
حوادث دمشق اليومية - البديري الحلاق
حوادث دمشق اليومية للبديري الحلاق ليس كتاباً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو يوميات شخصية دوّنها حلاق دمشقي عاش في منتصف القرن الثامن عشر. الموضوع المحوري للكتاب هو توثيق الحياة اليومية في دمشق تحت الحكم العثماني، مسجلاً بصرامة كل ما يراه ويسمعه من أحداث، من تغير الولاة والحروب إلى أسعار الخبز واللحم، ومن الوفيات والكوارث الطبيعية إلى الجرائم والفتن بين الفصائل. لا يدافع البديري عن موقف سياسي واضح، بل يقدم صورة فوتوغرافية قاسية لمجتمع يعاني تحت وطأة الغلاء، الفساد، العنف، وهشاشة الأمن، مع إيمانه العميق بأن هذه المحن هي قضاء الله وقدره.
تسير حجة الكتاب، إن جاز التعبير، عبر التسلسل الزمني للسنة تلو الأخرى، فكل فصل يمثل سنة هجرية كاملة يبدأها المؤرخ غالباً بذكر أول المحرم. المنطق الذي يربط الأجزاء هو ببساطة مرور الزمن، حيث تتعاقب الأحداث دون ترابط سببي صارم، غير أن السرد المتكرر يكشف عن دورة لا تنتهي من الأزمات: يصل والٍ جديد ويعد بالخير، ثم تندلع فتنة بين الإنكشارية والقبقول أو الدالاتية، وترتفع الأسعار، ويشتد الغلاء، وتموت شخصيات بارزة، وتضرب المدينة الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والجراد، ثم يموت الوالي أو يُعزل، ويأتي والٍ آخر لتتكرر الحلقة. هذا التكرار هو في حد ذاته رسالة ضمنية عن استمرارية المعاناة وعدم جدوى تغيير الأشخاص دون تغيير النظام.
أما الأرقام والوقائع اللافتة فمنتشرة في كل صفحة. ففي سنة 1155 هجرية، يروي البديري تفاصيل حصار سليمان باشا العظم لقلعة طبرية التي كان يتحصن فيها الظاهر عمر، وكيف انتهى الحصار بالصلح بعد دفع عشرة أكياس من المال. وفي نفس السنة، يسجل مقتل متسلم دمشق على يد عرب الزبيد في حوران، وعودة جثمانه في حالة مهينة. أما سنة 1156 فتميزت بغلاء فاحش بلغ فيه رطل الضأن خمسة وعشرين مصرية، ثم بوفاة سليمان باشا فجأة أثناء حصار طبرية ليخلفه أسعد باشا العظم. ويسجل المؤرخ أيضاً وصول سلخور من الدولة صادراً أموال سليمان باشا الراحل بعد تعذيب حرمه وخدمه، وعثوره على خمسة وعشرين كيساً من القمح كان الدفتردار قد احتكرها.
سنة 1159 هجرية كانت سنة الدم والفتن بامتياز. يصف البديري كيف استولت الدالاتية على القلعة، ثم كيف حاصرهم أسعد باشا في سوق ساروجا وحوّله إلى ساحة حرب بالمدافع، فخرجت المحلة كومة رماد. وفي نفس السنة، أمر الباشا بإعدام فتحي أفندي الدفتردار وأعوانه ورفع رؤوسهم على الرماح، مع أن المؤرخ يقر بأن القضاء على هذا الرجل الفاسد لم يحل مشكلة الغلاء التي استمرت بشدة. وثمة أرقام مروعة للأسعار وردت في هذا الفصل: رطل اللحم بنصف قرش، وأوقية الجبنة بثلاثة مصاري، وأوقية الزبدة بثمانية مصاري. وفي سنة 1160، يصف البديري طوفاناً عظيماً دخل ماؤه منتصف الليل بقوة لم يسمع بمثلها، حيث غطى حجر تاريخ القلعة وارتفع في الأسواق طول قامة رجل، وأتلف أموالاً لا تعد. ثم يروي حادثة غدر بشعة حين نزل عسكر الباشا على ضيعة درزية استقبلتهم بالترحاب، فانقضوا عليهم وقتلوا الرجال واعتدوا على النساء وحرقوا القرية.
في سنة 1161، تدون اليوميات حادثة صادمة: شجار صغير بين الأشراف وجماعة القبقول تطور إلى فتنة كبرى قتل فيها ثلاثة من الأشراف وضرب المئات. أما الحدث الأضخم فكان حرباً طاحنة في الميدان بين الدروز والعسكر، انتهت بنهب وتسعمائة دار وتحويل الميدان إلى "قاع صفصف". سنة 1162 تميزت بأزمة خبز حادة حيث قفز سعر الرطل من ثمانية مصاري إلى عشرين مصرية، وسجل المؤرخ مقارنة صادمة: في طرابلس بلغ رطل الخبز عشرة مصاري بينما في غزة والرملة وصل إلى عشرين. ومن الطريف في هذه السنة قصة عزل قاضي الشام بعد أن طلق زوجته غضباً وظهر في حالة هياج ظنها أعداؤه سكراً، رغم شهادة المؤرخ له بالاستقامة. وفي سنة 1163، يخصص البديري مساحة واسعة لعمارة دار أسعد باشا (السرايا المشهورة)، ويصف كيف هدم الباشا كل ما وجده في طريقه من الخانات والدور والدكاكين، بل أرسل أعواناً يقلعون البلاط وأحجار المرمر من أي مكان، حتى تعطلت سقاية الجوامع والحمامات بسبب تحويل ماء القنوات إلى السرايا.
أما الفصل الأكثر هولاً في الكتاب فهو فصل سنة 1171 هجرية، حيث يروي البديري كارثة الحج الشامي التي لم يسمع بمثلها. خرج موكب الحجيج متأخراً، فهاجمهم العرب بقيادة قعدان الفايز في منطقة القطرانة، ونهبوهم وشلحوهم وأسروا النساء، وجردوا أسعد باشا نفسه من كل شيء حتى خاتمه. بقي الحجاج نحو أربعة عشر يوماً في العراء جوعى وعطشى حتى شربوا أبوال بعضهم، ومات الكثير منهم. ولم يكتفِ العام بهذه الكارثة، بل اجتاح الطاعون دمشق، ثم جاء عبد الله باشا الشتجي والياً جديداً فحارب الإنكشارية في الميدان وهزمهم، لكن قواته انقلبت على المدينة ونهبتها بشكل ممنهج، وأحصي نحو أربعة وعشرين ألف دار تعرضت للنهب. ويختم المؤرخ فصله بوفاة الشيخ أحمد خطيب الجامع الأموي، كأنها إيذان بنهاية حقبة مظلمة.
يقر البديري في مواضع متعددة بحدود معرفته، مستخدماً عبارات مثل "فلم يعلم أحد" أو "لم يُعلم قاتله" أو "ليس واقفاً على حقيقته" بسبب التغيرات السريعة. وفي بعض الأحيان، يعترف بأن بعض الأخبار نقلت له على وجه غير الذي رواه، مما يدل على حرصه على الأمانة التاريخية رغم تعدد الروايات. أما الأسئلة المفتوحة فكثيرة، فهو يترك الجرائم بدون حل، والقضايا بدون خاتمة، كما يعترف بأن القضاء على فتحي أفندي الفاسد لم يحل أزمة الغلاء، وأن المذبحة التي ارتكبها أسعد باشا في سوق ساروجا لم تؤد إلا إلى استقرار ظاهري، وكأنه يطرح السؤال ضمنياً: هل المشكلة في الأشخاص أم في النظام نفسه؟
ما يجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش هو التناقضات التي يكشفها المؤرخ دون أن يحاول تبريرها. فأسعد باشا العظم الذي يمدحه البديري كوزير عادل حليم صاحب خيرات هو نفسه من هدم معالم دمشق لبناء قصره، وأحرق سوق ساروجا، وأباد الدروز بوحشية، واغتصبت قواته النساء في الضيعة التي استقبلتهم بالترحاب. هذا التناقض يعكس ازدواجية السلطة العثمانية التي تجمع بين التدين الظاهر (فأسعد باشا حج أربع عشرة سنة متوالية وفرش الجامع الأموي) والوحشية المطلقة. كما أن انحياز المؤرخ واضح عندما يصف القبقول بأنهم "ملعونون" ويصف ظلم الحكام بأنه "دجل"، لكنه في المقابل يثني على الحكام الذين يبنون المساجد ويعمرون القنوات، مما يعكس دوره كصانع صور لا مجرد ناقل.
خلاصة القول إن حوادث دمشق اليومية ليست مجرد يوميات عادية، بل هي وثيقة بشرية بالغة الأهمية تصرخ من تحت الركام لتخبرنا أن المواطن العادي في أي عصر يظل رهينة لصراعات النخب وتقلبات الأسواق وقسوة الطبيعة. البديري الحلاق لم يكن مؤرخاً بالمعنى الأكاديمي، بل كان عيناً على الشارع، ولساناً لحال البسطاء. كتابه يذكرنا بأن التاريخ الحقيقي لا يُكتب في القصور، بل في الحارات والأسواق.
Personnes
Chapitres(11)
2.سنة 11555–10▼ résumé
في سنة 1155 هجرية، الموافقة لأحداث هذا الفصل من مذكرات البديري الحلاق، تدور الوقائع حول مدينة دمشق وما جاورها، محورها الرئيس هو تولي سليمان باشا العظم منصب الوزارة والحكم، وما رافق ذلك من أحداث أمنية وعسكرية واقتصادية. يقدم المؤرخ صورة يومية دقيقة لتلك السنة، مسجلاً تقلبات الحكم، وحوادث العنف، وغلاء الأسعار، وصولاً إلى الحملات العسكرية.
