة في العقود الأخيرة، وتدعو إلى مقاربة أكثر تواضعاً تراعي الظروف المحلية الفريدة لكل مجتمع.

2.الفصل الثاني: منتهكو حقوق الإنسان عنيفون، خطرون أم الاثنان معاً؟103–150▼ résumé

يطرح هذا الفصل إشكالية جوهرية: هل هناك علاقة بين انتهاكات الدولة الداخلية لحقوق الإنسان وسلوكها الخارجي العدائي والخطير؟ يناقش المؤلف أن الإجابة نعم، مؤسساً مفهوماً بديلاً لـ"الدولة المارقة" يختلف عن التعريف السياسي الأميركي السائد. فبينما يركز صناع السياسة الأميركيون على معايير السلوك الخارجي كدعم الإرهاب وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، يؤكد المؤلف أن هذه السلوكيات ما هي إلا أعراض لجذر أعمق: المعايير والقيم العنيفة المتأصلة في بنية الدولة الداخلية، والتي تتجلى في انتهاكاتها المنهجية لحقوق الإنسان.

يسير الفصل خطوة خطوة لبناء حجته. يبدأ بنقد المفهوم السياسي للدولة المارقة، مشيراً إلى أن تركيز الولايات المتحدة عليها بعد الحرب الباردة ربما كان مدفوعاً بحاجتها لإيجاد مبرر لسياساتها واستراتيجياتها للحفاظ على هيمنتها العالمية، وليس بالضرورة كرد فعل على تهديدات حقيقية. ثم يقدم المؤلف بديله النظري معتمداً على فكرة أن "المعايير" التي تحكم السلوك المحلي هي نفسها التي تمتد لتشكل السلوك الدولي. فالدولة التي تتسامح مع التمييز والقمع المحليين تغرس معايير عنيفة تنعكس حتماً على سلوكها الخارجي.

لاختبار هذه الفرضية، يطور المؤلف "فهرس الدول المارقة" (Rogue State Index) وهو مؤشر مركب لقياس انتهاكات حقوق الإنسان داخلياً. يتكون الفهرس من ثلاثة مكونات رئيسية: مؤشر العرق لقياس التمييز الاقتصادي والسياسي ضد الأقليات، مؤشر الجندر لقياس عدم المساواة بين الجنسين (عبر نسب النساء في البرلمان والقوى العاملة ومعدل الخصوبة)، ومؤشر القمع الفردي الذي يقيس انتهاكات النزاهة الشخصية كالاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري (باستخدام مقياس "جيبني" للرعب السياسي). من خلال دمج هذه المقاييس، ينتج الفهرس درجة لكل دولة من 0 إلى 8، حيث تشير الدرجات الأعلى إلى انتهاكات أشد. النتائج تظهر أن دولاً مثل إيران، غواتيمالا، السعودية، والسودان سجلت درجات مرتفعة، بينما سجلت دول مثل الدنمارك، فنلندا، النرويج، والسويد أدنى الدرجات.

يستخدم الفصل هذا الفهرس لإجراء تحليلات إحصائية تغطي الفترة من 1980 إلى 2001، تهدف إلى إثبات أن الدول التي تسجل درجات عالية في الفهرس (منتهكي حقوق الإنسان) تشكل تهديداً أمنياً تقليدياً وغير تقليدي. فيما يتعلق بالتهديد التقليدي، تظهر النتائج أن هذه الدول تكون أكثر ميلاً لبدء نزاعات دولية مسلحة، والتورط في نزاعات عنيفة، واستخدام القوة أولاً عند الدخول في أي نزاع. على سبيل المثال، كل خطوة إضافية في الفهرس تزيد احتمال بدء الدولة لنزاع بنسبة 10%، والدولة التي تسجل 8 درجات تكون أكثر بـ 9 أضعاف لبدء نزاع من دولة تسجل 0 درجة.

أما بالنسبة للتهديد غير التقليدي، فيختبر الفصل العلاقة بين انتهاك حقوق الإنسان ودعم الإرهاب الدولي والسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. النتائج تؤكد وجود علاقة إحصائية قوية؛ كل خطوة إضافية في الفهرس تزيد احتمال دعم الدولة للإرهاب بنسبة 57%. فالدولة التي تسجل 8 درجات تكون أكثر بـ 12 ضعفاً لدعم الإرهاب من دولة تسجل 0 درجة. وبالمثل، ترتبط الدرجات العالية في الفهرس بشكل كبير باحتمال سعي الدولة غير المشروع لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ولكن دون أن يكون هذا السلوك محدداً حصرياً لوضعها كدولة مارقة، بل هو أحد تجلياته. يقدم الفصل نموذجي باكستان وإيران كدراستي حالة مفصّلتين لدعم هذه النتائج. كلتا الدولتين تسجلان درجات عالية في الفهرس، وتظهران سلوكاً عسكرياً عدائياً تقليدياً (صراعات مع جيرانهما)، وتمتلكان برامج متطورة لأسلحة الدمار الشامل، ولديهما تاريخ طويل في دعم التنظيمات الإرهابية.

يعترف الفصل ضمنياً ببعض التحفظات، مثل أن السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل لا يمكن اعتماده وحده لتحديد الدول المارقة لأن متغير انتهاك حقوق الإنسان يفسر فقط 17% من هذا السلوك. مع ذلك، فإنه يبني حجته على أسس إحصائية ونظرية قوية، ويخلص إلى أن "الدول المارقة حقيقية وتمثل تهديدات حقيقية للأمن الدولي"، لكن تعريفها الحقيقي لا يكمن في انتهاكاتها الخارجية فحسب، بل في قمعها الداخلي. وبالتالي، فإن تعزيز حقوق الإنسان ليس مجرد التزام أخلاقي بل هو ضرورة أمنية إستراتيجية، حتى بالنسبة للسياسات الخارجية الواقعية التي تركز على الأمن القومي.

