Almawred
لعبة الانتظار، السياسة الخارجية السورية في ظل نظام الأسد - بينت شيلر
عربي

لعبة الانتظار، السياسة الخارجية السورية في ظل نظام الأسد - بينت شيلر

ar

يطرح كتاب «لعبة الانتظار، السياسة الخارجية السورية في ظل نظام الأسد» لمؤلفته بينت شيلر سؤالاً محورياً: كيف تمكّن نظام صغير ومحدود الإمكانيات نسبياً من الصمود لعقود في وجه الضغوط الدولية الهائلة؟ الإجابة التي يدافع عنها الكتاب هي أن النظام اعتمد بشكل أساسي على إستراتيجية الجمود، أي على انتظار تغير الظروف الدولية والإقليمية بدلاً من الاستجابة الفورية للضغوط. يوضح المؤلف أن التغير المستمر في قيادات الدول التي تشكل ضغطاً على سورية، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، يؤدي إلى عدم اتساق في سياساتها، مما يعطي النظام فرصة للانتظار حتى تتغير أولويات خصومه. وترى المؤلفة أن هذه الاستراتيجية، التي أتقنها حافظ الأسد وورثها ابنه بشار، تفسّر إلى حد كبير قدرة النظام على البقاء رغم كل التحديات.

يسير الكتاب في حجته عبر تحليل العلاقة الجدلية بين السياسة الداخلية والخارجية. يبدأ الفصل الأول بوصف هياكل السلطة القائمة على الجيش والأمن وحزب البعث، مع دائرة غير رسمية من المستشارين المقربين. يبيّن أن النظام لم يكن مضطراً تقليدياً لأخذ الرأي العام في الاعتبار عند رسم سياسته الخارجية، بل كان يستخدم هذه السياسة لكسب التأييد الشعبي في الشارع العربي، خاصة في مواقفه من إسرائيل وغزو العراق عام 2003. لكن هذا الفصل المصطنع بين السياستين انهار مع اندلاع ثورة 2011، عندما فشل النظام في استيعاب حجم السخط، ورفض الحوار، وأصر على الحل الأمني. يصف الفصل بداية الاحتجاجات من أطفال في درعا تعرضوا للتعذيب، وتجاهل الرئيس للاحتجاجات في خطابه الأول في 30 آذار/مارس 2011، واستخدامه «الشبيحة» والميليشيات لخلق عنف طائفي ممنهج. ويخلص إلى أن تركيز النظام على البقاء على حساب الإصلاح الحقيقي هو ما هيأ «تربة خصبة للثورة».

ينتقل الكتاب إلى تحليل العلاقة مع الولايات المتحدة عبر خمس مراحل زمنية، من فترة الأمل الحذر في التسعينيات إلى القطيعة بعد الثورة. يصف كيف رأى حافظ الأسد في غزو العراق للكويت عام 1990 «فرصة ذهبية» لتحسين العلاقات، فشارك في التحالف الدولي وحصل على مكاسب إقليمية ومالية. لكن المفاوضات مع إسرائيل في مؤتمر مدريد عام 1991 فشلت بسبب أسلوب الأسد التفاوضي الحذر والمتشكك. ثم ينتقل إلى فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001، حيث حوّلت واشنطن تركيزها إلى «الحرب على الإرهاب». هنا يبرز التناقض الأساسي: فعرضت سورية تعاوناً استخباراتياً مهماً أنقذ أرواح أميركيين، لكنها بقيت على قائمة الدول الراعية للإهعاب بسبب دعمها لفصائل فلسطينية وحزب الله. ويشير الكتاب إلى أن أكثر من 70% من عمليات شراء صدام حسين غير المشروعة للأسلحة تمت عبر سورية. مع تدهور العلاقات، فرضت عقوبات أميركية، وبلغت ذروتها باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، مما أدى إلى سحب السفير الأميركي. ويخلص الفصل إلى أن الإدارة الأميركية لم تكن لديها استراتيجية واضحة تجاه سورية، وأن بشار الأسد استفاد من تردد الغرب، مستفيداً من تجارب أفغانستان والعراق.

في الفصل الثالث، يفكك الكتاب العلاقة المعقدة مع إسرائيل وفلسطين، ويجادل بأن هذه القضايا شكلت حجر الزاوية في السياسة الخارجية السورية. يعرض تاريخ المفاوضات منذ مؤتمر مدريد، موضحاً أن دخول سورية كان مدفوعاً بعوامل عملية: تضاؤل الدعم العربي للصراع العقيم، وفقدان سورية لراعيها الاتحاد السوفيتي، وشعورها بأن التقارب مع أمريكا سيمنحها قوة. يصف الكاتب ثوابت السياسة السورية: اتخاذ «موقف مبدئي»، والإصرار على حل «عادل وشامل»، و«عدم فصل مشرّف». ثم يفصل القضايا الجوهرية الثلاث: مرتفعات الجولان التي فقدتها سورية عام 1967، والتي يقطنها بين 14,000 إلى 20,000 مستوطن إسرائيلي، والأمن، والتطبيع. يتابع تطور المفاوضات في عهد رؤساء وزراء إسرائيل: من الجمود مع شامير، إلى التحول مع رابين الذي قدم «سؤالاً افتراضياً» عن الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل، إلى خيبة أمل دمشق مع اتفاق أوسلو، إلى تعثر المحادثات مع بيريز، ثم أسوأ مراحل المفاوضات مع نتنياهو الذي وصل التوتر في عهده إلى حافة الحرب في خريف 1996. ويكشف الكتاب عن مفارقة مهمة: وراء العداء العلني، كانت مفاوضات سرية تجري بين حكومة نتنياهو وسورية بوساطة أمريكية خاصة، وكان نتنياهو مستعداً لتقديم تنازلات جدية. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن الثورة السورية عام 2011 قطعت المفاوضات السرية التي بدأت في خريف 2010.

ينتقل الكتاب إلى «الزواج الغريب» بين سورية وإيران، الذي يصفه بأنه متين رغم الاختلافات الأيديولوجية. تأسست العلاقة بعد الثورة الإيرانية عام 1979 على أساس المصالح العملية والأمنية المشتركة، وليس على أي تقارب طائفي أو أيديولوجي. يقدم المؤلف مثالاً صارخاً على براغماتية حافظ الأسد: فقد اختار التعاون مع إيران في الوقت نفسه الذي كان يسحق فيه بوحشية الانتفاضة الإسلامية للإخوان المسلمين في سورية. ويوضح أن العلاقة كانت «زواج مصلحة» حيث كان لكل دولة أجندتها الخاصة، كما ظهر في توتراتهما في لبنان، حيث ساهمت إيران في تأسيس حزب الله بينما كانت سورية تراقب نشاطه بقوة. ثم يثم تحليل مواقفهما من حربي الخليج: ففي حرب 1990-1991، وقفت سورية مع التحالف الدولي بينما عارضت إيران ذلك بشدة. مع الثورة السورية، تحول الدعم الإيراني من مجرد أقوال إلى أفعال، حيث أرسلت معدات عسكرية ومستشارين من الحرس الثوري. ويختتم الكتاب بملاحظة مهمة: أن القرابة الطائفية (العلوية-الشيعية)، التي لم تلعب دوراً رئيسياً في بداية التحالف، أصبحت الآن الخلفية الأيديولوجية الصريحة للعلاقة.

أما الفصل الخاص بلبنان، فيبحث في العلاقة غير المتكافئة التي تمسكت بها سورية لعقود. يرى الكتاب أن دافع سورية الحقيقي كان أمنياً واستراتيجياً بحتاً، حيث رأى حافظ الأسد في السيطرة على لبنان عنصراً حيوياً لمواجهة إسرائيل، وحوّله إلى منطقة عازلة وساحة لمعركة بالوكالة. يصف الفصل آليات الهيمنة التي لم تقتصر على الوجود العسكري، بل امتدت للسيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية، ويقدم مثالاً صارخاً على «إستراتيجية الإهانات المتعمدة» عندما أعلن اللواء غازي كنعان في عام 1995 أن التصويت على تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي سيكون برفع الأيدي وليس سرياً. ويذكر أن العمال السوريين في لبنان كانوا يرسلون 4 مليارات دولار أمريكي سنوياً من الحوالات المالية بحلول أواخر التسعينيات. ويصل الفصل إلى ذروته مع اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005، مما أدى إلى الضغط الدولي لانسحاب القوات السورية في 26 نيسان/ أبريل 2005. مع اندلاع الثورة السورية، يقدر عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان بـمليون لاجئ تقريباً، وتتعمق الأزمة عندما يصبح حزب الله مدافعاً عن النظام، مما يفقده شعبيته. وفي خطوة غير مسبوقة، يعتقل لبنان السياسي ميشيل سماحة في آب/ أغسطس 2012 بتهمة التآمر مع رئيس الاستخبارات السوري علي مملوك.

في الفصل الأخير، يعود الكتاب إلى روسيا ويعاين عودتها كلاعب محوري في السياسة السورية. يصف مسار العلاقة من التبعية السوفياتية إلى الشراكة الاختيارية مع روسيا. يبدأ من انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 الذي أجبر سورية على إعادة توجيه سياستها الخارجية. ثم يصف كيف عادت روسيا بقوة لاحقاً، مانعة إصدار قرارات ضد النظام في مجلس الأمن، ومزودة إياه بالأسلحة. ويشرح أن المشكلة الكبرى كانت الديون السورية لروسيا، حتى تم حلها بشكل مفاجئ في عام 2005، عندما ألغت روسيا ديوناً قيمتها 9.8 مليار دولار مقابل عقد لشراء أسلحة بقيمة 4 مليارات دولار. ويطرح الكتاب سؤالاً حول المصالح الروسية، فيذكر وجود قاعدة طرطوس البحرية لكنه يرى أن هذه ليست المصلحة الأساسية، ويستبعد المصلحة الاقتصادية المباشرة. ويخلص إلى أن الخوف الرئيسي لروسيا يكمن في البعد الإسلاموي للصراع، حيث تسقط مخاوفها الأمنية من تجربتها في شمال القوقاز على سورية. ويربط الفصل العلاقة مع روسيا بالتوتر في العلاقات الروسية-الأميركية، مشيراً إلى أن رفض روسيا لحرب العراق عام 2003 كان عاملاً في تقاربها مع سورية.

