منير ف. الدين - الجولان بين الثورة والنظام والكيان
ملخص كتاب "منير ف. الدين - الجولان بين الثورة والنظام والكيان"
يدور المحور الأساسي لهذا الكتاب حول واقع السوريين في الجولان المحتل، وهم في غالبيتهم العظمى من طائفة الموحدين الدروز، مع وجود أقلية علوية، والذين يعيشون اليوم في خمس قرى فقط شمال الجولان. يقدم المؤلف تحليلاً معقداً لكيفية تشكل هوية هؤلاء السوريين وهويتهم الوطنية تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي الممتد منذ عام 1967، وكيف تفاعلت هذه الهوية مع ثلاثة أقطاب رئيسية: النظام السوري، دولة الاحتلال الإسرائيلي، والثورة السورية التي انطلقت عام 2011. موقف الكتاب هو نقد عميق للسياسات الإسرائيلية القائمة على "فرّق تسد" والاستشراق، وفي الوقت نفسه رفض للخطاب الطائفي الذي تبنته أطراف مختلفة، مع التأكيد على أن الوعي الوطني السوري ليس بديهياً أو ثابتاً، بل هو حقل صراع وتوتر وتجدد مستمر.
يسير الكتاب في حجته بشكل متدرج ومنطقي، مبتدئاً بوصف التحول الديموغرافي الجذري في الجولان. يذكر أن عشية 5 حزيران/يونيو 1967، كان يسكن الجولان حوالي 153 ألف شخص في أكثر من 115 قرية، لكن جيش الاحتلال الإسرائيلي قام بتهجير معظمهم وتدمير قراهم، ومنها بلدة قصرين ومدينة القنيطرة عاصمة المحافظة التي هدمت خلال حرب 1973. في المقابل، بدأت مشاريع الاستيطان الإسرائيلية فور الاحتلال، ليصل عدد المستعمرات اليوم إلى أكثر من 35، يعيش فيها حوالي 22 ألف مستوطن يهودي إسرائيلي، جزء كبير منهم من المهاجرين الروس. أما القرى الخمسة المتبقية، فيعزو المؤلف سبب تحييدها عن المصير نفسه إلى عوامل مشتركة: سياسة إسرائيل القائمة على احتذاب الأقليات الدينية واعتبار الهوية الدرزية إثنية منفصلة عن الهوية العربية، والبعد الجغرافي الجبلي لهذه القرى وبعدها عن مناطق الجبهة الأساسية، والأهم، العامل الذاتي المتمثل في الذاكرة الجمعية التي لا تزال تحمل مرارة تدمير المنازل وحرقها في زمن الثورة السورية الكبرى في عهد الانتداب الفرنسي، مما جعل الأهالي يقررون عدم تكرار التجربة.
ينتقل الكتاب بعد ذلك لتحليل الطبقات التاريخية للهوية السورية لدى الدروز، موضحاً أن الوعي الوطني السوري الذي تشكل منذ نهاية الحقبة العثمانية وبداية الانتداب ليس امتداداً طبيعياً، بل هو نتاج صراع دائم. هذا الصراع يدور على بعدين: بعد داخلي بين منطق الجماعة (الطائفي) ومنطق التمايز الاجتماعي الحديث، وبعد خارجي يتمثل في التوتر مع الدولة وروايتها الرسمية. ويضرب مثالاً على ذلك بمحاولة الرئيس شكري القوتلي إضعاف نفوذ آل الأطرش بزعامة سلطان الأطرش، وصولاً إلى الصدام الفعلي في فترة الرئيس أديب الشيشكلي الذي قصف المدنيين بالطائرات وأرسل المدرعات إلى الجبل، مما أدى إلى احتجاجات شعبية دفعته للاستقالة ومغادرة سورية. يخلص الكتاب إلى أن أجهزة الدولة الوطنية لعبت دوراً متناقضاً: فهي من جهة زرعت فكرة وطنية متعالية على الطائفية، لكنها من جهة أخرى ساهمت في تأكيد الفروقات والتوترات الطائفية عبر تحالفاتها العميقة مع القوى الأهلية على أسس طائفية.
أما عن الاستراتيجية الإسرائيلية، فيشرح المؤلف كيف انطلقت من مقولات استشراقية كلاسيكية، فنظرت إلى الدروز كفئة إثنية منفصلة عن محيطها العربي والإسلامي. نجحت إسرائيل في البداية عبر منظومة حكم عسكري، أعادت زعامات محلية تقليدية إلى الواجهة وابتزتهم لإعلان الولاء لدولة إسرائيل مقابل الحفاظ على الحكم والأراضي. وبلغت هذه السياسة ذروتها بعد صعود اليمين الإسرائيلي للحكم في 1977، الذي أعلن ضم الجولان. لكن هذا المكسب لم يكن كاملاً، إذ أثارت التغييرات الجذرية كفرض التجنيد الإجباري وإمكان نقل السكان مخاوف الأهالي والزعماء، مما أدى إلى إعلان الحرم الديني والاجتماعي التام على كل من يقبل بالجنسية الإسرائيلية، وإضراب مفتوح في 1 شباط/فبراير 1982 استمر أشهراً عديدة. في هذه المعركة، تضافرت عوامل وطنية مع عوامل محافظة وأخرى حداثية، فوقف رجال الدين (الذين برزوا بعد أفول القيادة التقليدية) في جهة، والقوى الوطنية الشابة والعلمانية (أنصار حزب البعث أو الحركات اليسارية) في الجهة الأخرى.