3.الفصل الثالث: إدارة الأرقام، منظور مقارن151–184▼ résumé

يُقدّم هذا الفصل مقارنة تحليلية لأربعة عشر بلداً تُصنّف عادةً في فئة "الدول القمعية" أو "الدول المارقة"، وذلك في محاولة لفهم التحول السوري بشكل أعمق ضمن هذا السياق الأوسع. الفصل لا يكتفي بوصف سورية وحدها، بل يضعها إلى جانب دول مثل كوريا الشمالية، بورما، السودان، زيمبابوي، كوبا، السعودية، إيران، وغيرها، ليقارن أداءها عبر أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة. الهدف الأساسي للمؤلف هو الإجابة عن سؤال ضمني حول ما إذا كانت سورية تعاني من مشاكل فريدة أم أنها تشارك في سمات مشتركة مع مجموعة محددة من الدول القمعية المعروفة.

يسير الفصل بمنهجية واضحة لتفكيك "القمع" كمفهوم مُعقّد إلى مؤشرات قابلة للقياس. يبدأ الفصل بتصنيف الدول وفقاً لحريتها السياسية والمدنية، مستعيناً بتصنيفات فريدوم هاوس لعام 2015، والتي تُظهر أن الدول الأربع عشر جميعها تُصنّف على أنها "غير حرة"، مع رصيد متدنٍ جداً في الحقوق السياسية والحريات المدنية (درجة 6 أو 7). ثم ينتقل إلى تحليل أكثر تعقيداً باستخدام مؤشرات الحكم العالمية لـ كراي وكاوفمان وماستروزي لعام 2010، والتي تقيس ستة أبعاد: الصوت والمحاسبة، الاستقرار السياسي، فاعلية الحكومة، جودة التنظيمات، حكم القانون، ومكافحة الفساد. يُظهر الجدول أن جميع هذه الدول تقع دون المعدل العالمي (وهو صفر) في معظم هذه الأبعاد، وأن سورية تحتل مرتبة متوسطة ضمن المجموعة من حيث الكفاءة السياسية الكلية، متقدمة على دول مثل زيمبابوي والسودان ومتأخرة عن تونس والسعودية.

يُحلل الفصل بعد ذلك الأبعاد الاقتصادية، مستخدماً بيانات من البنك الدولي لعام 2015، ليُظهر أن معظم هذه الدول تنتمي إلى فئة الدخل المنخفض أو المتوسط-المنخفض، باستثناء السعودية (المرتفع) وغينيا الاستوائية (فوق المتوسط). يُذكر أن كل هذه الدول عانت من أزمات اقتصادية متكررة، كان سببها الشائع هو "تحكم الحكومة المفرط". على سبيل المثال، عانت سورية من التضخم والبطالة والإجراءات التجارية المعقدة، بينما عانت زيمبابوي من تضخم مفرط وصل إلى أكثر من 1000% في عام 2007. يُظهر الجدول أن سورية كان لديها معدل دخل فردي منخفض نسبياً في منطقتها، ونمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي بلغ -5.2%، مما يشير إلى أداء اقتصادي متدهور. الاستثناءات الوحيدة التي أظهرت أداءً أفضل من معدلاتها الإقليمية كانت اقتصادات الشرق الأوسط المعتمدة على النفط.

أما الأبعاد الاجتماعية، فيتناولها الفصل من خلال مؤشرات مثل الكثافة السكانية، وفيات الرضع، متوسط العمر المتوقع، ومحو الأمية. في عام 2015، كان معدل محو الأمية العالمي حوالي 78%، وتباينت النسب بين الدول المدروسة، فقد بلغت 100% في دول آسيا الوسطى، بينما انخفضت إلى 91% في زيمبابوي و88% في سورية. المؤشر اللافت للانتباه هو المشاركة الاقتصادية للإناث، حيث كانت أقل من 40% من نشاط الذكور في كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يعكس القيود الاجتماعية والدينية. يُحاول الفصل الربط بين نقص الحريات الدينية (كما في إيران والسعودية) وانخفاض المشاركة الاقتصادية للنساء، لكنه يلاحظ أن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة الإسلامية (مثل أوزباكستان وتركمانستان) سجلت نسبة مشاركة نسائية أعلى (أكثر من 70%) رغم افتقارها للحريات الدينية، مما يشير إلى أن العلاقة ليست حتمية.

في خاتمة الفصل، يقوم المؤلف ببناء ثلاثة مؤشرات مركبة (سياسي، اقتصادي، اجتماعي) لتقييم الأداء العام لكل دولة. بناءً على ذلك، يُنتج ترتيباً نهائياً للدول من "الأعلى" إلى "الأدنى" في الأداء الكلي، حيث تأتي تونس والسعودية وكوبا في المقدمة، بينما تقع سورية في منتصف الترتيب (الثامنة أو التاسعة)، وتأتي زيمبابوي والسودان وبورما في المؤخرة. هذا التصنيف يوضح وظيفة الفصل الأساسية وهي نزع صفة "الخصوصية" عن الحالة السورية، وإظهارها كجزء من مجموعة أوسع ذات خصائص مشتركة من القمع والكفاءة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحدودة. الفصل لا يترك أسئلة مفتوحة حول أسباب التحول السوري المحدد، بل يكتفي بتقديم هذا الإطار المقارن الذي يُظهر مكانة سورية بين نظيراتها.

3.الفصل الثالث: دول ضعيفة، ومجتمعاتٌ ممزقة:303–324▼ résumé

يطرح هذا الفصل من الكتاب سؤالاً محورياً: لماذا تفشل دول كثيرة، لا سيما في أفريقيا والشرق الأوسط، في تحقيق الاستقرار والتنمية، وما هي الجذور البنيوية لهذا الفشل؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الفشل ناتج عن مشكلتين بنيويتين مترابطتين: تمزق الهوية السياسية داخل الدولة، وضعف المؤسسات الوطنية. هاتان المشكلتان معاً تقوضان شرعية الدولة في عيون مواطنيها، وتحولانها إلى كيان مصطنع "معلق فوق" المجتمع لا يعبر عنه ولا يخدم مصالحه.

يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه المعضلة. يبدأ بوصف الدولة في الكثير من البلدان النامية بأنها "دولة مصطنعة"، حيث يوجد "هرة كبيرة" بين النخبة الحاكمة الصغيرة وعامة الناس. ويشير إلى أن سياسات الدول الغربية، التي سعت لدعم الأنظمة القائمة ومنحها المعونات، أدت إلى تعزيز اعتماد هذه الدول على الخارج ومنعت إعادة تنظيمها لتناسب ظروفها المحلية. هذا "الانفصال السياسي" بين الدولة والمجتمع يتفاقم بفعل "الانفصال الاقتصادي"، حيث تزداد اعتمادية الدولة على الدعم المالي الخارجي فتتعزّل عن مجتمعها ومصادره المحلية، ولا تهتم به إلا كمصدر للنهب.

ثم ينتقل الفصل إلى تشخيص المسببات البنيوية للضعف بالتفصيل. يوضح أن شرعية الدولة، التي هي أساس أي نظام سياسي مستقر، تنشأ من إيمان المواطن بأن طاعة السلطات أمر صحيح وأخلاقي. هذا الإيمان، كما يشرح نقلاً عن مايكل هادسون، يعتمد على إجماع حول الهوية الوطنية وحدود المجتمع. فحين يكون المجتمع منقسماً بشدة على أسس عرقية أو دينية أو عشائرية، يصبح من العسير جداً تطور نظام شرعي. ويستشهد الفصل بدراسات وليم ايسترلي التي تثبت أن "الاختلاف العرقي له التأثير المناوئ الأكبر" عندما تكون المؤسسات فقيرة، والعكس صحيح. التشرذم السياسي وغياب المؤسسات القوية يغذي كل منهما الآخر، ويمنع تكوّن بيروقراطية حيادية (كالخدمة المدنية والقضاء والجيش) يمكنها الحفاظ على النظام الاجتماعي.

لتجسيد هذه الأفكار، يقدم الفصل نموذجاً بيانياً (جدول رقم 7-1) يقسم الأنظمة السياسية بناءً على مستويين: (تمزق الهوية) و(قدرات الحكومة القمعية). فالدول التي تملك تمزقاً أقل وقدرات حكومية منخفضة (مثل مالي ومنغوليا) هي دول خاملة ولكنها مستقرة نسبياً. أما الدول التي تجمع بين تشرذم هوية كبير وقدرات قمعية قوية (مثل سورية والعراق تحت حكم صدام والاتحاد السوفيتي سابقاً) فهي "دول مضبوطة" تبدو آمنة لكنها ضعيفة وغير قابلة للتكيف. والمربع الأكثر خطورة هو ما يضم دولاً ذات تمزق شديد وقدرات حكومية ضعيفة (مثل جمهورية الكونغو الديموقراطية ونيجيريا)، وهذه هي الدول غير المستقرة والفاشلة حقاً، والتي لا يمكنها بسهولة الانتقال إلى مربع القوة والاستقرار (الذي تمثله معظم الدول القومية المتطورة). يوضح الفصل أن محاولات دول مثل سورية تحت حكم حافظ الأسد وغانا تحت حكم جيري راولينغز كانت تهدف للانتقال من مربع الضعف إلى مربع الضبط، عبر رعاية وحدة وطنية وزيادة قدراتها.

يتعمق الفصل في تحليل النتائج الاقتصادية والاجتماعية المدمرة لهذا التشرذم. المجتمعات المنقسمة تعاني من أدنى مستويات الثقة بين أفرادها، مما يرفع "تكاليف المعاملات التجارية" إلى مستويات استثنائية. ففي المجتمعات المتماسكة التي تملك تاريخاً مشتركاً، تتطور آليات غير رسمية لتخفيض التكاليف وحماية الممتلكات، لكن الدول الضعيفة تدمر رأس المال الاجتماعي هذا دون أن تقدم بديلاً رسمياً فعالاً. والنتيجة هي دوائر فاسدة من "الرداءة وعدم الثقة والتهرب والاستغلال والعزلة والركود" التي تعزز بعضها البعض. ويشير الفصل إلى أن الانقسام العرقي الحاد يرتبط بتعليم ضعيف وأنظمة مالية متخلفة وبنية تحتية غير كفوءة، وذلك لأن استقطاب المجموعات يؤدي لسلوك يسعى لاستئجار الموارد ويضعف الإجماع على السلع الوطنية.

في هذه البيئة، ينزع الأفراد إلى الولاء لعشائرهم أو قادتهم الدينيين بدلاً من الدولة. وتتنافس المجموعات على السيطرة على مؤسسات الدولة لنهب ثرواتها، مستخدمة التمزق العرقي لمكاسب شخصية قصيرة المدى، مما يوسع الفجوة بين المجموعات. ويستشهد الفصل بمثال ساحل العاج عام 2002، حيث أدى حرمان الشماليين من حقوقهم المدنية إلى حرب أهلية، وكيف أن التمييز طويل الأمد ضد الشعوب الأصلية في دول أميركا اللاتينية مثل بوليفيا والإكوادور وغواتيمالا، أو فشل دول مثل نيجيريا والسودان في توفير الخدمات الأساسية لشعوبها، كلها أمثلة على هذه الظاهرة.

