
مطربات بلاد الشام
يستعرض كتاب «مطربات بلاد الشام» للكاتب محمد منصور سير ست من أبرز المطربات اللواتي تركن بصمة في تاريخ الغناء الشامي والعربي، لكنه لا يكتفي بتقديم سردٍ بيوغرافي محايد، بل يدافع عن أطروحة مركزية واضحة: هؤلاء الفنانات، على اختلاف مساراتهن، جسّدن نموذجاً للموهبة الاستثنائية التي التهمتها ظروف قاسية متشابكة، تتراوح بين الصراعات العائلية، والتجاذبات السياسية، والهيمنة الذكورية، والإهمال المؤسسي. يرى المؤلف أن السيرة التراجيدية تكاد تكون قاعدة في حياة مطربات بلاد الشام، حيث يصبح الفن الرفيع ضحية للآلام الشخصية، أو أداة في صراعات أكبر، أو يتلاشى في مناخ عام لا يقيم وزناً للاستثناءات الفنية.
يسير الكتاب بتسلسل زمني ينتقل من سيرة إلى أخرى، لكن الخيط الناظم ليس التاريخ بقدر ما هو منطق تراجيدي متصاعد. تبدأ الحجة مع أسمهان (1912-1944) التي تختزل في نظر المؤلف «سير مطربات بلاد الشام التراجيدية» كلها: حياة قصيرة وصاخبة، صوت استثنائي، وموت دراماتيكي غامض. أسمهان هي «مغامرة روح متمردة» ثارت على كل المسلّمات، فتضافرت ضدها الأسرة والمجتمع والاستخبارات، حتى انتهت غرقاً في ترعة رأس البر صيف 1944، ليجعل المخرج يوسف وهبي من موتها الحقيقي مادة لفيلمها الأخير «غرام وانتقام»، في مشهد حضره الملك فاروق وأكسب المخرج لقب البيكوية. يورد المؤلف هنا تفصيلاً صادماً: أن أجرها عن الفيلم الأخير قارب 11 ألف جنيه، متجاوزاً أجر أم كلثوم وليلى مراد. لكن الأهم في السرد هو انعطاف عام 1941 حين تورطت مع الاستخبارات البريطانية كجاسوسة لإقناع عشائر الدروز بالانضمام للحلفاء، فنجحت في مهمتها وجلست خلف الجنرال شارل ديغول في حفل تكريمه، قبل أن تنقلب عليها الأجهزة نفسها عندما ثارت الشكوك حول بذخها وعلاقاتها. يترك المؤلف السؤال مفتوحاً عن قاتلها، مذكّراً بأن الصحفي سعيد الجزائري أحصى ست جهات متهمة، بينها القصر الملكي والمخابرات البريطانية، وأن الحكم أدان السائق بشهرين حبساً فقط.
ينتقل الكتاب بعدها إلى فايزة أحمد (1934-1983) التي يصوّرها كامرأة انفعالية طيبة القلب، عاشت تناقضاً صارخاً بين النجاح الفني والمآسي الشخصية. حجته هنا أن مفتاح فهم شخصيتها يكمن في جدل «شجن الحياة» و«شجن الفن»، فرغم زيجاتها السبع الفاشلة ومعاناتها العائلية، ظل فنها عزاءها الوحيد. يُبرز المؤلف تفصيلاً رمزياً: أنها أتقنت العزف على العود بعد أن باعت والدتها سوارها الذهبي الوحيد لشراء الآلة. أما مسيرتها الفنية فتميزت بإعادة اكتشاف الموهبة مراراً، إذ رفضها الملحن شفيق شبيب أولاً ثم اعترف بها بعد ثلاث سنوات، وكذلك فعل الملحن محمد محسن. الهجرة إلى مصر لم تكن تخلياً عن الهوية بل بحثاً عن أفق أوسع، وظلت تُلقب بـ «المطربة الشامية». يخصص المؤلف مساحة لتحليل زيجاتها، مبرزاً أنها كانت تبحث عن رفيق للمشوار الفني لكن معظم الأزواج تدخلوا في عملها أو سعوا للسيطرة على مالها. توفيت في 20 سبتمبر 1983 إثر السرطان، تاركة إرثاً من الأغاني التي جعلت «شجن الفن» ينتصر على «شجن الحياة»، مثل أغنية «ست الحبايب».
تأتي سيرة كروان (جميلة نصور، 1932-2001) لتقدّم نموذجاً مختلفاً، إذ يلقبها المؤلف بـ «سيدة الأغنية الشعبية الشامية»، ويرى أن مسيرتها تجسد «حالة نادرة لموهبة فطرية صقلتها مؤسسة فنية رصينة هي إذاعة دمشق»، ثم أُهملت مع انهيار تلك المؤسسة. يتوقف الفصل طويلاً عند تشوّهها الخلقي النادر (غياب عظمة الأنف) وكيف تحول إلى قصة نجاح حين سافر بها معجب مغترب إلى أمريكا لإجراء عملية تجميل أواخر عام 1960. لكن اللافت في السرد هو التحول السياسي الحاد: بعد صعود النظام الشمولي البعثي، توقفت سياسة الإنتاج الفني الراقي، وتحولت النقابة إلى أداة حزبية أمنية، فغابت كروان وغيره من نجوم جيلها «وهم على قيد الحياة». يورد المؤلف مثالاً قاسياً: حين كُرمت في مهرجان الأغنية السورية بحلب عام 1999، مُنعت من الغناء الحي. رحلت في 16 نيسان 2001 عن 69 عاماً، دون زواج أو أبناء، عالة على راتب تقاعدي متواضع.
سعاد محمد (1936-2011) هي المطربة اللبنانية التي يراها المؤلف «نموذجاً للفنانة التي عانت من الظلم الاجتماعي والفني، وافتقرت إلى الحظ والقدرة على المنافسة». حجته المحورية أنها بقيت «ترثي نفسها» طوال حياتها، ورغم صوتها الاستثنائي، عاشت في ظل أم كلثوم ولم تستطع الانفلات من هيمنتها الفنية. يروي الفصل قصة غريبة: أنها نشرت مجلة الكواكب المصرية عام 1945 خبراً عن التجاها إلى دمشق طالبة الجنسية السورية هرباً من صراعات عائلية. أما أبرز أحداث مسيرتها فكان فيلم «فتاة من فلسطين» عام 1948، أول فيلم عربي يتناول النكبة، والذي ترى فيه المؤلف استغلالاً تجارياً للقضية. يتناول الفصل أيضاً قضية منعها من دخول مصر، مشيراً إلى رواية الناقد صميم الشريف التي تتهم أم كلثوم باستخدام نفوذها لتلفيق حادثة تهريب مجوهرات، لكنه يترك مدى صحة الرواية مفتوحاً. الملفت أن محمد عبد الوهاب رفض تلحين أغنية لها، بينما كان رياض السنباطي داعماً كبيراً، معتبراً صوتها الوحيد القادر على ملء فراغ غياب أم كلثوم. رغم كل ذلك، تؤكد خاتمة الفصل أنها أغنَت التراث الغنائي بقصائد وموشحات خالدة، ورحلت في 4 يوليو 2011 دُفنت في القاهرة.