يبدأ الفصل بتسجيل دخول سليمان باشا العظم إلى دمشق في يوم السبت، الرابع من شهر صفر من سنة 1155 هجرية (الموافق أول آذار). يصف المؤرخ حالة من الفوضى سبقت وصول الباشا، حيث "لغطت الأراذل بالقول والفعل" وتأخر وصول الفرمان الرسمي بتعيينه. ثم ينتقل المؤرخ إلى سرد سلسلة من الأحداث الإدارية والعسكرية: في 22 جمادى الثانية، عقد الباشا ديواناً جمع فيه الأعيان وطلب منهم تسليم "الزرباوات" (وهو مصطلح يطلقه المؤرخ على المفسدين من الإنكشارية). عندما رفض رؤساء الميدان تسليمهم، أعلن الباشا أن دماء ستة عشر شخصاً منهم مهدورة، مما أثار فرحة الناس، لكن سرعان ما هرب عدد من الإنكشاريين وسادت الفوضى من جديد. كما أمر الباشا بطرد "الموصلية والبغادة والقبقول" من المدينة ظناً منه أنهم يثيرون الفتن.
يتطرق الفصل إلى أبرز الأحداث العسكرية، وهو حصار سليمان باشا لقلعة طبرية التي كان يتحصن فيها الظاهر عمر. يصف المؤرخ الحصار بالتفصيل: في 3 رجب، خرج الباشا من دمشق على رأس جيش كبير ضم "دالاتية" وعساكر من نابلس وعرب بني صخر وغيرهم، وضرب الحصار على القلعة. يصف المؤرخ شدة الحصار وقطع المؤن عن المحاصرين حتى "ضاقت عليهم الدنيا". لاحقاً، يروي المؤرخ كيف تولى علي آغا مهمة الصلح بين الطرفين، واصفاً إياه بأنه رجل وقور كبير السن. يورد المؤرخ تفاصيل مثيرة عن دخول علي آغا إلى القلعة، حيث استقبله الظاهر عمر والمشايخ بالبكاء وقبلوا قدميه. انتهى الحصار بالصلح، حيث دفع المحاصرون مبلغاً من المال (عشرة أكياس) وطلبوا العفو، فعفا عنهم الباشا، وأرسل ابن الظاهر عمر معه إلى دمشق بعد أن أمر بهدم القلعة.
في السياق الاجتماعي والاقتصادي، يسجل المؤرخ "اشتداد الغلاء في سائر الأشياء"، خصوصاً الأغلال، مما جعل الجزارين يذبحون "الغنم الجبلي والجمل والمعزى" بسبب عدم توفر الغنم الشامي. يورد المؤرخ أرقاماً توضح الغلاء: رطل اللحم الشامي أصبح بثلاثين مصرياً، بينما وصل رطل السمك إلى ... ويشير إلى أن السلطات فشلت في ضبط الأسعار. كذلك، يصف المؤرخ دخول شهر رمضان في سنة 1155 هجرية، فكان هلاله يوم الاثنين، وأشعلت القناديل في المآذن، وضربت المدافع إعلاناً للإثبات.
يسجل الفصل أيضاً سلسلة من الوفيات لأعيان دمشق في شهر شوال من نفس السنة، منها وفاة السيد عبد الله بن عجلان نقيب الأشراف، ووفاة السيد علي أفندي عن النقابة، ووفاة الشيخ محمد بن عبد القادر عن مشيخة السادة الشافعية، ووفاة الشيخ محمد العجيلي الذي يصفه المؤرخ بالصلاح والكرامات (كان يدعو للمرضى فيشفون). وكذلك وفاة زوجة المؤرخ نفسه في ليلة 11 شوال، واصفاً إياها بأنها من العابدات القائمات بنوافل الليل.
يختتم الفصل بحادثة دامية هي مقتل متسلم دمشق على يد "عرب الزبيد". يصف المؤرخ كيف خرج المتسلم على رأس عسكر لقتال هذه القبائل العاصية في منطقة حوران، لكن العرب هاجموه وقتلوه وقتلوا جماعة كبيرة من جنده. عند وصول الخبر إلى دمشق، عملوا ديواناً ونادوا منادياً يدعو للغارة على القتلة، فخرجت الإنكشارية والسباهية، وعين حسين آغا بن القعليفان نائباً في المدينة. عاد الجيش بجثمان المتسلم في حالة مهينة، مما جعل المؤرخ يختم المشهد بعبارته المعتادة "وهي في حالة عبرة من اعتبر".
في نهاية الفصل، يورد المؤرخ بعض التحفظات، حيث يقر بأن بعض الأخبار (مثل تفاصيل صلح طبرية) نقلت له على وجه غير الذي رواه، مما يدل على حرصه على الأمانة التاريخية رغم تعدد الروايات. كما أن الفصل يترك قضايا مفتوحة مثل عدم اكتمال العقاب على قتلة المتسلم، واستمرار حالة الغلاء، مما يعكس طبيعة السرد اليومي غير المنغلق.
3.سنة 115611–19▼ résumé
ملخص فصل «سنة 1156» من كتاب "حوادث دمشق اليومية" للبديري الحلاق
يدوّن المؤرخ البديري الحلاق أحداث سنة 1156 هجرية، وهي سنة حافلة بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دمشق. يبدأ الفصل بوصف حالة الشتاء القاسية التي استمرت خمسة وأربعين يوماً من الثلوج والأمطار الغزيرة، ثم ينتقل إلى تسجيل سلسلة من الحوادث المترابطة التي تظهر تقلبات الحكم، وغلاء الأسعار، والصراع على السلطة، والموت المفاجئ للولاة.
يسير الفصل بتسلسل زمني تقريبي، فيبدأ بتسجيل غلاء فاحش في الأسعار مع بداية السنة الجديدة، حيث بلغ رطل لحم البقر عشرين مصرية، ورطل الجاموس بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الضأن بخمسة وعشرين مصرية، ورطل الزيت بمصريتين. هذا الغلاء لم يسبق له مثيل وطال أمده.
ثم ينتقل المؤرخ لذكر الحوادث المتعلقة بركب الحج الشريف وعودته بسلام، قبل أن يسجل وفاة شخصيات بارزة، مثل السيد عبد الباقي الحبال رئيس حرفة الدباغين، والشيخ أمين أفندي الخراط، والشيخ عبد الرحمن الحلاق القادري، والشاب فخر الدين بن الصديقي.
يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف فرحة عظيمة أقامها الوالي سليمان باشا العظم بمناسبة طهور ولده أحمد بك، حيث استمرت سبعة أيام بلياليها، ازدانت فيها أسواق الشام بالشموع والزينة، واشتملت على مواكب وملاعب ورقص وغنائية بمشاركة اليهود والنصارى، وأطعم فيها الناس حسب طبقاتهم، وأنعم على أولاد الناس بالبدلات والذهب.
بعد الفرح، يسجل المؤرخ عملاً عمرانياً بارزاً لسليمان باشا وهو ترميم وتجديد قناة ماء كبيرة، وهي عمارة لم يسبقه إليها أحد منذ أيام تيمورلنك، ودام العمل فيها أربعين يوماً، وأطلق الماء لأهل دمشق فكان يوم إطلاقه كالعيد. وقد أرخ بعض الأدباء هذا الحدث شعراً.
ثم تتحول الأحداث إلى منحى درامي باندلاع فتنة وغلاء شديدين، حيث هجمت العامة على أفران الخبز بسبب كثرة الغلاء وقلة التفتيش، فتدخل الوالي بشدة على الطحانين والخبازين لتحسين جودة الخبز. وفي 7 جمادى الثانية، يخرج سليمان باشا لقتال الظاهر عمر، حاكم قلعة صفد وطبرية، بجيش قوامه سبعة آلاف مقاتل. تتخلل الحملة معارك، وأسر أمير، وسلب لإبل القافلة، وأخبار عن استيلاء الخارجي سليمان باشا بن حسن باشا ووالي بغداد على قلعة دير حنا.
يصل الخبر إلى دمشق في السابع من شعبان بأن سليمان باشا العظم قد توفي فجأة إثر مرض أصابه أثناء حصار طبرية. يصف المؤرخ جنازته ودفنه بجوار ولده في باب الصغير، ويمدحه كوزير عادل حليم صاحب خيرات. في المقابل، يقوم فتحي أفندي الدفتردار ومن معه باضطهاد أنصار الباشا الراحل وتعذيبهم وسجنهم.
يصل بعدها والٍ جديد هو أسعد باشا العظم الذي دخل دمشق في 25 شعبان ودخل معه عسكره على الدورة، وعاد الاستقرار النسبي واستقر الخبز بسعر خمسة مصاري. لكن يظل السعر غير ثابت، ويقع شجار بين تابع للدفتردار والنقيب السيد علي أفندي، مما يثير غضب الأشراف والعامة ويضطر القاضي للتدخل.
يسجل الفصل حوادث مأساوية كقتل رجل فقير ووضع فلوس على صدره، وانتحار شيخ يدعى الشيخ محمد الدقاق رمياً بالرصاص في بطنه يائساً من سوء الأوضاع. ثم يصف غلاءً جديداً بعد سفر الباشا للحج، حيث وصل رطل الخبز لخمسة مصاري ورجع القمح بثلاثين قرشاً، وضجت العامة ورجموا القاضي دون جدوى.
يقدم المؤرخ أيضاً أخباراً عن وصول سلخور (رسول) من الدولة مصادِراً أموال سليمان باشا العظم، حيث قام بتعذيب حرمه وخدمه والمعماريين المسيحيين ليعرفوا مكان الأموال المخبأة تحت الأرض، وكان مما وجده خمسة وعشرين كيساً من القمح اشتراها الدفتردار بثمن بخس ليحتكرها. ثم ينهي المؤرخ الفصل بوصف مصادرة عشوائية لمتاع المتوفى، ويقرّ بأن بطش الله ينتظر الظالمين.