يوضح المؤلف أن هذا الخلل الوظيفي يصبح ذاتي التعزيز. فالفساد والمحسوبية ينتشران، ويضطر رجال الأعمال إما لدفع الرشى أو العمل خارج القانون. والموظفون الأكفاء يهاجرون، مما يمنع تطور المؤسسات. ويرى الفصل أن السلوك الاستبدادي للقادة في هذه البيئات ليس بالضرورة نابعاً من الأنانية أو الشر المتأصل، بل هو "استراتيجية نجاة" في بيئة تتبدد فيها شرعية كل شيء. فهم، كما يستنتج هادسون، يعيشون في شعور دائم بعدم الأمان، مما يدفعهم لمحاباة الأقرباء والفساد كأدوات للبقاء.

أما بخصوص حدود الطرح، فيقر الفصل أن هذه المشكلة قد تستغرق حلها قروناً طويلة من الزمن. كما يعترف بأن زيادة المساعدات الدولية أو إجراء انتخابات تنافسية أو تطبيق إصلاحات اقتصادية معزولة ليست حلولاً سحرية لمشكلة بهذا العمق، بل قد تفاقم التوتر الداخلي. ويترك أسئلة مفتوحة حول كيف يمكن كسر هذا المسار، مقترحاً أن الحل الوحيد هو في استراتيجيات تعيد هيكلة المؤسسات الرسمية لتتوافق مع الظروف المحلية وتعزز قوة الولاء التقليدي لبناء الدولة من القاعدة إلى القمة، وليس العكس.

أخيراً، يمكن القول إن الفصل يقدم تشخيصاً متقناً لمشكلة الدول الفاشلة ويربط ببراعة بين التشرذم الاجتماعي وضعف المؤسسات وانهيار الشرعية وفشل التنمية، مستعيناً بأمثلة متنوعة من مناطق مختلفة. لكنه، كما يبدو من الصياغة، يضع المجتمعات المنقسمة نفسها في موقع الفاعل الأساسي في هذه المأساة (بما يعززه من "عصبية قبلية")، في حين أن السياسات الغربية الاستعمارية وما بعد الاستعمارية توصف كعوامل مفاقمة للمشكلة لا كمسببات لها. هذه النظرة قد تكون قابلة للنقاش، إذ يمكن لمنظور آخر أن يعطي وزناً أكبر للدور التاريخي للاستعمار في خلق هذه التقسيمات وتعميقها عمداً.

4.الفصل الرابع: نموذج جديد للتنمية325–360▼ résumé

يطرح هذا الفصل، وهو القسم الثاني من الكتاب، نموذجاً جديداً لإصلاح الدول الضعيفة والفاشلة، وذلك بعد أن شخّص الكتاب في الأقسام السابقة أسباب فشلها. المحور الأساسي للفصل هو رفض النماذج الغربية الجاهزة التي تُفرض على هذه الدول من الخارج، ويقدم بدلاً من ذلك عشرة مبادئ توجيهية لصنّاع السياسة المحليين والدوليين، تهدف كلها إلى بناء نظام حكومي مستدام وقادر على قيادة عملية التنمية. يؤكد المؤلف أن هذه المبادئ ليست كلها قابلة للتطبيق بشكل متساوٍ في كل حالة، بل يجب على صنّاع السياسة اختيار ما يناسب الظروف المحلية لكل بلد.

يسير الفصل بتفصيل هذه المبادئ العشرة، مقسماً إياها إلى ثلاث مجموعات. المبادئ الستة الأولى تركز على تعزيز القدرات المحلية وخلق روابط قوية بين الدولة والمجتمع، بينما يعالج المبدآن التاليان دور الدول الخارجية، وآخر مبدأين يناقشان إدارة التغيير وطريقته. يبدأ الفصل بمبدأ إقرار النماذج المحلية، حيث يرى أن الدول يجب أن تبحث داخل نفسها عن مصادر ونماذج حكم تعكس تاريخها وتعقيداتها، محذراً من أن الاعتماد على النماذج الأجنبية والمساعدات يخلق أنظمة ضعيفة الجذور. ويضرب أمثلة على دول مثل أرض الصومال، بوتسوانا، والإمارات التي سعت لتثبيت أنظمتها ضمن نماذج تقليدية ناجحة. كما يشدد على أهمية اللغات المحلية كمخزون للتراث الثقافي والعلمي.

المبدأ الثاني والأكثر أهمية هو الترابط الوثيق بين الدولة والمجتمع، حيث يرى أن الدولة يجب أن تكون معتمدة على مجتمعها لضمان فاعليتها وشرعيتها. يلعب مفهوم الضرائب دوراً محورياً هنا؛ فالمؤلف يجادل بأن مناقشة الضرائب ودفعها يخلق عقداً اجتماعياً وعلاقة مسؤولية متبادلة بين الدولة والمواطنين. على النقيض، النخب التي تعتمد على الموارد الطبيعية أو المساعدات الأجنبية تميل لإهمال حاجات المجتمع. وينتقد الفصل تركيز المساعدات الدولية على العمل مع المنظمات غير الحكومية متجاوزة الحكومة، كما حدث في أفغانستان بعد عام 2001 حيث تم توجيه 1.7 مليار دولار عبر المنظمات غير الحكومية مقابل 71 مليون دولار فقط لدعم ميزانية الحكومة، مما يضعف الدولة بدلاً من تقويتها.

يتبع ذلك مبدأ تصميم المؤسسات حول مجموعات موحدة بالهوية، والذي يعترف بأهمية الانتماءات العرقية والدينية والقبلية كأساس لبناء الدولة. يرى المؤلف أن الناس يبحثون عن "حرية الهوية الجماعية" بدلاً من الحرية الفردية الغربية، وأن تجاهل هذه الرغبات يولد الاستياء والعنف، مستشهداً بحركات انفصالية من الأنديز إلى البلقان. ويوصي بنماذج حكم فدرالية لا مركزية، خاصة عندما تكون هذه المجموعات مركزة جغرافيا، مستشهداً بأمثلة إسبانيا، بلجيكا، كندا، والهند التي نجحت بفضل الفدرالية. في المقابل، يرى أن فرض المركزية كما في بوليفيا، باكستان، والعراق يخلق مشاكل. ويحذر من أن الفدرالية وحدها ليست حلاً سحرياً، فخطر التفكك يظل قائماً إذا كان الولاء الأولي للمنطقة وليس للدولة المركزية، كما حدث في يوغوسلافيا، أو في حالة سريلانكا التي تعاني من حرب طويلة بسبب رفضها منح التاميل حكماً ذاتياً.