الفصل الأكثر قسوة وإيلاماً هو سيرة ربى الجمال (1966-2005)، التي يقدّمها المؤلف كـ «أنموذج» لحال التعامل مع المواهب الاستثنائية في سورية، حيث يخلق مناخ عام يقتل المواهب ويدفعها للعزلة والاكتئاب. الحجة هنا واضحة ومباشرة: الإهمال المؤسسي والفني والإعلامي هو القاتل الحقيقي «لأجمل صوت غنائي سوري». يصف الناقد صميم الشريف صوتها بأنه «خارق» من طبقة السوبرانو بمساحة أربعة عشر مقاماً، وهو ما يتجاوز بكثير الأصوات الجميلة المعروفة. تتبع السير خطوة مأساوية: ميلادها في حلب سنة 1966، طفولة صعبة بعد وفاة والدتها، اكتشاف فني في لبنان، وتخصص في أداء أغاني أم كلثوم بلغ ذروته في حفل دار الأوبرا المصرية عام 1995 حين غنت «إفرح يا قلبي» ووقف الحضور يصفقون لربع ساعة. لكن الذروة المأساوية هي وصف «مهزلة الحفل الأخير» في فندق إيبلا الشام في 13 آذار 2005، حيث تفاوت أداؤها المليء بالتنويعات الطربية مع فرقة موسيقية عاجزة عن مواكبتها، مما دفعها للاحتجاج بعبارتها الشهيرة: «كل ما بدي سلطن بيطيرولي السلطنة». بعد الحفل، تدهورت حالتها النفسية، نُقلت لمشفى، وأمضت أسبوعاً دون أن يطرق بابها أحد من «جهابذة النقابة أو التلفزيون». توفيت في 12 نيسان 2005 في مشفى دوما (مشفى في بلدة كبيرة بريف دمشق)، ودفنت في قبر مجاني للغرباء بحضور عشرين شخصاً فقط، بينما اكتفى نقيب الفنانين أسعد فضة بإرسال إكليل ورد. يطرح المؤلف سؤالاً بلاغياً لاذعاً: هل يمكن لأحدهم أن يُنقل إلى مشفى دوما إذا مرض؟
يختتم الكتاب بفصل عن فيروز (نهاد حداد، 1935)، لكنه لا يكتب سيرة نصر بل سلسلة أزمات. السؤال المحوري هنا: كيف استطاعت فيروز الحفاظ على صورتها كفنانة وطنية جامعة رغم التجاذبات السياسية؟ يسير الفصل زمنياً عبر أزمات: بدءاً من الجدل الذي أثاره ابنها زياد الرحباني عام 2011 بزعمه أنها معجبة بـ حسن نصر الله، ثم تصريحه عام 2016 بأنها معجبة بـ ستالين وهتلر، وهي تصريحات نفتها ابنتها ريا الرحباني. ثم أزمة عام 2004 حين لبّت دعوة دمشق عاصمة ثقافية لتقديم مسرحية «صح النوم»، مما أثار انتقادات في لبنان، رغم أنها اعتذرت عن قبول وسام الاستحقاق السوري من بشار الأسد. ثم أقدم الأزمات: في مطلع عام 1966، حين رفض عاصي الرحباني إقامة حفل للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في مسرح ليلي، فأصدر رئيس الوزراء اللبناني الحاج حسين العويني قراراً شفهياً بمنع بث أغانيها من الإذاعة اللبنانية لـ سبعة أشهر. يخلص المؤلف إلى أن هذه الأزمة كرست قيمة فنية عليا لفيروز: لم تغنِ لزعيم أو رئيس قط، بل غنت للأوطان والمدن. أما أزمة الحرب اللبنانية الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً، فكانت وجودية: رفضت أن ينقسم صوتها كما انقسم لبنان، ورفضت الغناء في بيروت الشرقية أو الغربية، وعندما تأكدت من وضع الحرب أوزارها، وقفت في ساحة الشهداء عام 1995 لتغني للمدينة الموحدة. يترك المؤلف سؤالاً مفتوحاً حول صمتها إزاء ثورات العالم العربي، مائلاً لتفسير الصمت كموقف سياسي واعٍ لتجنب الانقسام، أو كحس فني خالص لا يريد أن تلوثه السياسة.
يقرّ المؤلف بتحفظات واضحة في مواضع متفرقة: فهو يعتمد أحياناً على ذاكرته الشخصية ولقاءاته، كما في حالة كروان. كما يترك أسئلة مفتوحة حول صحة رواية تورط أم كلثوم في منع سعاد محمد من دخول مصر، وحول قاتل أسمهان الحقيقي. أبرز الحجج القابلة للنقاش هي التفسير السياسي المباشر لأفول جيل كامل من الفنانين، حيث يُلقي باللوم على النظام الشمولي البعثي، وهو حكم قيمي واضح قد لا يتفق معه الجميع، لكنه متماسك مع منطق الكتاب العام. كما أن رسم صورة أم كلثوم كسلطة قمعية تجاه منافساتها، رغم أنها تبدو مستندة إلى روايات غير مؤكدة، يعكس نزعة الكاتب إلى تبنّي السردية التراجيدية التي تجعل من المطربات الشاميات ضحايا في كل الاتجاهات.
Personnes
Chapitres(6)
1.الفصل الأول: أسمهان (١٩١٢ - ١٩٤٤): مغامرة الروح المتمرّدة!17–60▼ résumé
يقدّم هذا الفصل سيرة حياة المطربة السورية أسمهان (1912-1944)، مع التركيز على التناقضات والغموض الذي أحاط بها كفنانة وامرأة. يرى المؤلف أن سيرة أسمهان هي اختزال أمثل لسير مطربات بلاد الشام التراجيدية، حيث يصبح الفن الرفيع ضحية للآلام الشخصية والتجاذبات السياسية والصراعات العائلية تحت سطوة الشهرة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن أسمهان كانت "مغامرة روح متمردة"، عاشت حياة قصيرة وصاخبة ومليئة بالمجد، لكن موتها الدراماتيكي الغامض أضفى ألقاً تراجيدياً على صورتها الخالدة بصوتها الاستثنائي.