يقر المؤرخ بحدود معرفته، إذ يستخدم تعابير مثل "فلم يعلم أحد" أو "ما يُحصى" أو [يحتاج تحققاً] عند عدم التيقن من عدد أو كمية. ويترك أسئلة مفتوحة حول فعالية التدخلات التسلطية لضبط الأسعار واستمرار دورة الغلاء والاضطراب مع تغير الولاة. أخيراً، يمكن القول إن الفصل يُظهر بوضوح أن دورة الغلاء والأزمات الاجتماعية في دمشق كانت مرتبطة بشكل وثيق بشخصية الحاكم وطريقة إدارته، وأن الخير والشر فيها يعودان إلى إرادة فردية متقلبة، مما يجعل حياة الناس رهينة صدف تبدل الحكام.
6.سنة 115923–29▼ résumé
يصف هذا الفصل من مذكرات البديري الحلاق سنة 1159 هجرية في دمشق بأنها سنة من الفتن والعنف والغلاء والاضطراب، تخللتها محاولات من الحاكم أسعد باشا العظم لفرض السيطرة، وكشفت عن صراعات عميقة بين الفصائل العسكرية والطبقات الحاكمة. الموضوع المحوري هو انهيار الأمن والنظام، وكيف استخدم الحاكم القوة المفرطة لاستعادة السيطرة، لكن على حساب إغراق المدينة في الفوضى والفساد.
يبدأ الفصل بحادثة عنف مبكرة: هجوم العامة على قاضٍ، ونهب محكمته، وإحراقها، مما اضطر القاضي للحلف ألا يسكن خارج القلعة. ثم ينتقل المؤلف لتسجيل ارتفاع حاد في الأسعار وقلة الأمطار، فيُذكر أن رطل البيض صار بنصف ثلث قرش، وأوقية السمن بنصف قرش، وغرارة القمح بخمسة قروش، مما زاد في شقاء الناس.
يمضي الفصل في سرد سلسلة من الكوارث: هلاك شخصية فاسدة يُدعى مصطفى ابن القباق، الذي كان يحتكر القمح ويتمنى الغلاء. وعندما حاولوا دفنه، وجدوا في قبره ثعباناً عظيماً، كما عُثر في تركته على مئة غرارة سمسم وكميات ضخمة من القمح، رفض بيعها للناس، فبُعت تركته بعد موته بمئة ألف. ثم يروي الفصل قدوم موكب الحج بسلام بقيادة أسعد باشا، لكن سرعان ما تتحول الأحداث إلى كارثة حين يطلب الباشا من "الدالاتية" (قوات جبلية) القدوم إلى دمشق، مما يثير غضب الإنكشارية الذين يعتبرون ذلك خرقاً للاتفاقات السابقة.
تتطور الأحداث بسرعة: في يوم الاثنين عشرين صفر من السنة المذكورة، بينما الناس في صلاة العصر، قامت الدالاتية بالاستيلاء على القلعة، مما تسبب في إغلاق المدينة وذعر الناس. يخطط أسعد باشا بحيلة، فيطلب من الدالاتية التوجه إلى سوق ساروجا بدعوى أنهم سيطرقون باب القبلة، ثم يأمر عسكره بإعلان الأمان ثم مباغتة الدالاتية في السوق. تتحول المنطقة إلى ساحة حرب تُستخدم فيها المدافع، وتُنهب وتُحرق البيوت، وتُقترف فظائع من قتل وتمثيل، حتى تصبح محلة سوق ساروجا كومة رماد.
بعد هذه المذبحة، يشن الباشا حملة اعتقالات واسعة بمساعدة مشايخ الحارات والأئمة، فيأمر بضرب أعناق المتمردين أمام باب السرايا وترك جثثهم تأكلها الكلاب عبرة للناس. تنتشر الفوضى في أحياء أخرى مثل الميدان، حيث يُهدم بيت زعيم المتمردين ابن حضري ويُحرق. ينجح الهجوم، ويهرب ابن الدرزي إلى عرب ابن كليب، ويهرب ابن حمزة نحو طبريا متحالفاً مع الظاهر عمر، ويلجأ أولاد القلطقجي إلى الجبل. وتكون الخسائر في صفوف بيت حسن تركمان كبيرة بقتل خمسة رجال من وجهائهم، منهم مرزا بيك وبيوك اغا.
في خضم هذه الأحداث، يروي الفصل حادثة أخرى: إرسال أسعد باشا عسكراً إلى بعلبك، حيث يُقبض على ثمانية أعيان ويُسلبون. وتكشف تفاصيل لاحقة عن صراع على النفوذ بين الباشا وفتحي أفندي، دفتردار الشام. يُظهر الباشا لفتحي أفندي فرماناً بقتله، فيُظهِر فتحي أفندي الطاعة لكنه يبيت نية الفرار. ومع ذلك، يقبض الباشا على فتحي أفندي وحزنداره عثمان وأعوانهم، ويعدمهم ويضبط أموالهم للدولة العلية. يصف البديري فتحي أفندي بأنه كان غشوماً بغيضاً، ذا أتباع مشهورين بالفساد وشرب الخمر وهتك الأعراض، ويتهمه المؤلف بالفساد العلني وعدم مراعاة الصغير أو الكبير. بعد القضاء عليه، تفرج الشدائد عن دمشق، ويُرفع رأس فتحي أفندي وأعوانه على الرماح والأعلام في الأسواق والسرايا.
بالرغم من القمع، يظل الغلاء قائماً بشدة، ويسرد الفصل قائمة مهولة بالأسعار: رطل اللحم بنصف قرش، أوقية الجبنة بثلاثة مصاري، أوقية الزبدة بثمانية مصاري، أوقية الطحينة بخمسة مصاري، الباذنجان الرطب بثمانية مصاري، الكوسا بأربعة مصاري. ويذكر المؤلف أن هذا الغلاء لم يُشهد له مثيل منذ سبعة سنين، وأن الأسواق تكاد تخلو من البضائع، والحكام لا يفتشون على التجار الجشعين.
في ختام الفصل، يدعو أسعد باشا أكابر دمشق وأعيانها ليطلب منهم إحضار القمح، ويكشف لهم أنه يعلم بوجود مخزون كبير ويهددهم، فيحضرون له كميات ضخمة من القمح يُباع على السعر الواقع، لكن الغلاء ما زال مستمراً. وينتهي الفصل باستعراض شعر للبديري يتأسف على حال دمشق ويستذكر أيام عزها، ويختم بذكر وفاة حاكم المدينة السابق في بغداد، مؤكداً دورة الصراع والفساد المستمرة.
يقرّ المؤلف بحدود معرفته في بعض التفاصيل، مثل قوله "قلت: وقد سبق ذلك" عند ذكر نشوب ثعبان في قبر، مما يشير إلى أنه يروي ما سمعه. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول جدوى القوة الغاشمة في تحقيق الأمن، بنقله لشعر يأسف على الحال، ثم وصفه أن المدينة بعد القمع "صارت كقدر مسكور" أي مستقرة ظاهرياً فقط. هناك حجة قابلة للنقاش واضحة في النص: يعرض البديري أن القضاء على فتحي أفندي وأعوانه لم يحل مشكلة الغلاء والفساد، بل استمرت نفس الأزمات تحت حكم الباشا نفسه، مما يشير إلى أن المشكلة كانت هيكلية في نظام الحكم وليس مجرد فساد أفراد.
7.سنة 116030–37▼ résumé
في الفصل المخصص لسنة 1160هـ، يقدم المؤرخ البديري الحلاق سجلاً يومياً مختزلاً لأهم الأحداث التي هزت دمشق خلال هذه السنة. المحور الرئيسي للفصل هو حالة الاضطراب والصراع على السلطة، والكوارث الطبيعية التي حلت بالمدينة، وتفشي الفساد والغلاء، وذلك في ظل حكم الوالي أسعد باشا العظم. الإجابة التي يقدمها المؤرخ هي أن هذه السنة كانت مليئة بالمحن المتتالية، من سيول مدمرة إلى غارات قبائلية، وانتشار الجراد، وصراعات دامية بين الفرق العسكرية.
يسير الفصل بتسلسل زمني تقريبي، فيبدأ بحادثة مالية حيث يطلب أحد الأصناف من الباشا مبلغاً قدره اثنا عشر ألف قرش، فيرد الباشا بأنه لا فائدة من الطلب لأن من بيده المال قد تركه عند الله وذهب. ثم ينتقل إلى ذكر وفيات وتوليات، مثل وفاة القاضي مصطفى أفندي زاده في ليلة الثلاثاء التاسعة والعشرين من شهر رجب، وتولي ولده مكانه، وقدوم محمد أفندي كـ دفتردار في أول جمعة من شهر شعبان. كما يسجل الفصل ثبوت شهر رمضان ليلة الاثنين، وخروج الوالي أسعد باشا ومعه أمير الحج في سابع شوال قاصداً الحج الشرقي، وخلال غيابه ظهرت فئة تسمى الدالاتية وهم الأشقياء الذين أفسدوا في الأرض واعتدوا على الناس، واشتد أمرهم بعد أن استجلب عبد الله الترك آغة الدالاتية المطرود جماعته وقوى شوكتهم، واستمر هذا الفساد طيلة غياب الباشا.
يصف الفصل بالتفصيل كارثة طبيعية كبرى تمثلت في طوفان عظيم حدث في ليلة الاثنين خامس محرم الموافق لأول كانون. دخل الماء إلى دمشق منتصف الليل بقوة لم يسمع بمثلها من القدم، حيث غطى الماء حجر تاريخ القلعة وارتفع في أسواق المدينة طول قامة رجل. يروي المؤرخ أنه دخل إلى قهوة المناخلية بعد انصراف الماء فوجده في أعلى مساطبها أكثر من ذراع. تسبب السيل في إتلاف أموال لا تعد ولا تحصى، وهدم أماكن كثيرة وتركها بلاقع، وأضر بالبهائم والأرواح. كما يذكر الفصل قدوم باكير شاه مع أسعد باشا من الحجاز، وأقام في الشام شهرين ثم سار إلى إسلامبول مجهول السبب.