المبدأ الرابع هو بناء الدولة من القاعدة إلى القمة، مع التركيز على بناء حكومات محلية قوية وربطها بمجتمعاتها، لأنها مسؤولة عن تقديم معظم الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة. يقر الفصل بأن هذا النموذج قد يعاني من "ضيق الأفق" أو سيطرة النخب المحلية، لكنه يؤكد أن العلاقات المباشرة على المستوى المحلي تبني ثقة ومسؤولية أكبر من العلاقات البيروقراطية المركزية. وهذا مهم بشكل خاص في الدول الكبيرة والضعيفة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يمكن لهذه النماذج أن تحمي المجتمعات من اختلال وظائف الحكومة الوطنية.

المبدأ الخامس يتعلق بـ استغلال الفوائد الإقليمية، خاصة في مناطق بها دول صغيرة وضعيفة مثل غرب أفريقيا وأميركا الوسطى. يرى المؤلف أن هذه الاتحادات الإقليمية يمكنها التغلب على مشاكل الأسواق الصغيرة وضعف الإدارة، وذلك بوضع معايير مشتركة للسوق، وخفض الفساد، وتطوير البنية التحتية. يمكنها أيضاً أن تكون وسيلة فعالة لتوجيه المساعدات التقنية الأجنبية، وتخفيف التوترات العرقية بتقليل أهمية السيطرة على الدولة المركزية.

المبدأ السادس هو توحيد الأفراد المعوزين، أي خلق روابط وطنية قوية في الدول التي تنتشر فيها المجموعات العرقية ولا تتركز في مناطق محددة. يشير إلى عوامل موحدة مثل اللغة (السواحلية في تنزانيا)، أو الإرث الديني (السنغال)، أو الإيديولوجية (سورية)، لكنه يحذر من أن هذه العوامل قد تزول بزوال قائدها، كما حدث في ساحل العاج بعد وفاة هوفويت-بويغني. لذلك، يدعو إلى بناء مؤسسات رسمية تؤطر التعاون بين الجماعات، مثل مجالس أمن وطني تركية تجمع قادة الجماعات، أو أنظمة انتخابية تشجع الأحزاب الكبيرة والشاملة، أو ترتيبات كونفدرالية كما في سويسرا وبلجيكا.

ينتقل بعدها إلى دور الدول الخارجية. في المبدأ السابع، استكمال قدرات الدولة، يعترف بأن الدول الضعيفة قد تحتاج لمساعدة خارجية لسد الفجوات في قدراتها، خاصة في مجالي الأمن وإدارة الموارد الطبيعية. يقدم أمثلة على سيراليون حيث حفظ السلام بالتدخل العسكري البريطاني وضمانات أمنية استمرت عشر سنوات، وفرنسا التي قدمت ضمانات أمنية لأفريقيا الفرانكوفونية قبل 1995. كما يشير إلى الشركات المتعددة الجنسيات التي يمكنها تقديم خدمات في المناطق التي تعجز عنها الدولة، وأشكال "السيادة المشروطة" كما في كوسوفو والبوسنة، حيث يتمتع ممثلو الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بصلاحيات لمنع تجدد الصراع. ويتطرق إلى نماذج مثل تحويل إدارة الموارد الطبيعية إلى صندوق يديره طرف خارجي، أو إسناد سياسة العملة لسلطة خارجية كما فعلت 15 دولة أفريقية باستخدام الفرنك الفرنسي.

المبدأ الثامن، تعزيز وإتمام العمليات المحلية، هو تحذير من أن التدخل الخارجي غالباً ما يقوض بناء الحكم المحلي. يدعو إلى تقييم أي مشروع مساعدات بناءً على تأثيره في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وليس على تحقيق أهداف كمية فقط. يجب أن تكون المساعدات معقولة الحجم حتى لا تحل محل الإيرادات المحلية وتقطع العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويشدد على نقل المعرفة للكوادر المحلية كهدف رئيسي للمساعدات التقنية.

المبدأ التاسع هو رعاية الاستثمار والمنافسة الخاصة، معتبراً أن القطاع الخاص هو المحرك الحقيقي للتنمية وخلق الثروة، وليس المساعدات. الإجراءات التي تحسن مناخ الأعمال، وتخفض المخاطر، وتزيد المنافسة، هي الأساس للنمو. ويذكر أنالصين في السنوات الأخيرة هي أكثر مثال على النقل الاقتصادي الناجح بفضل الاستثمار الأجنبي المباشر. في عام 2006، تلقت البلدان النامية استثماراً أجنبياً مباشراً يعادل خمسة أضعاف حجم المساعدات.

المبدأ العاشر والأخير هو تعزيز المسؤولية بشكل مبدع ومتدرج، وهو تحذير مباشر من التغيير الديمقراطي السريع في الدول المنقسمة. يرى أن التجربة العراقية أثبتت أن الانتقال المفاجئ إلى انتخابات تنافسية يمكن أن يؤدي إلى صراع عنيف، لأن الديمقراطية تحتاج إلى أرضية مشتركة وثقة متبادلة بين الجماعات. لذلك، يدعو إلى إصلاحات تدريجية لا تهدد النخب الحاكمة، بل تدمجها في هذه العملية عبر حوافز اقتصادية وسياسية، مع التركيز على بناء مؤسسات قوية وروابط مجتمعية قبل الإسراع في التغيير السياسي الكامل. يصف هذا بـ"النزعة التدريجية"، وهي عكس "التعاقبية" التي تؤجل الإصلاح، وتركز على تحسين العلاقات المالية بين الحكومة والشعب، وتعزيز القانون، وإعادة بناء الاقتصاد بشكل متدرج ومستدام.