في خاتمة الكتاب، يطرح المؤلف السؤال الأهم: «كسب الوقت، ولكن لماذا؟» ويجيب بأن النظام بدا وكأنه يفتقر إلى استراتيجية للخروج من الأزمة، باستثناء محاولة تأخير الإجراءات الدولية. يصل الكاتب إلى استنتاج مفاده أن النظام بدا وكأنه تخلى عن فكرة استعادة السيطرة على البلاد، ويتعامل مع سورية كغنيمة يفضلون تدميرها على التخلي عنها، كما يظهر من تهديدات كُتبت على الجدران: «الأسد إلى الأبد أو نحرق البلد». يقوم الكاتب بتفنيد الفكرة التي تختزل الوضع بخيارين فقط: «دكتاتور متوحش» أو «وضع أشبه بالصومال»، مؤكداً أن المعارضة متنوعة وتملك قدرة على إقامة هياكل إدارية. وينتقد الفصل الأسطورة التي يروّجها النظام عن نفسه كحامي للأقليات، متهماً إياه بقصف المناطق دون تمييز واستهداف المدنيين عمداً. أخيراً، يخاطب الفصل المجتمع الدولي، منتقداً أن تعقيد الوضع أصبح حجة ضد التدخل، وداعياً إلى مقاربة الحالة السورية كحالة خاصة، بعد فقدان أكثر من مئة ألف شخص وتشريد الملايين.

يبقى من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب فكرة أن النظام السوري، رغم «ركوده» السياسي، كان قادراً بتصميم على اللعب على التناقضات وعدم السماح لأي مؤسسة أو فاعل بالنمو بشكل مستقل، مما جعل المجتمع عاجزاً عن الصمود حتى بلغ السخط ذروته. كما أن التفسير المزدوج لسلوك سورية تجاه المقاتلين الأجانب يثير جدلاً: فمن ناحية، يصف الكتاب كيف سهّل النظام وصولهم إلى العراق، ومن ناحية أخرى، يشير إلى أن الولايات المتحدة نفسها أثنت على تعاون سورية في ضبط الحدود، مما يعكس ازدواجية سياسية واضحة. وأخيراً، يطرح الكتاب تساؤلاً مفتوحاً حول مدى كفاية تفسير الخوف من الإسلاموية وحده لتبرير مستوى الدعم الروسي الكبير، مقارنة بالتكلفة السياسية لهذا الدعم.

Chapitres(9)

1.الربط بين السياستين الداخلية والخارجية وثورة عام 201141–85▼ résumé

هذا الفصل يبحث في العلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية في سورية تحت حكم الأسدين، حافظ وبشار، وصولاً إلى ثورة 2011. يجادل المؤلف بأن النظام السوري لم يكن مضطراً تقليدياً لأخذ الرأي العام أو العوامل الداخلية في الاعتبار عند رسم سياسته الخارجية، وكان قادراً على الفصل بينهما بثلاث طرق رئيسية: أولاً، عبر تقديم نفسه بوصفه "القلب النابض" للقومية العربية. ثانياً، باستخدام سياسته الخارجية بشكل شعبي لكسب تأييد "الشارع العربي"، خاصة في مواقفه من إسرائيل وغزو العراق عام 2003. ثالثاً، في أوقات الأزمات، كان يستحضر التهديدات الخارجية لإسكات المعارضة الداخلية باتهامها بالخيانة والتآمر مع أعداء الخارج.

يصف الفصل بداية الهياكل الرسمية وغير الرسمية للسلطة. أسس حافظ الأسد نظاماً مركزياً قائماً على الجيش والأمن وحزب البعث، مع دائرة غير رسمية من المستشارين المقربين الذين كان الولاء شرطهم الأساسي. توضح الباحثة أن المنصب الرسمي لم يكن دائماً مؤشراً على الأهمية الحقيقية، إذ كانت أجهزة أمنية مثل "استخبارات القوات الجوية" تملك نفوذاً واسعاً يتجاوز دورها الرسمي، حتى في السياسة الخارجية حيث لعب رؤساء الأجهزة الأمنية دوراً غير معلن في صنع القرار. كانت الانتخابات مجرد "شكلية" بنتائج محسومة، ولا وجود فعلي للرأي العام، بينما كان "الركود السياسي" سمة بارزة مع شيخوخة النخبة الحاكمة.

يبحث الفصل في البنية الاجتماعية والطائفية. فبينما تعلن الدولة علمانيتها وتكفل حرية الاعتقاد، كانت "المسألة الكردية" هي القضية المحلية الأكثر حساسية لصلتها بالسياسة الخارجية (دعم حزب العمال الكردستاني في تركيا لضغط على أنقرة) والخوف من النزعات الانفصالية. يعيش الأكراد بشكل أساسي في منطقة الشمال الشرقي، ويوجد حوالي 200 ألف كردي "مكتومي الجنسية" حُرموا حقوقهم المدنية منذ إحصاء غير معلن عام 1962. حافظ النظام على تمييز ضمني لصالح الأقليات في دوائر حساسة كالحرس الجمهوري.

ينتقل الفصل إلى مرحلة بشار الأسد (منذ عام 2000). ركزت الفترة الأولى على الاستمرارية مع محاولات إصلاح اقتصادي محدودة لم تعالج البطالة ("نحو 70 في المئة" من القوة العاملة تكسب أقل من 100 دولار شهرياً حسب بيانات عام 2010) والفساد الذي تسبب بتراجع سورية في مؤشر مدركات الفساد من المرتبة 66 عام 2003 إلى 129 عام 2011. أدى الاندماج بين النخبتين السياسية والاقتصادية وتركيز السلطة إلى اتساع فجوة الثروة، كما ساهم تدفق اللاجئين العراقيين بعد عام 2003 والعقوبات الأمريكية بعد عام 2005 في تفاقم الوضع الاقتصادي. استخدام النظام للقضية الفلسطينية والمقاومة كخطاب شعبي استمر، لكن حرب العراق عام 2003 أظهرت كيف يمكن للسياسة الخارجية أن تعزز النظام داخلياً، بينما كشف الانسحاب القسري من لبنان عام 2005 حدود القوة الخارجية.

ساهم القمع في إضعاف المعارضة "التقليدية" والمجتمع المدني، التي كانت ضعيفة ومنقسمة وتتقاسم مع النظام نفس الخطاب القومي. ورغم مبادرات مثل "إعلان دمشق" عام 2005 الذي جمع معظم أطياف المعارضة، إلا أن النظام رد بالاعتقالات. بشكل عام، فشل النظام في تلبية احتياجات المواطنين الاجتماعي والاقتصادية وفقد صدقيته في سياسته الخارجية، مما هيأ "تربة خصبة للثورة".

انطلقت شرارة الثورة من أطفال في درعا تعرضوا للتعذيب، ما أدى إلى احتجاجات قمعت بعنف. يتناول الفصل إخفاقات النظام في إدارة الأزمة، من تجاهل الرئيس للاحتجاجات في خطابه الأول في 30 آذار/مارس 2011 ورفضه الحوار السياسي، وصولاً إلى إستراتيجية التصعيد التدريجي والعنف الممنهج. يحلل الفصل أيضاً دور الميليشيات الموالية للنظام المعروفة بـ"الشبيحة"، وكيف أن النظام تخلى عن احتكار الدولة للقوة وساعد خلق هذا العنف الطائفي، وفي المقابل، برز دور النشاط الثوري السلمي والإبداعي. يخلص الفصل إلى أن النظام فشل في استيعاب حجم السخط وأدى رفضه للحوار وإصراره على الحل الأمني إلى تعميق الأزمة داخلياً وخارجياً.

يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً مقنعاً لكيفية أن تركيز النظام على البقاء على حساب أي إصلاح حقيقي، وفصله المصطنع بين السياسات الداخلية والخارجية في النهاية، أدى إلى انفجار اجتماعي هائل. الحجة القابلة للنقاش هي فكرة أن النظام، رغم "ركوده" السياسي، كان قادراً بتصميم على اللعب على التناقضات وعدم السماح لأي مؤسسة أو فاعل بالنمو بشكل مستقل، مما جعل المجتمع عاجزاً عن الصمود أو الصدام حتى بلغ السخط ذروته.

2.عندما يحين وقت الحسم: سوريا والولايات المتحدة87–109▼ résumé

يتركز هذا الفصل حول تطور العلاقات بين سورية والولايات المتحدة من عام 1990 حتى أوائل عام 2013، ويجادل بأن هذه العلاقات لم تقم أبداً على أسس ثنائية، بل كانت جزءاً من مصالح إقليمية وعالمية أوسع. يقدم المؤلف بينت شيلر إجابة رئيسية مفادها أن النظام السوري برع في استغلال التحولات في السياسة الأميركية لتحقيق مكاسب تكتيكية، لكنه فشل في بناء الثقة مع واشنطن أو في استثمار فرص التعاون الاستراتيجي، مما أدى إلى تدهور العلاقات وصولاً إلى القطيعة بعد اندلاع الثورة السورية.

