لهجرة ودور الذاكرة والطعام في إنشاء موطن
يُشكّل كتاب غسان الحاج، أستاذ الأنثروبولوجيا والنظرية الاجتماعية في جامعة ملبورن، مقاربةً فريدةً لفهم تجربة الهجرة، تتجاوز النظرة التقليدية التي تختزل المهاجر في حالة من الأسى والعجز. فالمؤلف يرفض بشكل قاطع مساواة مشاعر الحنين إلى الماضي (Nostalgia) بمرض الحنين إلى الوطن (homesickness)، ويدافع عن أطروحة مفادها أن ذكريات المهاجر، لا سيما تلك المرتبطة بالطعام، ليست هروباً من الحاضر، بل أدوات بناء فعّالة لإنشاء "موطن" جديد في بلد الاستقبال. الكتاب هو إذاً تحقيق في الكيفية التي تُحوّل بها الممارسات اليومية، من طهو وتذكّر واستماع، مشاعرَ الفقد إلى طاقة إيجابية تمكن المهاجر من الشعور بالأمان والألفة والقدرة على الفعل في سياق جديد جذرياً.
يسير الحاج في حجته من خلال تفكيك مفهوم "البيت" أو "الموطن" نفسه. يستند إلى عالم اللغويات إميل بنفينيست للتمييز بين "المنزل" كبناء مادي و"البيت" كوحدة اجتماعية شعورية. فالبيت، وفقاً للحاج، هو أشبه ببناء عاطفي يُشيّد من "لبنات شعورية" هي: الأمان، الألفة، الجماعة، والإحساس بالإمكانية. لا يكفي أن يكون المكان آمناً، بل يجب أن يمنح الفرد إحساساً بأنه يمتلك فيه القدرة والتحكم، وأنه قادر على توظيف "هابيتوسه" (Habitus) بمصطلح بيير بورديو، أي مجموعة استعداداته الجسدية والمعرفية، إلى أقصى حد. هذا الفضاء الحميمي ليس ملجأً منفصلاً عن العالم، بل هو "منصة انطلاق وجودية" تفتح آفاقاً للتطور والنمو، وهذا البعد الأخير – الإحساس بالإمكانية – هو ما ينقذ مفهوم البيت من أن يتحول إلى فضاء رهاب الاحتجاز.
ينتقل الحاج بعد ذلك إلى قلب أطروحته: كيف يمكن للمهاجر أن يشيد هذا البناء العاطفي في بلد جديد، حيث يفتقر إلى المعرفة العملية والمكانية وإلى شبكة العلاقات التي تشكل الجماعة؟ يجيب الكتاب بأن المفتاح يكمن في "إيحاءات الحميمية البيتية". هذه الإيحاءات، التي تستثيرها أشياء ملموسة كصوت أغنية أو رائحة طعام، تعمل كشظايا من ماضٍ متخيَّل، كنايات عن موطن مفقود لكنه يظل حياً في الذاكرة. والحاسم في تحليل الحاج هو أن هذه الإيحاءات ليست كلها سلبية. فالإيحاء السلبي يظهر في غياب الألفة، كما في قصة المهاجر الذي ثُقب إطار سيارته ليلاً، وأمام عجزه عن طلب المساعدة بلغة لا يجيدها، اجتاحته ذكريات مؤلمة جعلته يبكي بعد عقد من الزمن. هنا يصبح الحنين مرضاً. لكن بالمقابل، هناك الإيحاء الإيجابي، الذي يُستثار بحضور شيء مألوف، مثل خيارة لبنانية أو فنجان قهوة، فيتحول الحنين إلى ذكريات دافئة تمد المهاجر بالقوة وتدفعه لمواجهة اليوم الجديد.
يصل الطعام هنا إلى مركز المسرح، بصفته حاملاً استثنائياً لهذه الإيحاءات. يقدّم الحاج شهادات حية تثبت أن الطعام ليس مجرد غذاء، بل هو كناية عن كل شيء: عن يد الأم، عن القرية، عن الوطن. حين رأت المهاجرة نائلة الخيار اللبناني لأول مرة في سيدني، لمست ثماره وشعرت وكأنها "تلمس والدتها". وحين أحضرته لزوجها كسلطة بالثوم والليمون، طلبت منه إغلاق عينيه، وعندما فتحهما أدرك فوراً سبب الجلبة، وبدأ يرقص ويغني. هذا المشهد البيتي الحميم لم يكن مجرد نوبة شوق، بل كان عملية بناء موطن في الحاضر: من خلال إعداد السلطة وتناولها، استعاد الزوجان الألفة والجماعة ووجدّا القوة للمضي قدماً في أستراليا. وبالمثل، فإن شرب القهوة اللبنانية صباحاً حوّل امرأة من شخص مغمور في العمل إلى شخص أكثر سعادة وكفاءة، الأمر الذي لاحظه زملاؤها.