يبدأ الفصل بنهاية أسمهان المأساوية، حيث غرق سيارتها في ترعة رأس البر في صيف عام 1944 أثناء تصوير فيلمها الأخير "غرام وانتقام" مع يوسف وهبي. يصف كيف استخدم المخرج موتها الحقيقي لإنقاذ الفيلم، بإضافة مشهد لجثتها ملفوفة بالكفن بعد انتشالها من الترعة، وجعل النهاية التراجيدية تحاكي الواقع، مما حقق للفيلم نجاحاً جماهيرياً منقطع النظير حضر عرضه الأول الملك فاروق ومنح يوسف وهبي لقب البيكوية. ثم ينتقل الفصل إلى استعراض التناقض في سيرتها، بدءاً من تاريخ ميلادها الذي تختلف فيه الروايات بين عامي 1911 و1912 و1917، ويشير إلى أن الاسم الحقيقي لها هو إيميلي أو آمال وليس أسمهان، التي كانت ترى أنها اسم مستعار تخفي به كبرياء أسرتها.
يسرد الفصل طفولة أسمهان وهجرتها مع عائلتها من جبل العرب في سوريا إلى بيروت ثم إلى القاهرة هرباً من الثورة السورية ضد الفرنسيين. يقدّم روايتين متناقضتين عن ظروف العيش: الأولى تقول إن العائلة عانت الفقر والحاجة لدرجة أن أسمهان أرسلت لتستعير مالاً من الزعيم عبد الرحمن الشهبندر الذي لم يعطها سوى ريال واحد. الرواية الثانية، التي يقدمها ابن شقيقها عماد الأطرش، تنفي الفقر تماماً وتؤكد أن العائلة استقبلها سعد زغلول بأكرم وفادة. يوضح الفصل أن الباحثة الأمريكية شريفة زهور قدمت رواية متوازنة تؤكد أن العائلة عانت الحاجة فعلاً، وأن الأم علياء المنذر عملت في غسيل الثياب والخياطة لإعالة أطفالها، مما يعطي مصداقية لرواية محمد التابعي.
يتناول الفصل مسيرة أسمهان الفنية وصراعاتها العائلية، فبعد أن بدأت الغناء في ملهى ماري منصور في شارع عماد الدين وهي صغيرة، تزوجت عام 1934 من ابن عمها الأمير حسن الأطرش وعادت إلى سوريا لمدة ست سنوات وأنجبت ابنتها كاميليا. عادت إلى القاهرة وتعاقدت مع محمد عبد الوهاب في أوبريت "قيس وليلى" وفيلم "انتصار الشباب" مع شقيقها فريد الأطرش، وتزوجت عرفياً من المخرج أحمد بدرخان. ثم تزوجت من المخرج أحمد سالم لتحل مشكلة إقامتها، لكن الزواج انتهى بمحاولة سالم قتلها في حادث شهير. يذكر الفصل أجورها التي قاربت 11 ألف جنيه عن فيلمها الأخير، متجاوزة أجور أم كلثوم وليلى مراد.
يصل الفصل إلى ذروته في الحديث عن انعطاف عام 1941 في حياة أسمهان، حيث تورطت مع الاستخبارات البريطانية كجاسوسة بمهمة إقناع عشائر الدروز بقيادة زوجها الأمير حسن بالانضمام إلى الحلفاء لطرد قوات فيشي من سوريا ولبنان. يصف الفصل نجاح مهمتها، وموكبها في شوارع دمشق المحررة على جواد برفقة زوجها، وجلوسها خلف الجنرال شارل ديغول في حفل تكريمه. لكن الفصل يروي أيضاً ترددها وعودتها إلى حياة البذخ في فندق الملك داود في القدس، ثم انقلاب الحلفاء عليها بعد أن شكت الأسرار وثارت الشكوك حول بذخها. ويشير إلى محاولة سفرها إلى تركيا للاتصال بالنازيين، مما أدى إلى توقف القطار وإعادتها قسراً إلى بيروت.
ينتهي الفصل بالتساؤل عن قاتل أسمهان، مذكّراً بأن الصحفي سعيد الجزائري أحصى ست جهات متهمة، منها القصر الملكي والملكة نازلي والمخابرات البريطانية وحتى شقيقها الأكبر فؤاد. يورد الفصل حكماً سريعاً في قضية موتها أدان السائق بشهرين حبساً فقط. ثم ينتقل للحديث عن المقارنة الشهيرة بين أسمهان وأم كلثوم، حيث يرى الناقد صميم الشريف أن أسمهان هي الوحيدة التي هزت عرش أم كلثوم، وأن أم كلثوم عاقبت الملحن محمد القصبجي برفض ألحانه بعد موت أسمهان. يستشهد الفصل بتحليل الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي التي ترى أن أم كلثوم كانت تمثل القيم القومية والعادلة، بينما كانت أسمهان رمزاً للأنوثة الجريئة والحاضر الملئ بالرغبات الهوجاء.
يختتم الفصل بقصة الصحفي سليم اللوزي عن "قصر أسمهان" الغامض في لبنان، الذي بناه مليونير أرمني امتنعت أسمهان عن قبول ثمن مساعدتها له، وأهداها القصر الذي لم تعش فيه. وأخيراً، يقدم الفصل نظرة أخيرة من المخرج الراحل نبيل المالح، الذي يرى أن مأساة أسمهان الحقيقية هي أنها كانت حصاناً جامحاً عاشقاً للمغامرة، ثائرةً على كل المسلّمات، وأن إشكاليتها التراجيدية هي صداماتها الداخلية المستمرة التي تجددت حتى بعد موتها، حين حاولت عائلتها إلغاء اسمها الفني واستبداله بالأميرة آمال، بينما بقيت هي أيقونة سورية بامتياز وروحاً حرة استثنائية.
3.الفصل الثالث: فايزة أحمد (١٩٣٤ - ١٩٨٣): شجنُ الحياة والفن!79–108▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على سيرة المطربة السورية فايزة أحمد (1934-1983)، ويحاول رسم صورة متكاملة لمسيرتها الفنية والشخصية، مركزاً على التناقض بين طبيعتها الانفعالية وطيبة قلبها، وبين النجاح الفني الكبير الذي حققته والمآسي التي عاشتها في حياتها الخاصة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن مفتاح فهم شخصية فايزة أحمد وفنها يكمن في علاقة الجدل بين شجن الحياة (الذي تجسد في زيجاتها الفاشلة ومعاناتها العائلية) وشجن الفن (الذي جعل منها أيقونة غنائية خالدة). يوضح الفصل أن موهبتها كانت عزاءها الوحيد، وأن فنها أنصفها حين رفعها إلى مصاف النجوم، وحين تحول إلى قوة دعم مادية ومعنوية في حياتها.
