لجان التنسيق المحلية في سوريا - عامر أبو حامد
الكتاب الذي أعده الباحث السوري عامر أبو حامد في صيف عام 2013، ضمن مشروع "وجيات نظر" الذي تشرف عليه منظمة هيفوس (Hivos) الهولندية، يتناول بالدراسة والتحليل ظاهرة لجان التنسيق المحلية في سوريا، التي يعتبرها المؤلف المحرك الأساسي للثورة السورية المنطلقة في آذار/ مارس 2011. لا يهدف الكتاب إلى مجرد التوثيق التاريخي، بل يقدم تقييماً نقدياً لنشأة هذه اللجان، وتطوراتها، وإنجازاتها، والإشكاليات التي واجهتها، مستنداً إلى بحث ميداني أجراه المؤلف في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة داخل سوريا، شمل مقابلات مع ناشطين ومسؤولين في هذه اللجان. الرسالة المحورية للكتاب هي أن لجان التنسيق المحلية تمثل تجربة تنظيمية شبابية شعبية فريدة، عابرة للطوائف، نشأت كضرورة لملء الفراغ السياسي والاجتماعي الذي خلقه نظام استبدادي طويل، وحققت نجاحات لافتة في التنظيم والإعلام والعمل الإغاثي، لكنها تواجه تحديات وجودية تتعلق بالحفاظ على هويتها المدنية السلمية في وجه تيارات العسكرة والتطرف، وقدرتها على التحول إلى كيان سياسي فاعل في مرحلة ما بعد الصراع.
يسير الكتاب وفق حجة مترابطة تبدأ من فهم الواقع الاجتماعي والسياسي للسوريين قبل الثورة، وهو واقع يتسم بـ"اللاشيء" حسب تعبير الكاتب، حيث تم تفريغ المجتمع المدني وتجريم أي عمل تنظيمي خارج إطار حزب البعث وقوانين الطوارئ. من هذا الفراغ، انبثقت الحاجة الفورية إلى التنسيق، فظهرت "التنسيقيات" كخلايا صغيرة بؤرية في المدن والأحياء، مهمتها الأولى تنظيم التظاهرات السلمية وتأمين التغطية الإعلامية. يشرح الكتاب كيف تطورت هذه الخلايا من مجرد وسيلة لنقل الخبر إلى هيكل تنظيمي أوسع، هو لجان التنسيق المحلية، التي شكلت مظلة جامعة لهذه التنسيقيات، مع تركيزها على العمل الميداني والابتعاد النسبي عن السياسة التقليدية في البداية. ينتقل الكتاب بعدها إلى تفصيل بنية اللجان وعملها، فيبين أنها لا تملك تسلسلاً هرمياً واضحاً لأسباب أمنية، وأن عضويتها مبنية على أسس دقيقة تشمل التأكيد على مبدأي سلمية الثورة ورفض التدخل العسكري الخارجي ورفض الطائفية. ثم ينتقل إلى تحليل أدوار اللجان الأساسية: العمل الإعلامي الذي يعتبره المؤلف المهمة الأكثر مركزية، حيث أصبحت اللجان مصدراً عالمياً موثوقاً للمعلومات، وحصلت على جائزة المواطن الإلكتروني من منظمة مراسلون بلا حدود وشركة غوغل؛ والعمل اللوجستي الذي يشمل تنظيم التظاهرات "المليونية" بدقة، وتأمين المواد الإغاثية للمناطق المحاصرة، وإصدار جريدة دورية بعنوان "طلعنا عالحرية"، وإطلاق مبادرات توثيقية وحقوقية مثل "سوريا بالألوان" ومشاريع إعادة الإعمار. وأخيراً، ينتقل الكتاب إلى البعد السياسي، موضحاً كيف تطور موقف اللجان من الحياد السياسي النسبي إلى التفاعل مع الأطراف المعارضة الكبرى مثل المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حيث انضمت إليهما ثم انسحبت منهما لاحقاً، متهمة إياهما بـ"خيانة روح الثورة". يختتم الكتاب بعرض التحديات الرئيسية للجان، وعلى رأسها صراعها مع القوى الإسلامية المتطرفة حول الهوية المدنية للثورة، وحاجتها إلى تطوير لغة سياسية وأدوات عمل جديدة تناسب مرحلة ما بعد سقوط النظام.