يخصص الكتاب قسماً هاماً لتحليل تناقضات المواقف من الثورة السورية داخل الجولان المحتل. فبينما رفعت بدايات الثورة شعارات لم تكن غريبة عن النقاش الوطني هناك، حيث كان الموقف من نظام الأسد نقطة خلاف منذ الثمانينيات، حدث انقسام حاد. خرجت تظاهرات مؤيدة للثورة، ووقع عشرات الأشخاص على بيان تضامني بعنوان "أنتم الصوت ونحن الصدى". لكن الموالين للنظام سرعان ما استجمعوا قوتهم واستعادوا ثقة رجال الدين إلى جانبهم، فنظموا تظاهرات أكبر، رفعوا فيها العلم الدرزي إلى جانب صور بشار الأسد والعلم الوطني، وانفتحوا على تحالف مع قوى طائفية شملت أشخاصاً كانوا مقاطعين اجتماعياً لقبولهم الجنسية الإسرائيلية. المفارقة أن أنصار النظام دعوا إلى إصدار حرم ديني واجتماعي ضد المعارضين بتهمة خيانة الوطن، لكن خلوة مجدل شمس رفضت ذلك. في المقابل، رفع المعارضون شعارات وطنية غير طائفية وتقدمية. ومع عسكرة الثورة وبروز القوى ذات الخطاب الإسلامي، أصبح منطق الردع والعصبية أكثر إقناعاً، وبات من الصعب الدفاع عن أفق الحرية المدنية.
يقدم الكتاب شهادات وأحداثاً لافتة تصعب نسيانها، وأبرزها حادثتا القتل الوحشي والتمثيل بجثتي جرحى من المعارضة السورية في كل من حرفيش ومجدل شمس على يد شبان دروز غاضبين. يبين المؤلف هنا تناقضاً إسرائيلياً: فإسرائيل التي رعت منطق الهويات الطائفية وارتحت له، تشعر بالحرج حين يتصرف أصحاب هذه الهويات بشكل خارج عن إرادة النظام الإسرائيلي، لأن سلطة القانون والانضباط تفشل أمام "الروح القبلية" التي تتصرف من تلقاء نفسها بنصرة الإخوان وصون الكرامة الطائفية. ويكشف الكتاب عن مفارقة أخرى: إسرائيل التي تحتل وتعتدي أصبحت "مسعفة إنسانية" للجرحى، وحجة أن النظام السوري "باع" الجولان في 1975 لا تكفي لتبرير هذا التحول. هذا التناقض ينكأ جروحاً عميقة، لكنه يحمل دلالات عميقة للمستقبل، ويفتح تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه القوى ترى نفسها مجرد أداة في صراع إقليمي أكبر.
يقر المؤلف في خاتمته بحدود المعرفة وترك أسئلة مفتوحة، معترفاً بأن معرفتنا بالتاريخ لا تفيد في تخمين مآلات الأحداث على المدى القصير والمتوسط، خاصة في ظل تفاهمات غير متوقعة بين إسرائيل وقوى المعارضة على جبهة الجولان. ورغم هذا، يرفض فكرة تلاشي البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية. يطرح سؤالاً جوهرياً: هل لإرجحان موازين القوى لمصلحة إسرائيل أن يفضي إلى تغيير دراماتيكي في الثقافة السياسية للجولانيين؟ ويختتم بطرح رؤية مؤداها أن اشتراط أن يصبح السوريون جميعاً مدنيين وأن يخرجوا من "كهوف الطائفية" هو أمر غير حكيم، بل ما يمكن أن يحدث هو التحام متوتر ومعقد بين العصبيات القديمة والقوالب المدنية الحديثة. سورية المقبلة هي امتحان عسير، لكنها تبقى الامتحان الوحيد الجدير بالتضحية.
بناءً على المادة المقدمة، يمكن الإشارة إلى أن الكتاب يقدم حجة قابلة للنقاش تتعلق بالدور المزدوج للدولة السورية و"أجهزتها الأيديولوجية" التي سعت لبناء هوية وطنية ولكنها رسخت في الوقت نفسه الفروقات الطائفية. كما أن تناوله لردود فعل الجولانيين من المؤيدين للثورة والمعارضين لها، والتي تتخللها تناقضات مع خطاباتهم السابقة حول التحرير، يفتح الباب أمام أسئلة نقدية حول أولويات الهوية الوطنية مقابل الهوية الطائفية في لحظات التحول الكبرى، وكيف يمكن للاحتلال نفسه أن يتحول إلى أداة في التنافس السياسي الداخلي.
Analyse & mots-clés
Lieux
Événements