يسير الفصل عبر خمس مراحل زمنية واضحة، يبدأها بفترة الأمل والتفاؤل الحذر بين عامي 1990 و1997. يشرح الكيفية التي رأى بها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في غزو العراق للكويت عام 1990 "فرصة ذهبية" لتحسين العلاقات مع واشنطن، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان داعماً رئيسياً لسورية. شاركت سورية في التحالف الدولي ضد العراق، وكان دورها رمزياً أكثر منه عسكرياً، حيث أن قيمتها الرئيسية كانت كونها دولة عربية معروفة بمعارضتها للسياسة الأميركية، مما ساعد واشنطن على تجنب وصف الحملة بأنها "غربية ضد عربية". في المقابل، حصلت سورية على مكاسب إقليمية كالتخلص من منافسها العراقي، وتوطيد هيمنتها في لبنان بإسقاط حكومة ميشيل عون المدعومة عراقياً في أكتوبر 1990، بالإضافة إلى دعم مالي من دول الخليج.

مع انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط من مؤتمر مدريد عام 1991، يصف الفصل أسلوب حافظ الأسد التفاوضي الحذر والمتشكك، والذي كان يصر على معرفة نتيجة المفاوضات مسبقاً ويرفض تقديم تنازلات إلا عند الإجبار. كانت فكرة الأسد مبسطة بأن الولايات المتحدة تستطيع توجيه إسرائيل، وهو ما أثبت خطأه لاحقاً، بينما كانت واشنطن ترى أن تعاون سورية فاتر ومتأخر. على الرغم من الجهود الأميركية الكبيرة، لم تؤد المفاوضات إلى نتائج تذكر، كما أن حادثة زيارة الرئيس بيل كلينتون إلى دمشق في أكتوبر 1994 تحوّلت إلى "كارثة" دبلوماسية عندما رفض الأسد إدانة هجوم انتحاري في تل أبيب خلال مؤتمر صحفي مشترك، مما خلف أثراً سلبياً دائماً في العلاقات.

ينتقل الفصل إلى فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث تغيرت قواعد اللعبة تماماً. حوّلت واشنطن تركيزها إلى "الحرب على الإرهاب" برؤية ثنائية (معنا أو مع الإرهابيين). وجدت سورية نفسها في موقف معقد؛ فعرضت تعاوناً استخباراتياً مهماً ضد تنظيم القاعدة وساعدت في إحباط هجمات، لكنها في الوقت نفسه بقيت على قائمة الدول الراعية للإرهاب بسبب دعمها لفصائل فلسطينية وحزب الله. يوضح الفصل أن التعاون السوري أنقذ أرواح أميركيين، لكن واشنطن مارست المعايير المزدوجة؛ فبينما أشادت بالتعاون، ضغطت على سورية لوقف دعم حماس وحزب الله، وهو ما رفضته دمشق معتبرةً أن هذه الفصائل قضية منفصلة. هذا التناقض أدى إلى سياسة أميركية غامضة تجاه سورية، تجسدت في عدم معارضة انتخابها لعضوية مجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2001، مقابل الضغط عليها لاحقاً.

تمثل حرب العراق عام 2003 نقطة حاسمة في مسار العلاقات. شعرت سورية بأنها خُدعت بعد أن دعمت القرار الدولي 1441 ظناً منها أنه سيوقف الحرب، ثم عارضتها بشدة عندما تحركت واشنطن من دون تفويض أممي. وصف وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الإدارة الأميركية بأوصاف نقدية لاذعة. مع سقوط بغداد بسرعة، نشأت مخاوف في دمشق من أنها قد تكون التالية. في زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى دمشق في مايو 2003، قدمت واشنطن مطالب واضحة: إغلاق الحدود أمام المقاتلين الأجانب، إقامة علاقات مع الحكومة العراقية الجديدة، تسليم أموال عراقية، وإغلاق مكاتب الفصائل الفلسطينية. ويظهر الفصل أسلوب الرئيس بشار الأسد في الامتثال الظاهري مع البحث عن مخرج، حيث أعادت المكاتب فتحها بعد فترة. لاحقاً في أكتوبر 2003، قصفت إسرائيل هدفاً على الأراضي السورية، وهو أول هجوم من نوعه منذ 1973، لكن الولايات المتحدة منعت إصدار قرار دولي يدينه بدعوى أن سورية كانت "على الجانب الخطأ من الحرب على الإرهاب".

مع تدهور العلاقات، يذكر الفصل فرض عقوبات أميركية، أبرزها "قانون محاسبة سورية واستعادة السيادة اللبنانية" الذي وقعه الرئيس جورج دبليو بوش في ديسمبر 2003 رغم معارضة وزارة الخارجية له. وقد أعلن بوش أن سورية تمثل "تهديداً استثنائياً" وأعلن حالة طوارئ وطنية للتعامل معها. يشير الفصل إلى أن أكثر من 70% من عمليات شراء صدام حسين غير المشروعة للأسلحة تمت عبر سورية، وأضيفت ملفات كانت واشنطن تتغاضى عنها سابقاً كالتدخل في لبنان. مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، سحبت الولايات المتحدة سفيرها من دمشق، وترك المنصب شاغراً حتى عام 2010.

يصف الفصل مرحلة الإصلاح القصيرة بين 2009 و2011، عندما حاولت إدارة الرئيس باراك أوباما إعادة التواصل. عُيّن روبرت فورد سفيراً في فبراير 2010، وسافر مسؤولون أميركيون إلى دمشق، لكن الحراك لم يؤت أكله. ويقدم الفصل مثالاً على تعقيد الموقف السوري عندما استضاف بشار الأسد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وأمين عام حزب الله حسن نصر الله في مأدبة عشاء بعد أسبوع واحد فقط من تعيين السفير الأميركي، وهو ما اعتبر استفزازاً واضحاً.

أخيراً، يناقش الفصل المرحلة الأخيرة من "المُصلح إلى المارق". كانت الولايات المتحدة مترددة في بداية الثورة السورية عام 2011، حيث أشارت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى بشار الأسد باعتباره "مُصلحاً". لكن مع قمع الاحتجاجات، زار السفير فورد مدينة حماه في يوليو 2011 لاقى فيها ترحيباً من المحتجين، مما أثار غضب السلطة. في أغسطس 2011، دعا أوباما الأسد للتنحي، وسحبت سورية سفيرها من واشنطن. يقدم المؤلف تحليلاً بأن الإدارة الأميركية لم تكن لديها استراتيجية واضحة تجاه سورية، وأن بشار الأسد استفاد من التردد الغربي في التدخل بسبب تجارب أفغانستان والعراق، ومن إدراكه أن الرأي العام الأميركي لا يريد خوض حرب جديدة. وينهي الفصل بالقول إن تحديد أوباما لاستخدام الأسلحة الكيماوية كـ "خط أحمر" في أغسطس 2012، من دون تحديد العواقب، دفع النظام لاستخدام أسلحة أخرى كالقنابل العنقودية والحارقة، وأن الإدارة الأميركية استمرت في سياسة "الانتظار والترقب".

في نهاية الملخص، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يطرح حججاً قابلة للنقاش، منها أن النظام السوري يتحمل مسؤولية رئيسية في تدهور العلاقات بسبب عدم جدية تعاونه، لكنه في المقابل يظهر أن السياسة الأميركية كانت متقلبة ومليئة بالتناقضات، وأنها تعاملت بمعايير مزدوجة، مما جعل بناء الثقة مستحيلاً.

3.سوريا وإسرائيل وفلسطين111–147▼ résumé

يُحلل هذا الفصل العلاقة المعقدة بين سورية وإسرائيل وفلسطين، ويُجادل بأن هذه القضايا شكلت حجر الزاوية في السياسة الخارجية السورية منذ عام 1970، وأن نهج النظام السوري اتسم بمزيج من الأيديولوجيا الصلبة خطابيًا والبراغماتية الواقعية تفاوضيًا، مع تبقِية خيارات متعددة مفتوحة (مفاوضات من جهة، ودعم جماعات المقاومة من جهة أخرى). يبدأ الفصل بعرض التغير في الموقف الإسرائيلي مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انتقلت إسرائيل من تهميش المسار السوري إلى تفضيل التعامل مع «الشيطان الذي تعرفه» خوفًا من الفوضى، لكن محاولات إعادة فتح قناة الحوار باءت بالفشل لعدم تلقّي أي إشارة إيجابية من دمشق التي كانت منشغلة بالقمع الداخلي. يشير الكاتب إلى تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في فبراير 2011 من أن خيبة الأمل من عدم التقدم قد تؤدي إلى حرب شاملة، لكنه سرعان ما عاد ليعلن استعداد إسرائيل للسلام إن كانت سورية جادة. كما يذكر محاولة محتجين سوريين في يوليو 2011 عبور الحدود إلى الجولان، مما أدى لسقوط قتلى، وتزامن ذلك مع أزمات إسرائيلية أخرى كاقتحام سفارتها في القاهرة وتوتر العلاقات مع تركيا.