أما الصراعات الاجتماعية فكانت على أشُدها. فقد زاد الدالاتية من الاعتداءات وخربوا البلاد والقرى، مما دفع الوالي بعد عودته إلى إصدار أمر بإبادتهم والمناداة بأن دمهم مهدور، لكن القضية لم تنته. وفي سياق الصراع القبلي، حدثت واقعة بين عرب عتزة وعرب الرشاء شارك فيها الأكراد، وانتصرت عتزة وسلبت الغنم والجمال والنساء. ويذكر الفصل أن عدد الغنم كان كثيراً لا يعلم عدده إلا الله، وأن العديد من القتلى سقطوا من الطرفين، وأن أسعد باشا ساعد العرب في إدخال الغنم إلى الشام في وقت كان يعاني فيه أهل دمشق من غلاء معيشي شديد، وأكل الذرة والشعير. كما امتلأ الفصل بذكر الجراد الذي أتلف الزرع بشكل مفرط، مما تسبب في كرب عظيم، فاضطر الباشا لفرض ضرائب على الأراضي، وأمر بدفن الجراد في المقابر وحفر الآبار، لكن المحاولات باءت بالفشل. ازدادت الأمور سوءاً مع انتشار أعمال التفحيط والفسق، وقيام نساء بتجمعات ليلية في الأسواق.
يتعرض الفصل أيضاً لحادثة مريعة تتعلق بامرأة تدعى السماوية، اتهمت بخطف الأولاد بالاحتيال. خاف الناس واجتمعوا وقبضوا عليها، وأحضروها إلى القاضي الذي أمر بتفتيشها ومنزلها. لم يجدوا معها سوى لعب أطفال وخرق عتيقة، وشهد جيرانها بأنها امرأة فقيرة، فأطلقت. كما يتحدث عن جفاف وقحط وغلاء فاحش، حيث وصل رطل الخبز إلى ستة مصاري ثم ارتفع. في خضم هذه الأزمات، خرجت النساء والأطفال ضمن مواكب دينية إلى جامع المصلى وباب السرايا، داعين لرفع البلاء والجراد، ولكن دون جدوى. أصدر الباشا أوامره للإنكشارية والسباهية بحشد عشرة أنفار من كل قرية لجباية الغلال، وأمر أفران الخبز بالعمل، وجاءه فرمان بالتحرك مع باشا صيدا وطرابلس لقتال الدروز، مما زاد خوف الناس من ضرائب جديدة.
يمضي الفصل في وصف حملة عسكرية شنتها قوات أسعد باشا على الدروز، حيث دارت معركة طاحنة. قاد الباشا حملته بنفسه، ودارت الحرب في جبال الدروز، وأظهر الباشا قسوة شديدة، حيث صادر الغلال ومنع وصولها إليهم، وأمر بإحراق القرى ونهبها. وفي لحظة تاريخية، يروي المؤرخ حادثة غدر بشعة، حيث نزل عسكر الباشا على ضيعة درزية، استقبلهم أهلها بالترحاب والضيافة، فاستغل الجنود ذلك وانقضوا عليهم بالسيوف، وقتلوا الرجال، ونهبوا الأموال والمصاغ، ثم هجموا على النساء وبناتهم، واعتدوا عليهن، وأحرقوا القرية وتركوها خراباً. عندها، لجأ الباشا إلى استشارة محمد باشا صيدا الذي نصحه بالصبر والكف عن القتال خوفاً من غضب الدولة، لكن أسعد باشا أصر على رأيه بتدمير الدروز. أرسل باشا صيدا سراً إلى الدولة يطلب إبعاد أخيه عن تدبير الأمر وفشلت مساعي الصلح، وعاد الباشا إلى الشام وهو يضمر الغضب، وبقيت الأمور معلقة.
في ختام الفصل، يذكر المؤرخ بعض الأحداث المتنوعة، كوفاة الشيخ عبد الرحيم بن الإسطنبولية، وقصة وصول فرمان جديد بقتال الدروز وإبادتهم، ثم هجوم أسعد باشا على الدروز في منطقة البقاع وقتل جماعة منهم وأسر آخرين ونهب أموالهم. وفي يوم الاثنين سابع شعبان، أمر الباشا الدالاتية والأطلية بالتوجه إلى البقاع وتصفية من فيها. كما يصف حفل زفاف كبير لابن الشيخ إبراهيم، حيث أمروا بتزين الأسواق بالقناديل وشعلت منائر الجامع الأموي. ثم ينتقل الفصل إلى ذكر أخبار خارجية، مثل وفاة أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد، الذي قيل إن الدولة أرسلت له فروة مسمومة فلبسها ومات. ويروي تفاصيل ثورة الإنكشارية عليه، وكيف طالبوه بعلاواتهم فرفض، فحاصروه في القلعة وأخرجوه منها، فلجأ إلى فارس. ومن ثم تعيين والٍ جديد للعراق.
على الرغم من الطابع اليومي للسرد، فإن الفصل يثير أسئلة حول مصداقية الروايات الشفوية التي يعتمد عليها المؤرخ، خاصة في الحوادث الأخلاقية والقتال. كما يُظهِر الفصل تذبذب المؤلف بين الإعجاب بحزم أسعد باشا في قمع الفساد، وبين الاستنكار الصريح لفعلته الوحشية مع الدروز ونهبهم واغتصاب نسائهم، مستشهداً بقصة الضيعة كمثال على الإجرام، ومختتماً بقوله "حسبنا الله ونعم الوكيل". الفصل يؤكد أن العام كان محنة متصلة بالغلاء، الطوفان، الجراد، الفتن، والصراع الدموي على السلطة بين الباشا وأعدائه، تاركاً القارئ مع صورة كئيبة لواقع دمشق في ظل حكم عثماني مضطرب.
8.سنة 116138–43▼ résumé
في الفصل المُعنون «سنة 1161» من كتاب "حوادث دمشق اليومية"، يروي البديري الحلاق أحداث سنة كاملة بتفصيل يومي. المحور الرئيسي للفصل هو سجل متتابع للكوارث الطبيعية، الاضطرابات الاجتماعية، أعمال العنف، والمآسي التي عصفت بمدينة دمشق في تلك السنة. لا يقدم المؤلف إجابة نظرية أو تحليلاً، بل يكتفي بتوثيق الأحداث كما وقعت، ليرسم صورة قاتمة لمجتمع يعاني من الغلاء، الجفاف، الفتن، وظلم الحكام.
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، مبتدئاً من محرم سنة 1161 هجرية. يبدأ المؤلف بذكر غلاء فاحش في الأسعار: بلغت غرارة القمح عشرين قرشاً، ورطل الخبز خمسة مصاري، والأرز عشرة مصاري، والدخان أربعة مصاري. كما يسجل شحّ الأمطار وقلة الزرع، حيث صار قوت الناس يقتصر على القمح والشعير. يذكر أيضاً أمراً من أسعد باشا حاكم الشام بتثبيت سعر العملة، فصار كل تسعة مصاري بقرش، وكل ستة مصاري نصف قرش. يمر الفصل على وفاة الشيخ بلال ودفنه في باب الصغير، وعودة قافلة الحجاج التي قدم أولها في شعبان.
يتخلل الفصل سلسلة من جرائم القتل المروعة. يُسجل مقتل محمد أغا ابن الزرحلي (كاتب العري في باب الخسل) في ربيع الثاني. وتُروى قصة طويلة عن شجار بين الأشراف (وهم من نسل الرسول) وأفراد من جماعة تُدعى "القبقول". يصف المؤلف كيف أن حادثة صغيرة (ضرب شريف بطبنجة) تطورت إلى فتنة كبيرة، حيث قام الأشراف بمسيرة احتجاجية وقتال أدى لمقتل ثلاثة منهم، وتم ضرب مئات منهم. يظهر أسعد باشا محاولاً احتواء الموقف في ديوانه، ثم يسلم البلد لجماعة القبقول، وهو ما يراه المؤلف خديعة. يصف ظلماً متصاعداً ضد الأشراف، حيث يُلقى القبض على بعضهم، ويُقيدون ويُرفعون للقلعة. يروي المؤلف أيضاً قصة غلام تركي وفتاة عشقته، فنذرت إن شفي لتقيم له مولداً عند الشيخ أرسلان، وفعلت ذلك بموكب حاشد، لكن الأعوان قبضوا على الغلام. حوادث قتل عشوائية أخرى تذكر، كرجل ذُبح في فراشه في زبدين، ورجل قُتل في بستانه في الصالحية، وقصة مغربي بوّاب قتل صاحب بستان ثم قُتل بدوره.
يُسجل الفصل أحداثاً طبيعية استثنائية، أبرزها كسوف الشمس في رجب حتى أظلمت دمشق ورأى الناس النجوم نهاراً، فصُلّيت صلاة الكسوف في الجامع الأموي. تلت ذلك غارات بدوية عديدة: غارة على جمال في القدم، وغارة الدروز على قرية بيت سحم أخذوا منها المواشي والأمتعة. لكن الحدث الأضخم في الفصل هو حرب طاحنة وقعت في شعبان بين الدروز من جهة وعسكر المتسلم (نائب الحاكم) والجنود من جهة أخرى. يصف المؤلف بدقة مراحل المعركة: كيف بدأت بجمع الجنود وإطلاق المدافع، وكيف هجم العسكر على منطقة الميدان وأعملوا النهب والسلب والقتل. يُحصي الخسائر الفادحة: نهب وتسعمائة دار، ومن المستحيل إحصاء عدد الدكاكين التي سُلبت أو تهدمت. يصف المؤلف حالة الميدان بعد المعركة بأنها قاع صفصف، والقتلى مطروحون، والدكاكين خربة متهدمة، وأهل الميدان فارين ببقايا أمتعتهم إلى داخل المدينة والقنوات، ليختم وصفه بالحسرة قائلاً إن هذه المصيبة مما تشعر الأبدان وتشيب الولدان.