لا يهمل الكتاب الجانب العام لهذه الممارسات. فإلى جانب الفضاء الخاص، تتحول المطاعم والنوادي القروية في سيدني إلى ساحات لإنشاء موطن جماعي، حيث يتجمع المهاجرون السيلانيون واللبنانيون ليتحدثوا بلغاتهم ويتناولوا أطباقهم المفضلة، فيعيدون إنتاج شعور بالجماعة يحميهم من الوحدة. لكن الحاج لا يقدّم صورة مثالية. فهو يشير بصراحة إلى أن هذه الممارسات كانت تجري لسنوات طويلة تحت "العين الفاحصة للأنغلو" (الثقافة المهيمنة). يروي موقفاً طريفاً وكاشفاً عن عائلة لبنانية كانت تخشى أن يظن جارها الأسترالي أنهم "متوحشون" لدى رؤيته طبق اللحم النيء (الكبة النيئة)، مما اضطر امرأة إلى إخفاء الطبق، قبل أن تقدم له شقيقتها "العفريتة" الطبق بدفع منها، فيرد الجار بروح دعابة طالباً حصة منها. القصة تظهر قلق المهاجرين الدائم من الحكم الثقافي المخالف، وهو قلق لم يختفِ كلياً حتى مع ظهور خطاب التعددية الثقافية الرسمي، كما يشير بعض المهاجرين إلى أن أطفالهم ما زالوا يتعرضون للسخرية بسبب "وجبة غدائهم الإثنية" في المدارس.
في ختام الكتاب، يرفع الحاج تحليله إلى مستوى نظري أعمق، مميزاً بين ذاكرة عادية وذاكرة الشتات. فجميعنا نستخدم الذكريات السعيدة لبناء حاضر أفضل، لكن خصوصية المهاجر هي أن هذا الماضي بالنسبة إليه لا يزال موجوداً في الحاضر، ولكن في مكان آخر. هذا الإدراك يخلق حالة من "المطاردة المكانية"، حيث يكون فضاء الوطن المفقود مرافقاً دائماً لكل تجارب الحاضر، كظل أو شبح حي يتغلغل في الخبرات اليومية ذات البعد المكاني. وهذا الشرط الوجودي الفريد هو ما يجعل إيحاءات الطعام، ورائحة القهوة، وصوت المطرب وديع الصافي (الذي يصفه المهاجرون بأنه "صوت لبنان")، أدواتٍ حاسمةً ليس فقط للتذكّر، بل للاستقرار والانطلاق.
تظل في الكتاب تحفظات صريحة يقرّ بها المؤلف: فهو لا يزعم أن مشاعر الحنين الإيجابية تحقق رضىً تاماً، بل يعترف بوجود "جدلية" ترك "طعماً غير مكتمل"، حيث تعيدك الممارسة إلى الوطن ولكن ليس تماماً، وتترك أثراً من الفقد. ورغم أهمية هذه الجدلية، يختار الحاج إرجاءها ليركز على الجانب البنائي. كما أن نقده للخطاب الرسمي للتعددية الثقافية، الذي يبالغ في تضخيم الفرق بين فترة "الاستيعاب" وفترة "التعددية"، يترك الباب مفتوحاً لتساؤل حول مدى عمق قبول المجتمع المضيف للاختلاف، وهو ما قد يرى فيه بعض القراء قصوراً في الفصل بين القبول الرسمي والرفض الشعبي. إلا أن القوة الكبرى للكتاب تكمن في قدرته على إعادة تعريف المهاجر: ليس كجسد عاجز يبكي على ماضٍ ضائع، بل كمهندس ماهر، يستخدم ذكرياته وطعامه كطوب وحجر، ليبني بيديه موطناً جديداً هنا والآن.
Personnes
Analyse & mots-clés
Événements