يتوسع الفصل بعد ذلك في التاريخ الطويل للصراع والتفاوض منذ مؤتمر مدريد عام 1991. يصف الكاتب مؤتمر مدريد بأنه المحاولة الجادة الأولى لإيجاد حل شامل، موضحًا أن دخول سورية فيه كان مدفوعًا بعوامل عدة: تضاؤل الدعم العربي للصراع العقيم، وفقدان سورية لراعيها الاتحاد السوفيتي، وشعورها بأن التقارب مع أمريكا سيمنحها قوة ودعمًا لموقفها. ويؤكد أن المشاركة السورية في مدريد كشفت عن براغماتية الأسد، وأن الصراع لم يكن أيديولوجيًا لا يقبل التسوية، بل كان حول قضايا قابلة للتفاوض: الأرض والأمن. ومع ذلك، يبين الكاتب أن حافظ الأسد كان مفاوضًا صلبًا لا يتخلى عن شيء بسهولة، لكنه إذا وافق على شيء كان يُوثق بكلمته. يذكر الفصل أن التطورات اللاحقة كالاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني عام 1993 والاتفاق الأردني الإسرائيلي عام 1994 أظهرت تراجع النفوذ الإقليمي السوري، خصوصًا أن الأسد لم يُبلّغ أو يُستشر قبل إتمام هذه الاتفاقيات.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتفصيل المواقف التفاوضية الأساسية، فيشرح ثوابت السياسة الخارجية السورية: اتخاذ «موقف مبدئي»، والإصرار على حل «عادل وشامل»، و«عدم فصل مشرّف». ويوضح أن هذه الرسائل كانت موجهة للجمهور العربي أكثر من كونها مطالب تفاوضية حقيقية. ثم يخصص الكاتب فقرات لتفصيل القضايا الجوهرية الثلاث: مرتفعات الجولان (الأرض والمياه والمستوطنات)، الأمن والتطبيع. فيما يخص الجولان، يذكر الفصل أن سورية خسرتها في حرب 1967، وأن إسرائيل ضمتها فعليًا عام 1981 دون اعتراف دولي، ويقدر عدد المستوطنين الإسرائيليين هناك بـ 14,000 إلى 20,000. وبخصوص الأمن، تطلب إسرائيل محطة إنذار مبكر، وتريد سورية أن يديرها طرف ثالث، وفي المقابل تريد إسرائيل تطبيعًا كاملًا تشمل رفع المقاطعة والتبادل السياحي والعلاقات الدبلوماسية، وهو أمر تتحفظ عليه سورية بشدة لاعتبارات اقتصادية وسياسية.

يُفصّل الفصل تاريخ المفاوضات بين 1991 و2000، متتبعًا المراحل المختلفة حسب رؤساء وزراء إسرائيل: في عهد شامير (1991-1992) كانت المحادثات جامدة بسبب غياب الثقة ورفض الإسرائيليين التطرق للجولان، وسادت لهجة قاسية مع إصرار السوريين على تنفيذ القرارين 242 و338 كأساس. في عهد رابين (1992-1995) حدث تحول جوهري بتغيير النهج الإسرائيلي من «السلام مقابل السلام» إلى «الأرض مقابل السلام»، وقدم رابين «سؤالًا افتراضيًا» عن الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل عبر وسطاء أمريكيين، مما رفع سقف التوقعات السورية. لكن الكاتب يصف خيبة أمل دمشق عندما تقدم رابين في اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين أولًا، مما جعل الأسد يشعر بأنه خُدع. ومع ذلك، واصلت المحادثات في ظل وعود أمريكية، وأعلن رابين عن إجراء استفتاء شعبي على الانسحاب من الجولان. في عهد بيريز (1995-1996)، اختلف أسلوب التفاوض تمامًا حيث فضل بيريز «التحليق عاليًا وسريعًا»، وهو ما لم يناسب الأسد البطيء والحذر، مما أدى لتعثر المحادثات.

كانت سنوات نتنياهو الأولى (1996-1999) أسوأ مراحل المفاوضات، حيث رفض الأخير مبدأ «الأرض مقابل السلام» ووصل التوتر العسكري إلى حافة الحرب في خريف 1996 بعد تقارير استخباراتية مضللة (قضية عميل الموساد يهودا غيل). لكن الفصل يكشف عن مفارقة مهمة، وهي أنه وراء العداء العلني، كانت مفاوضات سرية تجري بين حكومة نتنياهو وسورية بوساطة أمريكية خاصة (إد جرجيان وجورج نادر)، وأن نتنياهو، خلافًا لصورته المتشددة، كان مستعدًا لتقديم تنازلات جدية حول الأرض والأمن تصل إلى العودة إلى خطوط 1967 مقابل ترتيبات أمنية. يذكر الكاتب أن هذه المفاوضات السرية كشف عنها تقرير لدانيال بايبس عام 1999. وتختتم مرحلة ما قبل وفاة الأسد الأب بفترة باراك (1999-2000)، حيث رحب الأسد بشكل استثنائي بباراك ووصفه بالشجاع والصادق، لكن المحادثات انهارت في قمة جنيف عام 2000 بسبب الخلاف حول حدود خط الرابع من حزيران ومصير المستوطنات، تلتها حرب لبنان الثانية والانتفاضة الفلسطينية الثانية.

يخصص الفصل الجزء الأخير للعلاقات السورية الفلسطينية. يصف الكاتب أن سورية استقبلت نحو 300,000 لاجئ فلسطيني عام 1948 ومنحتهم معاملة ممتازة (حق العمل والتعليم) لكنها لم تمنحهم الجنسية السورية، وأبقت على مخيماتهم كرمز لحق العودة. ويتناول العلاقة المتوترة والمشحونة بين حافظ الأسد وياسر عرفات، حيث كان الأسد يرى نفسه القائد الأعلى للقضية ولا يثق باستقلالية الفلسطينيين، واصفًا إياهم على لسان الكاتب بأنهم «أهم من أن يُتركوا للفلسطينيين». بعد اتفاق أوسلو، أنشأت سورية «جبهة الخلاص الوطني» التي ضمت عشر مجموعات فلسطينية معارضة لعرفات، ثم انضمت إليها حماس والجهاد الإسلامي. يشرح الفصل أن دعم هذه الجماعات كان جزءًا من استراتيجية مزدوجة للتفاوض من جهة، وإبقاء خيارات الضغط مفتوحة من جهة أخرى. لكنه يقر بأن هذه الاستراتيجية فشلت في النهاية: فبعد 11 سبتمبر 2001، لم يعد المجتمع الدولي يقبل التبرير السوري بأن هذه «مقاومة مشروعة»، وحماس نفسها أصبحت أقوى وأكثر استقلالية عن سورية، خاصة بعد فوزها في انتخابات 2006 ودعم إيران المالي السخي لها. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن الثورة السورية عام 2011 قطعت المفاوضات السرية التي بدأت في خريف 2010 بين نتنياهو وسورية، وأنه نظرًا لتشارك النظام والمعارضة في الموقف المتشدد تجاه إسرائيل، فإن إبرام اتفاق سلام مع أي حكومة مستقبلية لن يكون أسهل.

4.العودة إلى المربع الأول: سوريا وتركيا149–183▼ résumé

ملخص الفصل الرابع: العودة إلى المربع الأول: سورية وتركيا

يدرس هذا الفصل التحولات الجذرية في العلاقات السورية-التركية، من حافة الحرب إلى التعاون الوثيق، ثم الانهيار الكامل بسبب الثورة السورية. المؤلفة، بينت شيلر، تجادل بأن مفتاح فهم هذه العلاقة المتقلبة يكمن في عاملين رئيسيين: تعامل تركيا المتزايد مع إسرائيل، واستخدام النظام السوري لحزب العمال الكردستاني كأداة ضغط. وتخلص إلى أن تغيير النهج السوري نحو رؤية أوسع لمصالحه، تحت ضغط التهديد العسكري التركي المدعوم إسرائيلياً، أتاح فترة من الازدهار، لكن هذا التحول الاستراتيجي لم يستمر بعد انتقال السلطة إلى بشار الأسد.

يبدأ الفصل بسرد الخلافات التاريخية بين البلدين. فبالإضافة إلى قضية مقاطعة هاتاي (إسكندرون) التي ضمتها تركيا في عام 1939، كان النزاع حول مياه نهر الفرات مصدر توتر دائم. استخدمت تركيا هذا الملف كـ "عصا وجزرة"، بينما دعمت سورية، غير القادرة على مواجهة عسكرية، حزب العمال الكردستاني منذ الثمانينيات كوسيلة للضغط على أنقرة. يصف الفصل كيف قدمت سورية ملاذاً آمناً لعبد الله أوجلان ومنحته تسهيلات تدريبية في سهل البقاع اللبناني، واستخدمت أجهزتها الأمنية لتجنيد أكراد سوريين للقتال في تركيا. على الرغم من توقيع بروتوكولات أمنية في أعوام 1987 و1992 و1993، لم تلتزم بها دمشق بشكل جدي، مما أثار غضب أنقرة.

يوضح الفصل أن التحول الحاسم في العلاقة كان مدفوعاً بالتقارب التركي-الإسرائيلي. فبعد مؤتمر مدريد عام 1991، وجدت تركيا فرصة لتعزيز التعاون العسكري مع إسرائيل دون الخوف من رد فعل عربي. ويعتبر الفصل أن اتفاقيات التعاون العسكري الموقعة في عامي 1995 و1996، والتي تضمنت مناورات مشتركة وتبادلاً استخباراتياً، كانت نقطة تحول كبرى. هذا التقارب، وخاصة انتخاب بنيامين نتنياهو وإدانته العلنية لحزب العمال الكردستاني، جعل النظام السوري يشعر بأنه واقع بين فكي كماشة (تركيا وإسرائيل)، مما دفعه لتغيير استراتيجيته.

بلغ التوتر ذروته في أزمة عام 1998، حيث حشدت تركيا قواتها على الحدود في "حرب غير معلنة" لإجبار دمشق على طرد عبد الله أوجلان. المذهل في القصة هو سرعة التحول بعد هذه الأزمة. سورية، التي أدركت ضعفها العسكري وهشاشة موقفها، وقعت على اتفاق أضنة في 20 أكتوبر 1998، متخلية عن دعم حزب العمال الكردستاني. ثم بادرت بحملة تقارب سريعة مع تركيا، شملت تعزيز التجارة (التي تجاوز حجمها ملياري دولار سنوياً قبل 2011) والتعاون الثقافي والعسكري، بل وقامت تركيا بدور الوسيط في محادثات سلام غير مباشرة بين سورية وإسرائيل في 2007-2008. يصف الفصل هذا التحول بأنه خطوة استراتيجية و"متبصرة" من حافظ الأسد، الذي فضل التعاون على الصراع الثنائي المحدود.