طوال الفصل، يقر المؤلف ضمنياً بضعفه كراوٍ لا يملك وسائل التحقق. يوثق ما رآه بعينه أو ما بلغه، مستخدماً عبارات مثل "بلغني" أو "قد رأيته بعيني". يترك العديد من الجرائم بدون حل، متسائلاً "ولم يُعلم قاتله" أو "ولم يُعلم من قتله". لا يقدم المؤلف تفسيراً لسبب كل هذه الأحداث سوى اعتبارها جزءاً من قضاء الله وقدره، مقتبساً الآية القرآنية "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..." في نهاية مأساة الميدان.
الفصل مكتوب ببرودتك تقريباً، لكنه ليس محايداً بالكامل. يستخدم المؤلف تعابير ذاتية واضحة، مثل وصف القبقول بأنهم "ملعونون"، ووصف ظلم أسعد باشا بأنه "دجل" وخديعة. حين يصف نهب الميدان، يتحول لغة الوصف إلى صرخة ألم صريحة. هذا الموقف الشخصي، رغم أنه يفسد الحياد الذي قد يطلبه قارئ حديث، هو نفسه الذي يعطي الفصل قوته كمصدر تاريخي. إنه يوثق ليس فقط ما حدث، بل كيف شعر الناس العاديون تجاه ما حدث. الفصل لا يقدم حججاً سياسية قابلة للنقاش، بل يقدم شهادة حية على معاناة مجتمع بأكمله تحت وطأة الغلاء، الجفاف، الفتن، والعنف المسلط من جميع الأطراف. يمكن القول إن قيمة الفصل تكمن في هذا السرد التفصيلي الصادم، وفي كشفه عن هشاشة الحياة اليومية في دمشق تحت الحكم العثماني، حيث الأمن نادر، والعدالة مفقودة في كثير من الأحيان، والموت حاضر في كل زاوية.
9.سنة 116244–48▼ résumé
يصف هذا الفصل من كتاب «حوادث دمشق اليومية» سنة 1162 هجرية (التي تبدأ في سبتمبر 1749 ميلادي تقريباً)، ويوثق أحداثها شهراً بشهر. المحور الأساسي هو المعاناة اليومية لأهل دمشق تحت وطأة الغلاء الفاحش، وانفلات الأمن، وتعسف الحكام، إلى جانب جملة من الكوارث الطبيعية والوفيات. يقدم المؤرخ البديري الحلاق صورة قاتمة لعام كان «كثير الأهوال والآلام»، كما يقول بنفسه في مستهل الفصل.
يبدأ المؤرخ السنة بالتفاؤل، داعياً الله أن تكون سنة مباركة، لكنه سرعان ما ينتقل إلى سرد المصائب. في اليوم الثاني من محرم، يموت شيخ المحدثين في دمشق، في إشارة إلى فقدان علم بارز. ثم يروي سقوط بيت في حارة العقيبة في صفر، مما أدى إلى مقتل جماعة من الناس. ويصف برداً قارساً في ربيع الأول دفع الناس لشراء الفحم برطل بخمسة مصاري، ويُطاف به في الأسواق. ثم يصل خبر قدوم أسعد باشا والي دمشق، والذي كان غائباً، فتُضرب المدافع فرحاً بعودته، لتوهم الناس خطأً أن معركة وقعت.
يتعمق السرد في أزمة الغلاء التي بلغت ذروتها. يرصد المؤرخ ارتفاع أسعار الخبز واللحم والفحم بشكل متدرج ومروع: رطل الخبز من ثمانية مصاري إلى عشرة، ثم اثني عشر، ثم خمسة عشر، ثم عشرين مصرية، بينما رطل اللحم يصل إلى ثمانية مصاري. ويقارن المؤرخ الأسعار في الشام بمناطق أخرى: في طرابلس بلغ رطل الخبز عشرة مصاري، وفي غزة والرملة وصل إلى عشرين مصرية. ويذكر أن غلاء طرابلس سببه فيضان أغرق أكثر من خمسمئة إنسان وماشية. وفي مشهد يعكس العجز الرسمي، يخرج المنادي ليعلن تسعيرة للخبز بأربعة مصاري للرطل، فيشتري الناس كل ما في البلد بهذا السعر المخفض، فيغضب أسعد باشا ويأمر بمعاقبة المخالفين وزيادة السعر مجدداً.
يصف الفصل حالة الفوضى الأمنية، حيث يقتل المتسلم (نائب الوالي) الناس من غير إثبات، فيصبح الخوف سيد الموقف، وتقوم العامة بالحراسة ليلاً. وفي حادثة أخرى، يسكر بعض الأتراك من حرس القلعة ويجرحون ثلاثة أشخاص يموتون لاحقاً من جراحهم. وفي سياق متصل، يذكر المؤرخ غارة لعرب طبرية على قافلة، قتلوا فيها أهاليها ونهبوا أغنامهم، ثم يوزعها أسعد باشا على القرى والجزارة.
يتخلل الفصل سيرة لشخصيات غريبة، كمثل الشيخ إبراهيم الذي كان يطوف الأسواق وينادي بأعلى صوته «يا عواص»، ونُسبت إليه كرامات، مثل أخذ اللبن من صاحبه وقلبه عسلاً. ويموت هذا الشيخ لاحقاً بإصابة في عينه. ويخصص المؤرخ مساحة لقصة قاضي الشام، السيد محمد أفندي بشمقجي، الذي يُعزل بعد حادثة طريفة ومثيرة. القاضي كان مقيماً في الصالحية، ولما حضر ضيوف، منعته زوجته من تقديم الطعام لهم بحجة أن ما عنده لا يكفي. وعندما علم بذلك من جاريته، ثار وغضب فوق العادة، وطلق زوجته، وجرد الخدم بالسلاح، ثم ركب إلى المحكمة في حالة هياج أظهرها أعداؤه سكراً. شكت زوجته المطلقة إلى الدولة العليا (الآستانة)، فجاء الفرمان بعزله، رغم أن المؤرخ يشهد له بالاستقامة والقناعة وعدم الرشوة، مما جعل أهل الشام يتألمون لعزله.
في رجب، ينادي الخبازون بتسعيرة جديدة: رطل الخبز الجيد بأربعة مصاري، والخشن بثلاثة، ورطل الشعير بمصرتين، فيفرح الفقراء. وتبدأ الشدة بالزوال تدريجياً، ويرتبط ذلك بعودة الأمور إلى نصابها بعض الشيء. ويختتم الفصل بذكر أن أسعد باشا أعطى الأمان لأبناء ابن شاويش وأبناء آخرين كانوا هاربين بسبب أعمال سابقة، مما يشير إلى استمرار الصراعات الداخلية وانتهائها بحلول سياسية. كما يذكر المؤرخ أن وقفة عيد الأضحى كانت في يوم السبت من تلك السنة.
في تحفظ واضح، يبين المؤرخ أن الرقم الذي يذكره لأسعار الخبز في الشام ليس يقينياً، فهو «ليس واقفاً على حقيقته» بسبب التغيرات السريعة. وهذا يدل على أمانته العلمية. كما أن حادثة عزل القاضي تطرح تساؤلاً عن مدى عدالة القرار، إذ يصف المؤرخ القاضي بأنه كان عفيفاً ونزيهاً، وأن عزله كان بدافع أغراض شخصية من أعدائه، مما يظهر الصراع بين السلطة الرسمية والواقع الاجتماعي، وبين صورة الرجل واستقامته الفعلية.
10.سنة 116349–55▼ résumé
يسجل هذا الفصل من يوميات البديري الحلاق أحداث سنة 1163 هـ في دمشق تحت ولاية أسعد باشا العظم. المحور الرئيسي هو سرد متقطع للحوادث اليومية التي تتراوح بين الوفاة والبناء والغلاء والجريمة والعجائب، دون تقديم أطروحة واحدة بل عبر رصد تفصيلي لحياة المدينة في عام واحد.
يبدأ المؤرخ بتحديد بداية السنة: غرة محرمها يوماً الخميس، ويصف حالة الغلاء والبرد المستمرة. ثم يسرد أسعار المواد الأساسية: رطل اللحم بأربعة مصاري، ورطل الفحم بنصف قرش، ورطل الدبس بثمانية مصاري، وأوقية السمن بخمسة مصاري. ويخلص إلى أن حال الناس في "تعب بال" ويسأل الله اللطف.
ينتقل بعدها إلى سلسلة من الوفيات البارزة. في منتصف محرم، توفي العالم الشيخ محمد العباس الكردي وكان يدرس في الجامع الأموي، ودفن بباب الصغير. وبعده بيومين توفي الشيخ عيسى إمام المقام الأول في محراب الشافعية بالجامع، وكان حسن الصوت لابساً ثياباً بيضاء من صوف، وله جنازة حافلة. ثم في ربيع الأول، توفي الشيخ عبد الرحمن البهلول، وهو شاعر وأديب لم ينسج شاعر على منواله، صاحب قصيدة مدح فيها الشيخ عبد الغني النابلسي تحتوي على تاريخ في كل شطر منها، ودفن بباب الصغير قرب الشاغور.