يبدأ الفصل بتأكيد أصولها السورية، متصدياً للآراء التي ادعت أنها لبنانية الأصل. يذكر أن اسمها الحقيقي هو فايزة بيكو، وأنها ولدت في دمشق عام 1934 في حي شعبي. يعود سبب التباس هويتها إلى أن والدتها حرصت على نسبها إلى زوجها الثاني تجنباً للتمييز. ينتقل بعدها إلى الحديث عن شغفها المبكر بالغناء، فمنذ سن الثامنة أدركت أن الغناء يحتاج إلى تعلم، فأتقنت العزف على العود بعد أن باعت والدتها سوارها الذهبي الوحيد لشراء آلة العود لها. في لبنان، آمن بها المسرحي علي العريس وحاول تقديمها، لكن إصرارها على غناء الأغاني الصعبة كأغنية أم كلثوم قادها إلى الفشل في البداية، قبل أن تنجح بأغنية سنتين وتلاتة.
يواصل الفصل سرد مسيرتها الفنية من خلال "إعادة اكتشاف الموهبة"، حيث يصف رفض الملحن شفيق شبيب لها في البداية قبل أن يعترف بموهبتها بعد ثلاث سنوات حين سمعها تغني في إذاعة حلب. هذا التتابع في الاكتشافات يتكرر مع الملحن السوري محمد محسن الذي رفضها أولاً ثم غير رأيه بعد سماعها عبر الإذاعة، ولحن لها موشحاً دينياً وأغنية أخرى. يخلص الفصل إلى أن مفتاح نجاحها لم يكن فقط الصبر والمران، بل فهمها العميق للأغاني والإحساس بها، وهو ما تجلى في نجاحها الكبير بأغنية يا جارتي ليلى للمطربة الفلسطينية ماري عكاوي.
يتناول الفصل أيضاً النشاط الوطني والقومي لفايزة أحمد، من خلال تطوعها أثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وتفاصيل مشاركتها في التدريبات مع النساء المتطوعات. يؤكد أن حسها الوطني كان عفوياً، وأنها لم تكن غائبة عن المد القومي الذي هز الشارع السوري. ثم ينتقل إلى هجرتها إلى مصر، ويشرح أن ذلك لم يكن تخلياً عن هويتها المحلية، بل بحثاً عن أفق أكبر، وظلت تُلقب بـ "المطربة الشامية" في الوسط الفني المصري، وكانت لهجتها الشامية تنفلت في لحظات الغضب دليلاً على حنينها إلى جذورها.
يخصص الفصل مساحة كبيرة للدراما العائلية لفايزة أحمد، والتي تمثلت في زيجاتها السبع. يسرد تفاصيلها بدءاً من زواجها الأول في لبنان عام 1955، ثم زواجها الثاني بضابط سوري، ثم الثالث والرابع والخامس، وصولاً إلى زواجها الأخير من الملحن محمد سلطان الذي لحن لها نحو 150 أغنية. يقدم الفصل تحليلاً عميقاً لهذه الزيجات، مبرزاً أنها كانت تبحث دائماً عن زوج ورفيق للمشوار الفني، لكن معظم هذه العلاقات انتهت بالفشل بسبب تدخل الأزواج في عملها أو سعيهم للسيطرة على مواردها المادية. يذكر الفصل حكايتها مع رفضها لتلحين أول أغنية لها في مصر، والتي أصرت أن يلحنها محمد الموجي بدلاً من فؤاد حلمي، مما أدى إلى مشادة، لكن الأغنية أنا قلبي إليك ميّال حققت نجاحاً كبيراً.
يتناول الفصل حضورها السينمائي في سبعة أفلام بين عامي 1960 و1968، حيث لم تكن البطلة المطلقة إلا في فيلم واحد، وكان دورها غالباً البطلة الثانية أو ضيفة شرف. يذكر قصة خلافها مع المنتج رمسيس نجيب حول استخدام صوتها في فيلم الوسادة الخالية لعبد الحليم حافظ، وكيف تنازلت عن القضية بعد اتصال من عبد الحليم نفسه، مما يكشف طبيعتها الانفعالية التي تنطوي على طيبة. يختتم الفصل بالحديث عن إرثها الفني، الذي تميز بالغناء للعائلة وللأم في أغنية ست الحبايب، وتأكيده على أن شجنها الفني نبع من تراجيديا عذابها الشخصي. ينهي الفصل بذكر وفاتها في 20 سبتمبر عام 1983 إثر إصابتها بمرض السرطان. ضمن حدود الفصل، يمكن الإشارة إلى أن المؤلف يطرح فكرة أن إصرار فايزة أحمد على أغانيها الصعبة في بدايتها كان خطأً، في حين أن موهبتها الفطرية كانت هي التي تطورت مع الوقت.
4.الفصل الرابع: كروان (١٩٣٢ - ٢٠٠١): سيدة الأغنية الشعبية الشامية109–134▼ résumé
يقدّم هذا الفصل سيرة ذاتية شاملة للمطربة السورية كروان (جميلة نصور)، التي عاشت بين عامي 1932 و2001، ملقّبة إياها بـ"سيدة الأغنية الشعبية الشامية". الموضوع المحوري هو تتبع مسيرتها الفنية من البدايات الصعبة حتى ذروة الشهرة، والتحديات الشخصية التي واجهتها، ثم الأفول التدريجي الذي عاشته مع تغير المشهد الفني والإعلامي في سورية. يقدم المؤلف كروان كحالة نادرة لموهبة فطرية صقلتها مؤسسة فنية رصينة هي إذاعة دمشق، ثم هُملّت مع انهيار تلك المؤسسة وتسلط النظام الشمولي.
يبدأ الفصل بتأسيس السياق التاريخي، فيذكر انفصال الإذاعة السورية عن مديرية البريد عام 1947 وإطلاق برنامج "من نشوة الماضي" للموسيقار مصطفى هلال عام 1944، الذي دوّن وسجّل حوالي 300 أغنية من التراث الشامي. هنا تظهر كروان كفتاة كانت جزءاً من "الكورس" في تلك التسجيلات، قبل أن يكتشفها مصطفى هلال ويطلق عليها اسمها الفني. ثم يتوقف الفصل عند التحدي الأكبر في حياتها: ولادتها بتشوّه خلقي نادر تمثّل في غياب عظمة الأنف. يستعين المؤلف بنص للأديب عادل أبو شنب يصف كيف تحولت هذه العقدة إلى قصة نجاح عندما سافر بها أحد المعجبين المغتربين إلى الولايات المتحدة لإجراء عملية تجميل، وهو ما شكل محطة فارقة في حياتها.
