
مخيم اليرموك الحقيقة الكاملة
مخيم اليرموك، قبل أن يتحول إلى رمز للمأساة، كان أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا. الكتاب الذي بين أيدينا يتخذ من هذا المخيم موضوعاً محورياً، ويدافع عن موقف واضح: أن ما جرى في اليرموك لم يكن مجرد كارثة إنسانية عابرة، بل كان نتيجة حتمية لتعقيد المشهد السياسي والعسكري، حيث تداخلت المصالح الفلسطينية والسورية والإقليمية، وفشلت كل المحاولات لتحييد المخيم عن النزاع السوري الدائر. المؤلف لا يقدم رواية واحدة أيديولوجية، بل يسرد سلسلة من الوقائع والاتفاقات التي تظهر أن الإرادة السياسية وحدها لم تكن كافية في ظل غياب الثقة وتعدد الأطراف المسلحة.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني واضح، مركزاً على الفترة بين عامي 2014 و2015، حيث يتتبع مصير المبادرات المتعاقبة لرفع الحصار. يبدأ الفصل المقدم باستعراض حراك منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديداً الوفد الذي ترأسه د. زكريا آغا، والذي شرع في اتصالات مع مسؤولين سوريين وفلسطينيين، لكنه انسحب فجأة دون تحقيق اختراق. هذه البداية تضع القارئ فوراً أمام السمة الغالبة على كل ما سيأتي: بداية مليئة بالأمل تليها خيبة أمل سريعة. المنطق الذي يربط أجزاء الحجة هو منطق تراكمي: كل مبادرة تبدأ بوعود واتفاقات، ثم تصطدم بعقبات التنفيذ، مما يخلق شعوراً بالدوران في حلقة مفرغة، حيث يتبادل الأطراف الاتهامات ويظل المدنيون هم الحلقة الأضعف.
القفزة النوعية الأولى في السرد تأتي مع تفصيل "الهدنة الوطنية الأهلية الفلسطينية" التي أُعلنت في 5 كانون الثاني 2014. هنا يقدم الكتاب تفاصيل دقيقة تكاد تكون وثيقة تاريخية. تضمنت المبادئة مبادئ أساسية طموحة: خروج المسلحين نهائياً، وتموضع مسلحين فلسطينيين على محيط المخيم لمنع دخول السلاح، وتشكيل لجنة شعبية موسعة، وإعادة تأهيل المخيم بعد التأكد من خلوه من السلاح، وتسوية أوضاع المسلحين الراغبين بذلك، والسماح لمكاتب الفصائل بالاحتفاظ بعدد محدود من البنادق للحراسة. ولم تكن هذه مجرد مبادئ عامة، بل صيغت في آلية تنفيذ مفصلة ومكونة من 13 بنداً، تحدد الخطوات العملية مثل خروج المسلحين، تموضع القوة الفلسطينية المشتركة، تشكيل لجنة فنية للكشف عن المتفجرات، وفتح الطرق لإدخال المساعدات. هذا المستوى من التفصيل يظهر أن المشكلة لم تكن في نقص التخطيط، بل في غياب إرادة تنفيذ حقيقية لدى بعض الأطراف.
ثمة أرقام وأسماء ووقائع يصعب نسيانها. يذكر الكتاب أن 11 فصيلاً فلسطينياً، من بينها حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الإسلامي، وقعت على المبادرة. كما يسرد أسماء الشخصيات والمجموعات المسلحة التي وقعت على الاتفاق من جهة المسلحين، مثل أبو صالح فتيان وأبو هاشم الزغموت والعقيد الركن خالد الحسن. الأهم من التوقيعات هو ما تلاها: تنفيذ خطوات أولية ملموسة كتوزيع المواد الغذائية وإخراج حالات مرضية وإنسانية وطلاب، وانتشار القوة الفلسطينية المشتركة. بل إن راتب شهاب، أمين سر اللجنة الفلسطينية للحوار الوطني، أعلن في 10 شباط/فبراير 2014 بدء انسحاب المسلحين الغرباء من القواطع الرئيسية. كان الأمر يبدو وكأن الحل في متناول اليد، لكن هذا الشعور انهار سريعاً.
