Almawred
عربي

مخيم السيدة زينب - تقرير ميداني حقوقي

1 janvier 2016arمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية

يقدّم التقرير الميداني الحقوقي الذي أعدّه قسم الأبحاث والدراسات في مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، والصادر في حزيران/يونيو 2016، رصداً شاملاً للأوضاع العامة للاجئين الفلسطينيين في مخيم السيدة زينب (المعروف أيضاً بمخيم قبر الست) وتجمعي حجيرة والذيابية في ريف دمشق. يمتد الرصد من بداية الأزمة السورية في آذار/مارس 2011 وحتى نهاية أيار/مايو 2016، ويهدف إلى توثيق المعاناة اليومية والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها سكان هذا المخيم، الذي يُعد أكبر المخيمات الفلسطينية المعترف بها من قبل الأونروا داخل سورية. يجادل التقرير بأن المخيم، رغم محاولات أهله ووجهائه وفصائله تحييده عن الصراع الدائر، قد جُرّ قسراً إلى عين العاصفة نظراً لموقعه الجغرافي الحساس الملاصق لمقام السيدة زينب، وهو ما جعله هدفاً استراتيجياً ورمزياً لأطراف النزاع كافة، وحوّله إلى ساحة لتصفية الحسابات الطائفية والعسكرية.

يسير التقرير في بنائه من العام إلى الخاص، مرسماً صورة بانورامية للمخيم قبل الأزمة ثم آليات تدهوره التدريجي. يبدأ بتقديم نبذة تعريفية عن المخيم، موضحاً أصول سكانه الذين ينحدرون غالباً من قرى شمال فلسطين (خاصة من قضاء صفد وطبريا ومنطقة الحولة)، والترابط العشائري والأسري القوي بينهم. ثم ينتقل إلى وصف الحساسية الطائفية التي اكتسبها الموقع مع امتداد الثورة السورية، حيث بدأت تظهر مظاهر الفوضى والانفلات الأمني والظهور المسلح للفصائل المتناحرة. يحلل التقرير جهود الفصائل الفلسطينية المختلفة – مثل حركة فتح - الانتفاضة، القيادة العامة، حماس، جبهة النضال، الجبهة الشعبية، الصاعقة، وحزب الشعب – في تشكيل لجان متابعة لعزل المخيم عن الصراع، لكنه يوثق كيف تباينت الرؤى بين من أراد تشكيل لجان أمنية مسلحة لمنع دخول المسلحين، ومن رأى أن ذلك شأن داخلي سوري. هذا الانقسام مهد الطريق لدخول المخيم إلى دائرة العنف التي كانت محاصرة به من كل اتجاه.

يؤكد التقرير أن مرحلة دخول المخيم إلى عين العاصفة كانت حاسمة، حيث ساهمت شائعات مجهولة المصدر عن نية أطراف معينة مهاجمة المناطق السنية أو الشيعية في تأجيج المشاعر وزيادة الاحتقان الطائفي. يسرد التقرير سلسلة من عمليات الاغتيال والتصفية التي شهدتها المنطقة، كحادثة مقتل العقيد محمد العبد الشمالنة، أحد عناصر الجبهة الشعبية - القيادة العامة، والتي أشعلت حالة من الغضب بين أهالي المخيم. كذلك يوثق حالات الاعتقال التعسفي والإعدام الميداني التي طالت لاجئين فلسطينيين على أيدي الميليشيات واللجان الشعبية التابعة للنظام، مثل تصفية قاسم الشمالنة والشيخ جهاد الوحش وشقيقه أمير الوحش في دوار حجيرة، ورمي جثامينهم في بساتين منطقة عقربا. هذا التصعيد، برفقة القصف العشوائي والاقتحامات من كلا الطرفين، دفع معظم سكان تجمع حجيرة إلى النزوح القسري.

ينتقل التقرير بعد ذلك إلى تفصيل الأوضاع العامة للاجئين تحت أربعة عناوين رئيسية: الميداني، الصحي، التعليمي، والمعيشي الاقتصادي. في الجانب الميداني، يصف كيف تحول المخيم إلى ساحة اشتباكات يومية بين الجيش الحر (فصائل المعارضة المسلحة) من جهة، والجيش السوري والميليشيات الموالية له، إلى جانب الفصائل الفلسطينية المسلحة الموالية للنظام (كالجبهة الشعبية - القيادة العامة وفتح - الانتفاضة) من جهة أخرى. أدت هذه الاشتباكات إلى سقوط قذائف الهاون وتدمير منازل، وتفجير سيارات مفخخة استهدفت مدرستي الأونروا في الجهة الغربية للمخيم. وعن الواقع الصحي، يوضح التقرير أن المخيم كان يعاني أصلاً من أمراض وراثية بسبب زواج الأقارب، لكن الأزمة فاقمت الوضع بتدهور الأمن وإغلاق الطرقات وهجرة الكوادر الطبية، مما أدى إلى نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع دور الأونروا الصحي.