بعد ذلك، يتناول الفصل تبلور شخصيتها الفنية عبر محطتين رئيسيتين. الأولى هي التحاقها بـ"أكاديمية إذاعة دمشق" التي أسسها فخري البارودي عام 1949، حيث تعلمت العزف والنوتة الموسيقية على يد أساتذة كبار. المحطة الثانية هي لقاؤها الحاسم بالملحن الدمشقي عدنان قريش عام 1957، والذي شكل مع الشاعر الشعبي حكمت محسن ثنائياً أنتج لها أشهر أغانيها مثل "زين يابا"، و"دخيلو ربك"، و"شدولي الهودج"، و"ياه يمة وانا عالعين" التي لاقت رواجاً هائلاً في الخمسينيات. يبرز الكاتب هنا وظيفة هذا التعاون في ترسيخ مكانة كروان كمطربة شعبية أصيلة، ونقل الأغنية الشعبية الدارجة إلى آفاق جديدة من الانتشار.
ثم يوسع الفصل دائرة الحديث عن صيت كروان العربي، فيذكر تعاونها مع عمالقة اللون الشعبي من خارج سورية. يقدم لها فيلمون وهبي أغنيتين، وتغني مع الأخوين رحباني في اسكتشات لإذاعة دمشق. وفي الأردن، يقدم لها الشيخ توفيق النمري أغنيتها الخالدة "يا طير الخضر". كما يحاول الملحن المصري الشاب آنذاك بليغ حمدي تقديم أغنيتين لها باللهجة المصرية، لكن المؤلف يرى أن هذه التجربة لم تضف لرصيدها بقدر ما أضافته أعمالها الشامية، معتبراً أن فهم شخصية كروان الفنية يتطلب تخصصاً في الأغنية الشعبية الشامية. يذكر الفصل أيضاً أنها غنت للقضايا القومية، فكانت تُلقب بـ"مطربة الشموس"، وأشهر أغانيها الوطنية كانت لمصر أثناء العدوان الثلاثي ومنها "من عمرك يا بلادي حرة".
يتوقف الفصل مطولاً عند رحلتها إلى أمريكا أواخر عام 1960 لإجراء عملية الأنف واستمرار إقامتها هناك لخمس سنوات. لا يقدمها المؤلف كمجرد رحلة علاج، بل كمحطة فنية مهمة، إذ أقامت حفلات وسجلت أسطوانات لشركة "علم فون" في نيويورك، ولُقبت هناك بـ"أم كلثوم المهجر" لغناءها للجاليات العربية. يستشهد بمقال من مجلة "هنا دمشق" عام 1962 تصحح موعد عودتها إلى 1962 وتصور حفاوة الاستقبال التي لاقتها، وتعهدها بالعمل في التلفزيون السوري الناشئ.
في القسم الأخير، ينقلب السرد من سرد النجاح إلى رثاء الأفول. يوضح المؤلف كيف أن كروان وغيره من نجوم جيلها "غابوا وهم على قيد الحياة" بعد تحوّل الإعلام السوري في الستينيات. مع صعود النظام الشمولي البعثي، توقفت سياسة الإنتاج الفني الراقي، واستُبدلت الوجوه والألحان لتخدم ذائقة السلطة الجديدة، وتحولت النقابة إلى أداة حزبية أمنية. أصبحت أغاني كروان نادرة على التلفزيون والإذاعة، ولم يعد لها دور يذكر إلا في مناسبات التكريم، مثل تكريمها في مهرجان الأغنية السورية بحلب عام 1999 حيث مُنعت من الغناء الحي. يختتم الفصل برحيلها الهادئ في 16 نيسان 2001 عن 69 عاماً، دون أن تتزوج أو تنجب، ومعيشتها على راتب تقاعدي متواضع من الإذاعة التي صنعتها.
يقرّ المؤلف بتحفظات واضحة، فهو لا يخفي أن السرد يعتمد جزئياً على ذاكرته الشخصية و لقاءاته معها (كما في لقاء حلب 1988). كما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول دور كروان بعد الستينيات، موضحاً أن غيابها لم يكن باختيارها بل بفعل تغيير النظام وقيمه. الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي التفسير السياسي المباشر لأفول جيل كامل من الفنانين، حيث يلقي باللوم كله على النظام الشمولي، وهو حكم قيمي واضح من المؤلف قد لا يتفق معه الجميع، لكنه متماسك مع المنطق العام للفصل.
5.الفصل الخامس: سعاد محمد (١٩٣٦ - ٢٠١١): مطربة ترثي نفسها...135–160▼ résumé
سعاد محمد (1936-2011): مطربة ترثي نفسها
يسلط هذا الفصل الضوء على سيرة المطربة اللبنانية سعاد محمد، منذ نشأتها المتواضعة وحتى رحيلها، مقدمًا إياها كواحدة من أبرز الأصوات الغنائية في بلاد الشام، لكنها في الوقت نفسه نموذج للفنانة التي عانت من الظلم الاجتماعي والفني، وافتقرت إلى الحظ والقدرة على المنافسة في وسط فني قاسٍ. الإجابة المحورية التي يطرحها الفصل هي أن سعاد محمد، رغم امتلاكها صوتًا استثنائيًا وإحساسًا عاليًا، بقيت "ترثي نفسها" طوال حياتها، بسبب ظروف عائلية قاهرة، وشخصية مسالمة، ونقص في الحنكة الفنية والقدرة على تسويق ذاتها، مما جعلها تعيش في ظل أم كلثوم ولم تستطع الانفلات من هيمنتها الفنية.
يبدأ الفصل بقصة غريبة وجذابة، حيث نشرت مجلة الكواكب المصرية عام 1945 موضوعًا للصحفي اللبناني سليم اللوزي بعنوان مثير: "سعاد محمد تلتجئ إلى دمشق وتطلب الجنسية السورية". يصف الكاتب الفنانة بأنها تعيش في رعب وخوف وبؤس، وقد هربت من بيروت مع زوجها بعد صراعات عائلية، ووجدت في دمشق ملاذًا آمنًا. تقدمت بطلب الجنسية السورية، وعاشت في ضاحية متواضعة متخفية، رغم أنها استمرت في الغناء على مسارح سورية وشاركت في أحداثها الوطنية، كاحتفالات الجلاء وحرب تشرين عام 1973، حين غنت "زغردي يا شام" من ألحان رياض السنباطي.
ينتقل الفصل إلى سرد تفاصيل نشأتها في منطقة تلة الخياط في بيروت، بتاريخ ميلاد تختلف فيه الروايات بين عامي 1933 و1936. تنحدر من عائلة لبنانية محافظة، وتيتمت في سن مبكرة، ورثت صوتها الجميل عن والدها. بدأت الغناء في سن السابعة، وكانت تتسلق سور المنزل لسماع جارها الشرطي إبراهيم علوان يعزف، وتختبئ في الخزانة لتنشد أغاني أم كلثوم. واجهت رفضًا شديدًا من والدتها وأعمامها، لكن شقيقها مصطفى كان سندها الوحيد ومشجعها.