يسجل المؤرخ حادثة سقف: في يوم الاثنين 15 ربيع الأول، سقط سقف "السوق الضيق" الملاصق للجامع الأموي الذي فيه مقهى، وذلك بعد صلاة العشاء، ومات تحته أربعة أشخاص وجماعة آخرون. وفي مقابل هذا، يصف نزهة قام بها هو وأصحابه يوم الخميس 18 ربيع الأول إلى سيران، حيث جلسوا على مرج والتكية السليمية مطلين على النهر، ورأوا النساء أكثر من الرجال جالسات على شفير النهر يشربن القهوة ويتن، فأنشد موالياً يقول فيه "في مرجة الشام ما تشوفون موضع خال" معبراً عن دهشته من هذا المشهد غير المألوف.
يشغل موضوع عمارة دار أسعد باشا (السرايا المشهورة قبل الجامع الأموي) حيزاً كبيراً من الفصل. يصف المؤرخ كيف شرع الباشا في بناء داره، فهدم وهدم وهدم، بطش بكل ما وجده في طريقه من الخانات والدور والدكاكين، ولم يكتف بل قطع "ألف خشبة" ليلاً أرسلها له أكابر البلد وقطع "ثلاث سروات" وأعمدة من مدرسة الملك الناصر بالصالحية و"أعمدة غلاظاً" من جامع وأخرى من بصرى، وهدم سوق الزنوظية الذي كان "كله أقبية معقودة". بل إنه كان يرسل أعواناً "يقلعون" البلاط وأحجار المرمر من أي مكان وجدوه، فلا يبقي للفقراء ما يعمرون به بيوتهم، ولا يجدون معماراً ولا باراً ولا خشباً ولا مسماراً، في ظل غلاء الأسعار. وبسبب تحويل ماء قنوات إلى السرايا، تعطلت سقاية غالب الجوامع والحمامات. ومع كل هذا التدمير، يذكر المؤرخ أنه في تلك الفترة جدد الباشا فرش الجامع الأموي وأزال الحصر العتيقة وفرشه فرشاً جديداً بأمره.
يسجل الفصل أحداثاً قضائية وجنائية متفرقة. يذكر قصة رجل عربي من "ذي الكلاع" قتل زوجته لأنه وجد رجالاً في داره يعدون بالحال، فحبست وقتل معها. وفي حادثة ليلية أخرى، جاء "ضرب سلاح" على رقبة رجل في السوق فقطع نصف رقبته مع رأسه فوقع كأنه ما به شيء. وفي 21 شوال، بعد صلاة التراويح، قتل شخص يدعى "كرا" فقتلوا رجلاً بغدادياً، ثم تسلحت الناس وهربوا خوفاً. وفي سلخ رمضان يوم الوقفة، قتلت الأكراد اثنين من التفكجية لأخذ ثأر القتيل الكردي، فاجتمع عليهم الأكراد وقتلوا جماعة وجرحوا آخرين.
في جمادى الآخرة، غادر سعد الدين باشا (ابن أسعد) إلى مأموريته في طرابلس. كما يصف المؤرخ حادثة غريبة: وصول رجل تركي إلى دمشق معه "صحن من خاس" يضعه على عود ويفتله ويحذفه إلى أعلى ويتلقاه دائماً ويجمع فلوساً من المتفرجين. ويذكر أن أولاد الشام الصغار تعلموا هذه الصنعة وأحسنوا منها، مما أدهش الرجل الذي قال إنه جاب مدناً كثيرة بالدنيا ولم ير مثل ذكاء أولاد دمشق.
في ذي القعدة، تصل أخبار وقعة عظيمة بين الدروز والعرب في طبريا، قتل فيها أكثر من تسعمئة درزي وغنمت أموالهم. ثم في اليوم نفسه يذكر أن ضربت مدافع فرحاً بسقوط خسرو باشا من ولاية الشام وبقاء أسعد باشا بعد وصول مرسوم من السلطنة بتقريره والياً.
يختم الفصل بذكر مغادرة أسعد باشا لأداء فريضة الحج في أواخر شوال، وهي سنته الثامنة على التوالي. وبعد رحيله، نادى المتسلم بزيادة قيمة العملة (الفلوس الرملية) كل إحدى وعشرين فلساً مصرياً، وأطلق سراح البغدادي المسجون، ثم فر من تبعه. وقبل خروج الباشا بثلاثة أيام، انتهت عمارة داره الجديدة فنقل حرمه إليها.
يبدو أن المسألة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص هي التناقض الظاهري بين حكامة أسعد باشا التي تظهر في بناء داره على أنقاض معالم عامة ومصادرة مواد البناء، وبين أدائه لشعائر الحج المتوالي وفرشه للجامع الأموي. يوحي السرد بأن السلطة السياسية في هذا العصر كانت تتجاوز حدودها على المصلحة العامة باسم الإعمار، وأن هناك فجوة بين المشاريع الشخصية للحاكم واحتياجات الرعية.
12.سنة 116560–63▼ résumé
يبدأ الفصل بعرض سنة 1165 هجرية كسلسلة من الأحداث اليومية المتشابكة في دمشق، حيث يرسم المؤلف صورة واقعية للحياة المدينية تحت حكم أسعد باشا والي الشام. تبدأ الحوادث في أول رمضان الذي كان يوم السبت، ويدون المؤلف مقتل شخصية مهمة تُعرف بـ "القبقول" في القلعة بتدبير من اثنين من أغواته، ويصف كيف ذهب دمه هدراً. كما يذكر مقتل شخص آخر يُدعى محمد باشا بن تمس في نفس الفترة دون معرفة قاتله. وفي سادس رمضان، يدخل حجاج إلى الشام، ويشير إلى كثافة الحجاج هذا العام الذي بلغ ألفاً وستمئة حاج دون ذكر للأرقام الإجمالية أو التفاصيل الدقيقة لعدد الوفيات أو النفقات.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى وصف شهر شوال وما صاحبه من حر شديد لا يطاق أدى إلى جفاف العيون والآبار، حيث ينشف نهر في قرية ببيلة ويغور الماء في منطقة الغوطة. ثم يأتي حدث غريب في ثامن ذي القعدة، حيث يُعلن في دمشق خروج رجل يدق الزغل من قلعة دمشق ويسير على حمار بوجه مسود، ويُطاف به في البلدة كلها كعقوبة أو كوسيلة للسخرية، بينما يستمر الغلاء في الأسعار. يسجل المؤلف أن رطل اللحم بلغ ستة وعشرين مصرية، ويذكر أسعاراً أخرى للأرز والفحم، ثم يعلن دخول سنة 1166 هجرية التي استبشر بها الناس بسبب مطر غزير فرحوا به وزرعوا، لكن الأسعار لم تتحسن كثيراً بسبب بطء الحكام عن النظر في أحوال الناس، فيظهر السرد هنا تحفظاً ضمنياً على أداء الحكام وتباطؤهم في معالجة الأزمات الاقتصادية.
يتطرق الفصل إلى تغييرات إدارية وقضائية هامة، فيذكر ورود فرمان من الدولة العلية (الإمبراطورية العثمانية) في عاشر شهر كذا يقضي بتعيين أفندي البكري قاضياً في دمشق بدلاً من السيد أسعد أفندي، حيث سجلوا ذلك في المحكمة. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن هذه هي السنة التاسعة لولاية أسعد باشا على الشام، وهو أمر لم يسبق لغيره، مما يعكس طول فترة حكمه واستقراره النسبي. كما يذكر سفر شخصيات علمية مثل الشيخ يحيى أفندي إلى الديار المصرية، وعودة الشيخ إبراهيم الشاغوري من هناك، مما يظهر حركة التنقل العلمي بين المدن الكبرى.
يواصل الفصل رصد الموت والحياة اليومية، فيسجل وفاة عالم جليل يُوصف بأنه شيخ الشافعية في دمشق خلال شهر ربيع الأول بعد صلاة عليه في الجامع الأموي، ويدفن في باب الصغير. وفي تفصيل مهم، يذكر المؤلف وفاة أستاذه الشخصي، لكن النص يبدو مشوشاً في تحديد الاسم بدقة، ويذكر مقتل شخصين هما السيد علوان و السيد كت بعد تغييب تام لمقتلهما، وكأنهما لم يكونا موجودين. كما يوثق وفاة أحمد أفندي، موظف الديوان الذي عمر قصراً في حائط الأحمدية في سوق معين، ويذكر أن تركته بلغت سبعمئة كيس من المال، معظمها من مصادر مشبوهة، ثم يموت ويأخذ الحكام ما يشاؤون من ماله، متضمنة إشارة نقدية واضحة لنهب الأموال.
ينتقل السرد إلى أحداث اجتماعية وعمرانية، حيث يذكر تعطل مياه حارة الشاغور وما فرضه المسؤولون من أموال على السكان لإصلاحها، مما دفعهم للشكوى إلى أسعد باشا الذي منع أخذ أي شيء منهم وأمر بإجراء الإصلاحات على نفقة الدولة مباشرة، باعتبار أن المياه حق للجميع ( "وحق العامة" ). ويدرج المؤلف هنا تجربة شخصية له عندما زار مقام السيدة زينب مع ولده مصطفى، حيث تفرج على العمارة الجديدة التي أنشأها أسعد باشا في هذا العام، ويلاحظ أن ابن عم الباشا علي بك قام بتزيين المقام وتحسينه، ويمدح هذا العمل الخيري. كما يذكر في أول ليلة من شهر شعبان سفر الوزير أسعد باشا إلى الدورة العسكرية، ويوثق أيضاً حادثة قتل في أول الليل بين حارتين مشهورتين في دمشق دون أن يصل الأهالي إلى معرفة القاتل.
