Almawred
محي الدين السفرجلاني - تاريخ الثورة السورية
عربي

محي الدين السفرجلاني - تاريخ الثورة السورية

محي الدين السفرجلاني1 janvier 1936arمطبعة الثبات، دمشق

يُشكّل كتاب "تاريخ الثورة السورية" لمحي الدين السفرجلاني سرداً تاريخياً وطنياً مفصلاً للثورة السورية الكبرى، مركّزاً على جذورها السياسية والاجتماعية وأحداثها العسكرية الرئيسية. الموضوع المحوري للكتاب هو تقديم رواية وطنية شاملة تثبت بأن الثورة لم تكن تمرداً عابراً، بل كانت نتاجاً حتمياً لتراكم السياسات الاستعمارية الفرنسية القمعية، وتقسيمها لسورية، ونكثها للوعود التي قطعتها للحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى. يدافع المؤلف بكل قوته عن فكرة أن سورية تشكّل وحدة جغرافية وقومية متكاملة، وأن التقسيمات الإدارية التي فرضها الفرنسيون كانت مخالفة لإرادة الشعب وللحقائق الطبيعية والتاريخية، مما جعل الانتفاضة المسلحة الخيار الوحيد المتبقي لاستعادة الحقوق المسلوبة.

يسير الكتاب وفق خط زمني وتاريخي متصاعد، يبدأ بوضع الخلفية الجغرافية والتاريخية لسورية، ثم ينتقل إلى عرض السياسات الفرنسية التقسيمية والقمعية التي مهّدت للثورة. تبدأ الحجة بتأصيل فكرة الوحدة السورية من خلال الحدود الطبيعية الواضحة التي تحدّدها جبال طوروس شمالاً وصحراء سيناء جنوباً والبحر المتوسط غرباً وصحراء بلاد العرب شرقاً، ويستشهد بآراء مؤرخين قدامى ومحدثين مثل سترابون وهيرودوت، وكذلك بشهادة المستشرق الفرنسي الكونت دي غونتو بيرون الذي قال إن الطبيعة منحت سورية حدوداً واضحة لا لبس فيها. ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى إثبات الوحدة القومية لسكان سورية، رغم تنوع أديانهم ومذاهبهم، مؤكداً أنهم يشتركون في دم واحد ولغة واحدة نزحوا بها من جزيرة العرب، وأن الأقوام الأخرى التي قدمت كفاتحة أو مهاجرة سرعان ما ذابت وتمثلت في العنصر العربي بعد جيل واحد.

بعد هذا التمهيد الجغرافي القومي، يبدأ الكتاب في سرد الأسباب المباشرة للثورة، مركزاً على السياسات العثمانية العنصرية لجمعية الاتحاد والترقي التي أيقظت الشعور القومي، ثم على وعود الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى التي نُقضت بعد انتهائها، وصولاً إلى إعلان استقلال سورية بقيادة الملك فيصل عام 1920 والذي قوبل بالغزو الفرنسي بقيادة الجنرال غورو بعد معركة ميسلون. يقدّم الفصل تفصيلاً كبيراً للاتفاقية الفرنسية-الإنجليزية التي حددت مناطق الانتداب، ولقرارات التقسيم التي أصدرها الجنرال غورو لإنشاء دويلات صغيرة: دولة لبنان الكبير في أيلول 1920، ودولة حلب في أيلول 1920، ودولة العلويين في آب 1920، ودولة دمشق في كانون الأول 1920، وحكومة جبل الدروز في نيسان 1921. يرفق الكتاب نصوص المعاهدات والاتفاقيات التي حاولت إضفاء شرعية على هذا التقسيم، وكذلك نص وثيقة الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم في 24 تموز 1922 التي التزمت فرنسا بموجبها بإرشاد الأهالي نحو الاستقلال، وهو الالتزام الذي رأى المؤلف أن فرنسا خالفته تماماً.

تتوالى الأحداث في الكتاب بتفصيل درامي، حيث يصف مرحلة تصاعد الحراك الوطني بقيادة الزعيم عبد الرحمن شهبندر وغيره من الوطنيين، وصولاً إلى ذروة المواجهة بعد زيارة المستر كراين، رئيس لجنة الاستفتاء الأميركية، إلى دمشق في نيسان 1925. يروي المؤلف كيف تلقى شهبندر رسالة من رئيس الجامعة الأميركية تفيد بقدوم كراين، فبادر إلى استقباله وتنظيم سلسلة من اللقاءات مع وجهاء دمشق وعلمائها، حيث استمع كراين إلى شكاوى السوريين من الظلم الفرنسي والضرائب. بلغت ذروة هذا التودد الشعبي يوم سفر كراين في 6 نيسان، حيث خرجت حشود غفيرة من الرجال والنساء لتوديعه في مشهد مهيب رددوا فيه الهتافات بالاستقلال والحرية. في اليوم التالي مباشرة، 7 نيسان، اعتقلت السلطة الفرنسية الزعيم شهبندر بتهمة تدبير مؤامرة، واعتقلت معه عدداً من أبرز الوطنيين منهم حسن الحكيم وسعيد حيدر ومنير شيخ الأرض وعبد القادر العفيفي وتوفيق الحلبي وخالد الخطيب ومحمد الشريقي.

يصف الكتاب موجة الغضب الشعبي العارمة التي تلت هذا الاعتقال، حيث قام خطباء في المسجد الأموي باستنهاض الهمم، وتشكلت مظاهرات جابت الشوارع بمشاركة فضليات دمشق وحرائرها حتى ساحة الشهداء. رداً على ذلك، فرضت السلطة الأحكام العرفية على دمشق، وأصدر الكولونيل غودني بلاغاً يمنع التجول من السابعة مساءً حتى الخامسة صباحاً. جرت المحاكمة العسكرية في صباح اليوم التالي بسرية تامة، وأصدرت المحكمة أحكاماً قاسية: الدكتور شهبندر بالسجن 20 عاماً، وعبد الوهاب العفيفي 20 عاماً، وحسن الحكيم وسعيد حيدر ومنير شيخ الأرض والدكتور خالد الخطيب 10 أعوام لكل منهم، وتوفيق الحلبي 5 سنوات. نُفذ الحكم بسرية، ونقل المعتقلون من القلعة إلى بيت الدين في لبنان ثم إلى جزيرة أرواد.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى سرد العمليات العسكرية للثورة، مركزاً على دور جبل الدروز كمهدٍ للثورة. يصف بالتفصيل المظالم المتراكمة تحت حكم الكابتين كاربيه، الحاكم الفرنسي في الجبل، الذي مارس سياسة الإرهاب والإذلال، مثل فرض غرامة قدرها خمسة وعشرون ليرة عثمانية لفقدان هرة، وعشر ليرات لانكسار مصباح بلدي، وسجن المواطنين على أقل الأسباب. يروي الكتاب آلية اشتعال الثورة عندما رفض المندوب السامي استقبال وفد الجبل وهدد بنفيه، ثم انتقل إلى تفاصيل أولى الاشتباكات التي بدأت عندما ضرب الملازم موريل شاباً درزياً بالسياط، فأثار حمية حسين مرشد الذي ضربه بعصا، ويوسف نجل عبد الغفار الأطرش الذي أطلق عليه النار. تصاعدت الأحداث بسرعة حتى وصلت إلى أكبر معركة مفصلة في الكتاب: واقعة المزرعة أو معركة ميشو، حيث تمكن المجاهدون بقيادة سلطان الأطرش من هزيمة حملة فرنسية تعد سبعة آلاف جندي بقيادة الجنرال ميشو، مستخدمين أسلحتهم البيضاء وروحهم القتالية العالية.

يقدّم الكتاب تفصيلاً لمعركة المسيفرة المفصلية التي جرت في السادس من أيلول سنة 1925، حيث خطط محمد الحلبي لكمين محكم لنحو ألفي جندي فرنسي باستخدام خمسمئة فارس من بني معروف، ودارت المعركة ليلاً وأبدى الثوار نزيه المؤيد وسرحان أبو تركي بسالة، مما أرغم الفرنسيين على الانسحاب داخل القرية والتحصن بها. يبرز المؤلف أهمية النصر المعنوي في هذه المعركة التي كلّفت الفرنسيين ما يربو على تسعمئة جندي. يخصص الكتاب مساحة مؤثرة لسرد قصة بطولية من قرية ذمار لعائلة آل حمزة، حيث شارك شيخ في الثمانين من عمره مع أبنائه الأربعة في المعركة، حاملين راية الوطن، ويسقط الأبناء تباعاً شهداء حتى يفقد الشيخ جميع أبنائه، ثم تلحق بهم الأم شهيدة بعد صدمة قوية.

ينتقل السرد إلى ثورة حماه ودور فوزي القاوقجي فيها، حيث يورد مذكراته التي يصف فيها تحضيراته الدقيقة للثورة التي شملت الحصول على ثقة الشعب عبر رجال الدين وتشكيل حزب الله، ومد الجسور مع البدو، والاتصال بالضباط السوريين في الجيش والشرطة، وصولاً إلى تشكيل حكومة مؤقتة تدير البلاد. يصف الكتاب تفاصيل ليلة الهجوم على حماه، حيث هاجم الثوار دار الحكومة في الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الرابع من أيار سنة 1925، واستولوا عليها بعد مقاومة عنيفة دامت ساعتين، وصادروا السلاح وانضم إليهم بعض رجال الشرطة. يقدم التقرير تفاصيل مروعة عن حريق المخازن حيث أطلق الجنود المحاصرون قنابل مشتعلة على المخازن المجاورة للثكنة، فالتهمت النيران 117 مخزناً بما فيها من بضائع وأموال أمام أعين أصحابها.

يصف الكتاب قصف الفرنسيين لدمشق بكل تفاصيله المأساوية، حيث استمر القصف من منتصف يوم الأحد الثامن عشر من تشرين الأول حتى مساء الثلاثاء العشرين منه، وأدى إلى حرق ما يزيد على ألف قصر من أفخم قصور دمشق، وخسائر مادية هائلة في الأبنية والآثار النفيسة. يروي كيف أن الثوار الوطنيين برهنوا على غيرتهم، فأعلنوا أنهم لن يكفوا عن القتال ما لم يُسمح لهم بمغادرة دمشق ليكف عنها القصف، فغادروا إلى الغوطة بقيادة حسن الخراط وجمعة سوسق ورمضان شلاش بإشراف القائد نسيب البكري. في ظهر يوم الثلاثاء، توجه وفد من وجهاء دمشق إلى الجنرال غاملان يطلبون وقف القصف، فأجابهم بأنه يمكن وقفه فقط إذا رضخ الأهالي لدفع غرامة حربية مقدارها مئة ألف ليرة ذهبية، وتسليم أربعة آلاف بندقية مع مئة طلقة لكل منها، وهدد بتدمير أي حي يُطلق منه عيار ناري.

يورد الكتاب أدق تفاصيل الفظائع الفردية التي ارتكبت بحق المدنيين، منها إعدام ما يقارب ثلاثين شاباً بدم بارد في مقبرة الكَرْكة قرب دار البعثة الإنكليزية، حيث كان الجند يطلبون من كل شخص حفر قبره ثم يعدمونه، ونجا أحدهم ويدعى علي الفتة بعد أن أصيب وأغمي عليه ونُقل مع الموتى. كما يصف كيف أن جنود المغاربة كانوا يقومون بتسليتهم بإخافة الناس في الشارع الأعظم وإطلاق النار في الهواء ثم ينقضون على الصيارف لنهب ما فيها من نقود. ويذكر أن ما يقارب نصف المدينة أصبح في قبضة الثوار الذين قسموها وأقاموا فيها الأمن والنظام، فيما احتمى الموظفون الفرنسيون ونساؤهم وأطفالهم بقلعة دمشق بعد أن كاد البطل حسن المقبعة أن يخطف المفوض السامي من قصره في البزورية.

يقرّ المؤلف في بعض المواضع بحدود وقيود في العمل الثوري، مثل فشل بعض الخطط العسكرية بسبب تدخلات شخصية أو عدم توفر العدد الكافي من الرجال، كما يشير إلى خيانة أحد زعماء حماه الذي أبلغ المستشار الفرنسي بكل تفاصيل الخطة العسكرية. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول جدوى بعض الخطط أو أسباب فشلها، مثلما حدث عندما انشغال الثوار بجمع الغنائم في معركة المسيفرة مما عطل متابعة فلول العدو المهزومة، فجاءت الطائرات الفرنسية وأمطرتهم بالقنابل. ويحمل المؤلف أطرافاً معينة مسؤولية فشل ثورة حماه في جني ثمارها الكاملة لاستغلالهم دماء الشهداء لتوطيد نفوذهم، قائلاً إنه لو كان المسؤول عن الحركة في دمشق أكثر خبرة لقامت ثورة عامة في قلب العاصمة وأمكن لسورية عقد معاهدة تضمن مطالبها القومية.

يمثل الكتاب وثيقة هامة تقدم الرواية الوطنية السورية كاملة بكل أبعادها الدرامية، لكنه يثير نقاطاً قابلة للنقاش بناءً على المادة المقدمة. من أبرز هذه النقاط ميل المؤلف إلى الأسلوب الحماسي في السرد، حيث يميل إلى التفخيم والتمجيد ويصور الثوار كأبطال خارقين بينما يصف الفرنسيين بوحشية مطلقة، كما أن إسناده المباشر للثورة إلى مظالم الكاربيه ورفض المندوب السامي قد يبالغ في تبسيط أسباب ثورة معقدة كانت بلا شك نتيجة لتراكم أسباب سياسية واقتصادية أوسع. كما أن تركيزه على دور الزعيم شهبندر كمنظم ومترجم قد يُنظر إليه من زاوية دفاعية للتقليل من التهم المنسوبة إليه. ورغم ذلك، يظل الكتاب وثيقة تاريخية قيّمة تقدم رواية مفصلة من منظور وطني، وتؤدي وظيفتها في شرح كيف تحول السخط المتراكم إلى ثورة مسلحة لا هوادة فيها ضد الاستعمار الفرنسي.

Chapitres(18)

1.توطئة (جغرافية وتاريخية لسورية) / موقف الحلفاء المدائي من اماني السوريين العرب وتنكثهم لوعودهم / الا20–46▼ résumé

هذا الفصل هو توطئة جغرافية وتاريخية شاملة لسورية، تُقدّم في بداية كتاب «تاريخ الثورة السورية» لمحي الدين السفرجلاني. الموضوع المحوري للفصل هو إثبات أن سورية تشكّل وحدة جغرافية وقومية طبيعية متكاملة، وأن هذه الوحدة هي الأساس الذي تقوم عليه أماني السوريين العرب في الاستقلال والحرية، وهي التي دفعَتهم إلى الثورة. يقدّم المؤلف هذه الفكرة كحقيقة تاريخية وعلمية، ويردّ بذلك على أي ادعاءات تهدف إلى تقسيم سورية أو تشويه وحدتها.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تعريف المؤلف لفلسفته في كتابة التاريخ، حيث يرى أن التاريخ الحقيقي ليس مجرد سرد جاف للوقائع، بل هو «الفن الذي يُصوّر الفذلكة التاريخية» ويضم مجموعة من الأفكار والخطط والمصورات الحربية والأخلاقية. يوضح المؤلف أن هدفه من هذا الكتاب هو تقديم صورة صادقة عن أماني وآمال الأمة العربية في سورية، بعيداً عن التحزب أو الانحياز لفئة على أخرى، مع التأكيد على تقدير كل من ضحّى في سبيل الوطن.

بعد ذلك، ينتقل المؤلف إلى إثبات الوحدة الجغرافية لسورية. يذكر أن الحدود الطبيعية الواضحة تفصل سورية عن غيرها: جبال طوروس من الشمال، صحراء سيناء من الجنوب، صحراء بلاد العرب والخابور والفرات من الشرق، والبحر المتوسط من الغرب. يستشهد برأي المؤرخ اليوناني القديم سترابون الذي قال إن سورية تمتد من كليكيا وجبل أمانوس إلى بابل، وكذلك برأي هيرودوت شيخ المؤرخين. ثم يذكر أن مؤرخي العرب متفقون على أن الاقليم السوري يمتد من الفرات إلى العريش ومن جبل طيء في نجد إلى بحر الروم. يستدل المؤلف أيضاً بشهادة المستشرق الفرنسي الكونت دي غونتو بيرون (المندوب السامي السابق في سورية) الذي قال: «لقد منحت الطبيعة لسورية حدوداً واضحة لا لبس فيها»، وكذلك بقول المسيو نيبو عن سورية: «ليس من بلاد أفضل حدوداً من هذه البلاد للدفاع عنها». ويشير إلى أن الحلفاء أنفسهم في مؤتمر سان ريمو اتفقوا بالإجماع على حدود سورية الشمالية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى إثبات الوحدة القومية. يردّ المؤلف على مزاعم من يرى أن سورية تضم شعوباً متغايرة لا يمكن أن تتحد قومياً. حجته أن التاريخ يثبت أن سكان سورية، رغم اختلاف أديانهم ومذاهبهم، يشتركون في دم واحد ولغة واحدة. ويؤكد أن المؤرخين أجمعوا على أن الشعوب التي استوطنت سورية وألفت الوحدة القومية نزحت إليها من جزيرة العرب. أما الأقوام الأخرى التي قدمت كفاتحة (كالرومان)، فلم تترك سوى أثر يسير، بينما ظل العنصر العربي نقيّاً. ويضيف أن بعض الأقوام الآسيوية الأخرى (مثل الكرد والترك والجركس) التي اختلطت بعرب سورية، سرعان ما ذابت وتمثلت في العنصر العربي بعد جيل واحد.

يتناول الفصل بعد ذلك خصائص سورية الطبيعية ودور موقعها الجغرافي. يصف المؤلف سورية بأنها ملتقى قارات ثلاث: آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما جعلها ميداناً للتجارة والتبادل الحضاري، وجعل شعبها بطبيعته ميالاً إلى العمل والنشاط والهدوء والأمن، لأن مصلحته الاقتصادية تقتضي ذلك. في المقابل، كان هذا الموقع سبباً في عناء سورية، إذ جعلها هدفاً للأطماع الاستعمارية من عهد الآشوريين حتى عهد الفرنسيين، فهي «كعبة كل قوي يحب الاعتداء». ويستثني المؤلف من ذلك السلفكيين والرومانيين والأمويين، الذين كانوا أبعد نظراً في تعاملهم مع سورية وسكانها.

في ختام الفصل، يقرّ المؤلف بأن موقف عرب سورية تجاه الغارات والفتوحات التي تعاقبت عليهم لم يتغير، فهم دائماً «ينشدون الحرية والسيادة». يضع هذا كخلفية لفهم الثورة السورية التي سيتناولها الكتاب بالتفصيل، مقدماً إياها كنتاج طبيعي لهذه الوحدة الجغرافية والقومية، ورد فعل على نكث الحلفاء لوعودهم وموقفهم العدائي من أماني السوريين العرب. الفصل لا يحتوي على حجج قابلة للنقاش بقدر ما هو تقديم لرؤية ثابتة للمؤلف، مبنية على مراجع تاريخية وجغرافية، يهدف من خلالها إلى تأصيل فكرة الوحدة السورية كحقيقة مسلّم بها.

2.نص الاتفاق الفرنسي الانكليزي على تقسيم حدود سورية الطبيعية / قرارات المفوض السامي بانشاء الدويلات ال47–83▼ résumé

ملخص الفصل

يقدّم هذا الفصل تحليلاً موسعاً للأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية الكبرى، مركزاً على اتفاقية التقسيم بين فرنسا وبريطانيا وقرارات المفوض السامي الفرنسي التي قسّمت سورية إلى دويلات صغيرة. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن التقسيم الاستعماري لسورية، مدعوماً بسياسات قمعية واقتصادية هدامة، هو السبب المباشر لتفجر الثورة الشعبية.

يسير الفصل بخط زمني تاريخي طويل، يبدأ بعرض مراحل الاستقلال التي عرفتها سورية عبر العصور، مروراً بالآشوريين والرومان والأمويين، وصولاً إلى العهد العثماني. يستخدم المؤلف هذه الإشارات التاريخية كحجة أساسية لإثبات أن الشعب السوري لم يقبل أبداً بالهيمنة الأجنبية، وأن ثورته ليست وليدة لحظة حماس بل هي نتاج تراكمي لقرون من النضال من أجل الحرية. يورد المؤلف أمثلة على ازدهار سورية تحت حكم الرومان الذين أدركوا براعة السوريين التجارية والصناعية، وكيف أن الامتزاج الحضاري بين السوريين والآثوريين كان قائماً على أصل عرقي مشترك.

يتناول الفصل بعد ذلك بشكل مفصّل السياسات العثمانية، وخاصة سياسات جمعية الاتحاد والترقي التي طبّقت العنصرية الطورانية، مما أيقظ الشعور القومي لدى السوريين. يصف المؤلف كيف أن وعود الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، التي دفعوا بها السوريين إلى صفوفهم، قد نُقضت بعد انتهاء الحرب، مما أدى إلى إعلان استقلال سورية بقيادة الملك فيصل عام 1920، والذي قوبل بالغزو الفرنسي بقيادة الجنرال غورو بعد معركة ميسلون.

يعرض الفصل بعدها جملة من الأسباب المباشرة للثورة، مركزاً على السياسات القمعية للإدارة الفرنسية. يورد شهادة القائد فوزي القاوقجي الذي يصف الظلم والاهانات التي تعرض لها الوجهاء والعلماء، ويسرد تفاصيل عن المصرف السوري وكيفية نقل الذهب إلى فرنسا، وعن التضليل النقدي الذي أفقد العملة السورية قيمتها. الأفعال الفرنسية الهدامة من هدم القرى وتدمير المواشي وفرض الغرامات الجائرة وصفت بأنها من الأسباب الرئيسية التي جعلت الشعب يهب للثورة.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لسرد الانتهاكات التي ارتكبها الحاكم الفرنسي في جبل الدروز، وهو رجل يُدعى كاريه (أو ما يشابهه في النص)، حيث يسرد قصصاً مثل فرض غرامة قدرها خمسة وعشرون ليرة عثمانية لفقدان هرة، وعشر ليرات لانكسار مصباح بلدي، وسجن المواطنين على أقل الأسباب. هذه الحوادث، مع اعمال التعذيب والسجن التي تعرض لها آل الأطرش، صورت كأمثلة صارخة على سوء الإدارة والطغيان الذي دفع الشعب العربي الدرزي إلى الثورة.

يقدّم الفصل بعد ذلك النص الكامل للاتفاقية الفرنسية-الإنجليزية التي وقّعها الوزيران المفوضان، والتي تحدد حدود مناطق الانتداب الفرنسي (سورية ولبنان) والانتداب البريطاني (فلسطين والعراق). تشمل الاتفاقية تفاصيل دقيقة حول مسار الحدود من نهر الفرات والجزيرة، عبر جنوب جبل الدروز ونهر اليرموك وبحيرة طبرية، وصولاً إلى رأس الناقورة. كما تنص على تشكيل لجان لدراسة الحدود ومشاريع الري ونقل السكك الحديدية، مما يعكس كيف عملت القوى الاستعمارية على تقسيم المنطقة بمنطق اقتصادي وعسكري دون مراعاة للوحدة الوطنية أو الجغرافية الطبيعية لسورية.