بعد الغناء في مسارح وملاهي بيروت دون الخامسة عشرة، التقت بالملحن الكبير زكريا أحمد في بيت المطربة صباح، فأطربه صوتها. لكن التحول الحقيقي كان في دمشق، حيث تعرفت على الملحن السوري محمد محسن الذي لحن لها أول أغانيها الخاصة عام 1948، مثل "دمعة على خد الزمن" و"ليه يا زمان الوفا" و"مظلومة يا ناس"، كلها من كلمات الشاعر محمد علي فتوح الذي أصبح زوجها لاحقًا. هذه الألحان صعدت بها إلى الصف الأول في بلاد الشام.
يخصص الفصل جزءًا مهمًا لفيلم "فتاة من فلسطين" عام 1948، وهو أول فيلم عربي يتناول النكبة. أخرجه المصري محمود ذو الفقار الذي اختار سعاد محمد بطلة له. يعرض الفصل قصة الفيلم الميلودرامية، معتبرًا أنه استغل القضية الفلسطينية تجاريًا. فشلت سعاد في التمثيل ونجحت في الغناء، إذ غنت ألحانًا لـ رياض السنباطي وكارم محمود ومحمد سلمان، ومنها "يا مجاهد في سبيل الله". تجربتها السينمائية الثانية كانت في فيلم "أنا وحدي" عام 1957 مع المخرج هنري بركات، وأغنيته الشهيرة من الحان السنباطي.
يتناول الفصل قضية المنع من دخول مصر، حيث يذكر الناقد صميم الشريف أن أم كلثوم استشعرت خطرًا منافسة سعاد محمد، فاستعانت بمعارفها لتلفيق حادثة تهريب مجوهرات في مطار القاهرة، مما أدى إلى ترحيلها ومنعها من دخول مصر. يترك الفصل مدى صحة هذه الرواية مفتوحًا، لكنه يرى أن خوف أم كلثوم كان مبالغًا فيه، لأن سعاد محمد كانت تفتقر للحنكة والقدرة على المنافسة، وظلت متأثرة بنمط الأداء الكلثومي حتى أن الجمهور كان يناديها "أم فؤاد" ويطلب أغاني أم كلثوم في حفلاتها.
يتحدث الفصل عن عودتها إلى مصر بعد إلغاء المنع عام 1959 إثر الوحدة مع سورية، وعن زيجاتها المتعددة: من الشاعر محمد علي فتوح (أنجبت منه 6 أولاد)، ثم من المهندس المصري محمد بيبرس (أنجبت منه 4 أبناء)، وأخيرًا من اللبناني أسعد مرعي. يستعرض الفصل موقف محمد عبد الوهاب الغريب منها، إذ رفض تلحين أغنية لها بحجة بحثه عن الكلمات المناسبة، وهو ما آلمها بشدة، بينما فسر الناقد إلياس سحاب ذلك ممازحة بأنه كان يجدها دائمًا إما خارجة من ولادة أو داخلة فيها.
على النقيض، كان رياض السنباطي داعمًا كبيرًا لها، معتبرًا صوتها الوحيد القادر على ملء فراغ غياب أم كلثوم. لحن لها قصائد خالدة لكبار الشعراء مثل أحمد رامي (أنا وحدي) وإبراهيم ناجي وأبي العلاء المعري. كما شجعها على تسجيل أعمال سيد درويش ومحمد عثمان، وأداؤها لدور "أنا هويت وانتهيت" رأى فيه النقاد تعبيرًا عن شخصيتها الفنية المستقلة. لكن ورثة سيد درويش رفعوا قضية ضدها ومنعوها من تسجيل أعمال أخرى.
يختتم الفصل بمناقشة أسباب عدم تحقيقها النجاح الأكبر، مشيرًا إلى قلة حيلتها في مواجهة الفن وأهله، وإصرارها على تقديم أغاني أم كلثوم في حفلاتها، مما حد من استقلاليتها الفنية. تعكس ابنتها نهاد فتوح التي اعتزلت الغناء هذا المصير، إذ لم تشجعها سعاد على الاستمرار خشية معاناتها نفس المصير. على الرغم من هذا كله، يؤكد الفصل على أن سعاد محمد تمكنت من إغناء التراث الغنائي العربي بنفائس القصائد والموشحات والأدوار، وصوتها وإحساسها ظلما جواز مرورها إلى تاريخ الغناء العربي، رحلت في 4 يوليو 2011 ودُفنت في القاهرة، تاركة سيرة تستحق التعاطف والاحترام لطموحها العفوي وعطائها الخلاق.
6.الفصل السادس: ربى الجمال (١٩٦٦ - ٢٠٠٥): الإهمال الذي قتل أجمل صوت غنائي سوري161–188▼ résumé
هذا الملخص للفصل السادس من كتاب "مطربات بلاد الشام" للكاتب محمد منصور، والذي يحمل عنوان «ربى الجمال (١٩٦٦ - ٢٠٠٥): الإهمال الذي قتل أجمل صوت غنائي سوري»، يتناول السيرة المأساوية للمطربة السورية التي تمتلك صوتًا استثنائيًا، ويركز على الفرضية المحورية التي يطرحها الكاتب: وهي أن قصة حياة وموت ربى الجمال ليست مجرد حكاية فردية، بل هي "أنموذج" لحال التعامل مع المواهب الاستثنائية في سورية، حيث يخلق مناخ عام يقتل المواهب ويدفعها للعزلة والاكتئاب، مما يضيع على الوطن فرصة الاغتناء بقدرات أبنائه النادرة. يقدم المؤلف إجابة واضحة ومباشرة: الإهمال المؤسسي والفني والإعلامي هو القاتل الحقيقي لأجمل صوت غنائي سوري.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءًا من تقديم هذه الفرضية الجريئة، حيث يقارن الكاتب بين الأثر الذي كان يمكن أن تحدثه ربى الجمال في وجدان سورية والأثر الذي تركه عمالقة مثل أم كلثوم وعبد الوهاب في مصر، أو فيروز ووديع الصافي في لبنان. ثم ينتقل إلى تفصيل مسيرتها الفنية، مستخدمًا شهادات خبراء كدليل على عظمة موهبتها. يصف الناقد الموسيقي صميم الشريف صوتها بأنه "خارق" من طبقة السوبرانو، وتبلغ مساحته "أربعة عشر مقامًا"، وهو ما يتجاوز بكثير الأصوات الجميلة المعروفة. ويورد الشاعر توفيق عنداني وصفها بأنها "صاحبة أجمل مساحة صوتية لسيدة غناء في الوطن العربي اليوم".