لكن هذه الرؤية الأوسع انهارت مع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011. يبين الفصل أن تركيا لم تكن محايدة، بل انتقلت سريعاً من دعوة الأسد للإصلاح إلى المطالبة بتنحيه. دعمت أنقرة المعارضة السورية، واستضافت مئات الآلاف من اللاجئين وأسست المجلس الوطني السوري في آب/أغسطس 2011 كأول هيئة معارضة رئيسية. في المقابل، أعاد النظام السوري تفعيل علاقاته بحزب العمال الكردستاني لزعزعة استقرار تركيا. يعترف الفصل بأن طموح تركيا للعب دور إقليمي أكبر عبر الأزمة السورية لم ينجح تماماً. فقد وجدت أنقرة نفسها في تنافس مع قطر والأردن، والأهم مع الولايات المتحدة التي فضلت التعاون مع الأردن في تدريب المعارضة المسلحة، خوفاً من نفوذ الإسلاميين وتزايد قوة الأكراد. ويختتم الفصل بأن مدى نجاح السياسة التركية سيكون محدوداً طالما استمر التباين في المصالح الأمريكية والتركية بشأن الإسلاميين والأكراد.

يترك المؤلف مسألة مفتوحة حول مستقبل العلاقة، مشيراً إلى أن السلطة السورية أظهرت جموداً وإصراراً على النهج السابق خلال الثورة، على عكس المرونة الاستراتيجية التي أظهرها حافظ الأسد قبل عقدين.

5.سوريا ولبنان: أحبب جارك185–221▼ résumé

هذا الفصل يبحث في العلاقة المعقدة وغير المتكافئة بين سوريا ولبنان، ويجيب على سؤال محوري: لماذا تمسكت سوريا بهيمنتها على لبنان لعقود، وكيف أدى هذا التمسك في النهاية إلى فشل سياستها وإجبارها على الانسحاب.

يبدأ الفصل بتأكيد أن لبنان كان ركيزة أساسية في السياسة الإقليمية السورية منذ أوائل التسعينيات، حيث حصلت سوريا على موطئ قدم تحت ستار تحقيق الاستقرار في لبنان الذي مزقته الحرب الأهلية. لكن السردية التي يقدمها الفصل تُظهر أن دافع سوريا الحقيقي كان أمنياً واستراتيجياً بحتاً. حافظ الأسد رأى في السيطرة على لبنان عنصراً حيوياً لمواجهة إسرائيل، وكان يرى أن سهل البقاع اللبناني هو نقطة ضعف في خط دفاع سوريا، وخشي من أن تستغل إسرائيل ضعف لبنان بعد الحرب لمهاجمة بلاده. لذلك، حولت دمشق لبنان إلى منطقة عازلة وساحة لمعركة بالوكالة مع إسرائيل، وبيدق في تعاملاتها الدولية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تاريخ التدخل السوري، مستخدماً مجموعة من الحجج والأمثلة. يذكر أن التدخل بدأ عام 1976 عندما طلبت الجماعات المسيحية المساعدة، ثم تحول لبنان إلى ساحة معركة بالوكالة بعد الغزو الإسرائيلي عام 1982. يصف الفصل كيف استغلت سوريا علاقاتها مع حزب الله والجماعات الفلسطينية داخل لبنان لتعزيز موقعها التفاوضي، وكيف أساءت قراءة السخط اللبناني المتزايد. أحد الأمثلة القوية هو اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. يعتبره الفصل انتصاراً واضحاً لسوريا، لأنه أعطاها تفويضاً مطلقاً لفرض هيمنتها، وقيّد علاقات لبنان الخارجية، ومنعه فعلياً من إبرام سلام مستقل مع إسرائيل. يستشهد الفصل بملاحظة خبير الشؤون السورية فولكر بيرتس أن المعاهدات الموقعة بين البلدين لم تكن مهمة بحد ذاتها، بل كانت انتقائية في تنفيذها لتعكس انحيازاً لصالح سوريا.

يتعمق الفصل في آليات الهيمنة السورية، موضحاً أنها لم تقتصر على الوجود العسكري، بل امتدت للسيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية. كانت الاستخبارات السورية متغلغلة في المجتمع اللبناني، وأجبر السياسيون اللبنانيون على السفر إلى دمشق لنيل الموافقة على مواقفهم. يصف الفصل إدارة سوريا للبنان بأنها كانت قائمة على "إستراتيجية الإهانات المتعمدة"، ويضرب مثالاً صارخاً على ذلك عندما أعلن اللواء غازي كنعان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السورية في عام 1995 أن التصويت على تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي سيكون برفع الأيدي وليس سرياً، مما أذل أعضاء البرلمان. كما يتناول كيف كانت سوريا تتعامل مع لبنان "كمنفذ" لتفريغ الضغوط الداخلية؛ فكان الإعلام اللبناني الأكثر حرية متنفساً للمثقفين السوريين، والاقتصاد اللبناني الأكثر انفتاحاً ساحة للأعمال للسوريين، وكان العمال السوريون في لبنان يرسلون 4 مليارات دولار أمريكي سنوياً من الحوالات المالية لوطنهم بحلول أواخر التسعينيات.

يتناول الفصل بالتفصيل كيف سعت سوريا لموازنة القوى السياسية اللبنانية وإضعافها، سواء عبر دفع ميشيل عون للمغادرة، أو اعتقال سمير جعجع في عام 1994 بتهم ملتبسة. كما يصف العلاقة الخاصة مع حزب الله، والتي كانت أداة رئيسية في يد دمشق. توضح الفقرة أن سوريا كانت حريصة على إبقاء حزب الله وسيلة فعالة للضغط على إسرائيل، وسمحت له بالاحتفاظ بسلاحه، وقدمت له الدعم السياسي. كان حزب الله "دولة داخل دولة" في جنوب لبنان، ينفذ عمليات ضد إسرائيل بتنسيق مع سوريا وليس الحكومة اللبنانية، مما وضع هذه الحكومة تحت ضغط هائل وجعلها عاجزة.

يقر الفصل بحدود وتحفظات مهمة. فمن ناحية، يعترف بأن مدى تأثير سوريا على حزب الله لم يكن واضحاً تماماً، وأن الحزب كان دائماً حريصاً على تأكيد استقلاليته، خاصة خلال أزمة الرهائن في الثمانينيات. يقدم الفصل شهادة جيان دومينيكو بيكو كبير مفاوضي الأمم المتحدة، الذي وصف العلاقة بينهما بأنها "غريبة" و"غير مستقرة". من ناحية أخرى، يقر الفصل بأن المجتمع الدولي، وخاصة الدول المشاركة في اتفاق الطائف، توقع من سوريا مساعدة لبنان على الاستقرار ثم الانسحاب، لكن توقعه كان خاطئاً. يشير الفصل أيضاً إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 قد وضع دور سوريا في البلاد تحت تركيز حاد، وأثار تساؤلات حول شرعية وجودها.

يصل الفصل إلى ذروته مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005، وهي الحادثة التي يشير إليها كمحفز لتغيير كبير. تحت الضغط الدولي الهائل، الذي تجسد في قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يدعو لانسحاب القوات السورية، اضطرت دمشق للانسحاب في 26 نيسان/ أبريل 2005. يصف الفصل كيف صورت سوريا الانسحاب على أنه نهاية إرادية لمهمة ناجحة، وأنها بقيت فاعلاً قوياً في لبنان وإن بصورة أقل وضوحاً.

ينتقل الفصل في نهايته لتأثير الصراع السوري الداخلي منذ عام 2011 على لبنان، ويعتبره تهديداً جوهرياً. يقدر عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى لبنان بـ مليون لاجئ تقريباً، مما يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد والمجتمع اللبناني. والأكثر خطورة، أن الصراع ذا البعد الطائفي المتزايد بدأ يتداعى على لبنان. يوضح الفصل أن حزب الله أصبح في موقف صعب، حيث وجد نفسه مدافعاً عن النظام السوري، مما أفقده شعبيته. وفي خطوة غير مسبوقة، تظهر قوة لبنان الجديدة نسبياً، حيث اعتقل السياسي ميشيل سماحة في آب/ أغسطس 2012 بتهمة التآمر مع رئيس الاستخبارات السوري علي مملوك لقتل زعماء دينيين، وأصدرت بحق مملوك مذكرة توقيف في شباط/ فبراير 2013.

في فقرتها الأخيرة، تطرح المؤلفة رأياً شخصياً وتحليلاً نقدياً، متحديةً الرأي القائل بأن نجاح حافظ الأسد في لبنان كان إنجازاً كبيراً، بينما فشل بشار في الحفاظ عليه. ترى الكاتبة أن هذه النظرة تخفق في إدراك الصعوبات المتأصلة في العلاقة غير المتوازنة بين البلدين، وتقلل من شأن اللبنانيين كفاعلين سلبيين. تفترض المؤلفة أن أساس الانسحاب كان قد وضع قبل تولي بشار السلطة، ويعود بشكل كبير إلى الازدراء وعدم الاحترام الذي أظهرته دمشق تجاه لبنان. وتستنتج أن بشار ورث "سيناريو" لم يعد يتلاءم مع الوضع الجديد، وأن محاولته للسيطرة بالطرق القديمة نفسها هي التي أدت إلى الفشل.