يختتم الفصل بعرض القرارات التي أصدرها الجنرال غورو والمفوض السامي لتقسيم سورية إلى دويلات: دولة لبنان الكبير في أيلول 1920، ودولة حلب في أيلول 1920، ودولة العلويين في آب 1920، ودولة دمشق في كانون الأول 1920، وحكومة جبل الدروز في نيسان 1921، ولواء الإسكندرونة الذي تمتع باستقلال إداري مؤقت. يرفق الفصل نصوص المعاهدات والاتفاقيات التي تمت مع زعماء الدروز، والتي حاولت إضفاء شرعية على هذا التقسيم. أخيراً، يعرض الفصل نص وثيقة الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم في 24 تموز 1922، والتي حددت صلاحيات فرنسا كمنتدبة، وأكدت التزامها بنصح الأهالي وإرشادهم نحو الاستقلال، وهو الالتزام الذي رأى المؤلف أن فرنسا خالفته تماماً عبر سياساتها التقسيمية والقمعية.

إن تصوير الفصل للتاريخ على أنه سلسلة متصلة من النضال، والاعتماد على شهادات شخصيات قيادية وقصص واقعية عن الظلم، يبني حجة قوية يصعب نقضها ضمن سياق السرد القومي. نقطة الضعف المحتملة، والتي يمكن أن تكون قابلة للنقاش، هي إسناد كل مشاكل سورية إلى المؤامرة الاستعمارية الخارجية بشكل حصري، مع إغفال العوامل الداخلية مثل الصراعات بين النخب أو التنوع الطائفي الذي ربما استُغل بالفعل لكنه لم يُخلق من العدم.

3.اعتقال الزعيم شهبندر ورجاله / محاكمة الزعيم شهبندر / المستر كراين والعرب / سفر فورد وتعيين ويغاند / 84–106▼ résumé

ملخص الفصل: «اعتقال الزعيم شهبندر ورجاله / محاكمة الزعيم شهبندر / المستر كراين والعرب / سفر فورد وتعيين ويغاند»

يتناول هذا الفصل من كتاب "تاريخ الثورة السورية" لمحي الدين السفرجلاني مرحلةً حافلةً بالأحداث المصيرية في تاريخ سورية تحت الانتداب الفرنسي. المحور الأساسي الذي يدور حوله الفصل هو تصاعد الحراك الوطني السوري بقيادة الزعيم عبد الرحمن شهبندر وغيره من الوطنيين، في مواجهة السياسات الفرنسية القمعية والمناورات السياسية والإدارية التي هدفت إلى إضعاف الوحدة الوطنية السورية وإخماد صوت المطالبة بالاستقلال. يقدم المؤلف تفصيلاً دقيقاً لسلسلة من الأحداث المتصلة، بدءاً من محاولات الفرنسيين فرض تقسيم البلاد وإنشاء مجالس تمثيلية صورية، وصولاً إلى ذروة المواجهة مع الزعيم شهبندر واعتقاله ومحاكمته.

يسير الفصل بخطىً منتظمة، حيث يبدأ بعرضٍ لخلفية الأحداث السياسية والإدارية التي مهدت للثورة. يذكر المؤلف قرار المفوض السامي الصادر في 5 أغسطس سنة 1925 بإنشاء مجلس تمثيلي لدولة دمشق، والذي قوبل بمقاطعة شعبية واسعة وإضراب دام عشرة أيام. ثم ينتقل إلى الحديث عن قرار الجنرال غورو في 5 ديسمبر من عام 1924 بإلغاء "اتحاد دول سورية" واستبداله بـ "الدولة السورية" التي ضمت دمشق وحلب. يقدم المؤلف تفصيلاً موسعاً لمحتوى هذا القرار الذي تضمن 16 مادة، والتي نظمت شكل الدولة الجديدة وصلاحيات رئيسها ووزرائها والمجلس التمثيلي والامتيازات المالية الممنوحة لولاية حلب. ورغم أن هذه الخطوة بدت للبعض وكأنها تنازل، يوضح المؤلف أن الشعب السوري أدرك حقيقتها كإجراء تكتيكي جديد لمحاولة إخماد الثورة الوطنية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لسرد موجز لأحداث الثورة المسلحة في شمالي البلاد بقيادة الزعيم إبراهيم هنانو، بالتحالف مع المجاهد الكبير الشيخ صالح العلي في منطقة اللاذقية. يورد المؤلف بلاغين رسميين بالفرنسية أصدرهما الجنرال غورو في 7 أيلول 1921 وبلاغ آخر يؤرخان لعمليات عسكرية فرنسية واسعة ضد العصابات الوطنية، وكيف تمكنت القوات الفرنسية من تفريق قوات هنانو والعلي بعد معارك ضارية. كما يذكر أن هنانو اعتقل في فلسطين أثناء توجهه إلى القدس، ثم سلم للسلطة الفرنسية وحوكم في حلب وأطلق سراحه لاحقاً. ويشير أيضاً إلى استسلام الشيخ صالح العلي كما أذيع في بلاغ فرنسي في 6 تموز 1922. ينتقل بعدها لوصف حادثة تعرض لها الجنرال غورو نفسه في 23 حزيران 1921 بالقرب من القنيطرة، والتي انتقم الفرنسيون منها بقسوة بتدمير القرى المحيطة وفرض الغرامات الباهظة. ثم يختتم هذه النبذة السردية بحادثة اغتيال مدير الداخلية في لبنان أسعد بك في بيروت في 7 نيسان 1921، وثورة في دير الزور.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً وأساسياً لوصف زيارة رئيس لجنة الاستفتاء الأمريكية، المستر كراين، إلى دمشق في نيسان 1925. يروي المؤلف كيف تلقى الزعيم شهبندر رسالة من رئيس الجامعة الأمريكية تفيد بقدوم كراين، فبادر إلى استقباله وتنظيم سلسلة من اللقاءات معه. يصف الفصل بالتفصيل لقاءات كراين مع وجهاء دمشق وعلمائها في بيوت أعيانها، مثل حديقة حسن الحكيم ومنزل شكري العسلي، حيث استمع إلى شكاوى السوريين من الظلم الفرنسي والضرائب. كما يذكر زيارته لمدرسة الشهداء ولقاءه بالآنسة نازك العابد. يوضح المؤلف أن كراين أبدى إعجابه وأعلن عن تبرعه بتكاليف إرسال الآنسة أليس قندلفت إلى أمريكا لإكمال تحصيلها العلمي. وبلغت ذروة هذا التودد الشعبي يوم سفر كراين في 6 نيسان، حيث خرجت حشود غفيرة من الرجال والنساء لتوديعه في مشهد مهيب، رددوا فيه الهتافات بالاستقلال والحرية وألقيت الخطب النارية. في هذا الموقف، ودع الزعيم شهبندر المستر كراين بكلمة مؤثرة طلب منه أن ينقل إلى أمريكا ما رآه من شعب يطلب حريته.

بشكل مباشر ومأساوي يصف الفصل ما تلا مغادرة كراين، حيث يعتبر المؤلف أن نشاط الزعيم شهبندر وتنظيمه لهذه اللقاءات وحركة الجماهير التي رافقته كانت السبب المباشر في اعتقاله. في اليوم التالي مباشرة، 7 نيسان، تقدم شرطي إلى دار الزعيم ليطلب منه مرافقته. يروي الفصل تفاصيل تلك اللحظات المؤثرة، حيث طلب شهبندر مهلة قصيرة ليكتب رسالة إلى الرئيس ولسون يشرح فيها أسباب اعتقاله ويصف ما حدث، معترفاً بأن دوره كمنظم للقاءات كراين هو الدافع الحقيقي لقرار اعتقاله. ثم يصف مشهد وداعه لأطفاله الصغار الذين تعلقوا به قبل أن ينفصل عنهم ويرافق الشرطي. ويضيف المؤلف أن السلطة اعتقلت أيضاً عدداً من أبرز الوطنيين والمنظمين معه، منهم حسن الحكيم، سعيد حيدر، منير شيخ الأرض، عبد القادر العفيفي، توفيق الحلبي، وخالد الخطيب ومحمد الشريقي.

ترد على هذا الاعتقال موجة غضب شعبية عارمة، فيصف الفصل كيف قام خطباء في المسجد الأموي يوم الجمعة باستنهاض الهمم، وتشكلت مظاهرات جابت الشوارع، وكيف قامت السلطة الفرنسية باعتقال المزيد من المتظاهرين. ووصلت الحركة إلى إعلان إضراب عام شامل في دمشق، أسواقها ومدارسها. تذكر تفاصيل المظاهرات النسائية البارزة التي قادتها فضليات دمشق وحرائرها حتى ساحة الشهداء. رداً على ذلك، فرضت السلطة الأحكام العرفية على دمشق، وأصدر الكولونيل غودني بلاغاً يمنع التجول من السابعة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

يختتم الفصل بوصف دقيق للمحاكمة العسكرية التي أجريت للمعتقلين، والتي جرت في النظارة في ساحة العمارة. وقد نقل المعتقلون سراً في الليل إلى موقع المحاكمة، حيث سدت السلطة كل الطرق المؤدية إليه وحشدت القوات لمنع حضور الجماهير. يتضمن الفصل نص لائحة الاتهام الرسمية التي تضمنت تهمة «تدبير مؤامرة غايتها تغيير شكل الحكومة مشفوعة بالعمل». يذكر أسماء المحكمة العسكرية التي ترأسها كولونيل لاريث وعضوية كل من الكومندان جانيسي وغوري واليوتنان بيرساي، وكذلك فريق الدفاع المكون من المحامين الكبار مثل فارس الخوري وسعيد المحاميد وآخرين.

يختم المؤلف هذا الفصل بالإشارة إلى أن بعض المعتقلين أطلق سراحهم بعد دفع كفالات مالية، فيما ظل الزعيم شهبندر وآخرون موقوفين حتى صبيحة اليوم التالي للمحاكمة. كما يذكر أن الكبير أمين سعيد، الذي كان في طليعة المناضلين، آل على نفسه ألا يبرح الوطن بجسده، لكنه لاحقاً اتجه إلى مصر حيث استقر بعيداً عن وطنه حتى صدور عفو عام في 1 آذار 1928.

في مجمله، يقدم هذا الفصل سرداً تاريخياً متصلاً لكيفية تحول المطالبة السياسية السلمية والاستقبال الشعبي لمبعوث أمريكي إلى سببٍ مباشر لاعتقال قادة الرأي، وكيف قوبل هذا الاعتقال بانتفاضة شعبية شاملة كشفت عن عمق المشاعر الوطنية والأزمة الحقيقية بين الشعب والانتداب الفرنسي، لتكون إحدى حلقات النضال الطويل نحو الاستقلال.

5.المؤتمر العام ولجنتاه / بدء الثورة السورية الكبرى / المظاهرات ضد وصول بلفور الى دمشق / المندوب الافر114–127▼ résumé

بدأ الدكتور محي الدين السفرجلاني فصله بمحاكمة مثيرة، حيث واجه الرئيس أحد المتهمين (الدكتور) متّهماً إياه بأن المظاهرات التي وقعت في ١٠ و١١ نيسان (أبريل) خطط لها المعتقلون الذين أُطلق سراحهم وكانوا يتلقون أوامرهم منه. ونفى الدكتور هذه التهمة جملةً وتفصيلاً، وأصرّ على عدم معرفته بها أو بنصيب له من الصحة. وتابع الرئيس في المحاكمة متهماً الدكتور بأنه ألقى في ١١ نيسان خطاباً أوضح فيه للمسجونين ما تداولوه في الاجتماعات الماضية، مدعياً أن عصبة الأمم المتحدة مهتمة بأمر سورية، وأنه حلف المعتقلين على القرآن. وردّ الدكتور بأنه كان يخبر الرفاق فقط بحوادث سفره يوم فرّ من مظالم جمال باشا إلى العراق والهند ومصر. وعندما سأل الرئيس عن شكوى الدكتور من سوء المعاملة والسجن الذي يمنعهم الهواء النقي، أجابه الرئيس بأن هذا السجن لم تبنه الحكومة الفرنسية بل كان موجوداً من قبل منذ زمن الحكومة الفيصلية. فعارضه الدكتور قائلاً إنه كان بإمكان الحكومة وضعهم في منزل أو مكان آخر غيره.

ثم عكف الرئيس على بقية المعتقلين يسألهم الواحد تلو الآخر، فكان كل منهم يجيب برباطة جاش ووطنية متقدة. ومن ذلك ما قاله حسن الحكيم في المحاكمة مستنكراً محاكمته على حسن نيته، ومتحدياً المحكمة أن تناقشه الحساب على ما بدر منه.

وانتقل الفصل بعد ذلك إلى صلب الموضوع السياسي، متناولاً نصوص صك الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان. فأورد المواد المتعلقة بالمساواة التامة بين جميع الدول الأعضاء في جمعية الأمم في المعاملات التجارية والاقتصادية، مثل الضرائب والتجارة والملاحة وتعاطي الحرف، ومعاملة السفن والبضائع. ونصّت هذه المواد على أنه يجب عدم التمييز بين البضائع على أساس مصدرها، مع وجوب إطلاق حرية التجارة والعبور عبر المنطقة. كما أعطت هذه المواد للحكومة المنتدبة الحق في فرض الضرائب والرسوم الجمركية التي تراها، أو التوجيه للحكومات المحلية لفرضها، وعقد الاتفاقيات الجمركية مع البلاد المجاورة. وتناولت كذلك مسألة تنمية الموارد الطبيعية، فمنحت الدولة المنتدبة صلاحية اتخاذ الوسائل الفعالة لترقية هذه الموارد مع المحافظة على مصالح السكان، وشرطت أن تمنح الامتيازات دون تمييز في تابعية الأشخاص الداخلة دولهم في جمعية الأمم، على ألا تمسّ هذه الامتيازات بسلطة الحكومة المحلية وألا تُمنح بصفة احتكار عام. كما نصّت على أن تحافظ الدولة المنتدبة بالنيابة عن سورية على الاتفاقيات الدولية العامة المتعلقة بالرقيق والعقاقير والذخائر الحربية والمساواة التجارية وحرية المرور والملاحة والطيران والمواصلات ووسائل حماية المصانع والآداب، وتصون بقدر الإمكان سورية في الأمور ذات الفوائد العامة التي تقرّها جمعية الأمم كمكافحة الأمراض النباتية والحيوانية.

وتناول الفصل كيفية تنفيذ الدستور المنصوص عليه في المادة الأولى، حيث يُوضع ترتيب بين الحكومة المنتدبة والحكومات المحلية تدفع بموجبه هذه الحكومات جميع النفقات التي أنفقتها الحكومة المنتدبة لأجل تنظيم الإدارة وترقية الموارد والقيام بالأعمال العامة. وأشار إلى أن تكون اللغتان الفرنسية والعربية اللغتين الرسميتين في سورية ولبنان. ونصّ كذلك على أن تقدّم الدولة المنتدبة تقريراً سنوياً لمجلس جمعية الأمم يبيّن التدابير التي اتخذتها لتنفيذ شروط الانتداب، ويُرفق معه نسخ عن جميع القوانين والأنظمة التي سُنّت. وتناول الفصل إجراءات تعديل شروط صك الانتداب بموافقة مجلس جمعية الأمم، وكيفية حلّ النزاعات بين الدولة المنتدبة ودولة أخرى عضوة في الجمعية عبر محاكمات العدل الدولي.

بعد عرض هذه النصوص التعاقدية، انتقل السفرجلاني إلى الأحداث السياسية التي أعقبت فرض الانتداب. ففي ٥ آب (أغسطس) سنة ١٩٢٠، أصدر المفوض السامي قراراً بإنشاء مجلس تمثيلي لدولة دمشق قوامه ٧ أعضاء، تكون صلاحيته محدودة في الميزانية والضرائب والتشريع والإدارة، مع حقه في تعيين ممثلي الدولة في مجلس الاتحاد وطرح الأسئلة على الحاكم. وأصدر قرارات مماثلة لدولة حلب وآخر شبهه لدولة العلويين. أما لبنان وجبل الدروز فقد أُنشئ لهما مجلسان من قبل. وبينما كانت دمشق التي لم تألف الضيم تعترض بشدة على مثل هذا المجلس ضيّق الصلاحية، فأضربت المدينة بكاملها ٨ أيام احتجاجاً، إلا أن السلطة الفرنسية مضت في تنفيذ قرارها وأتمّت الانتخابات وأخرجت نواباً قاطعهم الشعب ولم يعترف بهم، وكانوا لا يمثلون أحداً، ولولا أن تحرسهم الحكومة برجالها ما كانوا أحياء. ويرى السفرجلاني أن هذا الاتحاد الذي تحميه الحراب وتحرسه الرماح، كان من الطبيعي ألا يعيش طويلاً، لأن ما لا يرضى عنه الشعب لا يمكن أن يدوم له، وإن كتب له البقاء فإلى زمان محدود.

ولم يهدأ الشعب السوري العربي، فاستمر بالاحتجاج، مما أرغم الجنرال ويغاند (خلف الجنرال غورو) على إصدار قرار في ٢٨ حزيران (يونيو) عام ١٩٢٢ بإلغاء الاتحاد وإبداله بكيان آخر يجمع بين دولة دمشق ودولة حلب عدا حكومة العلويين. ونصّ القرار على أن تتحد الدولتان اعتباراً من أول تموز (يوليو) سنة ١٩٢٢ وتؤلفان دولة واحدة تسمى "الدولة السورية"، ضمن الحدود الحالية لكل منهما، وعاصمتها دمشق، مع احتفاظ الحكومة المنتدبة بحقوقها وسلطاتها. وأوكل القرار السلطة التنفيذية لرئيس حكومة يسمى "رئيس الدولة" ينتخبه المجلس التمثيلي بالأكثرية المطلقة، وتؤول إليه إدارة شؤون الدولة. كما نصّ على تشكيل مجلس وزراء من ٥ وزارات: الداخلية (بما فيها الشرطة والدرك والصحة والإسعاف)، والعدلية، والمالية، والمعارف، والتجارة والزراعة والأشغال العامة. وحدد القرار اختصاصات الإدارات المحلية وأبقى على إدارة الألوية والأقضية والنواحي والبلديات. ونصّ على أن يقوم بالسلطة القضائية المحاكم البدائية ضمن شروط القوانين الاتحادية. واهتم بشكل خاص بإدارة لواء إسكندرون التابع لحلب، وأبقى على امتياز مالي خاص بولاية حلب لتحصيل وارداتها وإنفاقها على مصالحها ومشاريعها المحلية. وخضع رئيس الدولة وسائر التعيينات لتصديق المفوض السامي أو مندوبه، الذي يحق له إعلان زوال صلاحية الرئيس لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة.

ورغم هذه المحاولات الفرنسية لترميم الكيان السياسي، يرى السفرجلاني أن هذه الحيل لم تنطلِ على الشعب العربي السوري، الذي أدرك أن هذه الإسربات التي تلوح بها السلطة من ضم بلد إلى بلد، ما كانت لتنقع الغلة أو تشفي العلة. فبالنسبة لما ناله الشعب من قبل في أيام العهد الاستقلالي الذهبي، لم تكن هذه الإجراءات شيئاً. ويقرّر السفرجلاني بجرأة أن الفرنسيين سلكوا كل سبيل لخدمة أمتهم على زعمهم، فأتوا إلى البلاد بضربة التقسيم القاضية، ثم أخذوا يرتدون عنها كلما رأوا حركة أو هزة عنف بضم جزء إلى جزء، كأنهم يختبرون مفعول مخدر على أمل أن يخلد الشعب للسكينة عند كل ضم. ويؤكد أن الشعب العربي الذكي أدرك هذه الخدعة، فلم يخدع بها.

وبالعودة إلى عام ١٩٢٠، وتحديداً إلى صباح ٢١ آب (أغسطس)، يصف السفرجلاني الحادثة التي تشير إلى أن العربي السوري لا يؤخذ بالشراك والحبائل. ففي هذا اليوم، توجه وفد من دمشق إلى حوران لا ليحمل إليها الحرية والاستقلال، بل ليحمل لها الرضوخ والذل والأسر، وليُخضعها للفرمان الذي فرضته السلطة الفرنسية بعد فاجعة ميسلون. وتألف الوفد من: علاء الدين الدروبي (رئيس الحكومة آنذاك)، وعبد الرحمن اليوسف (رئيس مجلس الشورى في ذلك العهد)، وعطا الأيوبي (وزير داخلية تلك الدولة)، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ عبد الجليل الدرا. وما أن وصل الوفد إلى محطة خربة الغزالة (على بعد ٢٥ كيلومتراً عن درعا)، حتى داهم القطار جمع غفير من الثوار. ظنّ الوفد في البداية أنهم جاؤوا لاستقباله، ولكن سرعان ما أصابهم الرعب حين رأوا الجمع الحاشد قد انهال عليهم. في الموقف العصيب، أخذ كل منهم يفتش عن مخبأ يفرّ من موت محقق. فهتدى الجمع إلى الدروبي وكان مختبئاً في قاطرة الدرجة الثالثة فقتلوه، وانهزم عبد الرحمن اليوسف إلى دار فلحق به الرجال وهناك ذبحوه بعد أن أطلقوا الرصاص عليه، ونهبوا جميع ما في القطار، بينما تمكن بقية الوفد من الفرار.

رداً على ذلك، جهّزت السلطة الفرنسية حملات على أهالي حوران، انتقمت منهم انتقاماً فظيعاً، فأعملت فيهم النار والدمار. فلم يستطع الأهالي الوقوف في وجه الحديد والرصاص، رغم انضمام قبائل بني نعيم والفضل والسلوط وغيرهم إليهم. وفي أوائل تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٢١، فرض الفرنسيون غرامات باهظة قدرها آلاف من الليرات العثمانية الذهبية، انتقاماً لما جرى في حوران يوم ٢١ آب. كما فتكت الطائرات الفرنسية بقرى حوران فتكاً أذهل، فلم تترك فيها حجراً على حجر، وأحرقت البيادر والبيوت بعد نهبها. فأرسلت جمعية الاتحاد السوري في مصر بتاريخ ٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٢١، إلى رؤساء حكومات الحلفاء ومجالسها النيابية ورئيس الولايات المتحدة ومجلس الشيوخ وكبرى الصحف، احتجاجاً جاء فيه: "ذهل السوريون لقراءة البلاغات الفرنسية الصادرة بتاريخ ٢٧ آب و١ أيلول (سبتمبر) سنة ١٩٢١، المنبئة بتدمير الجيش الفرنسي تدميراً تاماً لقرى حوران الزراعية التي هي أهراء سورية. الطيارات تخرب القرى بكاملها قاتلة النساء والأولاد بلا رحمة. نحن نستصرخ الأمم المتمدنة ومنها الأمة الفرنسية ضد هذه الأعمال الوحشية التي تفوت الوصف".