الانهيار موثق بدقة. ففي 1 آذار/مارس، أي بعد أقل من شهر من الانسحاب المعلن، أعاد المسلحون انتشارهم داخل المخيم. ذريعتهم كانت "التباطؤ في تنفيذ المبادرة من قبل الفصائل والنظام السوري". رد الفعل الفلسطيني كان سريعاً، حيث أدانت الفصائل هذا "العدوان الجديد" في 5 آذار/مارس وحمّلت المجموعات المسلحة المسؤولية الكاملة. ثم عقد وفد منظمة التحرير اجتماعاً مع الفصائل الـ 14 في 15 آذار/مارس واتفقوا على استئناف العمل بالمبادرة وفق جدول زمني جديد على ثلاث مراحل. ولكن سرعان ما أعلنت الجبهة الشعبية – القيادة العامة في 27 آذار أنه لا حل سلمياً قريباً، متهمة المجموعات المسلحة بالمسؤولية. هذه الإيقاعية السريعة بين الاتفاق والانهيار تتكرر في أيار/مايو وحزيران/يونيو، حيث يُوقع اتفاق جديد في مقر بلدية اليرموك مع الأونروا، لكنه يتعثر أيضاً.
تصل محاولات التنفيذ إلى نقطة تحول درامية في 11 تموز/يوليو 2014، حيث حدث تفاهم بين الكتائب المسلحة والحكومة السورية، تلاه بدء عمل اللجنة الأمنية ورفع السواتر الترابية. يمكن للمرء أن يتخيل شعور الأهالي بأن الحصار قد يرفع قريباً. لكن هذا التقدم توقف بعنف في 4 آب/أغسطس 2014، عندما أطلق عناصر من جبهة النصرة النار على وفد مدني كان يتابع تسوية أوضاع المسلحين، مما أدى إلى إصابة نعيم الخطيب، عضو الحراك الشعبي. هذا الحدث ليس مجرد حادث؛ إنه لحظة كاشفة تظهر كيف يمكن لجماعة مسلحة واحدة أن تعطل مساراً كان يبدو أنه يسير في الاتجاه الصحيح. بعد ذلك، يغرق السرد في فضاء تبادل الاتهامات الذي يصفه المؤلف بدقة: الوسيط نظمي كتانة يتهم المجموعات المسلحة بوضع شروط جديدة، بينما تتهم تلك المجموعات الجيش النظامي والجبهة الشعبية – القيادة العامة بعرقلة الجهود. ويصل الخلاف إلى أعلى المستويات عندما يحمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس التنظيمات المتطرفة مسؤولية التعطيل، وفي الوقت نفسه يتهم الجبهة الشعبية – القيادة العامة بأنها "مسؤولة عن الأزمة في مخيم اليرموك"، الأمر الذي قوبل بإدانة من القيادة العامة.
في القسم الأخير، ينتقل الكتاب من الدبلوماسية الرسمية والمناورات العسكرية إلى البعد الإنساني والشعبي. يصدر بيان مشترك لـ 11 لجنة ومؤسسة أهلية في 2 تموز 2014 تناشد بفتح الطرق وإدخال المساعدات. ويوجه المجلس المدني رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يحمله فيها المسؤولية الأخلاقية. هنا تبرز المبادرات الشعبية كصوت مضاد للفشل السياسي: هاشتاغ #أنقذوا_اليرموك على مواقع التواصل الاجتماعي في 15 آب 2014، ورسائل "نجدة" وجهها الأهالي وممثلو الفصائل في 25 تشرين الأول 2014 إلى شخصيات سياسية ودولية. ويسجل الكتاب وقفات تضامنية، أبرزها اعتصام في مقر الصليب الأحمر الدولي في القدس في 7 كانون الثاني 2014، وانطلاق أكبر حملة إعلامية في 11 كانون الثاني 2014 شاركت فيها 75 محطة إذاعية في الضفة الغربية. هذا التنوع في أشكال التضامن يظهر أن القضية لم تكن محصورة في الجغرافيا السورية، بل كانت تلامس وجدان الفلسطينيين في كل مكان.
من الناحية النقدية، يقر الكتاب ضمنياً بحدود واضحة. المشهد معقد جداً لدرجة أن تحديد المسؤول الوحيد عن الفشل يصبح مستحيلاً. الاتفاقات كانت تتهاوى بسرعة ليس فقط بسبب سوء النية، ولكن أيضاً بسبب انعدام الثقة المتبادل بين جميع الأطراف: الفصائل الفلسطينية، الحكومة السورية، والمجموعات المسلحة. هناك أسئلة مفتوحة يتركها الكتاب دون إجابة: هل كان يمكن لأي مبادرة أن تنجح في ظل الاستقطاب السوري؟ هل كان تحييد المخيم ممكناً أصلاً أم أنه كان مجرد وهم؟ الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي التناقض الصارخ بين إعلان المبادئ والتنفيذ على الأرض. كل طرف يوقع على الاتفاق ثم يتهم الآخر بتعطيله. هذا يجعل من الصعب الحكم بشكل قاطع على من كان "الشرير المطلق" في القصة. ربما تكون المأساة الحقيقية أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، كانوا جزءاً من الفشل، بينما دفع المدنيون الثمن الأغلى.