يتتبع الفصل حياة ربى الجمال المليئة بالمصادفات، بدءًا من ميلادها في حلب سنة ١٩٦٦، مرورًا بطفولتها الصعبة بعد وفاة والدتها، وانتهاءً باكتشافها فنيًا في لبنان قبل أن تعود إلى سورية. يخصص الكاتب مساحة كبيرة لتخصصها في أداء أغاني أم كلثوم، التي وجدت فيها التعبير الأمثل عن قدراتها الصوتية. يضرب مثالاً على ذلك بأمسيتها في دار الأوبرا المصرية عام ١٩٩٥ على هامش المؤتمر الرابع للموسيقى العربية، حيث غنت "إفرح يا قلبي" ووقف الحضور يصفقون لربع ساعة، وحصلت على كتاب شكر وتقدير. كما يشير إلى مشاركتها في مهرجانات قرطاج عام ١٩٩٤، حيث كتبت الصحافة التونسية أنها "صوت كلثومي عيار أربع وعشرين".
لا يقتصر الفصل على الجانب الكلثومي، بل يستعرض تألق ربى الجمال في الأغنية الوطنية، مثل قصيدة "لنا الأرض" للشاعر محمد عمران وألحان صفوان مبلوان، وقصيدة "عروس المجد" للشاعر عمر أبو ريشة. يوضح الكاتب كيف كانت تنتقل بالأغنية الوطنية من مستوى الأهزوجة إلى مستوى القصيدة التطريبية ذات الفخامة والعمق الحسي، وهو ما يعتبره دليلاً على ذائقتها الشعرية الرفيعة وقدرتها الفنية المتكاملة.
يصل الفصل إلى ذروته المأساوية في وصف "مهزلة الحفل الأخير" الذي أقامته في فندق إيبلا الشام بتصوير من التلفزيون السوري في ١٣ آذار ٢٠٠٥. يصف الكاتب، الذي حصل على تسجيل الحفل، التفاوت الكبير بين أداء ربى الجمال المليء بالتنويعات الطربية والفرقة الموسيقية ("ليالي الشرق") التي كانت عاجزة عن مواكبتها، مما دفع المطربة للاحتجاج الغاضب أمام الجمهور بعبارتها الشهيرة: "كل ما بدي سلطن بيطيرولي السلطنة". يتفاقم الموقف بانسحاب أحد العازفين أثناء الغناء دون أي رد فعل من قائد الفرقة ماجد سراي الدين، مما دفع ربى الجمال للتوقف عن الغناء بعد أن غنت مقطعًا قدريًا: "هالدمعة قسمتنا مكتوبة ع الميلاد... شمعة ورا شمعة عم تنطفي وتنقاد".
بعد الحفل، تصف الفصل تدهور حالتها النفسية التي أدت إلى نوبة هيستيرية، ثم طلب إدارة الفندق للشرطة لتهدئتها، ثم نقلها لمشفى الإمام الخميني في السيدة زينب، وأخيرًا عزلتها في بيتها بضاحية قدسيا حيث أصيبت بجلطة دماغية بعد يومين. يكشف الفصل عن تفاصيل الإهمال المهين، حيث كان يتم التفاوض مع نقابة الفنانين حول ما إذا كانوا سيقدمون لها مساعدة مالية أم لا، باعتبارها "غير نقابية". أمضت أسبوعًا في المشفى دون أن يطرق بابها أحد من "جهابذة النقابة أو التلفزيون"، إلى أن استنزفت تكاليف العلاج. توفيت ربى الجمال إثر نزيف دماغي في ١٢ نيسان ٢٠٠٥ في مشفى دوما، وهو مشفى في بلدة كبيرة بريف دمشق. كانت جنازتها فضيحة بكل المعايير، حسب وصف الكاتب، حيث لم يحضرها سوى عشرين شخصًا، ودفنت في قبر مجاني للغرباء تابع لجمعية أرمنية خيرية، بينما اكتفى نقيب الفنانين أسعد فضة بإرسال إكليل ورد. يشير الفصل إلى أن التهافت على إذاعة أغانيها بدأ بعد رحيلها، كتعبير عن "نوع مثالي من الوفاء النادر".
يعترف الفصل بوجود أقاويل وتبريرات حول مزاجية ربى الجمال الحادة، وحتى تعاطيها المهدئات، لكن المؤلف يدحض هذه الحجج بقوة. يرى أن مزاجيتها لم تمنعها من أن تكون في قمة التركيز الفني في حفلها الأخير، وأن ادعاء غياب وعيها لا يصمد أمام دقة احتجاجها الفني مع الفرقة. الحجة الأقوى التي يقدمها الكاتب هي المقارنة بين مصير ربى الجمال ومصير غيرها في بلد تسيطر فيه الدولة على كل شيء؛ فبينما تعتبر مزاجيتها "مشكلة"، فإن مزاجية "أولاد المسؤولين" التي تضيع الملايين ليست مشكلة، ويتم تقييدهم بأفضل المستشفيات. يطرح الكاتب سؤالاً بلاغيًا لاذعًا: هل يمكن لأحدهم أن ينقل إلى مشفى دوما إذا مرض؟ ختامًا، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش ومركزية وهي أن مأساة ربى الجمال ليست مجرد حادث فردي، بل هي نتاج حتمي لمناخ عام في سورية، يتحكم فيه حزب البعث والدولة بكل تفاصيله، ويصادر العمل الأهلي، ويجعل المعايير "خرقاء ظالمة لا تقيم وزنًا للاستثناءات". ترك الكاتب سؤالاً مفتوحًا حول المسؤولية المؤسساتية، داعيًا إلى اعتبار قصة ربى الجمال نموذجًا على التدمير المنهجي للمواهب.
7.الفصل السابع: فيروز (١٩٣٥): بين أزمات الفن وجدل السياسة!189–238▼ résumé
هذا الفصل من كتاب "مطربات بلاد الشام" للمؤلف محمد منصور يتناول الأزمات المتعددة التي واجهتها المطربة اللبنانية الأسطورية فيروز (واسمها الحقيقي نهاد حداد) طوال مسيرتها الفنية الممتدة لأكثر من ستة عقود، مركزاً على الجدل السياسي الذي أحاط بها رغم محاولاتها المستمرة للابتعاد عن التجاذبات الحزبية. السؤال المحوري الذي يجيب عنه الفصل هو: كيف استطاعت فيروز أن تحافظ على صورتها كفنانة وطنية جامعة، وما هي طبيعة الأزمات التي واجهتها نتيجة لهذا الموقف، سواء على الصعيد السياسي أو الفني أو الشخصي؟
يسير الفصل زمنياً وموضوعياً، مستعرضاً سلسلة من الأزمات الكبرى. يبدأ المؤلف بأحدثها زمنياً وهو الجدل الذي أثاره ابنها زياد الرحباني في خريف عام 2011، حين زعم في مقابلة أن والدته معجبة بـ حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وهو ما اعتبره البعض دعماً لحزب الله في ظل دوره في سوريا. يعود زياد في مطلع عام 2016 ليطلق تصريحاً أكثر غرابة، مدعياً أن فيروز معجبة بـ ستالين وهتلر والقذافي. يوضح المؤلف أن فيروز التزمت الصمت تجاه هذه التصريحات، بينما سارعت ابنتها ريا الرحباني إلى نفيها واصفة إياها بـ"التركيبات الزيادية". هذا المشهد يضع فيروز في موضع دفاعي رغم سعيها الدائم للترفع عن السياسة.