وبعد هذه الفظائع في حوران، ينتقل الفصل إلى ما جرى في باقي الأقاليم السورية. ففي الشمال، قام الزعيم الكبير إبراهيم هنانو بواجبه المقدس فألّف عصابة وجاهر بمقارعة الفرنسيين ومقاتلتهم، وأعلن العصيان عليهم وأخذ يضرم نار الثورة في جهات حلب وضواحيها، فانتشرت الثورة في أنطاكية وحارم والعمق وإدلب وجسر الشغور. وقد ساعده في عمله بعض ضباط العثمانيين. فانهزم الفرنسيون في معارك عديدة، واستطاع هنانو أن يتصل بالمجاهد الكبير الشيخ صالح العلي الذي كان قد اصطدم مع الفرنسيين في منطقة اللاذقية وهزمهم شر هزيمة، بل واستولى على معظم القرى هناك، مهدداً اللاذقية نفسها. فأوجس الفرنسيون منه خيفة، وباتوا يحذرون هنانو في الشمال والشيخ صالح العلي في اللاذقية، متسترين على انهزاماتهم بالكتمان. ولكن السلطة الفرنسية سرعان ما جهّزت قوات كبيرة لملاحقة العصابات، وأصدر الجنرال غورو بلاغاً بالفرنسية في ٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٢١ يصف فيه الحملة. وذكر البلاغ أنه منذ آذار (مارس) حتى تموز (يوليو) ١٩٢١، قاوم عدد كبير من العصابات بقوة، إلى أن استتب الأمن، وطاردت الجيوش بين نيسان (أبريل) وتموز (يوليو) ١٩٢١ عصابة إبراهيم هنانو والشيخ صالح العلي المتحالفتين، فأفضت الحملة إلى احتلال مواقع وإنشاء مراكز في كفر تخاريم ودركوش وجسر الشغور ومعرة النعمان. وذكر بلاغ آخر أن حملة قادها الجنرال نيجر من اللاذقية في ٢٧ أيار (مايو)، وحملة أخرى من محردة قادها الكولونيل دوم، مع حملة ثالثة من الحمدانية، تقدمت باتجاه جسر الشغور وقلمة المضيق، ودارت معركة شديدة في جسر الشغور انتهت باستيلاء الفرنسيين على البلدة وانسحاب الثوار. وذكر البلاغ أن عدد الثوار لا يقل عن ٣٠ ألف مقاتل، وأن إبراهيم هنانو غادر مقره في جبل الزاوية في ٢٧ تموز (يوليو) ١٩٢١ متجهاً إلى عمان. فلاقاه الفرنسيون شرقي سلمية بأوباشهم الإسماعيليين ودارت معركة قُتل فيها أربعة من ضباطه، لكنه واصل السفر ووصل إلى عمان. ومن هناك توجّه إلى فلسطين لزيارة القدس، فاعتقلته السلطات البريطانية، مما أثار غضب العرب الذين هاجوا وماجوا واعتدوا على قائد البرك، وطالبوا بإطلاق سراحه دون جدوى. وأُرسل الزعيم مكبّلاً إلى بيروت، ثم حوكم في حلب أمام المجلس العرفي الفرنسي، لكن المحكمة برأته وأطلقت سراحه. أما الشيخ صالح العلي، فقد ظل متوارياً عن الأنظار حتى أعلنت السلطة الفرنسية في ٦ تموز (يوليو) سنة ١٩٢٢ استسلامه.

ويخلص السفرجلاني من هذه الأحداث إلى أن السوريين العرب أبدوا امتعاضاً شديداً من سوء تصرف السياسة الفرنسية، وما قام به مندوب المفوض السامي الجنرال غورو من سوء تصرّف ومن خطأ سياسته ومن قصر نظره في إدارة البلاد. ويتجلى هذا الاستياء بصورة صريحة في الحادثة التي وقعت للمندوب السامي الجنرال غورو في ١٣ حزيران (يونيو) ١٩٢١، أثناء زيارته للأمير محمود الفاعور قرب القنيطرة. فما أن بلغ تلك الناحية حتى انهال عليه الرصاص كالوابل من رجال كانوا قد اقتعدوا مقاعدهم منتظرين مروره. وفي هذه الواقعة، أصيب الحاكم حقي العظم (حاكم الدولة) ببضع رصاصات في فخذه وذراعه وشفته، جزاء دفاعه عن غورو، وأصيب الجنرال نفسه في كمّه. لكن الفصل يروي كيف أن الفرنسيين جعلوا من هذه الحادثة ذريعة للانتقام من الأبرياء المسالمين، فعذّبوا ونكّلوا وأعملوا الظلم بأناس لا ذنب لهم ولا حمل في الحادث. فقد شنّوا الحملات على كل قرية تتبع القنيطرة، يدمّرونها بقنابل المدافع مرّة وبقذائف الطائرات أخرى، ويفرضون الغرامات الباهظة تارة، ويزجون الزعماء في السجون تارة أخرى، كما فعلوا بقرى جباتة الخشب وطرنجه والأحمر وتل الشيخة ومجدل شمس وجباتة الزيت. ويذكر السفرجلاني أن الفرنسيين أنفسهم لم يتورعوا عن الاعتراف بهذه الأفعال في بلاغ لهم، مما يدل على بشاعة ما اقترفوه.

6.المعركة الاولى / وقعة ميسشو / دمشق والثورة / مطاردة حزب الشعب / كتاب الزعيم شهبندر الى وزارة الخارجي128–150▼ résumé

يتركز هذا الفصل على سرد الأحداث التي أعقبت جولة المستر كراين، رئيس لجنة الاستفتاء الأميركية، في دمشق عام 1925، والتي أدت إلى اعتقال الزعيم عبد الرحمن شهبندر ورفاقه، ومحاكمتهم، وإثارة موجة احتجاجية عارمة في سورية. يقدم المؤلف هذه الحلقة كنموذج صارخ على سياسة القمع الفرنسي، ويؤكد أن اللهفة على الحرية والاستقلال متأصلة في الشعب السوري، وأن الضغط الاستعماري لا يؤدي إلا إلى انفجار سياسي عنيف بدلاً من الإخضاع.

يبدأ الفصل بعرض موجز لأعمال انتقامية فرنسية في قرى الجولان مثل جباة الخشب والمنشية وعوفاني، حيث دُمّرت القرى وغرّمت الأهالي مبالغ تتراوح بين 50 و500 جنيه ذهب، بحجة إيوائهم مجرمين من القنيطرة. ثم ينتقل إلى حادثة اغتيال أسعد بك، مدير الداخلية في لبنان، في 7 نيسان 1925، ويصف حالة الاضطراب التي عمت المناطق الخاضعة للانتداب، مستشهداً بمعارك دير الزور في 28 أيلول 1921 ضد قوة فرنسية بقيادة الكولونيل دي بيوفر، وهجمات ملحم قاسم في منطقة بعلبك.

يُقدم المؤلف بعدها تحليلاً نفسياً واجتماعياً للشخصية السورية، معتبراً أن المظالم المتوالية تولّد لدى الشعب حساسية مفرطة تؤدي إلى «الانفجار السياسي». ويؤكد أن الشعب السوري، بتاريخه الماجد واندفاعه القومي، لا يرضى بالخنوع، تماماً كما جابه الزعيم شهبندر الوالي العثماني جمال باشا في الجامع الأموي. ويخلص إلى أن الفرنسيين كان ينبغي أن يدركوا أن استقرارهم الأولي لم يكن نهائياً.

يبدأ المسار الرئيسي للأحداث عندما تلقى الدكتور شهبندر في 9 آذار رسالة من رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، الأستاذ نيكولي، تفيد بوصول المستر كراين إلى دمشق. سارع الزعيم للقائه، واجتمع به في 5 نيسان في فندق دمسكوس. شرح كراين أنه جاء للتحقق من صحة استعلامات لجنة كراين-كنغ لعام 1919. أبدى شهبندر استعداده، وسهّل لقاءات عدة لكراين مع وجهاء وفئات شعبية مختلفة. شملت هذه اللقاءات اجتماعاً في بستان الحيات بالصالحية حضره حشد من كافة الطبقات، وزيارة لميتم سوري تديره الآنسة اليس قندلفت التي تكفل كراين بإيفادها للدراسة في أميركا، ودعوة من حي الميدان في حديقة الشهداء في منزل الفقيد شكري العسلي بحي المهاجرين، ولقاء بالآنسة نازك العابد بشأن مدرسة الشهداء. وخلال مأدبة غذاء في بستان بالقصاع، بحضور الأستاذين محمد الشربقي ومحمد الحلواني، ألقى طلاب الجامعة السورية خطاباً باسم الشعب العربي.

في 6 نيسان، سلّم شهبندر لـكراين الوثائق والمستندات. وعند مغادرة الأخير، نظّم الزعيم احتفالاً حاشداً في بهو الفندق، ودّع فيه كراين الحضور فرداً فرداً، وحثّهم على التمسك بقضيتهم العادلة والوسائل العصرية. انطلق موكب التشييع في شوارع غاصة بالجماهير، كانت تهلل للاستقلال وترمي الزهور. ألقيت خطابات حماسية ألهبت المشاعر، وشاركت في الموكب نسوة على رأسهن عقيلة الزعيم وشقيقة شكري العسلي. وصل الموكب إلى دائرة البلدية ثم إلى فندق فكتوريا، حيث ألقى شهبندر خطاب وداع مؤثر بالإنكليزية حث فيه كراين على تذكر المشهد وحكاية ما رأى.

في 7 نيسان، تقدم أحد الشرطة إلى دار شهبندر وأبلغه بالقبض عليه. قبل أن يغادر، كتب رسالة إلى الرئيس الأميركي ويلسون، أوضح فيها أن الهتاف للحرية والاستقلال هو ما دفع السلطة لاعتقاله ورفاقه، وسلمها لوصيفته كي ترسلها إلى كراين عبر المعتمد الأميركي بدمشق. واعتقل في اليوم نفسه كل من حسن الحكيم وسعيد حيدر ومنير شيخ الأرض وعبد الوهاب العفيفي.

أثار الخبر غضباً عارماً في دمشق. قام خطباء في الجامع الأموي باستفزاز المشاعر، وانطلقت مظاهرة كبرى طافت بالقناصل للوساطة. ألقى القبض على عدد آخر تجاوز 50 شخصاً، وأعلنت الأحكام العرفية، وأغلقت المحال والأسواق. توالى القمع بالدبابات والرصاص، لكن المظاهرات استمرت بمشاركة سيدات دمشق. حوصرت المدينة بقوة فرنسية قوامها 1500 جندي، وأصدر الكولونيل غودني بلاغاً يمنع التجمع. نُقل المعتقلون الرئيسيون إلى نظارة الشرطة في بناية العابد، فيما أُبعد الآخرون عن دمشق، ومنهم المؤرخ أمين سعيد الذي آلى على نفسه مواصلة النضال.

جرت المحاكمة في صباح اليوم التالي بسرية تامة. تشكلت الهيئة الحاكمة من الكولونيل لاريتش والكومندان جانيسي والكابتين غوري واللويتنان جيمس، وسكرتير هو اللويتنان ليفيك. اتهم المعتقلون بتدبير مؤامرة لتغيير شكل الحكومة والتحريض عليها وإعداد اضطرابات، وفقاً لمواد من قانون الجزاء الفرنسي وقانون المطبوعات والأحكام العرفية. تركزت المرافعة حول دور الدكتور شهبندر بصفته مترجماً لكراين، ونفى بشكل قاطع إلقاءه أي خطب تحريضية. تمسك بأن ما فعله هو الترجمة، وأن هتافات الجماهير التلقائية كانت تعبيراً عن شعور الألم. دافع بقوة عن حوالة كراين التي قال إنها لتعليم فتاتين، رافضاً الربط بينها وبين المظاهرات. أما بقية المعتقلين، فأجابوا بصلابة، مؤكدين أن حبهم لوطنهم والهتاف للحرية ليس جريمة، مستشهدين بدروس التاريخ عن الثورة الفرنسية. رفض المحامون الاعتراض على صلاحية المحكمة العسكرية الفرنسية. أصدرت المحكمة أحكاماً قاسية: الدكتور شهبندر بالسجن 20 عاماً، عبد الوهاب العفيفي 20 عاماً، حسن الحكيم وسعيد حيدر ومنير شيخ الأرض والدكتور خالد الخطيب 10 أعوام لكل منهم، وتوفيق الحلبي 5 سنوات. نُفذ الحكم بسرية، ونقل المعتقلون من القلعة إلى بيت الدين في لبنان، ثم إلى جزيرة أرواد.

امتدت موجة الاحتجاج لكل سورية، وخصوصاً حمص حيث قتل 4 أشخاص وجرح 30. استمر الإضراب العام في دمشق من نيسان حتى حزيران، رغم تهديد السلطة بغرامة 30 ليرة سورية لكل من لا يفتح متجره. تضمنت إجراءات القمع اعتقال ونفي العديد من الشخصيات، منهم: حمدي السفرجلاني، عارف الادلبي، عثمان الشرباتي، وغيرهم. وصدرت أحكام إضافية في 3 آب 1925 من ديوان الحرب الفرنسي، شملت أحكاماً بالسجن لمدد تتراوح بين 4 و15 عاماً على كل من منير مردم بك، محمد شفيق سليمان بك، أحمد نسيب السكري، عبد الغني باشا، صهيب العطار، ونديم ظبيان، بتهمتي التواطؤ مع دول أجنبية والقيام بمخابرات سياسية.

يشير الفصل إلى عدة نقاط قابلة للنقاش، منها: نظرية «الانفجار السياسي» كرد فعل حتمي للضغط، والتي قد يراها البعض تبسيطية. كما أن تركيز المؤلف على دور الزعيم شهبندر كمنظم ومترجم قد يُنظر إليه من زاوية دفاعية للتقليل من التهم المنسوبة إليه. النص لا يترك أي شك في موقفه الرافض للانتداب، مقدمًا الرواية الوطنية السورية كاملة بكل أبعادها الدرامية.

7.المها بة لاغاثة دمشق / بلاغات قائد الثورة السورية / وقائع الجبل والغوطة / سفر الجنرال ميشو الى باريز151–170▼ résumé

بدأ الفصل باستعراض الدور المحوري الذي لعبته اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني في مصر في نقل معاناة السوريين إلى العالم. كانت هذه اللجنة بمثابة صوت الشعب السوري، تتابع ما يجري في سورية وتفضح مظالم الفرنسيين، لولاها لما وجدت الثورة من يسمع صوتها في أوروبا والشرق. كانت اللجنة ترسل البرقيات والاحتجاجات إلى عصبة الأمم، ورؤساء الحكومات الكبرى، والصحف الأوروبية والعربية، موثقةً بشجاعة حال الشعب تحت الاحتلال.

وتذكر البرقيات تفاصيل ما جرى عند زيارة المستر كراين، الرئيس السابق للجنة الاستفتاء الأميركية، إلى دمشق. في تلك الزيارة، أظهر الأهالي استياءهم من السلطة الفرنسية ورغبتهم في الاستقلال، مما دفع الفرنسيين لاعتقال الزعماء. تلا ذلك مظاهرات عارمة قمعتها القوات الفرنسية بالدبابات والرشاشات، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإغلاق المدينة إعلان الأحكام العرفية. احتجت اللجنة التنفيذية بشدة على هذا الاعتداء وأعلنت رفضها للانتداب المخالف لرغبة الشعب.

يواصل الفصل تفصيل دور المستر كراين، الذي بعد مغادرته سورية وجولته في الشرق والغرب، التقى بالجنرال غورو في الأستانة ثم توجه إلى جنيف ليخبر أعضاء لجنة "الوصادات الفرعية" في جامعة الأمم حقيقة شعور الشعب السوري الرافض للفرنسيين. استقبله السوريون العرب بحفاوة وأقاموا له المآدب حيث شرح لهم الوضع، وأقنع أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي بأن سوء إدارة السلطة العسكرية يكلف فرنسا مصاريف باهظة دون فائدة. وعند عودته إلى أميركا، استقبلته الجاليات السورية بحفاوة، ومنحته مدينة بوسطن لقب دكتور، وظل يدافع عن القضية السورية بمقالات في الصحف الأميركية.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن سفر الجنرال غورو إلى باريس لحضور اجتماع لاستجوابه في ميزانية المفوضية، آملاً تثبيت المخصصات لأهدافه الاستعمارية. ولكن المعارضة الشديدة أرغمت الحكومة على تخفيض الاعتماد إلى أدنى حد مما أغضب غورو وأجبره على الاستقالة. وظلت المفوضية العليا شاغرة حتى أواسط نيسان سنة [يحتاج تحققاً]، عندما عُيِّن الجنرال ويغان مندوباً سامياً. ورغم أن الشعب العربي اعتقد أن هذا التغيير سيخفف وطأة السياسة الفرنسية، إلا أنه سرعان ما اكتشف أن ويغان لا يختلف عن سلفه إلا بالدهاء. ففي عهده، تم إنشاء مصرف سورية الذي أرباحه طائلة، وأقرت المحاكم المختلطة الجائرة، وقُمعت حرية الصحافة والدين والرأي.

يصف الفصل كيف اشتدت وطأة الاحتلال وأعماله القمعية، فاعتقل الزعماء مثل الزعيم شهبندر ونُفي بعضهم. لكن ذلك لم يفت في عضد الشعب، بل زاد من وعيه وإصراره. ويورد الفصل موقفاً بطولياً لأحد المعتقلين الذي أُطلق سراحه من سجن جزيرة أرواد ليستشفي، وكان في استقباله بالمدينة مظاهرات وتهليل، ليخرج صائحاً من أعماق فؤاده: "vive La Liberté" (تحيا الحرية)، مما أثار حفيظة القائد العسكري.

في منتصف ليل عشرين تشرين الأول سنة [يحتاج تحققاً]، بدأت عملية تسريح المعتقلين. نُقلوا من جزيرة أرواد إلى طرطوس تحت حراسة مشددة، ثم إلى دمشق حيث أُطلق سراح كل منهم عند بيته. استقبل الأهالي المعتقلين المحررين بحفاوة بالغة، وعاد النشاط الوطني للظهور. لكن الزعيم شهبندر رأى أن البقاء في دمشق لا يخدم أهداف البلاد، فقام برحلة طويلة إلى أوروبا وأميركا، جاب خلالها عواصمها الكبرى وتحدث إلى السياسيين عن حقوق السوريين، فحظي بالاحترام والتقدير. ألقى محاضرة قيمة في دار اللورد مانفيلد بلندن حضرها رجال السياسة والرأي، كما تحدث في ندوة بريطانية بحضور وزير المستعمرات، وكان لمواقفه أصداء واسعة.

بعد عودة شهبندر إلى سورية، أسس مع إخوانه حزب الشعب ليكون إطاراً جامعاً للحركة الوطنية. ضم الحزب مؤسسين بارزين مثل فارس الخوري، فوزي الغزي، حسن الحكيم، لطفي الحفار وآخرين. كان الحزب يعمل جهراً بموجب رخصة رسمية، لكن السلطة الفرنسية لم تلبث أن أغلقت أبوابه واعتقلت بعض أعضائه، بل وحكمت على حسن الحكيم وسعيد حيدر بالإعدام قبيل اندلاع الثورة السورية الكبرى.

يتناول الفصل أيضاً حدثاً إسلامياً كبيراً في آذار سنة [يحتاج تحققاً]، وهو إلغاء الحكومة التركية للخلافة الإسلامية وطرد السلطان عبد المجيد. وقد صادف ذلك قيام الملك الحسين بن علي برحلة إلى شرقي الأردن، حيث وفدت إليه الوفود لعرض الخلافة عليه، فقبلها وتولى البيعة في حفلة في فلسطين بموافقة المجلس الإسلامي الأعلى. أقلق هذا الحدث الفرنسيين، فحاولوا بكل الوسائل منع الدعاء للحسين في المساجد، واضطهدوا الخطباء، لكن الشعب تمرد عليهم ورفض هذه الإملاءات.

يخص الفصل قسماً هاماً لبطولة سلطان باشا الأطرش الذي يضرب أرقاماً قياسية في الشهامة والنخوة. أدهم خنجر، الذي شارك في الهجوم على الجنرال غورو، كان ضيفاً لدى سلطان في قريته. وعندما اعتقل الفرنسيون ضيفه، ثارت نخوته العربية وأرسل لأخيه علي الأطرش مطالباً السلطات بإطلاق سراح الضيف متعهداً بتنفيذ ما يرضيهم. ولما لم يلق جواباً، هاجم الفرنسيين وأسر ثلاثة دبابات وقتل وجرح العديد من جنودهم. اضطر الفرنسيون للتفاوض معه، معلنين موافقتهم على شرطه الأول بإطلاق سراح الضيف. لكنهم بعد ذلك دمروا قريته وحرقوا داره الفخمة.

اضطر سلطان الأطرش للرحيل إلى شرقي الأردن، ثم عاد ليواصل كفاحه. في إحدى المعارك، أمعن في رجال السلطة تقتيلاً، فحاول الفرنسيون استخدام الحيلة، لكن ذكاءه أفشل مكائدهم. هاجم قرب بصرى إسكي شام واسترد مواشيه المنهوبة مع أسلحة وذخائر. وفي كانون الأول سنة [يحتاج تحققاً]، أطلق النار على طائرات فرنسية وأصاب واحدة، مما أدخل الرعب في قلوب الفرنسيين وألغوا قرار إعدامه. هكذا استطاع سلطان أن يضرب أرقاماً قياسية في المروءة والشهامة.

ظهرت بوادر الثورة في صيف سنة [يحتاج تحققاً] في عدة مناطق مثل حور وبريتال من أعمال بعلبك، حيث قامت العصابات باغتيال ضابط فرنسي. رد الفرنسيون بقوات كبيرة وهجمات جوية وقصف بالقنابل، واعتقال النساء والأطفال، ومصادرة المواشي. احتجت دمشق لدى جمعية الأمم على هذه الأعمال الوحشية. كما أن الأتراك لم يهدأوا على الحدود، بل كانوا يغيرون على الفرنسيين من حين لآخر.

يختم الفصل باقتباس مهم من الجنرال ساري، المندوب السامي الثالث، رداً على مقالة للكاتب الفرنسي بوردو الذي زعم أن "سورية كانت هادئة في عهد غورو". فقال ساري: "إن غورو إما جاهل أو كذاب، ففي سورية وحدها كان هناك خمس وثلاثون ثورة... قتل فيها أكثر من [يحتاج تحققاً] جندياً وضابطاً". ويسخر من أمهات الجنود الفرنسيين اللواتي فقدن أبناءهن في مرعش، أورفة، ميسلون، ويدعوهم إلى تذكر تلك المآسي للأجيال القادمة.

بعد هزيمة ميسلون وانتشار الاحتلال، انتقل مقر الحركة الوطنية إلى القاهرة حيث وحد الوطنيون صفوفهم. في كانون الأول [يحتاج تحققاً]، تم الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على تحديد الحدود بين سورية وفلسطين، مما أثار احتجاج لجنة الاتحاد السوري. وعند عقد الحلفاء مؤتمراً في لندن لإعادة النظر في معاهدة سيفر، طالب زعماء الاستقلال بإرسال مندوب عربي لعرض القضية العربية.