في نهاية الفصل، يعترف المؤلف بأن القادة المحليين والدوليين قد لا يعتنقون هذا النموذج الجديد بسهولة، لكنه يقدم أربعة أسباب للتفاؤل الحذر: أولاً، إجماع متزايد على فشل المحاولات السابقة. ثانياً، تزايد القلق الدولي من مخاطر الدول الفاشلة كالإرهاب والجريمة. ثالثاً، انسجام النموذج الجديد مع بعض المبادرات القائمة مثل تحليل "إدارة التغيير" الذي تتبعه وكالة التنمية الدولية البريطانية، أو تركيز الجيش الأمريكي على فهم البنى المحلية في العراق وأفغانستان. وأخيراً، قدرة الوصفات المقدمة على التكيف مع الظروف المحلية، كما ستظهر دراسات الحالات السبع التالية في الكتاب.

بالخلاصة، يقدم الفصل نقداً منهجياً للنماذج الغربية في الإصلاح ويدعو إلى نهج براغماتي يركز على المحلية، والتدريجية، وبناء العلاقات بين الدولة والمجتمع، معترفاً بصعوبة المهمة لكنه يراها ضرورية لإنقاذ هذه الدول من فشلها.

4.الفصل الرابع: تقييم القمع في سورية185–240▼ résumé

ملخص الفصل الرابع: تقييم القمع في سورية

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تقييم طبيعة النظام السوري ومدى قمعه، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن سورية ليست دولة مارقة أو فاشلة بالمعنى المطلق، بل هي نظام استبدادي وراثي يمارس القمع ولكن بدرجة أقل من دول أخرى، وأن تصنيفها كدولة راعية للإرهاب هو تبسيط مفرط لواقع سياسي معقد. يجادل المؤلف بأن سورية تعيش في منطقة خطرة ومحاطة بتهديدات حقيقية، مما يفسر بعض إجراءاتها القمعية، لكنه يعترف بوجود قمع سياسي وانتهاكات لحقوق الإنسان.

يبدأ الفصل بمناقشة وصف سورية كدولة راعية للإرهاب، ويشير المؤلف إلى أن هذا التصنيف يعود لأفعال نظام حافظ الأسد في السبعينيات والثمانينيات، خاصة معاداته للحرب الباردة وعدائه لإسرائيل. لكنه يرى أن عدم التكافؤ العسكري بين سورية وإسرائيل دفع دمشق لتبني وسائل غير تقليدية للبقاء.

ثم ينتقل الفصل إلى وصف النظام السياسي السوري، موضحاً أنه نظام وراثي استبدادي يدّعي الديمقراطية. ينص دستور عام 1973 على أن نظام الحكم جمهوري والسلطة للشعب، لكن في الواقع لا يملك الشعب وسيلة لتغيير الحكم. سورية بلد الحزب الواحد في الممارسة، رغم أن الدستور يسمح نظرياً بتعدد الأحزاب. يهيمن حزب البعث على الجبهة الوطنية التقدمية التي تضم ستة أحزاب أخرى. الرئيس ينتخب لسبع سنوات قابلة للتجديد بعد مبايعته من قيادة الحزب ومجلس الشعب. آخر انتخابات برلمانية كانت عام 2003.

يشرح الفصل المساومة التي أقامها النظام مع الشعب السوري، حيث قدم الأمن والاستقرار مقابل التضحية بالحريات، وهي مساومة كانت مقبولة بعد انقلابات الخمسينيات والستينيات. لكن هذه المساومة أصبحت موضع تساؤل الآن مع الضغط الدولي وتدهور الاقتصاد والانسحاب من لبنان عام 2005.

يناقش الفصل محاولات بشار الأسد لإصلاح الحزب، ففي أواخر عام 2003 قرر انتخاب أعضاء القيادة القطرية بدلاً من تعيينهم، وفي حزيران/يونيو 2005 تم انتخاب 14 عضواً جديداً غالبيتهم من التكنوقراط. في عام 2005 اجتمع مجلس الحزب لأول مرة منذ 2000 لتغيير العضوية، وأقيل 7 أعضاء من أصل 21، وقل عدد أعضاء القيادة من 21 إلى 15 عضواً.

فيما يخص المجتمع المدني والإعلام، يذكر الفصل أن المرسوم التشريعي رقم 92 لعام 1958 يلزم كل مؤسسة مدنية بالتسجيل والحصول على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية. حصلت المئات من المنظمات على تراخيصها بعد تولي بشار الأسد الحكم خلال ما سمي «ربيع دمشق»، لكن التسجيل أصبح اليوم بدافع سياسي. أسماء الأسد زوجة الرئيس عضو فعال في دعم المنظمات غير الحكومية. في شباط/فبراير 2005 صرح وزير الشؤون الاجتماعية بأن الاجتماعات السياسية لا يمكنها عقد لقاءات دون موافقة مسبقة تتضمن مكان الاجتماع وأسماء الحضور.

خلال ربيع دمشق عام 2000، سمح بشار الأسد بترقية وسائل الإعلام لتكون أكثر حرية، وصدرت أول جريدة خاصة منذ 40 عاماً، وسمح بنقد النظام. لكن القيود عادت مع المرسوم رقم 51 عام 2001 الذي يشير إلى ارتفاع مستويات القمع الداخلي ويعرف بـ «شتاء دمشق». هذا المرسوم ألزم دور النشر بالحصول على تراخيص ومنع المقالات المتعلقة بالأمن الوطني والوحدة الوطنية والمحاكم السرية، وأنشأ عقوبات جنائية لمن ينشر «الأكاذيب والتقارير المفبركة».