من بين الوقائع اللافتة التي يوردها الكتاب، والتي يصعب نسيانها، أن عمر إدلبي، المتحدث باسم اللجان، يصف نشأتها بأنها بدأت من مجموعة صغيرة من الناشطين والحقوقيين الذين كانوا يتبادلون المعلومات على صفحاتهم الشخصية في فيسبوك، ثم تطورت الفكرة إلى تجميع الخبر في صفحة واحدة مشتركة، لتتحول لاحقاً إلى كيان ينظم التظاهرات. يشير الكتاب إلى أن عدد ناشطي الإعلام في لجان التنسيق تجاوز 22 ألف ناشط في الأسبوع الثاني للثورة. ويذكر المؤلف بفخر أن هذه اللجان استطاعت، بأدوات بسيطة، بناء مؤسسة إعلامية من البيوت والمخابئ اكتسبت مصداقية واعترافاً عالمياً أكثر من الإعلام الرسمي للنظام بـ"منات المرات". من الشهادات التي أوردها الكتاب، قول الناشط عمار من ريف دمشق: "في بيتنا يوجد من 15 إلى 20 ناشطاً... البعض يقضي أكثر من عشرين ساعة متواصلة على الإنترنت لنقل الخبر لحظة بلحظة، وآخرون يقضون ذات الوقت في الشارع للمظاهرات وإسعاف الجرحى والعمل المدني". ويعد إقناع اللجان للكتائب المسلحة بتبني وثيقة تضمن الحقوق والسلوك السليم للثوار على الأرض إنجازاً سياسياً بالغ الأهمية، لكن الكتاب يعترف بأن مواجهة الجماعات المتطرفة من أمثال "القاعدة" قد أُجّلت إلى ما بعد سقوط النظام على ما يبدو. كما يذكر الكتاب توقيف بعض الناشطين لأنشطتهم الإعلامية خلال الأزمة مع المجلس الوطني، كدليل على تعقيد الموقف السياسي للجان.
يقر المؤلف صراحة بالعديد من الحدود والتحفظات في دراسته. فهو يلاحظ أن هيكلية اللجان ليست مؤسساتية واضحة أو متمايزة، وأن عملها سري لأسباب أمنية، مما يصعّب الدراسة. كما يشير إلى أن التجربة الكاملة للجان هي تجربة "تجريبية" قائمة على المحاولة والخطأ والتعلم السريع، وليست مبنيّة على نظرية سياسية مسبقة. من أبرز التحفظات التي يذكرها، أن خطاب اللجان السياسي ظل، في المراحل الأولى للثورة، متماهياً مع خطاب أغلبية المعارضة السورية، كما أن بنيتها التنظيمية لم تنتج بعد أطروحات سياسية جديدة كلياً للمرحلة الانتقالية، مما يطرح تساؤلاً حول قدرتها على تجاوز دورها الميداني والإغاثي إلى دور سياسي فاعل ومؤسساتي في المستقبل. كما يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول كيفية تمكن اللجان من الحفاظ على طابعها السلمي والمدني في وجه تسارع عسكرة الثورة، وكيفية تفاعلها مع القوى الإسلامية التي تتزايد نفوذها على الأرض، وهي أسئلة لا يقدم إجابات حاسمة عليها، بل يتركها مفتوحة لتقييم القارئ بناءً على التطورات اللاحقة.
بناءً على المادة المقدمة، يمكن القول إن الحجة الرئيسية للكتاب، القائلة بأن "اللاشيء" أنجب ثورة منظمة، هي حجة قوية وتفسيرية، لكنها قابلة للنقاش من عدة زوايا. فرغم تركيز الكتاب على عفوية الانطلاقة، إلا أنه لا يتجاهل وجود ناشطين سابقين في مجال حقوق الإنسان والمعارضة شكلوا نواة هذه التنسيقيات، مما يضعف فكرة العفوية المطلقة. كما أن إصرار المؤلف على تقييم اللجان بوصفها التجربة المدنية الوحيدة مقابل القوى المسلحة والإسلامية، بينما يقر بوجود "تيارات إسلامية" ضمن اللجان نفسها، يخلق توتراً في السردية العامة للكتاب. النقطة الأكثر إثارة للنقاش هي العلاقة بين اللجان والمجلس الوطني ثم الائتلاف، حيث يصفها المؤلف بأنها "خيانة لروح الثورة" و"فصام عن الشارع"، لكنه لا يقدم تحليلاً نقدياً عميقاً لأسباب هذا الفشل السياسي من طرف اللجان نفسها، وهل كان بالإمكان تجنبه من خلال بناء استراتيجية سياسية أكثر فاعلية. هذه النقاط لا تقلل من قيمة الدراسة كوثيقة مهمة لفهم مرحلة حاسمة من الثورة السورية من الداخل، لكنها تدفع القارئ إلى التعامل معها كشهادة من فاعل سياسي وليس مجرد تقرير محايد.