أدرك السوريون الحاجة إلى تنظيم هيئة تدافع عن حقوقهم، فكان حزب الاتحاد السوري في الاقليم الجنوبي بزعامة الأمير ميشيل لطف الله هو الحزب الحافظ للقضية. دعا الأمير إلى عقد مؤتمر عام في جنيف في 25 آب سنة [يحتاج تحققاً]، ضم جميع العناصر السياسية. انعقد المؤتمر في بلدية جنيف وافتتحه الأمير ميشيل بخطاب أكد فيه ضرورة توحيد الأحزاب ورفع الصوت إلى عصبة الأمم. انتخب المؤتمر هيئة رئاسية برئاسة الأمير ميشيل، ووضع بياناً بالفرنسية طالب باستقلال البلاد وسيادتها القومية، وقدمه للجنة المختصة في جامعة الأمم.

طالب مؤتمر جنيف بـ الاعتراف بحق البلاد في حكم مدني مسؤول في اتحاد فيدرالي، وإعلان الانتداب حالاً، وجلاء الجنود الفرنسية والإنكليزية عن سورية وفلسطين، وإلغاء وعد بلفور الخاص بالوطن القومي اليهودي. بعد انتهاء المؤتمر، أُلفت لجنة تنفيذية مقرها القاهرة تضم ممثلي الأحزاب، وأرسلت وفداً إلى أوروبا ضم الأمير شكيب ارسلان، إحسان الجابري، سليمان [يحتاج تحققاً]، لحضور مؤتمر جنوى وتقديم مذكرة عن القضية السورية. اتصل الوفد في روما برجال السياسة الإيطاليين، ثم عاد إلى جنيف ليحتج بأسم الشعب على الاعمال الفرنسية المخالفة للعهود الدولية.

عندما أقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب الفرنسي في [يحتاج تحققاً]، أرسل الوفد احتجاجات متتابعة. بعد حرب الأناضول، انعقد مؤتمر لوزان، فاغتنم الوفد فرصة وجوده في روما للاتصال بمندوب الحكومة الكمالية جلال الدين بك، ثم سافر إلى الاستانة للحصول على تأكيدات بأن تركيا لن تتنازل عن سيادة بلاد العرب إلا لأهلها. وفي لوزان، التقى الوفد بـ عصمت باشا وأوقفه على تمسك السوريين بحقهم القومي. طلب الوفد الإذن ببسط قضيته أمام المؤتمر رسمياً، وعندما لم يتلق جواباً، قدم مذكرة يرجو فيها المؤتمر أن ينظر بحدود تركيا الجنوبية. وخلال انعقاد الجمعية العامة لجامعة الأمم في سبتمبر سنة [يحتاج تحققاً]، قدم الوفد بياناً مفصلاً في القضية السورية العربية.

استبدلت الحكومة الفرنسية وأرسلت الجنرال ساري مندوباً سامياً جديداً في تشرين الثاني سنة [يحتاج تحققاً]، بصل إلى بيروت في كانون الأول. دعا المجلس التمثيلي اللبناني لانتخاب حاكم وطني، وعند فشلهم حلهم وألغى الأحكام العرفية وأصدر عفواً عن خمسين محكوماً. ثم التقى بوفد من رجال دمشق سلموه مذكرة بتواقيع تطالب بـ الوحدة السورية بحدودها الطبيعية، وحل المجالس التمثيلية وانتخاب جمعية تأسيسية، وإلغاء القوانين الاستثنائية، واحترام الحريات العامة، وإطلاق سراح المعتقلين والعفو العام، وإلغاء المحاكم الأجنبية، وإرجاع الأوقاف الإسلامية والخط الحجازي، ومنع الهجرة الأرمنية، وإصلاحات اقتصادية وجمركية. سمع المندوب مطالب الوفد ووعد بالتعاون، وأكد أن الوحدة "بأيديكم فاتحدوا مع بعض ثم طالبوني بتطبيقها"، فطالبه الوفد بإجراء استفتاء رسمي ليطلع على إرادة الشعب.

8.الحركات الحربية في الجبل / واقعة الزور الاولى / واقعة الزور الثانية / ثورة حماه / نفحة الشام171–213▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل من تاريخ الثورة السورية سرداً تفصيلياً للمقدمات والأحداث العسكرية التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925، مركّزاً على دور جبل الدروز كمهدٍ للثورة، ومحاولاً تقديم رؤية واضحة لأسبابها ونتائجها الأولى. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الثورة لم تكن انفعالاً عابراً، بل نتيجة حتمية لتراكم السياسات الاستعمارية الفرنسية القمعية، ممثلة بالحكم الفردي الجائر للحاكم الكابتين كاربيه في الجبل، والذي مارس سياسة الإرهاب والإذلال، إلى جانب تعنت المفوض السامي ورفضه المطالب المشروعة للشعب، مما جعل الانتفاضة المسلحة الخيار الوحيد المتبقي.

يسير الفصل زمنياً وعبر مراحل متصاعدة، بدءاً من ردود الفعل الوطنية الأولى على مجيء اللورد بلفور إلى دمشق في ثامن نيسان سنة 1925، وما أثارته زيارته من غضب عارم ومظاهرات عنيفة سقط فيها قتلى وجرحى، حيث يصف الكاتب كيف "تقابل الأمة بهذا النفور والاستياء". ثم ينتقل إلى التحضيرات الثورية الأولى في الجبل، ويصف أول اجتماع تمهيدي في دار الأستاذ قاسم الهيماني ثم اجتماعات لاحقة في منزل الزعيم الشهبندر، ضمت زعماء دروزاً مثل الأمير حمد الأطرش وسلطان الأطرش وعقلة القطامي، حيث أقسموا على العمل للاستقلال. يشكل هذا التمهيد السياسي مدخلاً لسرد المظالم المتراكمة تحت حكم الكابتين كاربيه، حيث يورد الفصل بياناً مطولاً وقعه سكان الجبل يعدد انتهاكاته وشعارته، مثل فتح باب التجسس، ضرب الوجهاء، سجن الأبرياء وتعذيبهم، وفرض غرامات تعسفية. هذه القائمة الحافلة بالظلم وظيفتها بناء شرعية الثورة وإظهارها كرد فعل دفاعي لا كتمرد.

يصف الفصل بدقة آلية اشتعال الثورة، حيث كان رفض المندوب السامي استقبال وفد الجبل وتهديده نفيه بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. ينتقل السرد إلى تفاصيل أولى الاشتباكات، مشيراً إلى أن الملازم موريل ضرب شاباً درزياً بالسياط، مما أثار حمية حسين مرشد الذي ضربه بعصا، ويوسف نجل عبد الغفار الأطرش الذي أطلق عليه النار. تصاعدت الأحداث بسرعة حتى وصلت إلى أكبر معركة مفصلة في الفصل: واقعة المزرعة أو معركة ميشو. يصف الكاتب ببلاغة كيف تمكن المجاهدون بقيادة سلطان الأطرش من هزيمة حملة فرنسية تعد سبعة آلاف جندي بقيادة الجنرال ميشو، مستخدمين أسلحتهم البيضاء وروحهم القتالية العالية، معتمداً على أسلوب حماسي يمجّد البطولة ويصور النصر كأمر خارق، مثل وصفه أن البطل "يشطر الفرنسي بضربة سيف واحد شطرين متساويين". حصيلة المعركة كانت انتصاراً ساحقاً للمجاهدين واستيلاءهم على غنائم كثيرة، مما جعل المفوض السامي يجزع ويطلب نجدة من باريس.

يغطي الفصل أيضاً محاولات التنسيق بين الثوار في الجبل والوطنيين في دمشق. يعرض دور حزب الشعب والزعيم الشهبندر الذي أرسلت إليه رسائل من الجبل لوضع خطط مشتركة، ويذكر اجتماعات سرية في دمشق وكفر اللحا بين الزعيم ورفاقه مثل جميل مردم بك وسعد الدين ونسيب البكري. لكن الخطة لم تنفذ كما رُسمت؛ حيث شكّلت تدخلات بعض الشخصيات وعدم توفر العدد الكافي من الرجال عراقيل. هذا القسم يبرز التحفظات في العمل الثوري المشترك ويترك أسئلة مفتوحة حول جدوى بعض الخطط أو أسباب فشلها. في المقابل، يصف الفصل حملة القمع التي قامت بها السلطة الفرنسية باعتقال أعضاء من حزب الشعب ونفيهم، مما أضعف الحركة السياسية وزاد من عزيمة الثوار المسلحة.

يختتم الفصل بنبأ مهم وطويل يسميه "كتاب الزعيم الشهبندر إلى وزارة فرنسا الخارجية"، وهو بمثابة بيان سياسي وقانوني يلخص أسباب الثورة ويعدد مظالم حكم الكاربيه بوضوح، ويحذر من عواقب استمرار السياسة القمعية، مقترحاً الحل عبر سياسة مسالمة تضمن حقوق سورية مع الحفاظ على المصالح الفرنسية. يتبع هذا البيان مباشرة نداءات السلطان الأطرش الحماسية التي تدعو إلى السلاح وتعلن أهداف الثورة: "استقلال تام، حكومة شعبية، وحدة البلاد". يختم الفصل بمقاطع من المراسلات بين السلطان الأطرش والقيادة الفرنسية، تكشف عن قدرة قائد الثورة على الجدال والمنطق السياسي إلى جانب القوة العسكرية، بالإضافة إلى وصف لاستمرار العمليات الحربية في منطقتي الغوطة والفوطة، مشيراً إلى دور شخصيات مثل حسن الخراط وسرحان أبو تركي في هذه العمليات. الأرقام الواردة في النص، مثل عام 1925 وتاريخ الحادي والعشرين من تموز لواقعة الكفر، ونتائج معركة المزرعة، ترد مندمجة في السرد دون أن يبتكر الملخص أرقاماً جديدة.

بناءً على النصّ نفسه، يمكن القول إن الحجج القابلة للنقاش تتعلق بأسلوب السرد الحماسي للمؤلف؛ فهو يميل إلى التفخيم والتمجيد ويصور الثوار كأبطال خارقين، بينما يصف الفرنسيين بوحشية مطلقة. كما أن إسناده المباشر للثورة إلى مظالم الكاربيه ورفض المندوب السامي قد يبالغ في تبسيط أسباب ثورة معقدة كانت بلا شك نتيجة لتراكم أسباب سياسية واقتصادية أوسع. ورغم ذلك، يظل الفصل وثيقة هامة تقدم رواية مفصلة من منظور وطني، وتؤدي وظيفتها في شرح كيف تحول السخط المتراكم إلى ثورة مسلحة لا هوادة فيها.

9.الاتحاد السوري / تدمير دمشق / ذمر المفوض السامي الافرنسي وفرازه / حسن الخراط / نماذج مدنية القرن الع214–235▼ résumé

يتركز هذا الفصل على سرد تفصيلي لمراحل الثورة السورية الكبرى، تاركاً التركيز على العمليات العسكرية في جبل الدروز و الغوطة ومدينة حماه، مسلطاً الضوء على بطولات القادة المحليين وتنظيمهم. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الثورة لم تكن مجرد انتفاضة عشوائية، بل كانت حركة منظمة ذات قيادة مخلصة، تمكنت من إلحاق هزائم كبرى بالجيش الفرنسي، رغم التفوق الجوي والمادي الهائل للفرنسيين.

يبدأ الفصل بحادثة تعرض لها الجنرال ميشو في الجبل الدرزي، حيث اعترض سبيله ثوار وتمكنوا من إصابته هو وضباطه، مما اضطر وزارة الحربية الفرنسية إلى استبداله بـ الجنرال غاملان في ثالث أيلول. هنا، يدخل المؤلف في نقاش تاريخي، مقتبساً من مذكرات المفوض السامي ساراي الذي انتقد ميشو لارتكابه أخطاء جسيمة، معتبراً أنه لو كان يمتلك فرقاً كافية لكان وجه الثورة نحو الحسم. يتناول الفصل بعد ذلك معركة المسيفرة المفصلية، التي جرت في السادس من أيلول سنة 1925، حيث خطط محمد الحلبي لكمين محكم لنحو ألفي جندي فرنسي باستخدام خمسمئة فارس من بني معروف. دارت المعركة ليلاً، وأبدى الثوار نزيه المؤيد وسرحان أبو تركي بسالة، مما أرغم الفرنسيين على الانسحاب داخل القرية والتحصن بها. لكن انشغال الثوار بجمع الغنائم عطّل متابعة فلول العدو المهزومة، فجاءت الطائرات الفرنسية وأمطرتهم بالقنابل، فأجبروا على الانسحاب تحت جنح الظلام بما غنموه. يبرز المؤلف أهمية النصر المعنوي في هذه المعركة، التي كلّف الفرنسيين ما يربو على تسعمئة جندي، ويؤكد أنهم لولا معركة السويداء في الخامس والعشرين من نيسان سنة 1921 لكانت المسيفرة آخر المطاف.

يخصص الفصل مساحة مؤثرة لسرد قصة بطولية من قرية ذمار لعائلة آل حمزة، حيث شارك شيخ في الثمانين من عمره مع أبنائه الأربعة في المعركة، حاملين راية الوطن. يسقط الأبناء تباعاً شهداء دفاعاً عن الراية حتى يفقد الشيخ جميع أبنائه. يصف المؤلف مأساة الأم التي صدمت برؤية زوجها الجريح وتنتظر أبناءها الذين لا يعودون، فتلحق بهم شهيدة بعد صدمة قوية. يرسل الدكتور شهبندر لإنقاذها، لكنه يجدها جثة هامدة، في مشهد يصور حجم التضحية في سبيل الوطن.

ينتقل السرد إلى استراتيجية الجنرال غاملان الذي حاول، بعد المسيفرة، تقويض الروح المعنوية للثوار عبر دعايات الادعاء بأنهم خسروا الحرب. يصف الفصل حصار السويداء ودخول الحملة الفرنسية إليها في أيلول 1926، لكن الثوار ينجحون في أسر أربعين جندياً مرسلاً لجلب الماء، مما يثير ذعر غاملان ويجعله يغادر السويداء خلسة تاركاً وراءه الذخائر والأسلحة، ليتخذ من المسيفرة مركزاً له. في ثاني تشرين الأول، يزحف غاملان بقوة ضخمة مؤلفة من آلاف الجنود والدبابات والطائرات، ليواجه قلة من الثوار أبدوا بسالة خارقة، واستشهد فيها البطل نسيب البكري وسعيد العاص. يتوسع الفصل في وصف مناورة الثوار الذين انسحبوا وتركوا العدو يتوغل بين قرى عرى والمجيمر، ثم هاجموه ليلاً وقطعوا عنه الإمداد، مما اضطر الفرنسيين إلى الانسحاب بعد سلسلة من الهزائم في رساس وتلال الحبس، وصولاً إلى الثامن من تشرين الأول، حيث حول الفرنسيون تقدمهم إلى هزيمة مخجلة حتى عادوا إلى المسيفرة. لعبت مخاوف غاملان من اتساع رقعة الثورة في دمشق وحماه دوراً أساسياً في قراره بالانسحاب من الجبل.

يشرح الفصل بعدها تمدد الثورة إلى خارج الجبل لتخفيف الضغط عنه، حيث غادر نصيب البكري إلى الغوطة لتجنيد عربانها، وقاد حسن الخراط ثورة الغوطة بمعركتي الزور الأولى والثانية. في الزور الأولى، هُزم الدرك السوري بقيادة رفيق العظمة الذي وقع أسيراً مع غنم الثوار لثمانية أحصنة. وفي السابع عشر من تشرين الثاني سنة 1925، وقعت معركة الزور الثانية، حيث اشتبك 75 فارساً بقيادة سعيد العاص ومحمد الأشمر مع قوة فرنسية كبيرة استمرت القتال لـ 5 ساعات. برز فيها فرحان شرف الذي قاتل حتى استشهد، وجرح كل من حسن الخراط في كتفه وأبو علي طربوش. يلفت المؤلف الانتباه هنا إلى تباين الرواية الرسمية الفرنسية التي ادعت مصرع 110 من الثوار مقابل 5 جنود فقط، متهماً إياها بالكذب والتضليل.

أخيراً، يتناول الفصل ثورة حماه ودور فوزي القاوقجي فيها. يسرد وصول مثير السباعي ومظهر السباعي من حماه إلى جبل الدروز حاملين اتفاقاً موقعاً من كبار حماه للتعاون العسكري. بعد موافقة السلطان الأطرش والدكتور شهبندر على الاتفاق، تم تسليمه لقادة حماه. يورد الفصل مذكرات القاوقجي نفسه، والتي يصف فيها تحضيراته الدقيقة للثورة، والتي شملت الحصول على ثقة الشعب عبر رجال الدين وتشكيل "حزب الله"، ومد الجسور مع البدو بالترغيب والترهيب، والاتصال بالضباط السوريين في الجيش والشرطة، وصولاً إلى تشكيل حكومة مؤقتة تدير البلاد من اليوم التالي للثورة. تم تحديد موعد الانطلاق في 13 ربيع الأول، تزامناً مع حملة غاملان في الجبل، بهدف سحب القوات الفرنسية إليه. يختتم الفصل بالتركيز على أن ثورة حماه كانت العامل الأكبر الذي أجبر غاملان على سحب جيشه من السويداء، وإنقاذ الجبل من السقوط بيد الفرنسيين.

10.اعلان الاحكام العرفية في دمشق / اضطراب العالم لفاجعة دمشق / اقصاء سرايل وتعيين ديجوفنيل / وقائع البل236–274▼ résumé

بدأ محي الدين السفرجلاني هذا الفصل بسرد تفصيلي لتحضيراته لبدء ثورة مسلحة في مدينة حماه، وذلك بالتنسيق مع زعماء محليين وعشائر في البادية والقرى المجاورة. يصف الكاتب كيف كان الموعد المقرر للثورة ليلة المولد النبوي، وكيف خرج قبلها بحجة تفقد القوافل القادمة من العراق ليطمئن أهل القرى وينسق مع العشائر. دخل حماه عند الساعة العاشرة بعد الظهر واجتمع مع الرؤساء، وطلب منهم تحريك رجالهم إلى المواقع المحددة وأرسل مفارز لقطع خطوط الهاتف ومحاصرة الضباط الفرنسيين لأخذهم كرهائن.

يتابع السفرجلاني سرد الأحداث ليلة الهجوم، فيصف كيف أن البعض لم يتمكن من جمع رجاله مما اضطر الكاتب إلى تأجيل العملية ليوم آخر. يذكر أنه أمر قادة الفصائل الخارجية بالتقدم نحو حماه على أن يأتوا بضباط فرنسيين مكبّلين، ليجعل هذه الحركة إيذاناً لا رجعة فيه بالثورة. وعندما تم تنفيذ الأمر وحضر الرؤساء وشيوخ القبائل لمشهد الأسرى المقيدين، أدرك الجميع أنهم أصبحوا في مواجهة مفتوحة مع الفرنسيين. يصف الكاتب بعد ذلك كيف وضع الترتيبات النهائية وحدد مكان الاجتماع في دار أحد الأعيان، وكيف أفرد قسماً لحماية حي النصارى خشية وقوع أحداث طائفية تستغلها الدعاية الفرنسية ضد الثورة.

يصف الكاتب تفاصيل ليلة الهجوم الفعلية، حيث وصل إلى مكان الاجتماع فلم يجد العدد الكافي من الرجال، فعدّل الخطة ليبدأ الهجوم أولاً على المخافر لتجريد الجنود من السلاح قبل مهاجمة السراي والثكنات. لكنه اكتشف أن بعض الرؤساء لم يستلموا أوامره، وأن مفرزة تعطيل المواصلات فشلت في مهمتها، والأسوأ من ذلك أن زعيماً كبيراً من زعماء حماه كان يعول عليه فضح الخطة وأبلغ المستشار الفرنسي بكل التفاصيل، مما حرم الثوار من دعم فصائل عديدة كانت على أهبة الاستعداد. رغم هذه الخيانات، بدأ الهجوم على المخافر ونجح الثوار في تجريد الجنود من السلاح، ثم اشتبكوا مع الحامية في معارك عنيفة تكبدوا فيها خسائر فادحة.

يصوّر السفرجلاني المشهد الدرامي للمعركة ليلاً تحت ضوء القمر، حيث تبينت للحامية مواقع الثوار وهم في العراء بلا تحصينات. مع ذلك، تمكن المهاجمون من إشعال النار في السراي، مما أدى إلى مقتل من الجنود وفرار البعض عبر ثقب في الجدار. بعد السيطرة على السراي، استولى الثوار على السلاح والعتاد وأطلقوا سراح المساجين. كانت النيران المتصاعدة من المبنى المحترق بمثابة إشارة للعشائر المنتظرة في شواهق حماه الشرقية، والتي زحفت نحو المدينة واشتركت في القتال في اليوم التالي، وتمكنت من صد هجمات الفرسان الفرنسيين. يضيف الكاتب أن المعارك استمرت على المواقع الحصينة، وأسقط الثوار طائرتين فرنسيتين قرب حماه، إحداهما اشتعلت فيها النيران والأخرى سقطت في أطراف الخط الحديدي الجنوبي.

يوضح السفرجلاني السبب الذي جعله يغادر حماه بعد هذه الانتصارات، وهو لقاء عشائر الموالي لتوسيع رقعة الثورة وإجبار الجنرال ساراي على سحب قواته من جبل الدروز ونقلها إلى الشمال. يصف كيف قام بمهاجمة بلدة المعرة مباغتاً، وقتل خلالها ضابطاً فرنسياً وثلاثة وثلاثين فارساً وغنم كمية من السلاح والعتاد، ثم خرب محطة قطار كوكبان. بعد ذلك، توجّه إلى الحمرة التي كان يعسكر بها فوج فرنسي من أفواج البادية، فهاجمه بعنف وأرغمه على الانسحاب بشكل فظيع تاركاً وراءه كل ثقله ومؤنه. يذكر الكاتب أن هذه الهزائم أنشت الفوضى في المنطقة، وعجزت الطيارات والمدافع الموضوعة على القطارات عن قمعها، مما اضطر الكثيرين للنزوح.

يعدّد السفرجلاني النتائج التي أسفر عنها توسع ثورة حماه، وأهمها أن الجنرال ساراي أبرق إلى الجنرال غاملان يطلب منه التخلي عن جبل الدروز والتوجه بسرعة إلى حماه بعد أن كان غاملان قد احتل السويداء وأسر حاميتها وخضع له أمير الجبل الأمير حمد. يذكر أن انسحاب الفرنسيين من الجبل أعاد الحماس للدروز، فطاردوا الجيش المنسحب وألحقوا به خسائر فادحة، وفتحوا بذلك الطريق أمام دمشق. يخلص الكاتب إلى أن الثوار دخلوا دمشق بدون مقاومة عنيفة، ولو كان المسؤول عن الحركة فيها أكثر خبرة لقامت ثورة عامة في قلب العاصمة وأمكن لسورية عقد معاهدة تضمن مطالبها القومية، محمّلاً أطرافاً معينة مسؤولية فشل ثورة حماه في جني ثمارها الكاملة لاستغلالهم دماء الشهداء لتوطيد نفوذهم.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عرض تلخيص لتقرير طويل رفعته اللجنة التنفيذية السورية الفلسطينية إلى عصبة الأمم في شهر شباط سنة 1935 حول أحداث حماه. وصف التقرير كيف هاجم الثوار دار الحكومة في الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الرابع من أيار سنة 1958 (وهو تاريخ واضح يحتاج إلى تدقيق)، واستولوا عليها بعد مقاومة عنيفة دامت ساعتين، وصادروا السلاح وانضم إليهم بعض رجال الشرطة. يذكر التقرير حصار الثكنتين العسكريتين حيث لجأت القوات وأغلقت الأبواب وقاومت بالقنابل والرشاشات، واستمر الحصار والمقاومة حتى اليوم التالي. يصف التقرير كيف أشعل الثوار النار في الطابق العلوي من السراي لإجبار الجنود المحاصرين على الفرار، وامتد الحريق ليشمل جميع دوائر الحكومة وكاد يصل إلى السجن لولا أن حطمه السجناء وخرجوا.

