لسينما السورية والإطلال من خلال السجادة الحمراء
الكتاب هو دراسة موسعة لواقع السينما السورية في سياقها الجديد بعد عام 2011، مركزاً على حضورها في المهرجانات الدولية بوصفها مرآة لتحولاتها العميقة. الموضوع المحوري الذي يدافع عنه المؤلف هو أن السينما السورية ليست ميتة، بل تعيش مرحلة إعادة تعريف شاقة، حيث انتقلت من كونها سينما مؤسساتية خاضعة لسياسات النظام إلى سينما متعددة الأوجه، بعضها مهاجر وبعضها مقاوم للإقصاء السياسي. الإجابة التي يطرحها الكتاب هي أن السجادة الحمراء لم تعد مجرد رمز للنجاح، بل أصبحت معبراً عن "الانتماء والحنين" لوطن تفكك، وعن صراع مرير حول هوية الفيلم السوري: من يحق له تمثيل السينما السورية؟ المنتج في الداخل أم المخرج المهاجر؟ الفيلم الممول أجنبياً أم العمل المستقل؟
يسير الكتاب في حجته عبر ثلاث مجموعات من الأسئلة، تتدفق منطقياً من الماضي إلى الحاضر وصولاً إلى إشكالية الهوية. يبدأ باستذكار عراقة السينما السورية التي انطلقت قبل عام 1928 بفيلم "المتهم البريء" لـأيوب بدري، ويسلط الضوء على مهرجان دمشق السينمائي الذي انطلق عام 1979 بمبادرة من محمد شاهين. ثم ينتقل إلى مرحلة ما بعد 2011، حيث تغير كل شيء: هجرة صناع السينما قسراً، وظهور جيل جديد من المخرجين مثل سؤدد كعدان وزياد كلثوم وطلال ديركي، الذين اخترقوا مهرجانات دولية لم تصلها الأفلام السورية من قبل، مثل مهرجان كان وفينيسيا وبرلين. يكشف الكتاب أن هذه الموجة الجديدة لم تكن مجرد استجابة للحرب، بل كانت ثمرة تحرر من هيمنة المؤسسة العامة للسينما، التي أنشئت عام 1963 بعد انقلاب حزب البعث، والتي كانت في البداية ترسل المتفوقين للدراسة في الخارج ثم تحولت إلى أداة لتسويق الشعارات قبل أن تنقلب على الشعب. المفارقة اللافتة أن السينما السورية في الماضي كانت محصورة في مهرجانات أوروبا الشرقية مثل موسكو ولايبزيغ وصوفيا بسبب التوجه الأيديولوجي، بينما اليوم تتنقل بحرية أكبر ولكنها تواجه تحديات جديدة تتعلق بالتمويل والتصنيف السياسي.
من بين الوقائع والشهادات التي يصعُب نسيانها، ما أورده الناقد محمد رضا حول حذف فيلم "رجل وثلاثة أيام" لـوداد سعيد من مهرجان السينما العربية في باريس "على أساس أنه فيلم ينتمي للنظام"، دون النظر إلى جودته الفنية. هذه الحادثة تكشف عن استمرار تسييس الأفلام، وهو ما تحذره المخرجة واحة الراهب عندما تقول إن "السينما السورية في الداخل ضعفت وفقدت الصدقية، بينما نشطت في الخارج بفضل قدرتها على التعبير الصادق، رغم ضآلة ميزانياتها مقارنة بأفلام النظام". شهادة لافتة أخرى من المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، الذي يرى أن السينما السورية اليوم تشبه السينما الفلسطينية القديمة التي كانت ممولة من أحزاب ومجندة لتيارات سياسية، داعياً إلى ألا نحاسب هذه الأفلام أو نحاكمها الآن لأنها "نتاج الحالة التي وصلت إليها سورية".
أما الأرقام التي يقدمها الكتاب فتكشف عن نشاط غير مسبوق في الإنتاج الوثائقي والروائي القصير. ففيلم "طعم الأسمنت" لـزياد كلثوم حصل على أكثر من خمس جوائز عالمية وشارك في ستة مهرجانات دولية منها مهرجان لندن، ورشح لجائزة أفضل فيلم أوروبي. وفيلم "آخر الرجال في حلب" لـفراس فياض وصل إلى ترشيحات الأوسكار في دورته الـ90 كأول فيلم سوري يحقق هذا الإنجاز. أما المخرجة سؤدد كعدان فحصل فيلمها "يوم أضعت ظلي" على جائزة أسد المستقبل من مهرجان فينيسيا وجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان لوس أنجلوس. هذه النماذج تؤكد ما ذهب إليه الناقد ماهر عنجاري من أن فيلم "طعم الأسمنت" وحده حصل على جوائز أكثر مما حصل عليه أي فيلم سوري في التاريخ.
لكن الكتاب لا يخلو من تحفظات وأسئلة مفتوحة يعترف بها المؤلف. أبرزها معضلة تعريف الهوية: هل الفيلم سوري لأن مخرجه سوري، أم لأنه إنتاج سوري، أم لأن موضوعه سوري؟ الآراء منقسمة بشدة. فالناقد محمد رضا يرى أن الهوية تتبع المنتج: "الفيلم ينتمي إلى الممول بما هو صناعة، وليس إلى المخرج"، مستشهداً بأفلام هيتشكوك في هوليوود التي تبقى أميركية وليست بريطانية. بينما تذهب سؤدد كعدان إلى أن العمل السوري هو ما يحمل "عناصر هوية سورية متكاملة: إخراج وإنتاج وتمثيل وموضوع". أما واحة الراهب فترى أن الجائزة تعطي هوية سورية حين يكون مبدعوه سوريين، خاصة المخرج. هذه الازدواجية تترك الباب مفتوحاً للجدل، خاصة في عصر الإنتاج المشترك.
في الختام، يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح. أبرزها الانقسام السياسي الحاد بين "سينما ثورة" و"سينما نظام"، وهو تصنيف يرفضه المؤلف بشدة ويصفه بـ"القسرية والجائرة"، مؤكداً أن "المهم في الأمر هو القيمة الفنية التقنية والفضاء الإنساني". هناك أيضاً انتقاد لاذع لآلية منح الجوائز في بعض المهرجانات، حيث يشير رشيد مشهراوي إلى أن لجان التحكيم قد "تتطوع" لإرضاء إدارة المهرجان أو المشاهدين، مما يضر بالصدقية. كما يوجه الناقد حمادي جيروم اتهاماً صريحاً لبعض الأفلام الحالية بأنها "سينما شعاراتية" من الطرفين، معترفاً في الوقت نفسه بأن الحرب تمر ويبقى الوطن. هذه الثنائيات تجعل من الكتاب مادة غنية للنقاش حول علاقة الفن بالسياسة، وهوية السينما في زمن الشتات.