في الجانب التعليمي، يوثق التقرير انخفاضاً حاداً في المستوى التعليمي نتيجة القصف العشوائي، والاعتقالات التعسفية التي طالت الطلاب والمعلمين، وإغلاق بعض المدارس، والاكتظاظ في الصفوف المتبقية، ونقص المعلمين أصحاب الكفاءات بسبب الهجرة أو عدم تمكنهم من الوصول إلى أماكن عملهم. مع ذلك، يشير التقرير إلى محاولة لاستئناف الحياة جزئياً بعد استتباب سيطرة النظام على المخيم، حيث افتتحت السيدة مارغو إيليس، نائب المفوض العام للأونروا، برفقة السيد علي مصطفى، مدرسة اليرموك (علما) ومستوصفاً صحياً في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2014 بعد إعادة تأهيلهما. وأخيراً، يرصد الواقع المعيشي الاقتصادي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع الأمني، حيث أدى إغلاق المصانع والمعامل وورش العمل إلى بطالة شبه كاملة، وارتفاع جنوني في أسعار السلع الغذائية وشح المواد الأساسية، ليعتمد اللاجئون بشكل شبه حصري على المعونات الإغاثية من الأونروا والمؤسسات الخيرية، فيما اضطر البعض للانخراط في اللجان الشعبية الموالية للنظام كمصدر دخل، الأمر الذي كان سبباً في مقتل العديد منهم.

أما الجزء الأخير من التقرير، فيركز على محطتين بارزتين ومأساويتين في تاريخ المخيم، مدعماً إياهما بجداول إحصائية مفصلة. الأولى هي مجزرة حجيرة التي وقعت عشية 18 تموز/يوليو 2015، حيث استهدف صاروخ من طيران حربي تظاهرة حاشدة كانت تشيع أحد القتلى (عبد الرحيم سمور)، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 150 شخصاً وعشرات الجرحى، وتناثر أشلائهم في الشوارع. تصف شهادات شهود العيان مشهداً رهيباً لنزوح جماعي بدأ من حجيرة وانتهى في منطقة صحنايا على بعد نحو كيلومتر غرباً. المحطة الثانية هي تفجير السيدة زينب يوم 11 شباط/فبراير 2016، والذي أوقع أكثر من 100 ضحية، من بينهم 10 فلسطينيين على الأقل، حسب توثيق المجموعة. يخصص التقرير قسماً كاملاً للضحايا، يُظهر إحصاءات دقيقة بلغ مجموعها 118 ضحية فلسطينياً من أبناء المنطقة خلال الفترة المذكورة، مع توزيعها حسب الزمن والجنس والعمر والمكان وسبب الوفاة. ويُظهر التوزيع الزمني أن عام 2016 كان الأكثر دموية بنسبة 44% من إجمالي الضحايا. وبحسب الجنس والعمر، شكل الرجال الغالبية العظمى بنسبة 82%، بينما قضى 16 طفلاً مقابل 102 بالغ. أما أسباب الوفاة، فكان التفجير هو السبب الأبرز، تلاه القتل برصاص الاشتباكات (55 مقاتلاً) ثم القصف (28 ضحية). كما يتضمن التقرير جدولاً بأسماء المعتقلين، والذين بلغ عددهم 20 معتقلاً فلسطينياً، وضحايا التعذيب حتى الموت الذين قضوا داخل سجون النظام السوري، وعددهم 5 أشخاص، منهم طفل يبلغ من العمر 7 أشهر وعليه آثار تعذيب. يوثق التقرير أيضاً حالات مأساوية لعائلات قضت برمتها على طريق الهجرة، كعائلة عماد عزوز التي قتلت برصاص حرس الحدود التركي أثناء محاولتها عبور الحدود.

لم يخل التقرير من حدود أو تحفظات صريحة. فهو يعتمد بشكل أساسي، كما يذكر في مقدمته، على أرشيف القسم بالإضافة إلى شهادات ميدانية من أبناء المخيم، مما يعني احتمالية وجود نقص في التوثيق الكامل لبعض الحوادث بسبب صعوبة الوصول أو الخوف من التبعات الأمنية. كما أن التقرير، بطبيعته التوثيقية، لا يطرح تفسيرات سياسية شاملة للأزمة، بل يركز على رصد الوقائع. من ناحية أخرى، يمكن القول إن بعض الحجج الواردة في التقرير قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بدور الفصائل الفلسطينية في "تحييد" المخيم أو في جره إلى الصراع. فبينما يوثق التقرير محاولات بعض الفصائل تحييد المخيم، فهو يوثق أيضاً بشكل واضح مشاركة فصائل مثل الجبهة الشعبية - القيادة العامة وفتح - الانتفاضة والصاعقة في القتال إلى جانب النظام ضد فصائل المعارضة المسلحة، مما يجعل فكرة "التحييد" موضع تساؤل، فالانحياز المُعلن والمُوثق لأحد أطراف النزاع هو في حد ذاته إلغاء للحيدة. التقرير أداة توثيقية قيّمة، لكن قراءته النقدية تكشف تعقيد الموقف الفلسطيني في سورية تحت وطأة الصراع، حيث تحول المخيم من فضاء للجوء إلى ساحة حرب تقررها عوامل خارجية وإقليمية، وتتخذ من حياة المدنيين ثمناً لها. الكتاب ينجح في تقديم صورة كلية مكثفة ومؤلمة، تركز على خسارة الأرواح وتفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي، تاركاً للقارئ مسؤولية استخلاص الدروس حول هشاشة وضع اللاجئين في نزاعات لا ذنب لهم فيها.