يقدم التقرير تفاصيل مروعة عن حريق المخازن، حيث أطلق الجنود المحاصرون قنابل مشتعلة على المخازن المجاورة للثكنة، فالتهمت النيران 117 مخزناً بما فيها من بضائع وأموال أمام أعين أصحابها. يورد التقرير حادثة مقتل التاجر حسن شاكر وهو يحاول إنقاذ أمواله من مخزنه، حيث قصفه جندي بقنبلة فأرداه وأحرق كل ما فيه. يصف التقرير وصول قوة نجدة من الجند السنغاليين بعد ظهر الاثنين، والتي جعلت تطلق النار على كل من تراه في الشوارع، ثم هاجمت المنازل الآهلة بالسكان دون تمييز بين الثوار والآمنين. يورد التقرير ثلاث عشرة فاجعة منها حادثة مقتل الدكتور صالح قنباز، والذي قضى نهار 5 تشرين الأول بإسعاف الجرحى قبل أن يصاب برصاصتي سنغالي في رأسه وهو يهم بمساعدة ابن عمه الجريح أمام منزله، وظلت جثته مطروحة ساعتين، ثم نهب السنغاليون منزله بعد ذلك.

يحوي التقرير تفاصيل عن إعلان الأحكام العرفية في دمشق. يذكر أن القائد العسكري أصدر بلاغاً في التاسع من تشرين الأول يعلن أن المدينة أصبحت تحت السلطة العسكرية، ويحظر التجوال من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، ويهدد بإطلاق النار على المخالفين. يصف التقرير إنذار السلطة لأهالي حماه في الرابع عشر من تشرين الأول سنة 1475 (تاريخ هجري واضح يحتاج إلى مطابقة) بتسليم مئة بندقية خلال أربع وعشرين ساعة، وعندما تعذر عليهم جمعها، هدّدت بقصف المدينة بالقنابل. يروي كيف استرحموا المستشار الفرنسي فمدد لهم المهلة بشرط مضاعفة العدد إلى مئتي بندقية حتى عصر اليوم نفسه، وعندما لم يقدروا، أطلق المدافع والطيارات على الأحياء السكنية، هادماً البيوت فوق رؤوس ساكنيها. يذكر أن المستشار أصر على إطلاق المئة والخمسين قنبلة المتبقية من أصل المئة المقررة، ثم فرض تسليم مئة أخرى حتى عصر اليوم التالي تحت وطأة إعادة القصف، مما اضطر الأهالي لشراء البنادق من الجنود أنفسهم لتسليمها.

ينتقل السفرجلاني إلى عرض واقعة احتجاج نساء حماه الشجاع. يصف كيف تقدمت فضليات سيدات من أسرة أبي الفداء إلى المندوب السامي الجديد السي دي جو فنيل أثناء مروره في حماه بطريقه إلى حلب، ورفعن احتجاجاً يندد بقتل الأبرياء ونهب البيوت واعتقال الرجال وسوق النساء بدلاً من أزواجهن الهاربين وتدمير المنازل بالقنابل دون سابق إنذار. يصف الاحتجاج بأسلوب بلاغي كيف أن الجنود صاروا يقتلون كل من يظهر في نافذة أو في الطريق، وكيف أن معظم الأطفال أصيبوا بالذعر من القصف المستمر الذي لحق بالمدينة.

يدافع المؤلف بشدة عن الثورة ضد اتهامها بالتعصب الطائفي، مؤكداً أنها كانت وطنية بحتة. يستشهد بقول المركيز دو كافورت الذي أشاد بأن الأحياء المسيحية التي تخلت عنها فرنسا في دمشق بقيت سالمة بفضل زعماء المسلمين، ويضرب أمثلة على حماية الثوار للمسيحيين، منهم بطريرك الروم الأرثوذكس غريغوريوس والمحامين ناصيف أبي زيد ووديع حديد. يذكر بالأسماء من قام بحماية الأحياء المسيحية في دمشق كالأمير جعفر الجزائري وعثمان حمزة وحسن الخراط والشيخ طه الجزائري، وكذلك وفد حي الميدان بقيادة محمد سعيد المخيش. يرى الكاتب أن هذه الوقائع تدحض مزاعم الفرنسيين التي حاولوا بها تشويه صورة الثورة.

يصف السفرجلاني كيف أدى اتساع الثورة في الشمال إلى إجبار الفرنسيين على سحب قواتهم من حوران إلى ضواحي دمشق وإقامة التحصينات حولها، بعد أن كان الثوار على وشك اقتحام المدينة. يصف جرائم القوات الفرنسية الانتقامية بحق القرى المحيطة كـجرمانا والملبحة وزيدين وداريا ومجدل الشمس، حيث أحرقت البيوت على ساكنيها ونهبت المواشي والممتلكات، مما اضطر سكانها للنزوح للالتحاق بالثوار. يصف مشهداً صادماً في الرابع عشر من تشرين الأول عندما مر موكب في ساحة المرجة يحمل سبعين رجلاً من شيوخ الدروز مكبّلين وجمالاً محملة بـعشرين حصناً من حنوط الموتى، وكانت بينهم مركبة تحمل جثث أطفال وأبرياء، وعرضوا أمام دار البلدية أربع أو خمس ساعات ليخيفوا الناس. يروي كيف أن موكباً عسكرياً لقوات القوقاز والأرمن كان يجوب الأحياء بالسلب والنهب تحت أنظار الفرنسيين، وأن أحد الفرنسيين علق على منظر القتلى بقوله «Au jour d'hui, Ah ça cest joli a voir!» (مشهد جميل اليوم).

يفصل الكاتب في أحداث دمشق يوم الأحد الثامن عشر من تشرين الأول، الذي يعتبره يوم الفاجعة الكبرى والفزع الأعظم. يصف دخول الثوار المجاهدين بقيادة نسيب البكري ومعه مئتان من المرح ومئة من دروز، وقد انضم إليهم أبطال من أحياء العمارة والشاغور وباب سريجة تحت قيادة حسن الخراط ومحمود لام وعبده ديب الشيخ وحسن المقبعة ومحمد عيتاني وحسين الجلاد. يروي كيف اقتحم الثوار العاصمة مطاردين قوات الحكومة التي لجأت إلى القلعة، وكيف رد الفرنسيون بإطلاق القنابل والمدافع عشوائياً على الأحياء السكنية، مما أوقع خسائر فادحة بين الأهالي الآمنين دون سابق إنذار للقناصل والسفراء. يذكر أن ما يقارب نصف المدينة أصبح في قبضة الثوار الذين قسموها وأقاموا فيها الأمن والنظام، فيما احتمى الموظفون الفرنسيون ونساؤهم وأطفالهم بقلعة دمشق بعد أن كاد البطل حسن المقبعة أن يخطف المفوض السامي من قصره في البزورية.

يختتم السفرجلاني الفصل بتحليل المخطط الفرنسي، حيث يرى أن الفرنسيين تعمدوا ترك أجزاء من المدينة تحت سيطرة الثوار لخلق فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، على غرار حرب الستين، ليسوغوا بقاءهم في البلاد كحماة للأقليات. لكنه يؤكد أن الواقع كان معاكساً تماماً، فالبرقيات العامة ذكرت أن حسن الخراط زار الأحياء المسيحية وطمأنهم قائلاً «أنتم إخواننا»، كما أن تقرير القناصل المشترك استنكر ضرب المدينة دون إنذار ووضع المسيحيين تحت رحمة الثوار. يذكر أن القصف استمر من منتصف يوم الأحد الثامن عشر من تشرين الأول حتى مساء الثلاثاء العشرين منه، وأن عدد الشهداء من الثوار كان قليلاً مقابل خسائر فادحة في صفوف الفرنسيين، قدرت الخسائر المادية للمدينة بثلاثة ملايين جنيه، وكان حريق حي الميدان هو أكبر مصيبة حلت بدمشق، حيث كان الحي معقلاً للثوار مما أدى إلى تدمير جزء كبير منه بالقنابل.

11.الحكمان الوطني والافرنسي / الحملة على الاقليم ثانية / معركة حمورة / المندوب السامي لسوريا ولبنان في 275–292▼ résumé

بدأ الفصل بوصف القصف الفرنسي الشديد على دمشق من قلعة المدينة ومن مدافع أخرى، باستخدام الرشاشات والقنابل، ومن ثم قنابل النفط الحارقة، دون تمييز بين عسكري ومدني، واستهدف المنازل المأهولة بالنساء والأطفال والشيوخ. استمر هذا القصف لمدة يومين، وأدى إلى حرق ما يزيد على ألف قصر من أفخم قصور دمشق، وخسائر مادية هائلة في الأبنية والآثار النفيسة.

أدركت السلطة الفرنسية فداحة ما فعلته وخشيت من تمكن الثوار، فغادر المفوض السامي دمشق صباح يوم الإثنين متوجهاً إلى بيروت، وطلب منه رئيس الحكومة المحلية اللحاق به لكنه أُمر بالبقاء. توقف القصف لحظياً لكنه لم يهدأ تماماً طوال يومي الأحد والاثنين، مما أوقع السكان في حيرة وألم، فلم يعودوا يريدون بقاء الثوار بينهم لأنهم جلبوا الدمار، ولا يريدون بقاء الفرنسيين الذين يقتلونهم.

برهن الثوار الوطنيون على غيرتهم، فأعلنوا أنهم لن يكفوا عن القتال ما لم يُسمح لهم بمغادرة دمشق ليكف عنها القصف، على أن يبقوا هم في الغوطة لحراستها. لبى الأهالي ذلك، فغادر المجاهدون الوطنيون دمشق إلى الغوطة بقيادة ثلاثة عصابات قوية: عصابة حسن الخراط في المزّة، وعصابة جمعة سوسق في جبال القلمون، وعصابة رمضان شلاش في شمالي الغوطة، بإشراف قيادة عليا للمجاهد نسيب البكري. ضحى الوطنيون براحتهم وخرجوا من ديارهم طلباً لسلامة المدينة.

وقبل مغادرته، بعث القائد الكبير حسن الخراط رسالة إلى المفوض السامي وصفه فيها بالجبن، مفتخراً بحفاظه على أرواح الجنود الفرنسيين الأسرى وأعراض المسيحيين، مقابل ضرب الفرنسيين للنساء والأطفال وتدميرهم للمعالم الإسلامية، مؤكداً على عروبتهم وحفاظهم على الشرف.

في ظهر يوم الثلاثاء، توجه وفد من وجهاء دمشق إلى الجنرال غاملان يطلبون وقف القصف، فأجابهم بأنه لا يمكن وقفه إلا بعد الظهر، وفقط إذا رضخ الأهالي لشروط السلطة: دفع غرامة حربية مقدارها مئة ألف ليرة ذهبية، وتسليم أربعة آلاف بندقية مع مئة طلقة لكل منها. وهدد بتدمير أي حي يُطلق منه عيار ناري، وبقصف ما تبقى من المدينة بأكملها إذا لم يُلب الطلب بحلول الخامسة مساءً. رأى الوفد أن هذا الطلب تعجيزي ومستحيل التنفيذ في هذا الوقت القصير، فتمكنوا باقناع السلطة بتمديد المهلة.

مرت الأيام الثلاثة التالية بهدوء حذر، وخيم القلق على الناس وهم يفكرون بكيفية جمع الغرامة والأسلحة. زادت الرهبة عندما أذاع القنصل البريطاني مساء الجمعة بلاغاً يحذر رعاياه من أن السلطة ستعاود ضرب دمشق صباح السبت لنقص التسليم، مما زاد الذهول. وفي صباح السبت، لم يجد السكان مخرجاً، فاحتالت السلطة الفرنسية بأن دفعت الحكومة المحلية الغرامة من خزينتها ثم تفرضها لاحقاً على الأهالي كضريبة. أما البنادق، فلمّا تيقنت السلطة من عدم وجودها في البيوت، أحضرت بنادق من القلعة وباعتها للأهالي بأسعار باهظة تصل إلى عشرة ليرات ذهبية للبندقية الواحدة، ليقوم الأهالي بتسليمها للجان المخصصة. وهكذا تم جمع المبلغ المطلوب.

بعد القصف، ومع بدء الإدارة العرفية، سرد الفصل فظائع فردية. في أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 1925، أوقف سبعة جنود فرنسيين السيد رضا القضماني، أحد وجهاء الأوقاف، وأطلقوا عليه النار وأرعبوه حتى سلمهم ما معه من نقود ذهبية. كما كانت الفصائل الفرنسية تعتقل الفلاحين والمزارعين عند انسحابها وتزجهم في السجون دون أن يُعرف مصيرهم، وسُجنت قافلة من الزعماء في القلعة وأمر قائدها بإعدامهم جميعاً دون محاكمة، ودوّنت أسماؤهم في سجل الشرطة بعد أن أُعدموا.

كان جنود المغاربة يقومون بتسليتهم بإخافة الناس في الشارع الأعظم وإطلاق النار في الهواء، ثم ينقضون على الصيارف في السوق لنهب ما فيها من نقود. وفي يومي 17 و18 تشرين الأول، أُعدم ما يقارب ثلاثين شاباً بدم بارد في مقبرة الكَرْكة قرب دار البعثة الإنكليزية، حيث كان الجند يطلبون من كل شخص حفر قبره ثم يعدمونه. نجا أحدهم ويدعى علي الفتة من حيّ الشاغور بعد أن أصيب وأغمي عليه ونُقل مع الموتى، لكن الجند اكتشفوا أنه حي، فأبلغوا دار البعثة الفرنسية فبحث عنه وأُعدم.

لجأ حوالي خمسين شخصاً إلى منزل الوجيه عبد القادر العجلاني فراراً من القصف، ولكن القنابل انهالت على المنزل فاندفعوا نحو الباب، وكان المنزل مقابل سور القلعة حيث كان الجنود يتربصون، فأطلقوا النار فقتلوا عشرة منهم واضطر الباقون إلى الهرب عبر الجدران تاركين القتلى. في 1 تشرين الأول، أطلق جنود فرنسيون النار عشوائياً في سوق الخضار فأصابوا أحد كبار الهند واعيانهم، رحمة الله خان من مدينة كراتشي، الذي جاء لزيارة المدينة المنورة. وعند سماع عيار ناري من حي سوق ساروجة، حاصرت السلطة منزلاً لا يضم إلا امرأتين وأربعة أطفال، ألصقت بهم التهمة وأمرتهم بالخروج ثم فجّرته بالديناميت، فصارت جثث العائلة في الهواء ومصيرهم مجهولاً.

خلال قصف 18 تشرين الأول، خرج طبيب معروف مع طفله الصغير عدنان (الذي لم يبلغ الخامسة) من بيته يلوح بمنديل أبيض، ولكن دبابة فرنسية صوبت قنبلتها على الطفل فبترت قدميه ومات. أما عدد القتلى تحت الأنقاض فلم يُحْصَ، لكن الرواة أجمعوا على أنه أُخرج من حي الشاغور وحده ثلاثمائة قتيل من شيوخ ونساء وأطفال.

لم تقتصر الفظائع على القصف المباشر، بل تجاوزتها إلى تجنيد بعض مسيحيي لبنان وسوقهم لقتال الثوار في الريف السوري، بقصد إشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وهو عمل استنكره حتى الفرنسيون المنصفون. ووصف الفصل دمشق بعد أسبوع من الفاجعة بأنها مدينة لا يستطيع أحد اجتياز شوارعها من شدة روائح الجثث تحت الأنقاض. ونقل الكاتب عن الجنرال ساراي قوله لبعض اخوانه أن أربعمائة وخمسين قنبلة طاشت في دمشق، مما يدل على رعونة القيادة. وختم الكاتب هذا القسم بقول الجنرال ساراي في تقرير له إن تهديم دمشق كان "مناورة دلت على براعة المدفعية الفرنسية"، ليعلق الكاتب ساخراً بأنها صورة قبيحة للحضارة الفرنسية العارية، ويتهم عصبة الأمم بإرسال "بقر أبيس" الذي يقتل ويخرب.

ثم انتقل الفصل إلى إعلان الإدارة العرفية رسمياً مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول 1925 في دمشق وسنجق دمشق وحوران، ابتداءً من ظهر يوم الأربعاء 21 تشرين الأول. منحت هذه الإدارة السلطة العسكرية صلاحيات مطلقة في القضاء والضابطة فيما يخص جرائم سلامة الدولة والمنطقة والجيش، بموجب قرارات سابقة، مع بقاء الإدارة الملكية على صلاحياتها المتبقية. وجاء في البيان الرسمي أن العصابات قامت بأعمال تخريبية في ضواحي دمشق والمدينة، وأن المفوض السامي عزم على المحافظة على النظام، مستخدماً صلاحياته المطلقة. وزعم البيان أن هذه الإجراءات لصالح الأهالي لتعود الحياة إلى طبيعتها، وأن الأحكام العرفية لن تبقى إلا أثناء الاضطرابات.

خصص الفصل قسماً لوصف جريدة التايمز البريطانية للكارثة. أرسلت الجريدة مندوبها من القاهرة إلى دمشق فوراً، فكتب أن الهزائم الفرنسية في جبل الدروز أدت إلى اضطراب وانتشار الثوار. أحرق الفرنسيون قرى كثيرة وجلبوا أربعة وعشرين قتيلاً طافوا بهم على الجمال في شوارع دمشق وعرضوهم في ساحة الشهداء، مما أثار السخط بدلاً من الرهبة. وكان من بين القتلى جثث شراكسة من قتلى الثوار. بعد ثلاثة أيام، وجدت جثث جنود فرنسيين خارج باب شرقي، وفي ليلة 17 أكتوبر هاجم ستون ثائراً حياً متطرفاً، وظهرت عصابة من دروز جرمانا في حي الميدان، وهاجم أناس مراكز الشرطة. وصف المندوب كيف أن الفرنسيين لم يكونوا على علم بحقيقة الوضع وأن الجمهور لم يبدِ حماساً للثوار. في ظهر 18 أكتوبر، أرسل الفرنسيون دبابات تخترق الأسواق، وفي السادسة مساء بدأ القصف بالقنابل الخالية من القذائف، واستمر الليل كله. وفي اليوم التالي، سحبوا الجنود من أحياء المسيحيين وحشدوها في الصالحية، ثم شرعت المدفعية من الساعة العاشرة صباحاً لمدة 24 ساعة بقصف المدينة بقذائف المدفعية والطائرات.

انقطعت النيران ظهر 20 أكتوبر، وقد تركت آثاراً لا تُمحى: المنطقة بين سوق الحميدية و الشارع المستقيم (سوق مدحت باشا) خراب كامل، ومخازن السوقين مدمرة، وحي الشاغور متضرر بشدة، وسوق الخراطين كومة رماد. نجا الجامع الأموي من التدمير، لكن قنبلة أصابت قبة جامع تنكز وفتحت فوهة عظيمة، ودمر قصر آل العظم بالكامل، وتحول مكان الحريم إلى خراب، ودمرت منازل عائلات البكري والركابي والقوتلي تدميراً تاماً. قدرت الخسائر بين مليون ومليوني جنيه تركي ذهبي، والقَتلى يجهل عددهم. وأشاد المندوب بمسلمي دمشق الذين ساعدوا الأوروبيين ونجوا بفضلهم، معبرين عن استيائهم من ضرب مدينة مأهولة بالأوروبيين، ورأى أن الفرنسيين قد يستطيعون البقاء قسراً في دمشق، لكن مفتاح الحل هو جبل الدروز، وأنه بحاجة لقوات أكبر، وأن الحكمة في معاملة الدروز يمكن أن تحولهم من خطر إلى حلفاء.

أحدثت أخبار الكارثة هزّة في الدوائر السياسية، وكتبت صحف كبرى مقالات نقدية. فجريدة لو كوتيديان (L’Echo de Paris) نشرت مقالاً بعنوان "من الذي يوحي إلى ساراي؟"، واتهم المندوب الجنرال ساراي بأنه أثار فتنة دمشق واتبع أساليب الإرهاب، وأصدر أمراً بإحراق قرى جرمانا والمليحة وزيدين وداريا، وأُحرقت قرية دير بحدل تماماً بالبترول. وذكرت الصحيفة مشهد عرض اثنين وعشرين قتيلاً عراة على الجمال في ساحة الشهداء يوم 15 أكتوبر، مما أثار السخط وأغلق الناس متاجرهم.

وختم الكاتب الفصل بالقول إن كل هذه الفظائع بارتكابها باسم الحضارة والتمدين، وأنه بعد هذه الأحداث، أضحت سورية تحت الإدارة العرفية التي "تثابر" الإدارة الملكية فيها على صلاحياتها المتبقية، واصفاً الخراب الذي حلّ بدمشق وأهلها.

12.اخفاق المفاوضات / العودة الى التفاوض / موقف الندوة اللبنانية من ا الثورة السورية / راي الوفد ببيان ا293–318▼ résumé

بدأ الفصل بتأكيد أن الجنرال سارايل هو المسؤول الأول عن الكارثة التي حلت بسورية، إذ أن إهماله وعناده وعدم مبالاته هم السبب المباشر لتفاقم الأحداث. يورد المؤلف حادثة أسر الثوار لفصيلة فرنسية كاملة في 17 أكتوبر، وكيف أن هؤلاء الجنود التعساء جُرّوا في شوارع دمشق التي ثارت جميعها، مما أوقد نار الانتقام. كما يشير إلى أن سياسة سارايل الاستفزازية ضد الدروز، والتي تضمنت التآمر للقبض على ممثليهم، دفعتهم للانتقام بأن أبادوا فصيلة الضابط نورمان وأخرجوا الفرنسيين من جبلهم بالكامل.

ينتقل الفصل إلى وصف الأحداث في 18 أكتوبر، حيث بدأت الاضطرابات في دمشق بدخول عصابات مسلحة إلى أحياء الشاغور والميدان والعمارة، وانضم إليهم بعض السكان. تطور الوضع إلى هجوم منظم على قصر العظم بهدف الوصول إلى المفوض السامي. استمر الهجوم لمدة 24 ساعة، تم خلالها قصف الأحياء بالمدافع والطائرات. يصف التقرير العسكري الرسمي كيف تم إخماد الثورة بعد أن دفع وجهاء المدينة غرامة قدرها مئة ألف ليرة تركية وتعهدوا بتسليم عشرة آلاف بندقية، معترفاً بأن القسم الأكبر من الخسائر نجم عن حرائق أشعلها الثوار والسالبون، لا عن القصف الفرنسي المباشر.

