مراكز القوة في جيش النظام 2020
يبحث الكتاب في التحول الطائفي الذي طرأ على الجيش السوري، وتحديداً في مراكز القيادة العليا فيه، حتى بات، وفقاً للمؤلفين، "جيشاً علوياً" بامتياز، وليس جيشاً وطنياً. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن النظام السوري، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، اعتمد بوعي على استراتيجية "علونة" المؤسسة العسكرية، وذلك بهدف تأمين ولاء الجيش للرئيس ولعائلته، ومنع تحوله إلى أداة تستخدم ضده، خاصة في أوقات الأزمات. ويخلص الكتاب إلى أن هذه الاستراتيجية بلغت ذروتها بعد عام 2011، حيث لم يعد هناك مجال للشك في أن السيطرة على الجيش حكر على طائفة واحدة.
يسير الكتاب في حجته بشكل منهجي وتسلسلي، معتمداً تدرجاً زمنياً وتحليلياً. يبدأ بتمهيد تاريخي يوضح كيف شرع حافظ الأسد، بعد استيلائه على السلطة، في بناء "ثالوث القيادة" في كل وحدة عسكرية، وهو نموذج يعتمد على مزج طائفي بحيث يكون هناك ضابط علوي واحد على الأقل بين قائد الوحدة ورئيس أركانه وضابط أمنها، مع استثناء الوحدات النوعية والأمنية الحساسة التي جعلها علوية خالصة. ثم ينتقل الكتاب إلى وصف كيف أن هذا الثالوث بدأ يتصدع بعد 2011، ليحل محله هيمنة كاملة للضباط العلويين ليس فقط على الصف الأول، بل على جميع الصفوف القيادية. وينتقل التحليل بعدها من السياق التاريخي إلى الواقع الراهن، معتمداً على "لقطة" تعيينات تاريخ 2020/3/10، حيث يقوم الكتاب بحصر وتفصيل التوزع الطائفي والمناطقي لأهم 40 منصباً قيادياً في الجيش، بدءاً من القائد العام وحتى قادة الفرق، وصولاً إلى أجهزة الاستخبارات.
تتضمن الورقة أرقاماً وشهادات صارخة يصعب نسيانها. يوضح الجدول الرئيسي أن جميع من يشغلون هذه المراكز الأربعين الحساسة هم من الطائفة العلوية بنسبة 100%، دون أي تمثيل لأي طائفة أخرى من بين 14 محافظة سورية. وتأتي التفاصيل الجغرافية لتكشف تركزاً مذهلاً: الضباط المنحدرون من محافظة اللاذقية وحدها يسيطرون على 23 منصباً قيادياً، أي بنسبة 57.5%، يليهم ضباط طرطوس (بنسبة 17.5%)، ثم حمص (15%)، وحماه (10%). والأكثر إثارة هو التوزيع على المستوى المحلي، حيث تتصدر منطقة جبلة القائمة بـ 11 ضابطاً، تليها مباشرة منطقة القرداحة (مسقط رأس الأسد) بـ 9 ضباط. وتشير الورقة إلى أن ضباط القرداحة وحدها، التي لا يتجاوز عدد سكانها 108,369 نسمة (نحو 0.005% من سكان سورية)، يسيطرون على 5 من أصل 13 منصباً من "مراكز القوة الفاعلة" المحددة. ومن أبرز الوقائع التي يسجلها الكتاب أن أقوى جهازي استخبارات هما المخابرات العسكرية والمخابرات الجوية، ويقودهما لواءان من نفس القرية: جنينة رسلان في منطقة دريكيش بمحافظة طرطوس، وهما اللواء كفاح ملحم واللواء غسان إسماعيل. كما يوثق الكتاب سيطرة ضباط القرداحة على أكثر الوحدات العسكرية قوةً، مثل الحرس الجمهوري والوحدات الخاصة، في وقت يقود فيه ضباط من القرداحة وجبلة وحدهما 50% من الفرق البرية.
يقر الكتاب بوجود بعض التحفظات والحدود، إذ يشير إلى تغيرات في المناصب منذ بداية 2020، لكنه يلاحظ أن هذه التغييرات كانت "باتجاه واحد"، أي استبدال ضابط علوي بآخر علوي، دون أي انفتاح على ضباط من طوائف أخرى، وهو ما يعزز الأطروحة الأساسية بدلاً من أن ينقضها. كما يعترف الكتاب بدور العوامل الخارجية، مثل التدخل المباشر لروسيا وإيران، وتشكيل الميليشيات الموالية، في تغيير بنية الجيش، لكنه يعتبرها عوامل مسرعة ومضاعفة لاتجاه "العلونة" المسبق، وليست سبباً جوهرياً لها. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول إمكانية التغيير مستقبلاً، مشيراً إلى أن أي هيكلة مستقبلية (سواء شاملة أو فردية) تبقى بيد الأسد وحده، لكنه يبدو متشائماً بشأن إمكانية التراجع عن هذا النمط.
من ناحية أخرى، هناك حجتان رئيسيتان في الكتاب قابلة للنقاش، بناءً على المادة المقدمة نفسها. الأولى: تبرير النظام لـ"علونة" الجيش يعتمد على عامل الخوف، تاريخياً من حركة الإخوان المسلمين في الثمانينات، وحالياً من خطر سقوط النظام، المترافق مع "انشقاق الضباط السنة" وتلاشي ثقة النظام بهم. لكن الكتاب يقلب الأمر، موضحاً أن "تمييز النظام الطائفي" هو بحد ذاته سبب رئيس في شعور الضباط السنة بالتهميش والاغتراب، مما دفعهم إلى الانشقاق، وهكذا يدخل الطرفان في حلقة مفرغة. الحجة الثانية تناقض تأكيد النظام الرسمي على "الوحدة الوطنية" والعروبة، بينما تُظهر بيانات الكتاب بشكل لا يقبل الجدل أن الجيش أصبح أقرب إلى "كتيبة قبلية-طائفية" تحمي سلالة حاكمة، وهو تناقض جوهري بين الخطاب والممارسة.