6.الزواج الغريب: سوريا وإيران223–245▼ résumé

يتمحور هذا الفصل حول العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران، التي يصفها المؤلف بأنها "زواج غريب" ومتين في آن واحد، وذلك على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية الكبيرة بين النظام السوري العلماني والجمهورية الإسلامية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه العلاقة تأسست واستمرت على أساس المصالح العملية والأمنية المشتركة، وليس على أي تقارب أيديولوجي أو طائفي، حيث تغلبت البراغماتية على الخلافات العقائدية. ويؤكد أن هذا التحالف هو الأكثر استمراراً للنظام السوري مع قوة إقليمية، رغم التوترات الدورية بينهما.

يسير الفصل بتسلسل زمني، بدءاً من الأيام الأولى للعلاقة بعد الثورة الإيرانية عام 1979. يوضح المؤلف أن حافظ الأسد كان بحاجة ماسة إلى حليف إقليمي بعد خروج مصر من الجامعة العربية وتوتر العلاقات مع العراق. كان الخيار المنطقي هو إيران، التي كانت بدورها بحاجة إلى حليف عربي لمواجهة الغزو العراقي عام 1980 ولكسر عزلتها. يقدم المؤلف مثالاً صارخاً على براغماتية الأسد: فقد اختار التعاون مع إيران في الوقت نفسه الذي كان يسحق فيه بوحشية الانتفاضة الإسلامية للإخوان المسلمين في سوريا. وكانت الفائدة المباشرة لسوريا هي أن إيران رفضت منح ملجأ للإخوان المسلمين السوريين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التعاون والتنافس في لبنان، الذي يُعتبر ساحة محورية للعلاقة. فبينما استخدمت كل من سوريا وإيران الجماعات الشيعية لزيادة نفوذهما، كانت هناك توترات واضحة. ساهمت إيران في تأسيس حزب الله ودعمته، بينما كانت سوريا تراقب نشاطه بقوة وتتدخل أحياناً لإخضاعه، كما حدث في عام 1987 عندما أعدم ضابط سوري عدداً من عناصر حزب الله تجاوزوا أوامره. المؤلف يستخدم هذا المثال ليبين أن العلاقة كانت "زواج مصلحة" وليست حميمية، حيث كان لكل دولة أجندتها الخاصة.

فيما يتعلق بحربي الخليج، يستعرض الفصل التناقضات في السياسة بين الحليفين. خلال حرب الخليج الثانية (1990-1991)، وقفت سوريا مع التحالف الدولي لطرد العراق من الكويت، بينما عارضت إيران ذلك بشدة، مما خلق توتراً كبيراً. كما تسبب إعلان دمشق الأمني عام 1991 في أزمة ثنائية، حيث شعرت إيران بأنها مستبعدة. أما في حرب العراق عام 2003، فقد عارضت الدولتان الغزو، لكن إيران استفادت بشكل أكبر من الاضطرابات اللاحقة لتعزيز نفوذها في العراق، بينما فشلت سوريا في ذلك. يشير المؤلف هنا إلى أن حرب 2003 أعادت خلط أوراق النفوذ الإقليمي لصالح إيران بشكل كبير.

يتناول الفصل أيضاً قضية عملية السلام في الشرق الأوسط و"المقاومة". كان لانخراط سوريا في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 أن جعل إيران تشعر بالوحدة، كونها المتمسكة الوحيدة برفض المفاوضات مع إسرائيل. ومع ذلك، استمر التعاون عبر دعم الجماعات الفلسطينية وحزب الله، واعتبرت إيران أن دعم "المقاومة" يكسبها شرعية في الشارع العربي. ويذكر الفصل زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لدمشق عام 1999، والتي أكدت مجدداً دعم طهران لهذه الجماعات. يطرح المؤلف هنا حجة قابلة للنقاش بأن قيمة العلاقة كانت رمزية أكثر منها عملية لسوريا، بدليل أن التحالف لم يردع إسرائيل عن شن هجمات على سوريا في أعوام 2003 و2007 و2013.

أخيراً، يخصص الفصل قسماً للثورة السورية وتداعياتها. يوضح المؤلف أن إيران أخطأت في تقدير حجم الانتفاضة، معتقدة أن النظام السوري سيتمكن من سحقها بسرعة كما فعلت إيران مع "الثورة الخضراء" لديها. وعندما تبين العكس، تحول الدعم الإيراني من أقوال إلى أفعال، حيث أرسلت معدات عسكرية ومستشارين من الحرس الثوري، بل وزعم أنها دفعت ثمن شحنات أسلحة روسية. ويختتم الفصل بملاحظة مهمة: أن القرابة الطائفية (العلوية-الشيعية)، التي لم تلعب دوراً رئيسياً في بداية التحالف، أصبحت الآن الخلفية الأيديولوجية الصريحة للعلاقة، مما حل محل العداء مع إسرائيل كقاسم مشترك.

7.الحب الأخوي: علاقات سوريا بالعراق247–287▼ résumé

ملخص الفصل السابع: «الحب الأخوي: علاقات سوريا بالعراق»

يطرح هذا الفصل العلاقة المعقدة والمتوترة بين سوريا والعراق، واصفاً إياها بأنها حافلة بذكريات تنافسية وعداوة طويلة، ولكنها في الوقت نفسه تجمعها روابط تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة. الجدلية المحورية التي يعالجها الفصل هي كيف تحولت هذه العلاقة من تنافس إقليمي حاد إلى تقارب مضطرب، ثم إلى مواجهة غير مباشرة، وأخيراً إلى حالة من التبعية لتداعيات الحرب في العراق عام 2003. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السياسة السورية تجاه العراق كانت دائماً محكومة بهاجس أمني، هدفه إبقاء الجار العراقي ضعيفاً كفاية ليشكل تهديداً، وقوياً بما يكفي لئلا ينهار ويتسبب بفوضى عابرة للحدود. ويخلص الفصل إلى أن التوازن الدقيق الذي أداره حافظ الأسد في هذه العلاقة قد اختل في عهد ابنه بشار، الذي انخرط في صفقات اقتصادية غير مشروعة مع نظام صدام حسين قبل الحرب، ثم تبنى موقفاً شعبوياً استفزازياً إزاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مما أدى إلى عزلة إقليمية ودولية متزايدة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تطور العلاقات السورية العراقية منذ عام 1968، حين تولى صدام حسين السلطة وحتى عام 2013. يبدأ المؤلف بتأصيل العداوة الطويلة بين البلدين، مشيراً إلى أن التنافس بين جناحي حزب البعث السوري والعراقي كان أساس التصدع الأول. ثم يشرح كيف أن قرار النظام السوري بدعم إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) عمّق الفجوة بين البلدين، وجعلها لا تُردم. ويصوّر الفصل العداء الشخصي بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، اللذين تنافسا على زعامة العالم العربي، واتهم كل منهما الآخر بمحاولات اغتيال ودعم المعارضة. ويوضح الفصل أنه على الرغم من أن هذا العداء لم يصل إلى حرب صريحة، إلا أنه استمر بصورة غير مباشرة، ووصل إلى ذروته في مواقف سورية الصاخبة ضد العراق في جامعة الدول العربية، مثل رفضها استئناف المشاركة الكاملة للعراق في الجامعة واستضافة قمة بغداد عام 1990.

ثم ينتقل الفصل إلى تحليل أربع حالات رئيسة توضح تعدد محاور الاستراتيجية السورية تجاه العراق. الحالة الأولى هي موقف سورية من أزمة الخليج عام 1990. يصف المؤلف كيف انتهز حافظ الأسد فرصة غزو العراق للكويت لينضم إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، رغم معارضة الرأي العام السوري. يقدم الفصل الأدلة على أن هذا القرار كان مدفوعاً بأهداف متعددة: إضعاف الخصم الإقليمي الأقوى (العراق)، تحسين العلاقات مع واشنطن، كسب الدعم المالي العربي والأوروبي والأميركي لإنقاذ الاقتصاد السوري المتدهور، وطرد النفوذ العراقي من لبنان. يذكر المؤلف أن سورية حصلت على مساعدات أوروبية بقيمة 192 مليون دولار أميركي، ومساعدات يابانية لمشروع كهرباء بقيمة 200 مليون دولار، ومدفوعات خليجية تقدر بـ 5 مليارات دولار في آذار/ مارس 1991.

الحالة الثانية هي رعاية سورية للمعارضة العراقية بعد حرب الخليج الأولى. يصف الفصل كيف حوّلت سورية دعمها للمعارضة العراقية إلى أداة أساسية في سياستها الخارجية، فاستضافت قادة المعارضة وأقامت معسكرات تدريب وأنشأت محطة إذاعية. يذكر المؤلف أن سورية دعمت مجموعات متنوعة، من أبرزها الأحزاب الكردية (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) حرصاً على مصالحها الداخلية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة. إلا أن الفصل يكشف أن هذا الدعم كان براغماتياً ومحدوداً، إذ لم يكن يهدف إلى تغيير النظام فعلياً، بل إلى إضعافه وخلق "صداع" له مع إبقاء المعارضة تحت السيطرة. يوضح المؤلف أنه بينما سعت سورية إلى تشكيل جبهة معارضة موحدة تحت قيادة حزب البعث الموالي لها، أخفقت هذه المساعي بسبب تنوع الفصائل وتضارب أهدافها، ورفض القادة الكرد (مسعود البرزاني وجلال طالباني) الحضور إلى اجتماعات المعارضة في دمشق.