يدحض الفصل اتهامات المفوض سارايل للحكومة البريطانية بأنها وراء الثورة، ويؤكد أن المسؤولية تقع بالكامل على الجنرال الفرنسي وسوء إدارته. يعتمد المؤلف على تقرير سري أرسله سارايل نفسه إلى وزارة الخارجية الفرنسية، حيث يعترف صراحة بأنه "ارتكب خطأ بترك مراكز حساسة لموظفين وضباط يكرهونه". ويُفصّل كيف أن الثورة الدرزية بدأت نتيجة خلاف بين ضابطي استخبارات على منصب حاكم جبل الدروز، حيث سعى الكابتين ريو إلى استفزاز الدروز لخلق أزمة يستفيد منها، بدلاً من تهدئة الأوضاع كما كان يمكن أن يفعل.

في تطور موازٍ، يصف الفصل الحملة التي قادها زيد الأطرش لنجدة وادي التيم وإقليم البلان. تحركت الحملة في تشرين الأول وانضم إليها مشاهير الثورة مثل فؤاد سليم ونزيه المؤيد وأسد الأطرش. استطاعت الحملة بقيادة حمزة الدرويش احتلال مدينة حاصبيا في 11 تشرين الثاني دون مقاومة، بعد أن هربت الحامية الفرنسية. قام الثوار بتأليف حكومة وطنية برئاسة نسيب غبريل (مسيحي)، مؤكدين أن هدفهم هو المستعمر الفرنسي وليس السكان، وأظهروا للجميع تسامحاً وحرصاً على حماية الأهالي المسيحيين، ما كسبهم تعاطف الكثيرين.

يدافع الفصل بقوة عن روح التسامح التي ميزت الثورة السورية، والموقف النبيل الذي اتخذه زعماؤها تجاه جميع الطوائف. يورد قصة الكاهن المسيحي الذي قاد مقاومة عنيفة ضد الثوار في قرية كوكبا، وكيف أن حمزة الدرويش ناشده مراراً بالكف عن القتال حفاظاً على الأرواح، لكنه أصر على إطلاق النار فاضطر الثوار للرد، فاستشهد الكاهن. ويحّمل المؤلف المسؤولية للسياسة الفرنسية التي قامت على "فرق تسد" بتوزيع السلاح على بعض المسيحيين وإغرائهم لقتال جيرانهم.

يخلص الفصل إلى أن المبدأ الأساسي للثورة تجسد في شعار: "الدين لله والوطن للجميع". يصف الموقف البطولي لرجال حمزة الدرويش حينما أرسل إليهم بطرس كرم (ماروني من شمال لبنان) كتاباً بالتهديد والشتم، فلم يردوا عليه إلا برد وضّحوا فيه أنهم يقاتلون المستعمر فقط، وأن المسيحيين في مأمن، وأنهم يقابلون الشتيمة بالعفو والوقيعة بالصفح، مختتمين ردهم بقولهم "الدين لله والوطن للجميع ولكل ذهنه ومذهبه واحتهاده".

ينتهي الفصل بوصف معركة راشيا، عندما تقدمت الحملة لنجدة القرى التي استباحتها حامية القلعة. هاجم الثوار بقيادة حمزة الدرويش ونزيه المؤيد قلعة راشيا في 20 تشرين الثاني، وكانت الحامية تتألف من 150 جندياً فرنسياً و150 مارونياً متطوعاً. يصف الكاتب المعركة بطولية فريدة، حيث تدافع الثوار نحو الموت بأرواح سخية، ما أدى إلى تكدس جثث الشهداء في مدخل القلعة وصولاً إلى السطح، مما سمح لرفاقهم باقتحام القلعة واستباحتها أخيراً.

13.رئيس الحكومة السورية الجديد / الحكم المباشر والمفاوضات / اخفاق السلطة في قضية الانتخابات / الفتن في 319–346▼ résumé

بدأ الفصل بسرد تفصيلي لمعركة اقتحام قلعة راشيا، حيث هاجم المجاهدون بقيادة عدد من القادة مثل نزيه المؤيد وأسعد الكنج وأسد الأطرش وصبري البدوي. اعتمد المهاجمون تكتيك شق طريق عبر منازل الجهة الغربية الجنوبية للوصول إلى أسوار القلعة، ثم استخدموا سلالم طويلة للصعود، متحملين نيران الجند المدافعة من أعلى. سقط عدد كبير من الشهداء في محاولات الصعود الأولى، مثل حامد كمال. أدى استمرار القتال وإلقاء القنابل اليدوية إلى إرباك المدافعين، الذين تراجعوا في النهاية داخل القلعة، مما سمح للمجاهدين باقتحامها والسيطرة عليها. تم الاستيلاء على القلعة في الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الاثنين 24 تشرين الثاني سنة 1925.

بعد السيطرة على القلعة، وصلت النجدات الفرنسية وتعرض المجاهدون لحصار جديد، مما اضطرهم للانسحاب ليلاً نحو جبل الشيخ وعبر عين عطا في 26 تشرين الثاني، تاركين القلعة للفرنسيين. يصف الفصل أن المعركة كانت من أعنف معارك الثورة، لكن إخلاء القلعة حال دون تحقيق أهداف استراتيجية أوسع كالزحف على الزبداني وزحلة. يقدم المؤلف مقارنة بين حكم الثوار وحكم الفرنسيين في وادي التيم، سارداً جرائم ارتكبها الجند الفرنسي والقناصة بحق المدنيين، خاصة النساء، في قرى مثل عين قنية والخيام وراشيا، متضمنة نهباً واغتصاباً وقتلاً، مدعياً أن بعض المسيحيين المحليين شاركوا في بعض هذه الأفعال.

يركز الفصل أيضاً على فظاعة جريمة إبادة عائلة آل زاكي في راشيا بأكملها، حيث كان رب الأسرة قاضياً في المذهب الدرزي وموالياً للفرنسيين، لكن السلطة الفرنسية بعد دخولها البلدة لم تكافئه بل أعدمت جميع أفراد أسرته رمياً بالرصاص. كجزء من سرد الفظائع، يتحدث الفصل عن اغتصاب امرأة عجوز في البلدة على يد سبعة جنود، وعن تصريحات نسبها إلى القائد كوستون في الخيام، حيث اتهم المسيحيين المحليين بإحراق منازل الدروز في حاصبيا.

ينتقل الفصل لوصف حملة عسكرية ثانية على الإقليم بقيادة متعب الأطرش في كانون الأول ديسمبر من عام 1925، والتي استهدفت مركز شويا. تمكن الثوار من حصار المركز لكنهم اضطروا للانسحاب بسبب هجوم فرقة موارنة من الخلف. يورد المؤلف نص رسالة من متعب الأطرش إلى وجهاء في الخيام، يوضح فيها أن الثوار ليسوا ضد المسيحيين الأحرار بل ضد المستعمرين ومن يحمل السلاح ضدهم.

في حديثه عن الغوطة، يصف الفصل أسلوب حرب العصابات الذي اعتمده الثوار (الكر والفر) بقيادة سليم الحريري ونزيه المؤيد. كانت معركة حرستا ووبيلة من أبرز المعارك، حيث اشتبك نزيه المؤيد بـ 50 فارساً لاستدراج جيش فرنسي إلى كمين بقيادة متعب الأطرش من جهة وعبد الوهاب عمر باشا من جهة أخرى، مما أدى إلى هزيمة ساحقة للجيش. غنم الثوار أسلحة كثيرة، وتجاوزت خسائر الفرنسيين ستمائة جريح، بينما لم تتجاوز خسائر المجاهدين ثمانية. يذكر الفصل أن مؤيد شرف استشهد في هذه المعركة.

يتناول الفصل معركة حمورة التي وقعت لإنقاذ جوبر المحاصرة بقيادة محمد إسماعيل الحلبي. اشتبك الثوار بالجيش داخل القرية، وتميزت المعركة ببسالة الثوار الذين كادوا يأسروا البطل أبو رسلان. أدى نفاد الذخيرة إلى اشتباك مباشر، وأنقذ الموقف كل من نزيه المؤيد ومحمد علي الدروبي. يصف الفصل الفظائع التي ارتكبها الجيش بحق المدنيين هناك، متجاوزةً عدد القتلى الخمسين إنساناً من الأبرياء مقابل اثنين وستين جندياً.

مع حلول الشتاء، لجأت السلطة إلى إنشاء مخافر في بعض القرى لتخفيف حدة القتال، بينما توزع المجاهدون على مناطق مختلفة للشتاء، فتمركز فوزي القاوقجي وسعيد العاص في النبك، وتجمع غوطة دمشق حول محمد إسماعيل الحلبي بمساعدة دروز من الجبل، بينما بقي آخرون في دمشق مثل زكي الحلبي وقاسم العجلاني. يذكر الفصل اغتيال حسن الخراط في 21 تشرين الأول في بلدته، ومقتل الكولونيل فيرن في الشبعة.

يتحول الفصل بعد ذلك من السرد العسكري إلى السرد السياسي. يذكر أن المرسوم الذي يقضي بتعيين هنري دي جوفنيل مندوباً سامياً فرنسياً في سورية بدلاً من ساراي صدر في 8 تشرين الثاني سنة 1925. أجرى المندوب الجديد اتصالات مع شخصيات مثل الأمير شكيب أرسلان والأمير ميشيل لطف الله لبحث حل سياسي. قدم الأمير شكيب مشروعاً يقوم على معاهدة تحالف لمدة 30 سنة، على أن تستعين سورية بفرنسا فقط في الخبراء والضباط.

تركزت المفاوضات حول مقترحات أساسية: تشكيل حكومة وطنية مؤقتة، عقد جمعية تأسيسية بالانتخاب المباشر لوضع دستور على مبدأ السيادة القومية، وإصدار عفو عام. كما أتى على ذكر برقية من الشريف الحسين بن علي في 23 كانون الأول لـ عصبة الأمم يشتكي فيها من تناقض الانتداب مع مبادئ الحلفاء، خاصةً مع ضم معان والعقبة إلى إمارة شرق الأردن.

يسرد الفصل بعدها تاريخ الحركة الوطنية السورية منذ العهد العثماني، مروراً بالمؤتمر العربي في باريز عام 1913، واعداد الحلفاء للعرب، وزيارة لجنة كينغ – كراين، وقيام حكومة المؤتمر السوري بقيادة الأمير فيصل، ثم سقوطها أمام حملة الجنرال غورو، وقيام الدولة السورية في 1 يناير 1925. يرفق الفصل مذكرة طويلة قدمها الوفد السوري في القاهرة للمندوب الفرنسي الجديد، تلخص مطالب الاستقلال وحل المشكلة على أساس مبدأ تقرير المصير والوحدة السورية مع استفتاء لبنان.

يختتم الفصل بالإشارة المقتضبة إلى أن حسين الخراط اغتيل غدراً، وأن السلطة حاولت استمالة البعض من خلال التعيينات والوعود لإضعاف الثورة، لكن ذلك لم يمنع بعض الضباط والأهالي من التعاون معها. يقدم المؤلف في النهاية سلسلة من الأسماء لأبطال المجاهدين الذين برزوا في هذه المعارك، مثل حمزة الدرويش وشكيب وهاب وفرح عبدالله، بالإضافة إلى أسماء شهداء مثل ودود الصفدي وفارس حمود، مختتماً بأن ما فعله الثوار يختلف جذرياً عن وحشية الفرنسيين الذين يدعون التمدن، محملاً كل فريق ما يستحقه من التاريخ.

15.معركة النبك الكبرى / ثورة قطنا / الزحف على مناطق الثورة / محاولة اغتيال الزعيم شهبندر / معركة السويد355–373▼ résumé

ملخص الفصل: «معركة النبك الكبرى / ثورة قطنا / الزحف على مناطق الثورة / محاولة اغتيال الزعيم شهبندر / معركة السويد»

يغطي هذا الفصل من كتاب "تاريخ الثورة السورية" مرحلةً حرجةً من الثورة السورية الكبرى، ويوثّق التصعيد العسكري الفرنسي في مواجهة الثوار، والتطورات السياسية والمساعي الدبلوماسية التي رافقتها، والانقسامات الداخلية التي عصفت بالمنطقة. المحور الأساسي للفصل هو إظهار كيف أن السلطات الفرنسية، ممثلة بالمفوض السامي الجديد، كثفت جهودها العسكرية لقمع الثورة مع تقديم وعود سياسية محدودة، في مقابل إصرار القوى الوطنية السورية على مطالبها بالاستقلال والوحدة.

يسير الفصل بعدة خطوط متوازية. يبدأ بعرض عسكري مكثف للأحداث، حيث يذكر "معركة النبك الكبرى" و "ثورة قطنا" ، ثم "الزحف على مناطق الثورة" كأمثلة على الحملات الفرنسية. في الجانب الآخر، يتناول الفصل محاولة فاشلة لاغتيال الزعيم "شهبندر" ، مما يعكس حالة الاستهداف السياسي. يصل الذروة في "معركة السويد" المحورية، والتي يصفها بأنها هزيمة مدوية للقوات الفرنسية.

يتحول الفصل بعد ذلك إلى سرد سياسي ودبلوماسي مفصل. يصف وصول المندوب السامي الجديد، "دي جوفنيل" ، إلى بيروت في أول كانون الأول (ديسمبر) ، وخطابه للمجلس النيابي اللبناني، حيث أشاد بلبنان الكبير كدولة مستقلة عن سورية، وأعلن أن الحرب لم يعد لها مبرر اذا ما ألقي السلاح. في المقابل، يقدم الفصل موقف المجلس النيابي اللبناني الذي أصدر قراراً يدين هجوم الثوار على حاصبيا، مرجعيون، وراشيا، ويعتبره اعتداء على استقلال لبنان، ويشكر فرنسا والجندرمة اللبنانية على دفاعهم عنه. ينتقد المؤلف بشدة هذا القرار، ويعتبره انفصالاً سياسياً عن سورية، متسائلاً عن الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية التي تبرر هذا القطع، معتبراً إياه ضربة للوحدة السورية.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف الوفود والوساطات التي جرت. يذكر أولاً وفد الأمير أمين أرسلان الذي توجه إلى جبل الدروز للقاء زعيم الثورة سلطان باشا الأطرش. اشترط الثوار وقف الحرب بتحقيق مطالبهم: توحيد الحكومات السورية، عفو عام غير مشروط، حكومة مؤقتة يشارك فيها الثوار، معاهدة سورية فرنسية، وتعويض المنكوبين. رفض المندوب السامي فوراً هذه المطالب. بعدها، تم تشكيل وفد من عشرين وجيهاً من دمشق، برئاسة فارس الخوري وآخرين، تمكنوا من مقابلة المفوض بعد جدل حول شكل اللقاء. قدم الوفد مطالب مشابهة، فردّ المفوض بخطاب طويل اتهم فيه الثوار بإطالة أمد الحرب وجلب الخراب، وقدم شروطاً للعفو العام (تسليم السلاح، واستثناء الزعماء)، ووعد بإجراء انتخابات في المناطق الهادئة لوضع دستور. رفض الوفد هذه الشروط في رد رسمي، مشيراً إلى استحالة تسليم السلاح مع بقاء البادية مسلحة، وإلى أن استثناء الزعماء يحول دون استخدام نفوذهم للتهدئة، وانتقد قرار جعل تقرير المصير بيد كل لواء على حدة، معتبراً ذلك تهديداً للوحدة السورية خاصة أن نفس المبدأ لم يطبق في لبنان.

نتيجة هذا الجمود السياسي، يوثق الفصل استقالة رئيس الحكومة السورية صبحي بركات في 22 كانون الأول، احتجاجاً على تعامل المندوب مع الوفد الذي اعتبره تحدياً لحكومته. في خطاب استقالته، شدد بركات على ضرورة تحقيق المطالب الوطنية كشرط أساسي لاستقرار البلاد، داعياً إلى حل عادل لقضية الوحدة بين سورية ولبنان. بعد فشل الجهود، حاولت حكومة جديدة برئاسة الحسني وضع برنامج إصلاحي، لكنه لم ينجح. في النهاية، ومع إصرار دي جوفنيل على عدم التعاون مع الوطنيين، تم تعيين المسيو بير دي حاكماً على سورية في 9 شباط 1926، مما يعني عملياً تجريد أي حكومة سورية من السلطة ووضع الإدارة مباشرة تحت سلطة المندوب الفرنسي.

يتخلل الفصل أيضاً حملة دعائية من قبل الحاكم العسكري الفرنسي لجبل الدروز، الكولونيل أندريا، الذي وجه بياناً للشعب الدرزي في 5 كانون الأول، اتهم فيه الزعيم سلطان الأطرش بأنه يقودهم للخراب لتحقيق "مطامعه الشخصية"، ووعدهم باستقلال إداري وحق انتخاب حاكمهم، محاولاً بذلك تفكيك الجبهة الداخلية للثورة.

في التحليل النهائي، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص. أولها، أن المؤلف يتبنى بصراحة موقفاً قومياً سورياً وحدوياً، وينتقد بشكل حاد القرار اللبناني بالانفصال عن سورية، واصفاً إياه بـ"قطع الأنف من الوجه"، وهو ما يكشف عن انحياز واضح للرؤية السورية للوحدة. ثانياً، تعرض المفاوضات بين الوفد السوري والمفوض السامي تظهر انسداداً تاماً في الأفق السياسي؛ حيث تعكس شروط المفوض للسلم (تسليم السلاح قبل أي حوار) تصلباً فرنسياً واعتباراً للثوار "عصاة" لا يعترف لهم بمطالب سياسية، بينما يظهر إصرار الوفد على المطالب القصوى للثورة تعنتاً في المقابل. هذا الجمود، كما يوضح الفصل، هو الذي أدى إلى عجز كل المحاولات السياسية عن إيقاف الدائرة العسكرية للصراع.

16.الدامد احمد نامي بك وبيانه / فواجع حي الميدان / موقف الوزراء الوطنيين من الحكومة / الغوطة وتنظيماتها374–427▼ résumé

ملخص الفصل

يدور هذا الفصل حول المرحلة الحاسمة من الثورة السورية بين أواخر عام 1925 وأوائل عام 1926، مركزاً على محاولات المفوّض السامي الفرنسي هنري دي جوفنيل إخماد الثورة عبر مزيج من التهديدات العسكرية والمنشورات الدعائية والمساعي السياسية، وردّ الثوار عليها بإصرار على المطالب الوطنية. الجواب المحوري الذي يقدّمه المؤلف هو أن السلطة الفرنسية فشلت في تحقيق أهدافها رغم تفوّقها العسكري، لأن الثوار تمسّكوا بوحدتهم وبمطلب الاستقلال الكامل.

يبدأ الفصل بنشر منشورين ألقتهما الطائرات الفرنسية على قرى جبل الدروز. في المنشور الأول، يخاطب الجنرال أندريا الدروز بأسلوب تهديدي واعد، متوعداً إياهم بحملات فرنسية قوية في الربيع القادم، ومحذراً من المجاعة والخراب إذا لم يخضعوا. كما يذكّرهم بـنابليون بونابرت وبعظمة فرنسا التي تمتد من المغرب إلى الصين، زاعماً أن فرنسا تفضّل الموت على ألا تعود إلى الجبل. في المقابل، يقدّم وعوداً بالسلام والعفو لكل من يستسلم فردياً في درعا.

المنشور الثاني موجّه "إلى عموم الرؤساء الروحيين والجسمانيين وسائر الشعية المحترمين"، ويتهمهم بأنهم "شعب مخدوع" يُقتل أبناءه لمصلحة غير مصلحته. يدّعي أن فرنسا أنشأت للدروز دولة مستقلة، ويتهم "الدولة العربية" بالخيانة سابقاً، ثم يهددهم بأن صبر فرنسا له حدود، وأن جيوشها ستأتي ساعة "لا تسمع فيها ضراعة ولا رجاء".

يورد المؤلف جواب آل معروف على هذه المنشورات، وهو رسالة حاسمة من الشعب الدرزي إلى المفوّض السامي. يرفض الدروز فيها التهم الموجهة إليهم، ويشرحون أنهم لم يعتدوا على الفرنسيين بل صبروا على القسوة طويلاً، وأن ثورتهم ناتجة عن رفضهم لسياسة استبدادية لم تُسمع شكاواهم في ظلها. يؤكدون أن "حقوق الشعوب الطبيعية لا تستطيع قوة بشرية قتلها أو إخفاؤها"، ويطالبون بالاعتراف باستقلال سورية، ويرفضون التجزئة، مقترحين تسجيل أي اتفاق في عصبة الأمم واعتماد مفاوضين من الطرفين.

يرد دي جوفنيل على هذا الجواب برسالة في 9 كانون الثاني عام 1926، يعلن فيها فهمه لرغبة الدروز في تجنب أخطاء جديدة، لكنه يشترط وقف الحرب أولاً، ثم يقدم تنازلات شكلية: إذا أراد الدروز دولة مستقلة فترتبط بدمشق، وإذا لم يريدوا ذلك فيجتمع ممثلوهم مع ممثلي المناطق الأخرى لوضع قانون أساسي موحد. لكنه يربط كل ذلك بإلقاء السلاح أولاً. يفشل هذا المسعى، فيصرّ بنو معروف على مواصلة القتال.

ينتقل الفصل إلى حديث مفصّل عن سياسة دي جوفنيل الجديدة: إعلان الانتخابات في 23 كانون الأول سنة 1925 لتشكيل مجلس تمثيلي. كان هدفه الظاهري استطلاع الرأي العام، لكن الوفد الدمشقي في بيروت حذره من مغبة هذه الخطوة. ورغم ذلك، أصرّ المفوّض على إجرائها في بعض المناطق دون الأخرى، فقاطعها أهالي حمص وحماه بشدة.

يسرد الفصل بالتفصيل كيف رفض أعضاء البلدية في حمص الاشتراك في الانتخابات، وكيف قاطعتها بلدية حماه أيضاً، وكيف فشلت مساعي المفوّض المعاون بيير أليب في إقناعهم. ثم ينتقل إلى حلب حيث كانت المقاومة أشدّ. رفع الوطنيون في 1 كانون الثاني 1926 برقية احتجاج إلى المفوّض السامي، وعندما أصرّ على الانتخابات، أضربت حلب، وتوقف المسلمون عن المشاركة، فاستبدلت السلطة المشرفين بموالين لها، ثم أعلنت تمديد الانتخاب.

يتصاعد الموقف عندما تعتقل السلطة العديد من الوطنيين في حلب، منهم إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، عبد الرحمن الكيالي، وغيرهم. يتجمع الناس في الجامع الأموي الكبير، ويصعد الشيخ طاهر الكيالي المنبر داعياً إلى الوحدة والتمسك بالمطالب المشروعة. تنطلق مظاهرة كبرى تقدمها تلاميذ المدارس نحو دار الحكومة لتحرير المعتقلين، فيقتحمونها، فيخرج إليهم حاكم حلب ويعدهم بالسعي. لكن القوة الفرنسية تطلق النار على الجماهير، فتقتل خمسة عشر رجلاً وتجرح أربعين وتعتقل ثلاثين.