في مجال حقوق الإنسان، تشير منظمة العفو الدولية إلى أن حالات التعذيب كانت قليلة في عامي 2005-2006 رغم أن النظام المسموح به لتطبيق هذه السياسة لا يزال قائماً. كان لدى سورية أقل من 1000 سجين سياسي عام 2005، وهو رقم أقل من مصر (10,000-15,000) والجزائر (7,000-10,000) وتركيا (10,000). لكن بعد اتهام سورية بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري واشتداد الضغط الدولي، طوّق النظام المعارضة واعتقل ومضايق عدداً من الأفراد البارزين.

يناقش الفصل قانون الطوارئ (المرسوم 51) الذي أعلن في 9 آذار/مارس 1963، اليوم التالي لوصول حزب البعث إلى الحكم. وُضع القانون ظاهرياً لإحباط التهديد العسكري الإسرائيلي، لكنه استخدم لقمع التحديات الداخلية. اعترف بشار الأسد بوجود أخطاء في تطبيق هذا القانون وأن مسؤولين حكوميين استغلوه لمصالحهم الخاصة.

أما النظام القضائي فهو فاسد وغير فعال. محكمة أمن الدولة العليا (SSSC) أنشئت بمرسوم عام 1968 وتتألف من قسمين، كل قسم يضم ثلاثة قضاة أحدهم عسكري، وقراراتها نهائية لكنها تحتاج لموافقة الرئيس الذي له الحق بإبطال الحكم. حوكم الأكراد المتهمون في أعمال شغب عام 2004 في هذه المحكمة تحت ستار السرية. يطالب الأكراد السوريون (عددهم يتراوح بين 1.5 و2 مليون) بحق تدريس لغتهم الكردية والمواطنة الكاملة، وحوالي 300,000 كردي صنفوا كعديمي الجنسية بناءً على الإحصاء السكاني لعام 1962.

يشرح الفصل ظاهرة الفساد في سورية، حيث منح مؤشر الشفافية الدولية لمدركات الفساد لعام 2005 سورية درجة 2.4 من 10، محتلة المرتبة 97 من أصل 158 بلداً. أكثر أشكال الفساد شيوعاً هو «الواسطة» أو استخدام النفوذ، وهي شكل مقبول لممارسة الأعمال التجارية. رغم أن بشار الأسد جاء معروفاً كشخص ضد الفساد وقاد حملة لمكافحته، إلا أن الفساد عن طريق المحسوبية ما زال موجوداً على أعلى المستويات، خاصة حول عائلة مخلوف القوية ورامي مخلوف الذي يدير شركة سيريتل.

ينتقل الفصل لمناقشة علاقات سورية الدولية، مشيراً إلى أنها انضمت للتحالف الدولي لطرد العراق من الكويت عام 1991، وكانت المفتاح لانعقاد مؤتمر سلام مدريد في تشرين الأول/أكتوبر 1991. تعاونت سورية مع مخابرات الولايات المتحدة في ما يتعلق بـ تنظيم القاعدة، بما فيها «التسليم الاستثنائي» للمشتبه بهم. يزور بشار الأسد الرئيس المصري حسني مبارك والملك عبد الله بن عبد العزيز في السعودية والملك عبد الله بن حسين في الأردن. التقى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بشار في دمشق عام 2001 وزار بشار بريطانيا للقاء بلير والملكة إليزابيث الثانية.

يعقد الفصل مقارنة بين سورية ودول أخرى على لائحة الدول الراعية للإرهاب، مشيراً إلى أن سورية هي الدولة الوحيدة في اللائحة التي لديها سفير في واشنطن، وأنها كانت تخضع لشروط أقل صرامة في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب خلال التسعينيات. زار الرئيس بيل كلينتون دمشق عام 1994 لتنشيط عملية السلام.

يناقش الفصل دور اللوبي المعارض لسورية، خاصة تقرير «استراحة نظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين العالم» الصادر عام 1996 عن معهد القدس لترقية الدراسات الاستراتيجية، والذي شارك في إعداده ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وديفيد وورمسر. هذا التقرير، الذي أعد لزعيم الليكود بنيامين نتانياهو، أصبح مخططاً لسياسة إدارة بوش الخارجية، وحدد سورية كهدف أساسي إلى جانب العراق.

يعترف المؤلف في نهاية الفصل بأن سورية ليست دولة منبوذة بالمعنى المطلق، فمعظم دول العالم، بما فيها حلفاء أميركا المقربون، لا يعتبرونها دولة راعية للإرهاب. لكنه يعترف أيضاً بأن سورية لديها على الأرجح أسلحة دمار شامل كيميائية وبيولوجية، وتدعم جماعات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية مثل حماس وحزب الله. المجتمع السوري ليس حراً ولا مفتوحاً، والقمع السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان لا تزال موجودة.

يختتم الفصل بتأكيد أن بشار الأسد لم يعد ذلك الحاكم الشاب عديم الخبرة، وأنه اجتاز سبع سنوات في الحكم مما يدل على حنكته وذكائه وقوته. لكنه يترك سؤالين مفتوحين: هل سيستخدم بشار ثقته الجديدة لتنفيذ إصلاح منهجي؟ وهل سينخرط في مشاريع سياسة خارجية مقنعة أم متهورة؟

يكمن موطن النقاش الأبرز في الفصل في موقف المؤلف المتناقض: فهو يصف سورية كنظام قمعي وفساد وانتهاكات لحقوق الإنسان، لكنه في نفس الوقت يدافع عن تصنيفها الدولي ويعتبرها أقل قمعية من دول أخرى، ويدعو لمنح بشار الأسد فرصة للإصلاح. هذا الموقف قد يبدو متناقضاً لقارئ يرى أن الاعتراف بوجود انتهاكات يجب أن يؤدي إلى إدانة وليس إلى دفاع.