الحالة الثالثة هي استئناف العلاقات السورية العراقية وتوسيعها ابتداء من عام 1996. يشرح الفصل الدوافع التي أدت إلى هذا التقارب: من الجانب السوري، الخوف من التطويق بسبب التعاون التركي الإسرائيلي وقرب الأردن من أميركا، ومن الجانب العراقي، الرغبة في كسر نظام العقوبات وتوسيع العلاقات التجارية. يورد المؤلف التفاصيل الدقيقة لهذا التقارب: زيارة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي لدمشق في تشرين الثاني/ نوفمبر 1997 (أول زيارة رفيعة المستوى منذ 20 عاماً)، إغلاق المحطة الإذاعية الدعائية "صوت العراق الحر"، فتح معبرين حدوديين جديدين، والاتفاق على إعادة فتح خط أنابيب النفط بانياس-كركوك وبناء خط جديد. لكن الفصل يؤكد أن العلاقة ظلت باردة على المستوى السياسي، وأن المصلحة الذاتية كانت الدافع الأقوى، وقد صورت سورية سياستها كمساعدة للشعب العراقي وتخفيف لمعاناته تحت العقوبات.

يتحول الفصل في القسم التالي إلى تحليل الانتقال من الأولوية الأمنية تحت حكم حافظ الأسد إلى الأولوية الاقتصادية تحت حكم بشار الأسد. يذكر المؤلف أن الرئيس الشاب كان مهتماً بتعزيز النمو الاقتصادي، ورأى في العراق فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة. يصف الفصل بالتفصيل المصادر الاقتصادية غير المشروعة التي استفادت منها سورية: التجارة بموجب برنامج "النفط مقابل الغذاء" التي حققت عائدات كبيرة، وصفقات النفط المهربة التي يُقدّر أن سورية استوردت بموجبها ما بين 150 ألف و200 ألف برميل نفط عراقي يومياً، ما حقق أرباحاً تُقدر بـ 2.8 مليار دولار أميركي بين عامي 2000 و2003. ويسلط الضوء على تورط شخصيات مقربة من النظام، أبرزهم ابن عم بشار الأسد (ذو الهمة عيسى شاليش) ونجل وزير الدفاع (فراس طلاس) في صفقات معدات عسكرية ومواد ذات استخدام مزدوج، وقعت سورية بموجبها عقوداً بقيمة ملياري دولار أميركي مع العراق. يقدم المؤلف شهادة تُظهر أن وزير الدفاع مصطفى طلاس كان يصدر شهادات المستخدم النهائي مقابل عمولة، وأن الاستخبارات السورية كانت تأخذ نسبة 10 إلى 12.5% من قيمة الصفقات لضمان المرور الآمن للبضائع.

ثم ينتقل الفصل إلى تحليل تأثير أزمة 2003 على سورية، ويصف المأزق الذي وجدت نفسها فيه. من ناحية، كانت سورية تشعر بأنها ملزمة بحماية المصالح الإقليمية ومعارضة السياسة الأميركية، ومن ناحية أخرى، كانت تخشى أن تكون الهدف التالي بعد العراق. يصف المؤلف الموقف المتردد للنظام الذي اعتمد على دور مفتشي الأسلحة محذراً من التدخل العسكري، ثم تحول إلى خطاب شعبوي استفزازي عندما رأى أن الحرب حتمية. يذكر الفصل أن بشار الأسد اختار تعزيز شعبيته في الشارع العربي عبر مهاجمة الإدارة الأميركية بشدة، مما أثار استياء حكومتي مصر والأردن وأدى إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة. ثم يصف الفصل الصدمة التي سبّبها سقوط بغداد السريع، وكيف تحول النظام سريعاً من الخوف إلى موقف "لقد قلت لكم ذلك"، معتبراً أن تورط أميركا في العراق سيجعلها تحتاج مساعدته.

أما القسم الأخير فيخصص لتحليل القضايا الخلافية بين سوريا والولايات المتحدة في أعقاب الحرب. يناقش الفصل ثلاث قضايا رئيسة: الأولى هي الأصول العراقية في المصرف التجاري السوري، التي تُقدر بنحو 850 مليون دولار أميركي، والتي رفضت سورية إعادتها بحجة أنها مسددة لديون شركات سورية، واكتفت بإرسال مبلغ 112 مليون دولار فقط إلى صندوق التنمية العراقي، مما أدى إلى فرض عقوبات على المصرف التجاري السوري. الثانية هي عبور المقاتلين الأجانب إلى العراق عبر سورية، ويصف الفصل كيفية تسهيل السلطات السورية لمرورهم، بل وتجنيدهم من دول عربية أخرى، مع إصدار المفتي العام لسورية بياناً يدعم العمليات الاستشهادية في العراق. يذكر المؤلف أن القوات الأميركية عثرت في سنجار عام 2007 على وثائق تظهر خط سير أكثر من 600 جهادي دخلوا العراق بمساعدة الأمن السوري. الثالثة هي موضوع اللاجئين العراقيين، ويشير الفصل إلى أن سورية استقبلت نحو 1.2 مليون لاجئ عراقي حتى عام 2007، لكنها حذرتهم من محاولة الانخراط في أي نشاط سياسي يزعزع الاستقرار.

يقرّ المؤلف في مواضع متعددة بحدود هذه التحليلات، وأبرزها صعوبة تقويم التأثير الحقيقي للنشاط السوري في العراق، مشيراً إلى أن المحللين يرون أن العوامل الداخلية الطائفية في العراق هي المحرك الرئيس للعنف وليس التدخل الخارجي. ويترك أسئلة مفتوحة حول الدوافع الحقيقية لسورية، وفي مقدمتها السؤال المحوري: لماذا خاطر بشار الأسد بأمن بلاده وصدقيتها بهذه الطريقة؟ ويطرح تفسيرين غير حاسمين: الأول أن قلة خبرة بشار جعلته يركز على المكاسب الاقتصادية أكثر من الأمن، والثاني أنه لم يتمكن من فرض سيطرته على الشخصيات القوية داخل النظام، فكان عاجزاً عن منعهم من صفقاتهم المربحة التي لم يكونوا ليجرؤوا عليها أيام والده.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الفصل هو التفسير المزدوج لسلوك سورية تجاه المقاتلين الأجانب. فمن ناحية، يصف الفصل كيف سهّل النظام وصولهم إلى العراق، بل واستغل بعضهم لتجنيدهم من دول ثالثة، ومن ناحية أخرى يشير إلى أن الولايات المتحدة نفسها (على لسان الجنرال ديفيد بتريوس وأعلى المسؤولين البريطانيين جيريمي غرينستوك) أثنت على تعاون سورية في ضبط الحدود والحد من التسلل. ويمكن القول إن هذا التناقض يعكس ازدواجية واضحة، إذ ربما كانت سورية تمارس سياسة مزدوجة: السماح بمستوى معين من الفوضى في العراق لإرباك الأميركيين، مع الحفاظ على قنوات اتصال وتعاون محدود لتجنب المواجهة المباشرة.

8.عودة إلى المشهد: روسيا289–297▼ résumé

يتركز هذا الفصل على عودة روسيا كلاعب محوري في السياسة الخارجية السورية بعد غياب طويل، ويحاول الإجابة عن سؤال رئيسي: لماذا تدعم روسيا نظام الأسد بقوة في وقت عزلة، رغم أن مصالحها الاقتصادية مع دول الخليج المعارضة له قد تكون أكبر؟ يقدم الفصل تحليلاً للتطورات التي قادت إلى هذه العلاقة الجديدة، مستعرضاً تحول العلاقة من التبعية السوفياتية إلى الشراكة الاختيارية مع روسيا، مدعوماً بأدلة تاريخية وسياسية.

يسير الفصل عبر الزمن ليرسم مسار العلاقة من الانهيار إلى الإحياء. يبدأ من اللحظة المفصلية في عام 1990، حيث انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 أجبر سورية على إعادة توجيه سياستها الخارجية. يشرح كيف أن انشغال روسيا بشؤونها الداخلية خلال التسعينيات جعلها غائبة عن المشهد السوري، ولم تعد تلعب أي دور محوري حتى قيام الثورة السورية. ثم يصف كيف عادت روسيا بقوة بعد ذلك، لتصبح الشريك الأقوى للنظام، مانعة إصدار قرارات ضده في مجلس الأمن، ومزودة إياه بالأسلحة الذي كانت بمثابة شريان الحياة.

يتناول الفصل جذور التغير في العلاقة، بدءاً من سياسات ميخائيل غورباتشوف الإصلاحية التي قلصت أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للاتحاد السوفياتي، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، الأمر الذي أثار حفيظة حافظ الأسد. ثم يصف كيف أن انهيار الاتحاد السوفياتي وثورات أوروبا الشرقية أثارت قلق الأسد، خاصةً في ضوء تشابه مصيره مع مصير الدكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو.

على الرغم من تأكيد حافظ الأسد على استقلالية نظامه عن النفوذ السوفياتي، إلا أن اعتماده على الأسلحة السوفياتية بقي قائماً. وقد قادت الزيارات الفاشلة للمسؤولين السوريين إلى موسكو في 1988 و1989، وآخرها زيارة الأسد نفسه في 1990، إلى إدراكه العميق لتراجع الدعم. في المقابل، استغل الأسد فرصة حرب الخليج 1991 للانضمام إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، محققاً مكاسب سياسية كبيرة، مثل تحسين العلاقات مع واشنطن وتوسيع النفوذ في لبنان.

يشرح الفصل أن العلاقات بقيت متوترة بسبب مشكلة الديون السورية لروسيا، حتى تم حلها بشكل مفاجئ في عام 2005، عندما ألغت روسيا ديوناً قيمتها 9.8 مليار دولار أميركي مقابل عقد لشراء أسلحة بقيمة 4 مليارات دولار، مما جعل سورية أحد أكبر زبائن الأسلحة الروسية. يطرح الفصل سؤالاً حول المصالح الروسية في سورية. يذكر وجود قاعدة طرطوس البحرية، التي تعطي روسيا موقعاً استراتيجياً لمراقبة إسرائيل والبحر المتوسط، لكنه يرى أن هذه ليست المصلحة الأساسية. كما يستبعد المصلحة الاقتصادية المباشرة. ويخلص إلى أن الخوف الرئيسي لروسيا يكمن في البعد الإسلاموي للصراع، حيث تسقط مخاوفها الأمنية من تجربتها في شمال القوقاز على سورية.