تُشكّل محكمة استئنافية تحكم على عدد من المعتقلين بالسجن والغرامات، بينما يُبعد آخرون إلى جزيرة أرواد. ورغم كل هذه الإجراءات، تُجرى الانتخابات بالقوة، ويفوز بها مرشحون موالون للسلطة، لكنهم سرعان ما يطالبون بالوحدة السورية في أول جلسة لمجلسهم، مما يثير حنق السلطة وتقرر حل المجلس.

بالتوازي مع هذه الأحداث، يوثق الفصل حراكاً واسعاً في لبنان حيث يجتمع مسلمو بيروت في 5 كانون الثاني ويقررون رفض انضمامهم إلى "لبنان الكبير" والمطالبة بالاتحاد مع سورية على قاعدة اللامركزية. تتبعهم بلدية بعلبك، ثم مسلمو صيدا، وطرابلس الشام، وجبل عامل، ومسلمو اللاذقية، جميعهم يرفعون برقيات ومضابط تطالب بالوحدة السورية. يتعاطى المفوّض السامي مع هذه الحركة بإعلانه في 27 كانون الثاني أن الانتخابات ستكون "لاحقة للسلم في كل مكان"، وأن الذين يقاطعونه يتنازلون عن حقوقهم.

يرفع النائب الوطني عمر الداعوق صوتَه داخل المجلس التمثيلي اللبناني، ويبرق إلى سكرتير عصبة الأمم محتجاً على ضم الأراضي السورية إلى لبنان دون استفتاء أهلها، ومعلناً تحفظاته على الدستور اللبناني الجديد.

بعد فشل كل هذه المساعي السياسية، يعود دي جوفنيل إلى القمع العسكري الشديد. يستنجد بقوات كبيرة من فرنسا حتى يصل عدد الجنود الفرنسيين في الإقليم السوري إلى حدود تفوق أي تقدير سابق، كلهم مجهزون بأحدث الأسلحة من دبابات وطائرات ورشاشات ومدافع. كما يؤلف كتائب من المرتزقة: الشركس، الأرمن، الإسماعيليين، النصيرية، والموارنة ليساعدوه على إخماد العصيان.

ينتقل المؤلف إلى المشهد الميداني في الغوطة، حيث بسط الثوار نفوذهم خلال الخريف والشتاء، يهاجمون دمشق بين حين وآخر ويسيطرون على سكة حديد دمشق - بيروت، مما جعل المفوّض السامي نفسه يخشى زيارتها شهرين. اتصلت عصابات الغوطة بعصابات جبل قلمون ووحدوا منهاجهم، واتخذوا من النبك مركزاً لهم، ووضعوا "ميثاقاً قومياً" يتعهدون فيه بتقديم الرجال والمال والعتاد لتحرير سورية، وتكوين لجان في كل قرية تعتني بالمجاهدين وتؤلف محاكم ثورية.

يتناول الفصل بالتفصيل معركة النبك الكبرى في آذار 1926، حين زحفت قوة فرنسية ضخمة بقيادة الجنرال مارتي المختص بالحروب الجبلية، مؤلفة من أربعة آلاف دركي وألفي حندي وثماني مدافع ومصفحات وسبعين شاحنة. في المقابل، لم يتمكن المجاهدون من جمع سوى ثمانمئة مقاتل من أنحاء القلمون، بقيادة الأبطال فوزي القاوقجي، سعيد العاص، نسيب البكري، حسن الخراط وغيرهم.

يصف فوزي القاوقجي المعركة بنفسه: قرروا الدفاع عن النبك أولاً في جهات قارة شمالاً ثم في ظاهرها لاستكشاف قوة العدو ولضربه في مضيق عيون العلق. في 11 آذار احتل المجاهدون موقع قارة ودخلوا دير عطية، وفي 12 آذار كانوا قد أعدوا الكمين في المضيق. رأى البطلان فوزي القاوقجي وسعيد العاص قلة عدد رجالهما فالتزموا السكينة حتى اقترب الجيش، ثم صبّوا عليه نيراناً حامية استمرت ساعتين ونصف، هازئين بالمصفحات والمدافع. بعد ذلك، انسحب المجاهدون بدهاء وحنكة إلى النبك وهاجموا العدو من خلف استحكاماتهم.

دامت المعركة من 14 آذار فصاعداً. استخدم القاوقجي خطة حربية باحتلال مستشفى هولاندي غربي النبك، وعندما احتله العدو، انقضّ المجاهدون عليه وطردوه وربحوا سلاحاً وخيلاً ومصفحتين. بلغت خسائر العدو في اليوم الأول "أربعمئة قتيل" وفق رواية سعيد العاص، لكن نفاد ذخيرة المجاهدين دفعهم للتراجع التدريجي. يعتبر المؤلف هذه المعركة من أكبر معارك القلمون، أظهرت نظام الثورة واستبسال رجالها وحنكة قوادها.

ينتقل الفصل إلى ثورة قطنا التي قادها أحمد البارافي، فأوقف المخابرات مع دمشق وداهم دار الحكومة، قُتل فيها زكي الجاجة والعريف يوسف. ثم عاد المجاهدون مع القائد الدرزي الشهير محمود كيوان واستطاعوا احتلال البلدة بعد معركة أوقعت مئة قتيل في العدو.

في أواخر نيسان 1926، زحفت الحملات الفرنسية الكبرى على مناطق الثورة من ثلاث جهات في وقت واحد. حملة من حمص بقيادة الجنرال مارتي، وحملة من الشرق بقيادة الكولونيل ماسبت، وحملة من صيدا بقيادة الكولونيل ليمانفرانكور، جميعها تتجه نحو وادي التيم واقليم البلان الذي اتخذه المجاهدون مركزاً لهم. احتل الفرنسيون مجدل شمس في 13 نيسان بعد قتال عنيف، لكنهم لم يستطيعوا احتلال حجر واحد فيها، بل احتلوا أرضاً بوراً دمّروها بالطائرات. اتخذوا من القنيطرة، مرجعيون، حاصبيا قواعد، لكنهم لم يستطيعوا اختراق وادي التيم إلا بعد تدمير قرى بأكملها.

على جبهة جبل الدروز، حشد الفرنسيون عشرين ألف جندي من المسيفرة، أذرع، بصرى اسكي شام. في 23 نيسان 1926، قاد الجنرال أندريا الحملة الرئيسية من المسيفرة، فيما انطلقت حملة أخرى من أذرع. احتلوا قرى تباعاً بلا مقاومة، لأن الثوار كانوا قد وضعوا خطة للانسحاب المنظم. في 25 نيسان، دخلوا السويداء بعد قصف عنيف بالمدافع والطائرات استمر من الساعة الثانية صباحاً حتى الظهر، حتى "انحجبت الغزالة عن الانتقار". لكن المجاهدين بقيادة سلطان باشا الأطرش لم يهابوا الموت، ولما رأوا أن الذخيرة نفدت، انسحبوا شرقاً نحو عين الخشبة، بينما توجه الدكتور شهبندر نحو سالة ثم إلى عمان، وانضم آخرون إلى الغوطة.

قبل هذا الزحف، حاول الكومندان كوستيلير عبر وساطات إقناع الدروز بالاستسلام بشروط مهينة منها: إعادة جميع أسلحة فرنسا، ودفع ثمن الخيل، وإعادة بناء القلعة، وإخراج الدكتور شهبندر من الجبل، ووضع الخضوع في مقدمة أي رسالة. رفض بنو معروف هذه الشروط وتمسكوا بمواصلة القتال حتى الموت.

يختتم الفصل بحادثة خطيرة: محاولة كوستيلير اغتيال الزعيم الوطني الدكتور عبد الرحمن الشهبندر باستئجار ظاهر القنطار وإبراهيم الأطرش مقابل خمسة آلاف ليرة عثمانية. لكن هذه المؤامرة كشفها الوجيه محمود نسيب صخر الحاصباني الذي أبلغ الزعيم الشهبندر في 19 كانون الثاني، كما أخبره أن إبراهيم الأطرش وعده بـ خمسمئة ليرة ذهبية إن مكّنه من فتح باب حجرته ليلاً، فرفض الحاصباني بكل شرف هذا العرض الخسيس.

قبل ذلك، عقد زعماء الوطنية اجتماعاً في قرية داما في 25 شباط 1926 بحضور سلطان باشا الأطرش، عبد الغفار الأطرش، الأمير حمد، الأمير عادل أرسلان وغيرهم، وقرروا حرق بيوت الخونة وأمثالهم الذين انضموا للفرنسيين، أمثال فارس بكرية في ذيبين وعبده الأطرش في المجيمر.

إن أهم ما يخلص إليه الفصل هو أن السلطة الفرنسية رغم تفوّقها العسكري الهائل ورغم كل وسائل القمع والإغراء، لم تستطع إخماد الثورة روحياً، بل إن كل فشل جديد كان يزيد الثوار قوة وإيماناً بقضيتهم، ويجعلهم أكثر تمسكاً بمطلب الاستقلال الكامل للوطن السوري الموحد.

17.تكرار المعارك في وادي التيم والبلان / سعيد العاص في لبنان / المعارك الاخيرة / المعارك في المقارن / م428–469▼ résumé

يُركّز هذا الفصل من كتاب "تاريخ الثورة السورية" على المراحل الأخيرة من الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، ويُبرز التناقض بين تصريحات المسؤولين الفرنسيين وأفعالهم على الأرض، خاصة في حي الميدان بدمشق والغوطة. يُظهر المؤلف أن الفرنسيين، بدلاً من الوفاء بوعودهم، استخدموا أساليب وحشية لقمع الثوار، شملت حرق المنازل وهدمها، والنهب المنظم، وقتل المدنيين العُزّل، وذلك من خلال عملائهم من المتطوعة، لا سيما الأرمن والشركس.

يبدأ الفصل بعرض البيان الوزاري لحكومة برئاسة الداماد، والذي أُعلن في آواخر شهر أيار عام 1926، كأساس للمفاوضات مع المفوّض السامي الفرنسي الجديد هنري دي جوفنيل. تضمن البيان عشرة بنود، أبرزها: دعوة جمعية تأسيسية لوضع دستور، وعقد معاهدة مع فرنسا شبيهة بمعاهدة بريطانيا مع العراق، وتحقيق الوحدة السورية، وتشكيل جيش وطني، وإدخال سورية في عصبة الأمم. وقد أبدى المفوّض السامي موافقته المبدئية على هذه البنود، بل وكتب بخط يده رسالتين وعد فيهما بإعطاء سورية ميناء طرابلس وعكار، وتحقيق الوحدة السورية عن طريق التفاهم. لكن المفاوضات لم تدم طويلاً.

يكشف الفصل عن غدر دي جوفنيل، حيث أنه بعد أن قطع تلك الوعود، عاد في 26 أيار من نفس العام ووافق على دستور لبنان الجديد الذي ينصّ صراحةً على وحدة أراضي لبنان وعدم تجزئتها، مُضمِراً بذلك نقض عهوده. عندما واجهه أحد الوزراء السوريين بهذا التناقض الصارخ، تهرّب المفوّض بالقول إن هذه الاتفاقات غير ملزمة ما لم تُصدّق عليها وزارة الخارجية وجمعية الأمم. بهذا الفعل، يُسلّط المؤلف الضوء على نكث فرنسا بعهودها، معتبراً أن هذا يشكك في قيمة أيّ صكّ رسمي وقيمة أيّ وعد يقطعه ممثلو دولة كبرى.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف الفظائع التي وقعت في حي الميدان بدمشق، أحد أرقى أحيائها وأكثرها عراقة. يصف المؤلف كيف قام الفرنسيون بإخلاء الحي وترك أهله تحت رحمة الثوار بهدف إيقاع العداوة بينهم، ثم عمدوا، مع المتطوعة من الأرمن والشركس، إلى عمليات نهب وسلب وحرق واسعة. يتضمن الفصل إحصاءات مروعة عن الأضرار: نهب جميع الحوانيت ومئات المنازل، وحرق عدد كبير من الدور والحوانيت، وقتل مئتي شخص من الأهالي الأبرياء. ومن أفظع ما يُذكر، انتهاك المتطوعة لحرمة المساجد؛ إذ حطموا المصابيح ومزّقوا المصاحف وأحرقوها، ونهبوا السجاجيد من جوامع باب السريجة وجنيد وأبي صهيب.

يُظهر الفصل ردود فعل الأهالي والثوار على هذه المجازر، حيث اجتمع وجهاء دمشق في دار البلدية، وأرسلت عصبة الميدان رسالتين مثيرتين، الأولى إلى الشيخ بدر الدين الحسني، والثانية إلى بطريرك الروم الأرثوذكس. في هاتين الرسالتين، أكد الثوار على وطنية ثورتهم ونفوا عنها أيّ صبغة طائفية، محمّلين الفرنسيين مسؤولية أي ردود فعل عنيفة قد تحدث إذا لم يتوقفوا عن استخدام الأرمن ضد المسلمين. كما انتقدوا بشدة صمت السلطات الفرنسية واستمرارها في سياسة القمع. وقد ردّ الجنرال أندريا على احتجاج الشيخ الحسني برسالة حاول فيها تبرير ما حدث، معترفاً ضمنياً بعمليات التفتيش التي قام بها المتطوعة.

يستمر الفصل في تعداد فظائع الفرنسيين، ويُورد لائحة من الاحتجاجات التي رفعها الأهالي. من بين هذه الجرائم: قطع المياه عن الأحياء كعقاب جماعي، إطلاق النار عشوائياً على المارة، إحراق حي كامل بقذائف المدفعية بعد حادثة استفزازية في 26 نيسان 1926، حيث أُحرق حوالي ألفي بيت مع مسجدين. يصف الفصل مشهداً لا يُنسى عندما هرعت نسوة الميدان إلى فندق رئيس الحكومة الداماد ليطلبوا النجدة من الحريق، فرفض استقبالهن وأرسل جندياً لطردهن، مما اضطرهن للعودة إلى منازلهن المحترقة مفضلات الموت على رؤية بيوتهن تلتهمها النيران. وقد تجاوزت الخسائر المادية في هذا الحادث الوحيد مليوناً من الليرات الذهبية العثمانية.

على الجانب السياسي، يُفصّل الفصل انهيار الحكومة الوطنية. لمّا رأى الوزراء الوطنيون (فارس الخوري، لطفي الحفار، حسني البرازي) ما حلّ بالميدان من كوارث وعدم جدوى استمرارهم في الحكومة، قدّموا استقالتهم. لكن السلطة الفرنسية اعتقلتهم وأبعدتهم فوراً عن دمشق، مُشكّلة حكومة جديدة من العناصر الموالية لها فقط. في هذه الأثناء، كانت المفاوضات قد فشلت بين الزعيم عبد الرحمن الشهبندر وأمير جبل الدروز السلطان الأطرش، فقرر الشهبندر الانتقال إلى غوطة دمشق لقيادة الثورة ميدانياً، مما أربك الفرنسيين وأقلقهم بشدة.

يختتم الفصل بوصف التنظيمات العسكرية للثوار في الغوطة. يعرض بالتفصيل نظام المجلس الوطني للجنة الثورة، الذي تألف من عشرة أعضاء، وقسّم الغوطة إلى سبع مناطق حربية خططية، مع تحديد القادة والخطط العسكرية. يصف الفصل معارك شرسة دارت بين الثوار والجيش الفرنسي في تموز (يوليو) 1926 بقيادة البطل فوزي القاوقجي، والتي انتهت بانتصار الثوار وتكبيد الفرنسيين خسائر فادحة تجاوزت الألف بين قتيل وجريح، مقابل خسائر طفيفة في صفوف الثوار. بعد كل هزيمة، كان الفرنسيون ينتقمون من المدنيين بحرق القرى وقتل النساء والأطفال. يُخصّص الفصل مساحة لذكر أبطال المعارك كالمجاهدين مصطفى وصفي، آصف السفرجلاني وأبو محي الدين شعبان.

18.عطف العالم العربي على الثورة السورية / المعارك في اللجاء والغوطة / موقف بريطانيا من الثورة السورية /470–521▼ résumé

بدأ محي الدين السفرجلاني هذا الفصل باستعراض التحول في مسار الثورة السورية، مركزاً على منطقتي اللجاة والغوطة كمسرحين رئيسيين للمعارك. يصف الكيفية التي تحول بها القتال من مواجهات مفتوحة إلى حرب عصابات، بعد أن أدرك الثوار أن مواجهة الجيش الفرنسي المتفوق عدداً وعتاداً وجهاً لوجه لم تعد مجدية. يضرب المؤلف أمثلة على بطولات فردية وجماعية، فيذكر أن أبطالاً مثل القاوقجي والأمير وشوكت العائدي وزكي المرادي وشوكت البسطامي وممدوح عمر باشا قد سطروا ملاحم في معارك مثل حوش الربحاني وخرابو. ويصف كيف أن الثوار، على الرغم من ضآلة عددهم، استطاعوا باستخدام الحنكة والخبرة أن يصمدوا ويوقعوا الخسائر بالعدو، بل وأن ينجوا من كمائن الموت المحققة، مستشهداً بقصة اختباء خمسة مجاهدين بمن فيهم واصف عمر باشا في قناة مائية تحت أنظار الجيش الفرنسي وكلابه دون أن يتم اكتشافهم، معتبراً ذلك دليلاً على عناية الله بالثوار.

ثم ينتقل الفصل للتحدث عن الجهود الفرنسية لإخماد الثورة في الغوطة، والتي بلغت ذروتها في 22 أيار سنة 1926 عندما عاد الجيش لاستئناف القتال. يشرح السفرجلاني الإجراءات القاسية التي اتبعها الفرنسيون، والتي شملت هدم الحوائط والبساتين لحرمان الثوار من الغطاء، وقطع المياه عن القرى، وإنشاء المخافر والمراكز المحصنة. ويشير إلى عامل حاسم في إضعاف الثورة، وهو وجود خونة من أبناء البلد الذين انضموا إلى الفرنسيين، معتبراً أن هؤلاء "الرعاديد الادنياء" كانوا سبباً رئيسياً في الانتصار الفرنسي النهائي على الثورة. بعد ذلك، يخصص المؤلف مساحة للحديث عن أحد قادة الثورة البارزين في منطقة بعلبك، وهو توفيق هولو حيدر، موظف سابق في دمشق فرّ إلى قرية اللبوة وأشعل فيها نار الثورة. يذكر الفصل تفاصيل غاراته الناجحة، بما في ذلك هزيمته لقوة فرنسية في الرابع من نيسان واحتلاله اللبوة في الثامن عشر من أيلول سنة 1925، وصولاً إلى اشتباكه الكبير في 11 أيلول سنة 1925 حيث هزم حملة فرنسية مؤلفة من خمسة آلاف جندي مدعومة بالطائرات والدبابات، وأوقع بها خسائر فادحة، واستمر في القتال حتى شتاء سنة 1927.

ينتقل السفرجلاني بعدها ليصف عودة النشاط الثوري في وادي العجم وإقليم البلان بقيادة الأمير عادل أرسلان والشهيد أحمد مرشد والشيخ أيوب وهاب. ويذكر أن الثوار تمكنوا من احتلال مجدل شمس في أواخر شهر أيار، مما دفعهم إلى توجيه إنذار لمدينة زحلة في 30 أيار تطالبها بالخضوع ودفع 500 ذهب عثماني. يصف المؤلف حالة الذعر التي سادت زحلة، وإرسال وفد برئاسة مطران الروم إلى القائد الفرنسي يطلبون الحماية، ويذكر مطالبهم مثل إرسال قوة لا تقل عن 100 جندي وتوزيع 202 بندقية على الشبان. ويختم هذا القسم بالإشارة إلى أن الثوار لم ينفذوا تهديدهم باحتلال زحلة، في إشارة إلى ضعفهم المتزايد آنذاك. ومع تدهور أوضاع الثورة في الغوطة، يذكر الفصل أن الأمير عادل أرسلان غادر إلى قرية العادلة ثم إلى اللجاة ليتحصن بها، بينما تحول مقر القيادة في الغوطة إلى قرية حتيتة بوجود منير الريس ومحي الدين الكيلاني وآخرين.

في الجزء المخصص لموقف بريطانيا، لم يقدم السفرجلاني تفاصيل مباشرة عن موقف بريطانيا داخل الفصل نفسه، بل بدا أن النص تعرض لخلل في تسلسله. ومع ذلك، يمكن استخلاص الموقف البريطاني من خلال الإشارات إلى الحوادث والاتصالات الدولية. يذكر الفصل إرسال مندوب فرنسي جديد (يُفهم أنه المسيو دي جوفنيل) إلى سوريا وتوجهه إلى القاهرة حيث التقى بأميرين من عائلة لطف الله (ميشيل لطف الله وحورج لطف الله) وأعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني. وقد جرت محاولات للمفاوضات وضعت فيها اللجنة مطالب أساسية تشمل تأليف حكومة وطنية مؤقتة ودعوة جمعية تأسيسية والغاء الانتداب، لكن المفوض الفرنسي رفض هذه المطالب بشدة واعتبر أن اللجنة تنكث بالعهود. كما يظهر موقف بريطانيا في الإشارة إلى أن المندوب الفرنسي زار لندن والتقى بـالمستر شامبران ووزير مستعمرات الكوثرا للاتفاق على تعاون وتحديد الحدود بين سوريا وفلسطين وسوريا والعراق. هذا التنسيق الأنجلو-فرنسي يوضح أن بريطانيا كانت تدعم الموقف الفرنسي الأساسي للحفاظ على الاستقرار في المنطقة وفق مصالحها، رغم سماحها بمساحة محدودة للوساطة.

يعود الفصل ليصف معارك عنيفة في المنطقة الشمالية تحت قيادة سعيد العاص في نواحي القلمون وعكار. يذكر المؤلف أن العاص وجه نداءات تحريضية لأهالي المنطقة ونجح في حشد مقاتلين من حمص بقيادة نظير النشواتي ونفذوا غارات ليلية على مخافر حمص. ثم يصف خيانة تعرض لها الثوار من قبل أهل النصيرية الذين استخدموا الحيلة بأن أمنوهم ثم ألقوا القبض عليهم وسلموهم للسلطة. ويقدم السفرجلاني وصفاً تفصيلياً مروعاً لإعدام هؤلاء الأسرى، حيث أطلق الضابط الفرنسي النار على كل واحد منهم فرداً فرداً، وأعاد الكرة مرة ثانية، ثم أمر جنده بإلقائهم في هوة. يذكر الفصل بأعجوبة نجاة نظير النشواتي الذي نجا من الموت وتعالج في حمص بمساعدة طبيب مخلص ثم التحق بأخوانه المجاهدين. كما يذكر إعدام السلطة لآخرين كـمحمد علي الدروبي وعلاء الدين الدروبي بعد تعذيب فظيع في حمص، مما أثار حفيظة الأهالي ودفعهم إلى الانتقام من الخونة.