ينتقل الفصل بعدها إلى أزمة سياسية كبرى في عام 2004، حين لبّت فيروز دعوة الأمانة العامة لـ دمشق عاصمة ثقافية لتقديم مسرحيتها "صح النوم". هذا القرار أثار موجة انتقادات حادة في لبنان، خاصة بعد خروج الجيش السوري منه، حيث اتهمها سياسيون مثل وليد جنبلاط بخدمة مصالح الاستخبارات السورية. ورغم ذلك، أصرت فيروز على إحياء الحفل أمام 10 آلاف شخص. يكشف المؤلف عن تفصيل مهم لم يذكره الكثيرون: أن فيروز اعتذرت عن قبول وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى الذي كان بشار الأسد يود منحها إياه.
يستعرض الفصل بعدها أقدم الأزمات السياسية التي عاشتها فيروز، وتحديداً في مطلع عام 1966 مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. كان من المقرر أن تغني فيروز بحضور بورقيبة خلال زيارته للبنان، لكن خلافاً نشب حول مكان الحفل. رفض عاصي الرحباني إقامة الحفل في "مسرح فينيسيا" لكونه مسرحاً ليلياً لا يصلح لعروضه الفنية المتقنة، وطالب بمسرح لائق مثل "اليونيسكو" أو "بيت الدين"، لكن الحكومة رفضت طلباته. بلغت الأزمة ذروتها حين قال مسؤول حكومي: "اديروها على العشاء"، وهو ما رفضه عاصي رفضاً قاطعاً معتبراً أن فيروز لا تغني على موائد العشاء في القصور. نتيجة لذلك، ألغيت الحفلة، وأصدر رئيس الوزراء اللبناني آنذاك الحاج حسين العويني قراراً شفهياً بمنع بث أغاني فيروز من الإذاعة اللبنانية لمدة سبعة أشهر. وتكشف مجلة "الأسبوع العربي" عن حوار حاد مع العويني الذي قال: "حلوا عني أنتم وفيروز". يخلص المؤلف إلى أن هذه الأزمة كرست قيمة فنية عليا لفيروز، إذ لم تغنِ لزعيم أو رئيس قط، بل غنت للأوطان والمدن.
بعد السياسة، ينتقل الفصل إلى الأزمات الفنية الشخصية. يذكر أن فيروز عانت في بداياتها في مطلع الخمسينيات من أجر زهيد في الإذاعة اللبنانية، ومن خجل شديد جعلها تخاف من مواجهة الجمهور والظهور على المسرح. تشير مجلة "الصياد" في عددها الصادر بتاريخ 1 كانون الأول 1951 إلى أن عيب فيروز الوحيد هو خجلها، ويتنبأ لها بأنها ستحتل مكان الصدارة. ثم تأتي أزمة أكثر عمقاً بعد إصابة عاصي الرحباني بجلطة دماغية في 21 أيلول 1977، مما شكل صدمة نفسية كبيرة لها. لكنها تجاوزتها بالفن، وغنت له من ألحان ابنها زياد "سألوني الناس عنك". يلي ذلك أزمة البحث عن "اللحن البديل" بعد انفصالها الفني عن عاصي ومنصور. طرقت فيروز باب محمد عبد الوهاب الذي اعتذر بدبلوماسية، وتجربتها مع فيلمون وهبي وابنها زياد، وأخيراً مع رياض السنباطي في مطلع التسعينيات الذي لحن لها ثلاث قصائد لم تقدمها أبداً لجمهورها، وبقيت ألحانه شاهداً على صعوبة إيجاد بديل يضيف لها جديداً بعد الرحابنة.
أما أزمة الحرب اللبنانية الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً، فكانت أزمة وجودية بالنسبة لفيروز. رفضت أن ينقسم صوتها كما انقسم لبنان، ورفضت الغناء في بيروت الشرقية أو الغربية أثناء الحرب. قدمت نموذجاً استثنائياً بالبقاء في الوطن رافضة عروضاً للعيش في الخارج. وعندما تأكدت من وضع الحرب أوزارها، وقفت في ساحة الشهداء في بيروت عام 1995 لتغني للمدينة الموحدة. كذلك يتعرض الفصل لهجوم تشهيري من الناقد الأدبي جهاد فاضل الذي نشر مقالاً في جريدة "الراية" القطرية عام 2014، تطرق فيه لتفاصيل شخصية عن زواجها من عاصي واصفاً إياها بأوصاف جارحة. وبعد رحيل منصور الرحباني في مطلع 2009، نشبت أزمة مع ورثته الذين حاولوا منعها من غناء تراث الأخوين رحباني على مسرح "كازينو لبنان" في تموز 2010، مما أثار اعتصامات حاشدة تحت شعار "لا لمنع السيدة فيروز من الغناء".
أخيراً، يذكر الفصل زوبعة "المال والويسكي" التي أثارها رئيس تحرير مجلة "الشراع" حسن صبرا في مقال بتاريخ 5 تشرين الأول 2015 بالتزامن مع عيد ميلادها الثمانين، زاعماً أنها "عدوة الناس وعاشقة المال والويسكي ومتآمرة مع الأسد". هذه الاتهامات الشخصية أثارت عاصفة من الغضب، لدرجة أن رئيس الوزراء الأسبق د. سليم الحص أدلى بتصريح قوي دافع فيه عن فيروز، معتبراً الإساءة إليها إساءة للبنان والوطن العربي بأكمله. في الختام، يعترف المؤلف بأن الغموض التقليدي الذي فرضته فيروز على حياتها الشخصية وغيابها الإعلامي جعلها عرضة لهذه الهجمات. لكنها واجهتها بالصمت والجلد، مانحة الصمت معنى الرد البليغ. ويترك السؤال مفتوحاً حول موقفها الغامض مما يشهده العالم العربي من ثورات، رغم أنها غنت طويلاً في مسرحياتها للثورة على الظلم. ما يبرز في هذا الفصل هو حجة قابلة للنقاش: هل كان صمت فيروز نابعاً من موقف سياسي واعٍ لتحاشي الانقسام، أم كان مجرد انعكاس لشخصيتها المنعزلة وحسها الفني الخالص الذي لا يريد أن تلوثه السياسة؟ الكاتب يميل إلى التفسير الأول، واصفاً إياها بأنها نموذج استثنائي للتسامي عن الجدل العقيم.
Analyse & mots-clés
Lieux
Événements