أخيراً، يربط الفصل العلاقة مع روسيا بالتوتر في العلاقات الروسية-الأميركية. فعلى سبيل المثال، كان رفض روسيا لحرب العراق عام 2003 عاملاً في تقاربها مع سورية. وفيما يتعلق بقرار مجلس الأمن رقم 1559 بشأن لبنان، امتنعت روسيا عن التصويت عليه في سبتمبر 2004، معارضة الضغط على سورية. يخلص الفصل إلى أن التحسن المفاجئ في العلاقات السورية-الروسية بعد 15 عاماً من الجمود، يرتبط بشكل وثيق بتقلبات العلاقات الروسية-الأميركية ورغبة موسكو في توسيع نفوذها الإقليمي، وهو ما تجلى بوضوح في التأكيد المشترك على مصالحهما المتبادلة.

من نقاط القوة في حجة الفصل أنها تربط ببراعة بين السياسة الخارجية الروسية ومصالحها الجيوسياسية وعلاقاتها مع الغرب، مبتعدة عن التفسير العاطفي أو الأيديولوجي. كما أن طرح سؤال المصلحة الروسية ثم عدم الإجابة عليه بحسم (باستثناء الخوف من الإسلاموية) يفتح باباً للنقاش حول مدى كفاية هذا التفسير وحده لتبرير هذا المستوى من الدعم، وخاصةً فيما يتعلق بمدى أهمية قاعدة طرطوس الرمزية مقابل التكلفة السياسية للدعم.

9.الخاتمة299–309▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب "لعبة الانتظار" محاولة لتجميع خيوط تحليل السياسة الخارجية السورية تحت حكم الأسد، وتقديم إجابة شاملة عن تساؤل رئيسي: كيف تمكن نظام صغير ومحدود الإمكانيات نسبياً من الصمود لعقود في وجه الضغوط الدولية الهائلة؟ الإجابة التي يقدمها الكتاب، والتي تُختَتَم هنا، هي أن النظام اعتمد بشكل أساسي على إستراتيجية الجمود، أي على انتظار تغير الظروف الدولية والإقليمية بدلاً من الاستجابة الفورية للضغوط. يوضح الفصل أن التغير المستمر في قيادات الدول التي تشكل ضغطاً على سورية، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، يؤدي إلى عدم اتساق في سياساتها، مما يعطي النظام فرصة للانتظار حتى تتغير أولويات خصومه.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليؤكد هذه الفكرة من خلال استعراض تاريخي موجز. يذكر أن هذه الاستراتيجية نجحت أكثر من مرة، بدءاً من انتهاء العزلة الدولية عام 1990 مع حرب الخليج الأولى، مروراً بالتوتر خلال حرب العراق عام 2003، ووصولاً إلى العزلة التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري في 2005. في كل هذه الحالات، لم يغير النظام من سلوكه بشكل جوهري، بل انتظر حتى تغيرت المواقف الدولية تجاهه. حتى أن بشار الأسد نفسه أشار إلى ذلك بفخر في خطابه في كانون الثاني/يناير 2013 عندما قال إن سورية لا تقبل الخنوع ولا الوصاية، وأن هذا هو ما يزعج الغرب.

ومع ذلك، يقر الكاتب بحدود هذه الاستراتيجية ويطرح تساؤلاً جوهرياً عند تحليل الأزمة الحالية التي بدأت في 2011. ففي الداخل، فشلت استراتيجية القمع التي نجحت ضد انتفاضة عام 1982، وذلك واضح من حجم الاحتجاجات. لكن الكاتب يلاحظ أن سياسة الأسد الدولية كانت، حتى لحظة كتابة الفصل، ناجحة بشكل مدهش. يصف كيف أن الأسد استخدم تكتيك التمويه والتأطير، حيث صوّر الاحتجاجات على أنها مؤامرة خارجية، وركز على تحذير الغرب من خطر المقاتلين الأجانب والسلفيين والقاعدة، مما جعله يظهر كحصن ضد التطرف. هذا الأسلوب، بحسب الكاتب، منع الدول الغربية من دعم الثورة بحزم في وقت مبكر.

يدخل الكاتب في تفاصيل أدق عن ديناميكيات الصراع، مبيناً كيف أن كل الأطراف الخارجية لعبت دوراً في إطالة الأمد. من جهة، يذكر أن القوات السورية الخاصة ركزت على المناطق الحيوية، ومن جهة أخرى، فإن الجهات المانحة مثل المملكة العربية السعودية وقطر لم تكن مهتمة بالأجندة المدنية للثوار، بل دعمت الجماعات الإسلامية بكثافة. في المقابل، استمرت روسيا وإيران في دعم النظام بالسلاح. هذا الوضع أدى إلى تمكين الجماعات المتطرفة على حساب المعتدلين، الذين أصبحوا يعانون للحصول على الدعم، بينما استمر النظام في نشر دعايته عبر صحفيين يختارهم بنفسه، منكراً مجازر مثل مجزرة الحولة ومحمّلاً الثوار مسؤوليتها.

بعد تحليل أسباب الصمود، يطرح الفصل السؤال الأهم: "كسب الوقت، ولكن لماذا؟" يجيب الكاتب بأن النظام بدا وكأنه يفتقر إلى استراتيجية للخروج من الأزمة، باستثناء محاولة تأخير الإجراءات الدولية. ويضرب أمثلة على ذلك بوعود الإصلاح التي لم ينفذها، وموافقته على بعثات مراقبي جامعة الدول العربية والأمم المتحدة في آب/أغسطس وكانون الأول/ديسمبر 2011 مع استمرار القمع. يصل الكاتب إلى استنتاج مفاده أن النظام بدا وكأنه تخلى عن فكرة استعادة السيطرة على البلاد، مستشهداً بتهديدات كُتبت على الجدران في القرى المدمرة: "الأسد إلى الأبد أو نحرق البلد". ويصف هذا الموقف بأنه يكشف علاقة غريبة لآل الأسد بسورية، حيث يتعاملون معها كغنيمة يفضلون تدميرها على التخلي عنها.

يقوم الكاتب بعد ذلك بتفنيد الفكرة الشائعة التي تختزل الوضع في خيارين فقط: "دكتاتور متوحش" أو "وضع أشبه بالصومال". ويؤكد أن المعارضة متنوعة وتضم عناصر إسلامية، لكنها أيضاً تملك قدرة على إقامة هياكل إدارية، وهو ما وصفه بالجانب الإيجابي لغياب التمويل الأجنبي عن القضايا المدنية. ثم ينتقد الفصل الأسطورة التي يروّجها النظام عن نفسه كحامي للأقليات، متهماً إياه بقصف المناطق دون تمييز واستهداف المدنيين عمداً. ويشير إلى أن الجيش لم يعد قوة موثوقة حتى بالنسبة للنظام نفسه، وذلك بسبب نقص التمويل وسوء المعاملة، وأن الوضع أصبح يشكل تهديداً للدول المجاورة بسبب سياسات النظام، لا بسبب أهدافه.

يمتد التحليل ليشمل التهديدات الإقليمية، ففي تركيا، يشير الكاتب إلى تفاقم التوترات بسبب تضامن حزب العمال الكردستاني والعلويين مع الطائفة العلوية السورية، بالإضافة إلى تدفق مئات الآلاف من اللاجئين. أما في لبنان، فيوضح كيف أن مشاركة حزب الله المتزايدة في القتال إلى جانب النظام هي قضية استقطابية شجعها الأسد نفسه، منتقداً سياسة لبنان الانفصالية عن الأزمة.

في القسم الأخير، يعود الكاتب لتقييم الأنماط التاريخية، مقارناً بين حافظ الأسد وابنه بشار. يصف الأب بأنه كان استراتيجياً داهية قادراً على التكيف، بينما يرى أن الابن لم يقم بإصلاحات جوهرية وحاول تكرار التاريخ بدلاً من التعلم منه. بل إنه عندما انحرف عن "مخطوط والده"، كما في حرب العراق 2003، كان ذلك نحو الأسوأ، حيث سمح لمصالح شخصية لأعضاء النخبة بالتأثير على السياسة الخارجية. نتيجة لذلك، يخلص الكاتب إلى أن نظام الأسد في عام 2013 وجد نفسه في حالة يائسة، بدون رؤية أو استراتيجية، ومستعداً لإسقاط الجميع معه. وفي المقابل، ينتقد المعارضة أيضاً لتركيزها المفرط على معارضة النظام بدلاً من وضع أجندة مشتركة للمستقبل، مما جعلها عرضة للتأثير الخارجي.

أخيراً، يخاطب الفصل المجتمع الدولي. ينتقد الكاتب أن تعقيد الوضع وتضارب المصالح أصبح حجة ضد التدخل، داعياً إلى مقاربة الحالة السورية كحالة خاصة. يرى أنه بعد عامين من الدبلوماسية الفاشلة، وفقدان أكثر من مئة ألف شخص، وتشريد الملايين، فإن استكشاف خيارات أخرى أصبح ضرورياً. ويأسف أن مبدأ "مسؤولية الحماية" قد تلاشى، وأن الخطاب حول الأسلحة الكيماوية تركز على العقاب أو تغيير النظام وليس على حماية المدنيين. يختم الكاتب بانتقاد السياسات الأوروبية المترددة تجاه استقبال اللاجئين، ويدعو إلى مراجعة توزيع المساعدات الإنسانية التي تذهب غالباً لمناطق النظام، ويشدد على ضرورة دعم المعارضة ليس فقط سياسياً بل ومالياً بكثافة للتحضير لعملية انتقالية.