5.الفصل الخامس: سورية: مقاومة الطائفية بتوحيد المؤسسات361–403▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل التحديات البنيوية التي تواجه سورية، وتقديم رؤية لإصلاحها عبر تعزيز المؤسسات الوطنية لتجاوز الانقسامات الطائفية. يرى المؤلف أن استقرار سورية على المدى الطويل لا يمكن تحقيقه دون الانتقال إلى نظام حكم أكثر انفتاحاً ومسؤولية، لكنه يحذر من أن أي تغيير يجب أن يكون تدريجياً وحذراً، ليتناسب مع الطبيعة المعقدة والمجزأة للمجتمع السوري.

يبدأ الفصل برسم صورة دقيقة للفسيفساء الديموغرافية والطائفية في سورية، سكانها البالغ عددهم 41 مليون نسمة مقسمون إلى: عرب سنة (50 في المئة)، علويين (12 في المئة)، مسيحيين (10 في المئة)، أكراد (9 في المئة)، دروز (3 في المئة)، إضافة إلى أقليات أخرى. يوضح الكاتب أن هذا التنوع ليس ميزة صرفة، بل هو مصدر ديناميكية سياسية محددة للخيارات، ويجعل الحكومات دفاعية بشكل كبير. يشير إلى أن الانقسام الأشد ليس دينياً أو عرقياً بالدرجة الأولى، بل هو انقسام فكري ووجودي بين من يريدون توحيد السياسة مع الدين ومن يريدون إبقاءهما منفصلين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تتبع التراث السياسي لحكم حافظ الأسد الذي تولى السلطة عام 1970. يصف الكاتب كيف بنى الأسد الأب نظاماً شبه اشتراكي وحدّ مصالح الجماعات الاجتماعية مع الحكومة، مشترياً ولاءهم عبر التوظيف الحكومي والتعليم والفوائد الاجتماعية في "نظام منع انتشار أيديولوجية معادية". وسّع النظام قاعدة دعمه بتضمين العديد من القادة السنة في الحكومة، وتقليل أهمية الهويات الطائفية عبر الأيديولوجية القومية والعلمانية لحزب البعث. إلا أن هذا النموذج لم يرعَ مؤسسات مسؤولة، مما جعل البلاد تعتمد على الأموال الأجنبية، من الأموال السوفياتية في السبعينيات والثمانينيات إلى الأموال العراقية في أوائل الألفية الجديدة. التحدي الوحيد لحكمه كان من "الإخوان المسلمين" الذي ووجه بقوة وحشية بلغت مداها الأقصى في مجزرة حماه عام 1982 بحق حوالي 10 آلاف شخص.

يتناول الفصل بعد ذلك فترة حكم بشار الأسد الذي جاء إلى السلطة عام 2000، والذي ورث نظاماً متقادماً (هرم النظام) واجه انهياراً مالياً وانهياراً منهجياً. يشرح الكاتب أن الإصلاحات التي قام بها بشار كانت بطيئة وتدريجية، وأن ضعف قاعدة سلطته أجبره على أن يصبح غير آبه بتقديم إصلاح سياسي جوهري. أدى ذلك إلى زيادة التوتر الطائفي، وبرز تهديدان رئيسيان للاستقرار: الأكراد الذين يعانون من تهميش طويل، ونظمت جماعتهم أعمال شغب في آذار/ مارس 2004، والإسلاميون الذين أحبطت الحكومة هجوماً لهم في نيسان/ أبريل عام 2006. واستجابة لهذه التهديدات، اتبعت حكومة بشار مزيجاً من الحلول التسوية والقوة، مع إظهار تدين أكبر.

يقترح الفصل نموذجاً للحكم يتناسب مع تحديات سورية، متمثلاً في إنشاء مجلس أمن وطني سوري (50/50)، على غرار مجلس الأمن القومي التركي (MGK). يؤكد المؤلف أن أنظمة الحكم المنقسمة تحتاج إلى نماذج مختلفة عن الغرب، حيث يجب إعطاء الأولوية للأمن ووحدة الدولة على تشجيع الحريات الشخصية والانتخابات الغربية. ويستشهد بتجربة العراق كتحذير من مخاطر فراغ السلطة الناتج عن التدخل السريع. المجلس المقترح سيكون مسؤولاً عن حماية الطبيعة الموحدة والعلمانية للدولة، مع تحديد خطوط حمراء للسلوك السياسي والديني، وفي الوقت نفسه السماح بحريات ثقافية للأقليات مثل الأكراد.

يختم الفصل بالتركيز على دور الغرب في إصلاح سورية. يحاجج المؤلف بأن العمل مع النظام الحالي، أو جزء أساسي منه، هو أكثر إنتاجية من محاولة إسقاطه بالكامل، مستشهداً بالتجربة الأميركية في العراق. يقترح تقديم حوافز اقتصادية وسياسية، مثل تفعيل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ودعم الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، مقابل التزام سورية ببرنامج زمني للإصلاح. ينتهي الفصل بفكرة محورية: إن تغذية الانتماء الوطني وبناء مؤسسات قوية يجب أن يسبق أي عملية فرض لديمقراطية، لأن "الحرية غير المقيدة" في دولة منقسمة قد تؤدي إلى حرب أهلية أو "حمام دم"، كما حدث في لبنان.

في الختام، هذا الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حول أن الحل الوحيد لسورية ليس في التغيير الثوري الفوري، بل في إصلاح تدريجي تحت مظلة مؤسسة أمنية قوية ووطنية (مجلس الأمن الوطني). هذا الطرح، الذي يقدمه الكاتب بنوع من الثقة، يثير أسئلة حول مدى قابلية النظام الفاسد ذاته للإصلاح من الداخل، وقدرة أي مؤسسة على تجاوز الانقسامات الطائفية العميقة التي يصفها الفصل بدقة.