في خضم هذه الأحداث، ينتقد المؤلف الوضع السياسي والأمني بشكل واضح عندما يقول إن القاضي المكلف بالبلاد "بحرث حيث شاء ويوتي" مما يدل على فساد الإدارة، ثم يورد لائحة طويلة بالأسعار ليوضح حجم الغلاء: رطل الخبز بين أربع وخمس مصاري، وغرارة القمح بعشرين مصرية، ورطل الأرز بعشرة مصاري، والدبس ثلاثة أرطال بقرش واحد، والزيت بثمانية مصاري، والحطب الرطب والسنديان كل بقنطار بسعر محدد. يظهر المؤلف وعيه المباشر بالمعاناة الاقتصادية اليومية للفقراء. كما يوثق حوادث سلب ونهب، مثل تعرض رجل لهجوم من لص خطف الدنانير والطاقية في طريق الجامع في ليلة السبت من رمضان، واختلاق مكيدة على يد جماعة سحروا أحد الأشخاص وسلبوه أمواله.
يختتم الفصل أخباره مع شهر ذي الحجة بتسجيل وصول خبر من إسلامبول، حيث توفي الوزير الأعظم المنفصل من الوزارة في هذه السنة، ويذكر أن معه السيدة الملكة وكان ذلك في يوم السبت من ذي الحجة. وهكذا، يقدم الفصل ملاحظة نقدية صريحة بأن غلاء الأسعار والفساد السياسي المتمثل بتصرفات القاضي والوالي بشكل عام، رغم بعض الإصلاحات الخيرة، يخلقان حالة من عدم الاستقرار تجعل حياة الناس اليومية صعبة ومليئة بالمخاطر، في ظل غياب فعالية الدولة في ضبط الأمن أو تخفيف وطأة الغلاء. يبدو الموقف النقدي في الفصل موجهاً بالإشارة إلى أن الساسة يظلمون أحياناً بينما يترك القضاء للحكام التصرف كيفما شاؤوا، وهي فكرة حاضرة بقوة في النص.
14.سنة 116766–68▼ résumé
سنة 1167 فصلٌ حافل بالأحداث في دمشق تحت ولاية والي الشام، الوزير الحاج أسعد باشا. يدوّن البديري الحلاق يومياته مسجلاً تحركات الباشا العسكرية، والأزمات المعيشية، والفتن الداخلية، والوفيات البارزة، وأخبار الحج، والكوارث الطبيعية، والأسعار. الموضوع المحوري هو سير الحياة اليومية في مدينة تعيش توتراً بين سلطة الحاكم، واضطراب السوق، وتدين المجتمع، وكل ذلك يُروى بأسلوب مباشر لا يخلو من العجب أو الحسرة.
يبدأ الفصل بحادثة رمزية لنقل توابيت الصالحين من مقابرهم، منها تابوت سيدي عبد القادر الخيلاني وتابوت أبي بكر، مما يدل على مكانة الأولياء في الوعي الجمعي. ثم ينتقل المؤلف فجأة إلى الحدث الأبرز: خروج الوزير أسعد باشا لغزو عرب صرخد (منطقة في البلقاء). استحضر الباشا جيشاً من عساكر حلب والقدس وغزة، بالإضافة إلى فلاحين من القرى، لكنه استثنى عرب السردية. بعد أيام، وردت أخبار بأن الباشا اشتبك مع عدو في موضع يُدعى "الوكر" وهزمه، وطارد فلوله إلى الدورة، حيث ثبتت هناك. في اليوم العاشر من الشهر، عاد الباشا والعسكر إلى دمشق.
في غضون ذلك، ساءت الأوضاع الاقتصادية فظهر "الغلاء" في البضائع، وامتلأت المدينة بأصناف الناس، وكثرت القتلى في الشوارع. في شهر شوال، جاء نبأ بتعيين متولي جديد لجامع السلطان إبراهيم بن أدهم. ثم وقعت فتنة عظيمة هي الأبرز في هذا الفصل: نشب شجار بين أهالي دمشق وبين فرقة "قبقول" (الحرس) و"اليمق" بسبب إطلاق الرصاص، مما أدى إلى إصابات ومواجهات مسلحة. لم يهدأ الأمر إلا بفضل تدخل الوزير الذي عزل "الأضباشي" (القائد) وألغى الممارسة المثيرة للفتنة. كما يظهر في هذا السياق أخبار كاذبة عن تغيير السلطان في اسلامبول، سُرّ بها الناس وكُذبت لاحقاً، مما يكشف كيف كانت الشائعات السياسية تثير البلبلة.
أما أخبار الحج فكانت إيجابية: دخل ركب الحجاج الشامي بسلامة تامة، محمّلاً بأفضلية على سنوات سابقة بسبب كثرة الأمطار والأمان. وفي خضم ذلك، يورد المؤرخ أخباراً عن وفاة الشيخ محمد أفندي الغزي، وهو فاضل كان إماماً في المدرسة السنانية، ودُفن في مرج الدحداح، وعن نجاة البعض من الموت في حادث سقوط صخرة من نهر القنوات أغلقت الماء ثلاثة أيام. الأهم من ذلك هو خبر الزلزلة: في ليلة التاسع عشر من شهر صفر، الموافق لثالث ساعة من ليلة كانون الأول، ضربت دمشق زلزلة خفيفة تسببت في انهيار جزء من سراية الحكم، مما أدى إلى مقتل رجل مسلم ورجل نصراني.
في شهر رجب، قام الوالي بعمارة السوق (السردرة) وأعاد بناء الجامع الذي احترق، وأنفق بسخاء على وجوه الخير للفقراء والعلماء. وبنى أماكن كثيرة في المدينة من جوامع وغيرها. ثم يسرد البديري لائحة بأسعار المواد الغذائية في شهر رمضان الذي صادف يوم السبت: اللحم بأربعة مصاري، واللحم السمين بخمسة مصاري، والخبز عشرة، والزيت بنصف مصري، والمشمش البلدي بستة مصاري رغم كثرته، مما يُظهر تضخماً معيشياً غريباً. الزبدة كانت بثمانية مصاري، والقريشة بثلاثة، وهذه الأرقام تعد سجلاً حياً للأزمة الاقتصادية. في شهر شوال، سافر الوزير أسعد باشا مع المحمل الشريف للحج، وكانت هذه السنة الثالثة عشرة من حججه المتوالية، وهو رقم لم يسبقه إليه غيره. وختم الفصل بوفاة رجل من البله (مجذوب) يُدعى ديباء، كان بطلاً تتشبه به دمشق وتكاشف به، مما يدل على أن مثل هذه الشخصيات كانت تحتل مكانة اجتماعية رمزية في ثقافة المدينة.
يبقى هذا الفصل نموذجاً لتدوين التاريخ "من الأسفل". النص لا يصدر أحكاماً سياسية كبيرة، لكنه يقرّ بأن "كل شيء موجود والغلاء يلعب في جميع البضائع"، وأن القتلى يكثرون "ولا يدري عنهم أحد". يترك المؤلف الأسئلة مفتوحة عن عدالة الحكام أو قسوتهم، ويشير إلى أن الحاكم الجديد لصيدا كان "ظالماً غاشماً" وأن الناس هربوا منه، بينما يرى في الموت والزلازل والقحط إشارة إلى إرادة الله. هناك حجة قابلة للنقاش: انحياز المؤرخ الواضح لـأسعد باشا، حيث يكرر وصفه بـ"الحضرة الوزير" ويثني على عمارته للخير كأنه يسوّي صورته بعد أحداث الفتنة، مما يعكس دور المؤرخ كصانع صور لا مجرد ناقل.
17.سنة 117071–76▼ résumé
يسرد هذا الفصل، الذي يوثق سنة 1170 هجرية (الموافق 1756-1757 ميلادية تقريباً)، أحداثاً متنوعة عصفت بمدينة دمشق تحت حكم أسعد باشا العظم. لا يقدم الفصل حجة واحدة أو إجابة محددة، بل هو عبارة عن يوميات تاريخية تسجل ما جرى من غلاء فاحش، كوارث طبيعية، صراعات عنيفة بين الفرق العسكرية، ومشاكل إدارية، ليرسم صورة عامة عن سنة مليئة بالاضطراب والمعاناة لأهل الشام.
يبدأ الفصل بوصف شتاء قاسٍ جداً، حيث نزل ثلج عظيم في دمشق لم يُرَ مثله من قبل، مما تسبب في انهيارات ودمار في 3 أماكن كثيرة. ثم ينتقل فجأة إلى ذكر أخبار وصول "برجوء القدس" إلى أسعد باشا، لكن هذا الخبر يرد بشكل عابر وسط فقرات مفككة.
يشرح الفصل الوضع المالي الصعب الذي مرت به دمشق، فبعد أن عانى الحجاج (قافلة الحج) من الظلم والجور في السنوات السابقة لدرجة لم يسبق لها مثيل، وصلت شكواهم إلى السلطنة في إسطنبول. فأرسلت السلطنة أوامر إلى حاكم دمشق، أسعد باشا العظم، وإلى أخويه مصطفى باشا وسعد الدين باشا، لتجهيز العسكر والرحال. لكن الفصل لا يذكر بوضوح سبب هذا التجهيز أو ما ترتب عليه، ويظل الغموض يكتف هذا الحدث.
يعرض الفصل مجموعة من الأنشطة العمرانية والإدارية. يذكر أن أسعد باشا قام بإصلاح الـ"ياغوشية" (نوع من السدود أو القنوات المائية) الذي يقع تحت القلعة، وأيضاً عمر "قهوة الشاغور" ومقهى أمام "باب المصلى" وأخرى قرب "باب السريجة". كما يسجل الفصل وفاة شخصيات بارزة مثل الشيخ إبراهيم السعدي الشاغوري، شيخ الطريقة السعدية في الجامع الأموي، ودفنه عند جده الشيخ حسن الحباوني، وكذلك مقتل قاضٍ هو عبد الله أفندي زاده في واقعة غامضة في "سوق السلامة" على ضفة نهر بردى.