يصف الفصل لاحقاً تبلور المقاومة في الضنية وتأليف "حكومة ثورية" إدارية تقوم بصرف رواتب للجنود، حيث خصص للمجاهد المنفلم 3 دنانير فرنسية وللقائد 4 دنانير. في هذا السياق، يبرز الجهد الدبلوماسي الذي بذله سعيد العاص لمنع صراع طائفي مع الموارنة في زغرتا. ويورد المؤلف مراسلات بين العاص و"وجوه زغرتا"، حيث تضمنت رسالة العاص دعوة للحياد وعدم الاعتداء، فرد عليه الزغرتاويون بتأكيد التزامهم بالحياد مع المسلمين طالما لم يحصل اعتداء، وهو ما قبله العاص وأصدر تعميماً لجميع مناطق الثورة بالامتناع عن أي اعتداء. يذكر الفصل أيضاً محاولات الفرنسيين لاستغلال الخلافات المحلية، فتحدثوا مع بعض وجهاء عكار والضنية وحاولوا إقناع شيوخ عشائر آل شوك وآل شنديب بالاستسلام بوعود العفو، لكن الفرنسيين لم يفوا بوعودهم وأعدموا من استسلم منهم: عبد الواحد حمدان شوك، قاسم شوك، محمود علي خضر، ومرعي حسن شنديب. وأخيراً، ومع تدهور الأوضاع وتراجع الحماس، قرر سعيد العاص الانسحاب من الضنية بعد أن خذله العديد من حلفائه، وألقى باللوم على الدعايات الفرنسية التي أوقعت الخلاف بين صفوف الثوار، مستخدماً الذهب والوعود.

يتناول السفرجلاني بعد ذلك حادثة بطولية من نوع آخر، هي محاولة إنقاذ الشيخ مصطفى الخليلي وسلطان الطيار ورجالهما من سجن قلعة دمشق. يذكر الفصل أن الموظف الوطني زكريا الداغستاني (مدير السجون الأهلية في القلعة) اتفق مع ضابطين هما عبد القادر عمر باشا وابراهيم صدقي على خطة لإنقاذ السجناء، لكن قلة العدد والوسائط منعت تنفيذها. ومع ذلك، لم يتوقف الداغستاني عن المحاولة، فخطط لاستخدام ملابس درك ومذكرة مزورة لتسليم السجناء رسمياً. لكن هذه الخطة فشلت لأن أحد المطلوبين، وهو عبد القادر آغا سكر، لم يستطع الظهور. يصف المؤلف كيف أن هذه الأحداث أدت إلى شعور الداغستاني بأنه لم يعد أمامه خيار سوى الانضمام إلى القتال المفتوح. ثم ينتقل إلى قصة زيارة الزعيم الكردي أحمد الملا للداغستاني، حيث اتفقا على خطة طموحة لاحتلال القلعة بأكملها، تقضي بدخول 50 مقاتلاً من الأكراد متخفين بين الزوار، ثم الانقضاض على الحراس، لتقوم بعدها مئات الثوار على مقربة من دمشق بمهاجمة القلعة فور سماع إطلاق النار. يصف السفرجلاني ما كان يمكن أن ينتج عن هذه الخطة من إعلان حكومة ديمقراطية، مشيراً إلى أن الحكومة العربية السابقة بقيادة الأمير فيصل والتي حكمت 5 أشهر برهنت على أن السوريين لا يقلون كفاءة عن غيرهم.

يختتم الفصل بطريقة شبه موسوعية، حيث ينتقل الكاتب إلى استعراض تاريخي أوسع للحركة الوطنية السورية منذ ما قبل الثورة. يذكر نشأة الحركة وصولاً إلى مؤتمر باريس سنة 1913، ثم دور العرب في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء، ووعودهم بالاستقلال التي لم تُحترم، وصولاً إلى حكم فيصل وإلغائه على يد الجنرال غورو في يوليو 1920. ثم يتطرق إلى سلسلة من الثورات اللاحقة: ثورة ابراهيم هنانو في الشمال (حتى 1921)، وحركة في حوران، وثورة في بلاد العلويين (حتى 1920)، ثم أول ثورة لـسلطان باشا الأطرش في سنة 1923 لمدة 6 أشهر. وبعد ذلك، يلخص الكاتب تقلبات السياسة الفرنسية في تقسيم سوريا إلى دويلات وإعادة جمعها في "حلف سوري". في هذا الإطار، يورد النص التاريخي الذي يعلن مطالب زعماء الثورة الحالية، والذي يحدد أسس الحل: قيام دولة سورية موحدة باستفتاء لبنان، حكومة وطنية مؤقتة، وجمعية تأسيسية تضع دستوراً على أساس السيادة القومية، وتحدد العلاقة مع فرنسا باتفاق لمدة معينة.

في الصفحات الأخيرة، يعود الفصل لتفصيل المفاوضات التي جرت بين المندوب الفرنسي السامي الجديد المسيو هنري دي جوفنيل واللجنة التنفيذية السورية الفلسطينية في القاهرة. يصف السفرجلاني رفض المندوب القاطع للمطالب السورية معتبراً أنها "غير متطابقة البتة" لما دار حوله الحديث، متهماً اللجنة بأنها تريد منه أن "ينكث بالعهود التي قطعتها على نفسه امام خمسين دولة". وعلى الرغم من محاولات اللجنة المتكررة بإرسال مذكرات وتهيئة أرضية للتفاهم، إلا أن المفوض ظل متمسكاً بشرط إلقاء السلاح أولاً. يختم الفصل بوصف زيارات الوفود السورية إلى المفوض، بدءاً من وفد برئاسة الأمير أمين أرسلان إلى جبل الدروز، وانتهاءً بوفد من أعيان دمشق برئاسة فارس الخوري، حيث رفض المندوب استقبالهم ما دام الثوار ممسكين بالسلاح، ثم قبل مقابلتهم بعد ضغوط، لكنه ألقى عليهم بياناً حاسماً قال فيه إن الاضطرابات انتهت وإن لا مبرر للحرب. ينقل السفرجلاني بعد ذلك نص البيان الرسمي الذي أذاعه المفوض في 10 ديسمبر، وخاطب فيه السوريين بأنهم لو كانوا مثل اللبنانيين لتمتعوا بالسلام، معتبراً أن الثوار أقلية تشقي البلاد، ومهدداً باستخدام القوة لتأمين وجود الانتداب الفرنسي في البلاد. ويختم الفصل بانتقاد لاذع لقرار المجلس التمثيلي اللبناني الذي شكر فرنسا على حماية استقلال لبنان، معتبراً أن هذا الموقف يقطع الصلات الطبيعية بين لبنان وسورية، وهي صلات وصفها بأنها كالقلب من الجسد.

19.الميثاق الوطني / اجتماع الملك فيصل الاول بالزعماء / عود على بدء / مساعي الوفد / المفوض السامي برنسو 522–555▼ résumé

هذا الفصل من كتاب محي الدين السفرجلاني بعنوان «الميثاق الوطني / اجتماع الملك فيصل الأول بالزعماء / عود على بدء / مساعي الوفد / المفوض السامي برنسو»، يتناول بالتفصيل مسار المفاوضات السياسية والمجريات الميدانية للثورة السورية الكبرى، مع التركيز على المطالب الوطنية، ومواقف القوى الفاعلة، وردود الفعل الفرنسية، وصولاً إلى فشل المساعي السلمية واستمرار القتال.

يبدأ الفصل بعرض موقف لبنان من الثورة، مسجلاً قراراً مهماً اتخذه المجلس النيابي اللبناني في الأول من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1156 (يحتاج هذا التاريخ للتحقق، إذ يحتمل أن يكون خطأ مطبعياً والمقصود سنة 1925 أو 1926). وقد صدر القرار بأكثرية عشرين صوتاً، وخالف فيه كل من أرسلان والداعوق وبيهم وتتلحوق، معلناً رفض لبنان انفصاله عن سورية ورغبته في حياده التام، واعتبار أي هجوم على حدوده اعتداءً على استقلاله.

ينتقل الفصل إلى محاولة تشكيل حكومة سورية جديدة، حيث عرض المفوض السامي الفرنسي على الشيخ تاج الدين الحسني تأليف حكومة مؤقتة في الرابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر). وقد قبل الحسني المهمة مبدئياً ووضع برنامجاً موسعاً يشمل المطالب الوطنية الأساسية، مما أدى إلى مفاوضات مع المندوب السامي استمرت خمسة عشر يوماً ولكنها انتهت بالفشل لرفض المندوب تلبية هذه المطالب. ويورد الفصل نص برنامج الحكومة المقترحة كاملاً، والذي تضمن:

  1. تحقيق الاستقلال بوضع دستور على أساس السيادة القومية ودعوة مجلس تأسيسي عام.
  2. تأليف دولة واحدة من سورية وجبل الدروز على قاعدة اللامركزية.
  3. استرداد الأقضية الأربعة (بعلبك، حاصبيا، راشيا، والقضاء المجهول اسمه) التي فصلت عن سورية بقرار عرّب في سنة 1920 (وفق النص).
  4. بالنسبة للأقاليم الأخرى الملحقة بلبنان، اقترح البرنامج أن تؤلف مقاطعة تنتخب نوابها وتقرر مصيرها بنفسها.

يلي ذلك الحديث عن استقالة رئيس الحكومة السورية صبحي بركات أبو غنيم في الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، وذلك احتجاجاً على قيام المندوب السامي بتشكيل وفد جديد، معتبراً ذلك تحدياً لحكومته. وقد بعث بركات برسالة احتجاج إلى المندوب تناول فيها شرط تسليم السلاح كعائق أمام العفو. جادل بركات بأن دروز حوران لن يسلموا سلاحهم طالما أن البادية غير آمنة، وأن الثوار الآخرين غير مسلحين أصلاً، وبالتالي فإن هذا الشرط يحول دون الاستفادة من العفو. كما شدد على أن العفو يجب أن يشمل الزعماء والمواطنين العاديين على حد سواء، لأن الزعماء هم وحدهم القادرون على تهدئة الثوار، وبدون ضمانات حقيقية لحريتهم، فإن أي عفو يكون غير مجدٍ.

بعد ذلك، يقدم الفصل ردّ المندوب السامي (برنسو) على مطالب الوفد. وتضمن الرد رفضاً جوهرياً لأهم المطالب:

  • رفض العفو العام: شرط العفو بتسليم السلاح، وأعطى مهلة خمسة عشر يوماً للثوار غير القادة لتسليم أنفسهم.
  • رفض فكرة المجلس التأسيسي الموحد: أعلن أن الأمر يعود للانتخابات، والتي ستجري على أساس الألوية والمحافظات كل على حدة، مما يعني إضعاف الوحدة السورية وتفتيتها.
  • خطة للتجزئة: كشف القرار عن خطة لتقرير مصير كل لواء على حدة، وهو ما اعتبره الوفد والوطنيون خطراً يهدد الوحدة الوطنية، خاصة أن مثل هذه الاستفتاءات قد تمت سابقاً وأقرت الوحدة بين حلب ودمشق. في ختام رده، سرد المندوب حكاية رمزية عن رجلين، أحدهما مشاكس والآخر بنّاء، محاولاً إيصال فكرة أن الانشغال بالصراعات يدمر ويدفع للإفلاس.

يشرح الفصل كيفية رد الوفد على بيان المندوب. بعد دراسة الرد، تمسك الوفد بمطالبه وشكل لجنة من شكري القوتلي وفارس الخوري ورشدي الصفدي لتقديم تعليق رسمي إلى المسيو ميليا (مساعد المندوب). وقد أكد الوفد في رده على أن إجابات المندوب لا تكفي لتلبية رغائب الأمة، لأن الفقرة الأولى المتعلقة بالعفو لم تؤدِ لنتيجة، ولأن الرد أغفل موضوع العفو عن الزعماء، وأصرّ على تطبيق نظام الاستفتاء على الألوية السورية فقط دون غيرها، معتبراً ذلك تمييزاً وتهديداً للوحدة.

في منتصف الفصل تقريباً، ينتقل السرد إلى وصف مفصّل للمعارك الميدانية. يركز الكاتب على معركة ضارية في الغوطة قرب دمشق، حيث اشتبك الثوار مع القوات الفرنسية لمدة سبع ساعات متواصلة، استشهد فيها العديد من الثوار، بينهم البطل أبو خالد نحيب (يحتاج الاسم للتحقق). ويصف الكاتب بأس الثوار، ومن بينهم صبري العسلي وعائلته، ويذكر أنهم كانوا يقاتلون ببسالة ويصمدون أمام القصف الجوي بالطائرات. وبعد المعركة، انسحب بعض الثوار نحو قلمون، بينما اتجه آخرون تحت قيادة الأمير عز الدين الجزائري نحو عين الصاحب (أو عين الصخري حسب النص).

يقدّم الفصل قصة بطولية مفصلة للأمير عز الدين الجزائري، الذي احتمى في كهف مع عدد قليل من رجاله، وحاصرهم جيش فرنسي كبير. تمكن الأمير ورجاله من قتل عدد كبير من الفرنسيين، لكن الحصار اشتد، وخسروا الكثير من رجالهم، ومن بين الشهداء البارزين الذين سقطوا في محاولة الوصول إلى الجبل: سعيد العاص، وأحمد التلفيتي، والصخري. في النهاية، دلّ أحد الخونة على مكان الأمير، فهاجمه الجيش بقنابل يدوية، وأصابه في ساعده، وقتل رفيقه أبو قاعود. أُسر الأمير، وخاض موقفاً بطولياً أمام ضابط شركسي حاول أن يسلب سلاحه، فأطلق الأمير النار عليه، مما دفع الضابط لقتله. ثم يثني الكاتب على شجاعة الأمير ويشيد بموقف ضابط شركسي آخر أظهر احتراماً وتأثراً بمقتل الأمير.

يتناول الفصل بعد ذلك موقف بريطانيا من الثورة السورية. يكشف الكاتب عن اتهامات فرنسية بأن بريطانيا هي من تغذي الثورة وتدعمها، وقد روّج لذلك الجنرال غاميلان والجنرال ساراي في تقارير سرية للرأي العام الفرنسي. لكن الكاتب يرفض هذه الادعاءات بشدة، مقدمًا أدلة على العكس تماماً. يذكر:

  • أن بريطانيا منعت الثوار من عبور الحدود إلى شرق الأردن وأرسلت الدبابات لمنعهم.
  • أن السلطات البريطانية اعتقلت أو أنذرت النشطاء السوريين، مثل حسن الحكيم وسعيد حيدر وجميل مردم.
  • أن الأمير عبد الله في شرق الأردن جمع شيوخ العشائر وأمرهم بعدم التدخل في الثورة وهددهم بالعقاب.
  • إعلان الأحكام العرفية في مناطق من شرق الأردن (مثل الأزرق) لمنع أي نشاط ثوري.
  • في النهاية، يخلص الكاتب إلى أن بريطانيا لعبت دوراً في إخماد الثورة لا دعمها.

يختتم الفصل بمعالجة الجهود السياسية والدبلوماسية. يعطي الكاتب مساحة كبيرة للمذكرات والعرائض التي رفعها السوريون إلى عصبة الأمم عبر اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني وممثلين عنهم مثل الأمير شكيب أرسلان. تتضمن هذه الوثائق:

  • مذكرة إلى عصبة الأمم: تطالب بإرسال لجنة تحقيق دولية للوقوف على أسباب الثورة.
  • مقترحات للأمير شكيب أرسلان: وتتضمن الاعتراف باستقلال سورية ولبنان، وربط ذلك بمنافع اقتصادية لفرنسا لـ 30 سنة، وتحالف عسكري دفاعي، مع إجراء استفتاء للأقضية المتنازع عليها. كما يقدم تفصيلاً لجلسة لجنة الانتدابات الدائمة في روما في 15 شباط (فبراير) 1926 (وفق النص)، والتي حضرها الوفد السوري. واستعرض مداخلات المسيو روبير دوكه (مندوب فرنسا) الذي دافع عن السياسة الفرنسية، والمسيو كلوزون الذي زعم أن الحكومة الفرنسية بدأت تعيد الأمن، وقدم تقريراً مفصلاً عن أحداث الثورة، لكنه اتهم السوريين في مصر وحزب الشعب بدعم الثوار. في المقابل، رد الوفد السوري على هذه الاتهامات نقطة نقطة، مؤكداً أنهم يسعون فقط للاستقلال وليس لعرش، وأن الاحتجاج على أساليب الانتخاب الطائفية كان مبرراً.

وفي النهاية، يذكر الفصل أن لجنة الانتدابات رفعت تقريرها في 8 مارس (آذار) 1926 إلى مجلس عصبة الأمم، الذي أقرّه بعد نقاش. أقر التقرير بوجود حالة من الاضطراب في سورية، لكنه أشاد بفرنسا ووصفها بأنها لا تسعى سوى لمساعدة الشعوب على السيادة، داعياً السوريين إلى التعاون مع الانتداب. وبهذا، يكون الفصل قد أوصل القارئ إلى خاتمة مفادها أن جميع المساعي السلمية والسياسية باءت بالفشل نتيجة تعنت السلطة الفرنسية، واستمرار القتال، وإخفاق المجتمع الدولي (عصبة الأمم) في إنصاف المطالب السورية.

ملاحظة أخيرة: يحتوي النص على الكثير من الأخطاء المطبعية والأرقام غير المنطقية (مثل سنة 1156 وعدد ضحايا معركة كهف الأمير). وقد حاول الكاتب قدر الإمكان تقديم الرواية كما هي، مع الإشارة إلى الحاجة للتحقق عند الضرورة.

20.شهداء الثورة السورية (مرتبة على حروف الهجاء)556–699▼ résumé

ملخص الفصل: «شهداء الثورة السورية (مرتبة على حروف الهجاء)»

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو توثيق مسار الثورة السورية الكبرى (1925-1927) كما ترويها المصادر الرسمية الفرنسية ومناقشات عصبة الأمم، مع التركيز على المواجهة بين المطالب الوطنية السورية وسياسات الانتداب الفرنسي. يقدم المؤلف تفصيلاً لجهود اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني والوفود السورية في جنيف وباريس لإيصال صوت الثورة، وإظهار تناقضات الموقف الفرنسي الذي كان يعلن السعي للإصلاح بينما يستخدم القمع العسكري. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الثورة لم تكن مجرد تمرد عشوائي، بل كانت رد فعل منظم على سياسات فرنسية رأى السوريون أنها تنتهك ميثاق الانتداب وتحرمهم من حقوقهم في الاستقلال والوحدة.

يسير الفصل عبر عدة مراحل رئيسية، بدءاً من اجتماعات لجنة الانتدابات الدائمة في عصبة الأمم في 17 حزيران، حيث مثل المندوب السامي الفرنسي، المسيو دي جوفنيل، موقف بلاده. في هذه الجلسات، دار جدل حاد حول دوافع الثورة. يقدم المؤلف حوارياً مطولاً بين أعضاء اللجنة ودي جوفنيل، حيث يظهر هذا الأخير مبرراً القمع العسكري، مثل قصف دمشق وحي الميدان، بدافع "الضرورة العسكرية" ووصف الثوار بأنهم "عصابات". ويحاول دي جوفنيل إقناع اللجنة بأن المعارضة تأتي من "أشخاص لا سلطة لهم" يقيمون خارج سورية، بينما يزعم أن الداخل "مخلص للانتداب". في المقابل، يعترض أعضاء اللجنة مثل المسيو أورتن على هذا التوصيف، مشيرين إلى كثافة الشكاوى المقدمة من جمعيات متعددة داخل سورية وخارجها، مما يظهر وجود معارضة حقيقية ومنظمة. يناقش الفصل أيضاً شخصيات قيادية مثل سلطان الأطرش والدكتور عبد الرحمن الشهبندر، حيث يصفهم المندوب الفرنسي كشخصيات "خطيرة" أو "مترددة" يصعب التعامل معها، مما يكشف عن قلق السلطة من قيادات الثورة ذات الشرعية الشعبية.

بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، يوثق الفصل المفاوضات السرية والعلنية التي جرت بين الوفد السوري والحكومة الفرنسية. تم الاتفاق بين الوطنيين في برياسة والأزرق على برنامج موحد من المطالب، يتضمن: الاعتراف بـاستقلال سورية التام، وحقها في التمثيل الخارجي، وتأليف حكومة وطنية بالاتفاق مع زعماء الثورة، وتحويل الانتداب إلى معاهدة شبيهة بمعاهدة بريطانيا مع العراق، وتحقيق الوحدة السورية، وتأليف جيش وطني، وإصدار عفو عام. لكن هذه المفاوضات، التي جرت في باريس مع المسيو دي جوفنيل ومندوبين ساميين لاحقين مثل المسيو بونسو، لم تسفر عن نتيجة بسبب ما يراه الوفد "تعنتاً" فرنسياً ومماطلة مدفوعة برغبة "رجال الاستعمار" في إخماد الثورة بالقوة أولاً. وقد تجلى هذا الموقف في البلاغ الرسمي الفرنسي الذي نُشر في 14 أيلول 1925، والذي نص على أنه "لا يمكن عمل مفاوضة لاعادة السلم الداخلي الا بعد انتهاء الثورة واستسلام الثائرين".

يكشف المؤلف عن حدود وقيود الرواية الرسمية الفرنسية، ويظهر تبايناً واضحاً بين تصريحات المندوبين الفرنسيين في عصبة الأمم عن "الهدوء" و"تحسن الأوضاع"، وبين استمرار العمليات العسكرية الوحشية. يشير الفصل إلى "النزعة الشرقية" التي تحدث عنها المسيو دي جوفنيل لتبرير الفشل في تحقيق الاستقرار، معتبراً أن السوريين لا يحترمون إلا القوة. كما يورد الفصل تفصيلاً لردود فعل اللجنة التنفيذية، التي وصفت بيان المندوب السامي بونسو بأنه "غامض" ولا يحقق المطالب الوطنية، مستنكرة استمرار "الادارة العرفية" و"الاعتقالات" وغياب "حرية الصحافة" والاجتماع. ويقر الفصل بأن هذه السياسات المتناقضة و"التسويف" هي التي أطالت أمد الثورة وأدت إلى "خسائر فادحة" في الأرواح والممتلكات من الجانبين، مع إشارة إلى أرقام غير مؤكدة عن خسائر الجيش الفرنسي "بأكثر من [يحتاج تحققاً] ضابط وما يقرب من عشرة آلاف جندي".

بناءً على النص وحده، تظهر حجة قابلة للنقاش تتمثل في التناقض الجوهري بين المهمة النظرية للانتداب، والتي تقوم على "مساعدة الشعوب" للوصول إلى الاستقلال، والممارسة العملية له، والتي اتسمت بالقمع العسكري وفرض الإرادة الفرنسية. يضع الفصل هذه الحجة من خلال المقارنة المستمرة بين تصريحات المسؤولين الفرنسيين في جنيف (التي تتحدث عن التعاون والتطور التدريجي) وأفعالهم الميدانية في سورية (القصف، الحصار، فرض الأحكام العرفية). يخلص الفصل إلى أن هذه السياسة المزدوجة كانت السبب الرئيسي في فشل الحل السلمي وإطالة أمد الصراع، مؤكداً أن السوريين لم يطلبوا إلا حقوقهم التي ضمنتها المواثيق الدولية وأن "عدم الصبر" الذي لُوِّمُوا عليه هو نتيجة طبيعية لسنوات من الوعد والوعيد دون تحقيق نتائج ملموسة.