حول موسم الحج، يذكر الفصل أن الحاج أسعد باشا العظم عاد من الحج في 10 ذي الحجة، وقد دخل في موكب مهيب. ويسجل أن هذه كانت سنته الرابعة عشرة كأمير للحج، وأنه أصلح بين المدينة المنورة والعرب الذين حاصروها، لكنه لم يذكر تفاصيل الإصلاح. في المقابل، يوثق الفصل خسائر فادحة في أرواح البشر والجمال خلال رحلة الحج؛ حيث مات في آبار الغنم (طريق الحج) أكثر من ألف جمل و سبعمئة شخص في يوم واحد نتيجة العطش الشديد، بالإضافة إلى آخرين ماتوا تدريجياً.
يسرد الفصل سلسلة من التغيرات الإدارية والمشاكل السياسية. فقد انفصل مصطفى باشا عن أسعد باشا العظم ووُلي على صيدا. وفي حدث مشحون بالتوتر، وصل خبر إلى دمشق أن راغب باشا، الذي كان والياً على حلب وتم عزله، قد عُيّن والياً على الشام. وبسبب سمعة هذا الوالي الجديد بأنه "ظالم غاشم"، عمّ الخوف واضطربت المدينة. قام الوالي الجديد بتعيين موسى كيخيا (ربما موسى كاتب أو متسلم) مكانه ليُدير شؤون الحج. لكن الأوضاع لم تستقر، وانتشر القيل والقال بين فريقي الإنكشارية والقبقول، مما أدى إلى إغلاق الأسواق وتحصين الأحياء.
وصلت الاضطرابات إلى ذروتها مع هجوم قام به شخص يُدعى أحمد القلطقجي، وهو من رؤساء الزرباوات (عصابات) السابقين الذين هربوا وعصوا في جبل الدروز. هاجم هذا الرجل دمشق ليلة الأربعاء، مما زرع الرعب في قلوب الناس، وخلت البيوت والدكاكين، وأغلقت المتاريس في جميع البوابات. لكن في الصباح، ظهر عدم صحة أخبار الهجوم، وعاد الناس إلى بيوتهم بعد ليلة قاسية لم يناموا فيها. ويشير المؤرخ إلى أن هذا اليوم كان الخميس.
يصف الفصل بالتفصيل صراعاً عنيفاً آخر، وهو فتنة كبرى وقعت في شهر رمضان بين فريقي الإنكشارية والقبقول. تحالفت مع القبقول طوائف أخرى كالدالاتية والأكراد والمواصلة، مما أدى إلى حصار الأحياء وإطلاق المدافع من القلعة على حارة باب السريجة لمدة يومين. قُتل في هذه الفتنة عدد كبير من القبقول وأتباعهم، وقليل من الإنكشارية والعامة. لم تهدأ الفتنة إلا بعد وساطة من النقيب حمزة أفندي وبعض المشايخ، ثم عودة الوالي حسين باشا من "الدورة" (رحلة تفقدية أو عسكرية). كما سجل الفصل تفاصيل عن الغلاء الفاحش الذي ضرب المدينة، فوصل سعر غرارة القمح إلى 50 قرشاً، ورطل الخبز إلى 7 مصاري ثم إلى 12 مصرية، واللوبيا والبرغل إلى 8 مصاري، مما عكس شدة الأزمة الاقتصادية.
في 20 من رمضان قدم مصطفى آغا بن علي أفندي الدفتري من إسلامبول برتبة آغا على الإنكشارية، واستقبل استقبالاً حافلاً. بعد عيد الفطر، في 10 من شوال، توجه حسين باشا بن محي على رأس عريضة للإنكشارية كأمير لراكب الحاج الشريف، مما عكس محاولة لاستعادة النظام. وتتوالى الأحداث بظهور رجل كردي له سوابق ظلم في دمشق، فحاولت الإنكشارية والعامة التصدي له فهرب إلى القلعة واحتمى بالقبقول. خرج من القلعة بعد توسط الباشا لكنه عاد ليضرر الناس، فأرسلوا له وأهله أن يرحلوا. لكن خروجه تحول إلى فتنة جديدة بين الطوائف، حيث أحرقت الإنكشارية دوراً كثيرة في حي الدرويشية وأسواقها، وانتشرت الفوضى والظلم.
استمرت هذه الفتنة أياماً بين صلح واقتتال، حتى انعقد ديوان عند الأغوات وكبار الشام، فقرروا إخراج جميع الغرباء الذين كانوا سبباً في الفتنة من المدينة. وبالفعل، أخرجوهم، لكنهم هاجموا القرى وقتلوا ونهبوا، مما اضطر الحكومة للطلب من أهالي القرى بقتلهم أو طردهم. أنهى الفصل هذه الأحداث المأساوية بذكر ظاهرة طبيعية هي زلزال ضرب دمشق لما يقرب من عشرين يوماً وليلة، مما جعل النجوم تُرى في النهار، معتبراً ذلك عبرة وعظة من الله. وينتهي الفصل بقدوم خبر بأن أسعد باشا العظم قد تأكدت ولايته على حلب، لكن أهلها عصوا به قائلين "لا نريد غيره"، فكاتبوا الدولة بذلك، وانتهى الأمر بتثبيته على ولاية حلب.
18.سنة 117177–81▼ résumé
شهدت دمشق في عام 1171 هـ (الموافق 1757-1758 م) سلسلة من الكوارث المتلاحقة، يتصدرها الحدث الأفظع: كارثة الحج الشامي. يروي البديري الحلاق تفاصيل أسفار هذا العام الذي بدأ بموسم حج استثنائي في المأساة، حيث تعرض موكب الحجيج الذي خرج متأخراً لاعتداءات وحشية من القبائل العربية في منطقة القطرانة. قاد هجوم العرب قعدان الفايز، حيث نهبوا الحجاج وشلحوهم (جردوهم من ملابسهم)، وقتلوا منهم، وأسروا حتى النساء، وأمعنوا في إذلالهم بتفتيش أجسادهم بطرق يصفها المؤلف بأنها “ما لا يفعله عباد النيران”. وانتهى الأمر بأن جُرّد أسعد باشا، والي دمشق وأمير الحاج، من كل شيء بما في ذلك خاتمه، وأُجبر على العودة. بقي الحجاج المنهوبون نحو أربعة عشر يوماً في العراء جوعى وعطشى حتى شربوا أبوال بعضهم، ومات الكثير منهم جوعاً وبرداً، ولم يسلم إلا من هرب.
ما زاد الطين بلة، بحسب الرواية، أن والي دمشق الجديد، حسين باشا، رفض إرسال الإمدادات أو المال للحجاج العائدين المنهكين، فازدادت معاناتهم. وفي الوقت نفسه، اجتاح الطاعون دمشق وأودى بحياة خلق كثير، منهم الشيخ أبو المواهب وغيره من العلماء. ولم يتوقف الوباء عند هذا الحد، بل سادت الفوضى والاقتتال الداخلي بين الفرق العسكرية في دمشق، خصوصاً بين القبقول (طائفتهم) وطائفة الأشراف داخل المسجد الأموي، مما أدى إلى مقتل عدد منهم وإغلاق الأسواق.
تدخل عبد الله باشا الشتجي لتولي الحكم في دمشق أملاً في إعادة النظام، لكنه قابله تحدٍ هائل من قبل طائفة الإنكشارية. إذ اجتمع منهم حوالي عشرين ألف رجل وأظهروا تمرداً ورفضاً لسلطته. اشتبك عبد الله باشا معهم في معركة دامية في الميدان، هزمهم فيها شر هزيمة وقتل منهم عدداً كبيراً، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل انقلب على المدينة بكاملها؛ فانتهزت قواته فرصة النصر وشرعت في نهب دمشق بشكل ممنهج ووحشي لم يسبق له مثيل، متجاوزة كل الحدود. نهبت البيوت والمتاجر، وسُلب النساء والبنات، ودُمرت أماكن مقدسة مثل زاوية الشيخ سعد الدين. أُحصي نحو أربعة وعشرين ألف دار تعرضت للنهب، بالإضافة إلى ما لا يحصى من الدكاكين. حاول الباشا لاحقاً إعادة الأملاك المسروغة بفرض شروط تعجيزية على الناس، مما يظهر مسؤوليته غير المباشرة عن الكارثة.
بعد هذا الدمار، سادت البلاد فترة من القسوة والقمع. فرض الباشا حصاراً اقتصادياً خانقاً، فلم يترك طعاماً توفره المطابخ سوى اللحم والخبز اليابس، بينما ارتفعت الأسعار جنونياً: بلغ سعر رطل الأرز عشرين مصرية، وغرارة القمح (كيال) قفزت إلى سبعين غرشاً، فافتقرت غالبية السكان. واستمرت قوات الباشا في التجول خارج المدينة تنهب القرى والبساتين، وعجز الباشا عن ردعهم رغم أوامره بالتأديب. في خضم هذه الفوضى، ورد نبأ مقتل الوالي السابق أسعد باشا، مما أضاف الفجيعة إلى الفاجعة. انتهى العام بظهور عبد الله باشا الشتجي للحج متخففاً من ثقل الماضي، لكن دمشق بقيت تعاني آثاراً لم تندمل، وختم المؤلف الفصل بوفاة الشيخ أحمد خطيب الجامع الأموي، وكأنه إيذان بنهاية حقبة مظلمة، مؤكداً أن ما حدث لا مثيل له في سالف الأزمان. يُظهر هذا الفصل بأسلوب صادم كيف أن تداخل كوارث الطبيعة (الطاعون) مع بشاعة الحكام والعسكر وعدوان القبائل، حوّل سنة كاملة إلى جحيم لا يُطاق، تاركاً مدينة عظيمة منهوبة وجائعة ومكلومة.
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux