
واقع الفلسطينيين في سوريا - سمير الزين
ملخص كتاب "واقع الفلسطينيين في سوريا" - سمير الزين
يدور الكتاب المحوري للمحامي سمير الزين، الصادر عن مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية في نيسان (أبريل) 2013، حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا منذ نكبة 1948 وحتى اندلاع الأزمة السورية. يدافع المؤلف عن فكرة أن الوجود الفلسطيني في سوريا شكَّل حالة فريدة ومتميزة بين بلدان اللجوء الفلسطيني، حيث تمتع الفلسطينيون بحقوق مدنية واقتصادية واسعة جعلتهم مندمجين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي السوري، لكنهم في الوقت نفسه حافظوا على هويتهم الوطنية الفلسطينية وانفصالهم السياسي عن الحياة السياسية السورية. الكتاب يقدم قراءة نقدية لهذه التجربة، ويحاول فهم تحولاتها وانهيارها مع اندلاع الثورة السورية وقمعها الدموي.
يسير الكتاب عبر أربعة فصول مترابطة بمنطق تصاعدي، يبدأ من الإطار القانوني الناظم لأوضاع الفلسطينيين، ثم ينتقل إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فالحياة السياسية الفلسطينية في سوريا، وينتهي بفصل عن الفلسطينيين والثورة السورية. المنطق الذي يربط الأجزاء يقوم على فكرة أن الوضع القانوني المتميز للفلسطينيين في سوريا خلق حالة من "الاندماج والانفصال" في آن واحد: اندماج اقتصادي واجتماعي كامل جعلهم جزءاً من المجتمع السوري، وانفصال على مستوى الحياة السياسية جعلهم يركزون على العمل الوطني الفلسطيني. هذا التوازن الهش انكشف مع الأزمة السورية ليكشف هشاشة الوجود الفلسطيني في المنفى.
يبدأ الكتاب بتأسيس الإطار القانوني، معتبراً القانون رقم 260 الصادر في 10 تموز (يوليو) 1956 الأساس الناظم لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. نص هذا القانون في مادته الوحيدة على أن "يعتبر الفلسطينيون المقيمون في أراضي الجمهورية العربية السورية بتاريخ نشر هذا القانون، كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة النافذة وبحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية". هذا القانون منح الفلسطينيين أغلب الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطن السوري، لكنه حرمهم من الحقوق السياسية كالترشيح والانتخاب، وأبقى عليهم قيوداً صارمة في التملك العقاري. واللافت أن الفلسطينيين في سوريا يحملون "تذكرة إقامة مؤقتة" رغم مرور أكثر من ستة عقود على لجوئهم، مما يعني أن أجيالاً ولدت وماتت وما زالت تحمل صفة "مؤقتة". فالشاب المولود في دمشق عام 1990 أو الطفل المولود عام 2012 يُكتب في قيد نفوسه أن تاريخ لجوئه إلى سوريا هو عام 1948، أي قبل أن يولد هو أو والده أو حتى جده.
يقدم الكتاب تفاصيل دقيقة حول الأوضاع القانونية المتباينة للفلسطينيين في الدول العربية، مقارناً النموذج السوري بالنموذج الأردني واللبناني. ففي الأردن، منح الفلسطينيون الجنسية وحقوقاً مدنية وسياسية كاملة. وفي لبنان، الذي يشكل النموذج المتطرف في التعامل الرديء، حُرم الفلسطينيون من الحقوق المدنية والسياسية ومنعوا من العمل في 73 مهنة، مما جعل البطالة هي السائدة وأجبر الكثيرين على الهجرة. أما سوريا فقد شكلت حالة وسطى، حيث منحت الفلسطينيين حقوقاً اقتصادية واجتماعية واسعة لكنها حرمتهم من الحقوق السياسية ومنعتهم من التملك العقاري إلا بشروط صارمة، إذ يحق للفلسطيني تملك منزل واحد فقط وبعد الحصول على موافقة وزير الداخلية.
يتناول الكتاب بالتفصيل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها الفلسطينيون في سوريا. يشير إلى أن الأغلبية الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين في نكبة 1948 كانوا من الفلاحين، وبفعل الاقتلاع تحولوا بين ليلة وضحاها إلى فقراء ومعوزين. لكن مع مرور الوقت، وتحديداً خلال العقدين التاليين للنكبة، تحولت تركيبتهم الاقتصادية بشكل جذري، فلم يعد العاملون في الزراعة يشكلون أكثر من 2% من القوى العاملة الفلسطينية، بينما استقطب قطاع الخدمات أكثر من 41%، وقطاع البناء نحو 27%، والصناعة التحويلية 14.6%، والتجارة 8.4%. ويعزو المؤلف هذا التحول إلى عدة عوامل: منع الفلسطينيين من تملك الأراضي الزراعية، وفائض العاملين في الزراعة في مجتمع سوري كان هو الآخر زراعياً في ذلك الوقت، وتركّز الفلسطينيين في تجمعات المدن أو محيطها القريب.
ويلفت الكتاب الانتباه إلى دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في دعم التحول الاقتصادي والاجتماعي للفلسطينيين، حيث قامت بإدارة 8 مدارس في سوريا تقدم التعليم الأساسي الابتدائي والإعدادي لنحو 66,500 طفل، بالإضافة إلى مركز تدريب مهني في دمشق. كما شغّلت الأونروا نحو 4,000 موظف وموظفة من الفلسطينيين، مما جعلها مشغلاً كبيراً للعمالة الفلسطينية إلى جانب دورها في تقديم الخدمات. ومع مطلع الثمانينيات، تراجعت الخدمات الغذائية التي تقدمها الأونروا، ولم يعد يستفيد من الحصص الغذائية سوى الحالات المصنفة "صعبة".
يقدم الكتاب إحصاءات ديموغرافية لافتة، حيث يشير إلى أن الفلسطينيين في سوريا يشكلون نحو 10.7% من مجموع الشعب الفلسطيني، أي ما يقارب 500,000 فلسطيني في ذلك الوقت. يتركز معظمهم في دمشق ومحيطها بنسبة 66.8%، تليها درعا بنسبة 7.9%، ثم حلب بنسبة 6%، فحمص 1.8%، وحماة 2.1%، واللاذقية 2.4%. أما مخيم اليرموك فيضم أكثر من 150,000 فلسطيني، رغم أنه لا يصنف مخيماً رسمياً من قبل الأونروا.
في الفصل الثالث، يتتبع الكتاب الحياة السياسية الفلسطينية في سوريا منذ النكبة وحتى الأزمة السورية. يشير إلى أن السنوات الأولى للجوء كانت سنوات صدمة وضياع، حيث كان الجميع مشغولاً بترميم أوضاعه المعيشية. لكن مع بداية الخروج من الصدمة، بدأ اللاجئون الفلسطينيون يتجهون نحو العمل في إطار الحياة السياسية العربية، وانتمت أغلبيتهم إلى القوى القومية الداعية لتحرير فلسطين. وقد لعب الفلسطينيون في سوريا دوراً رئيسياً في تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة، وقدموا قافلة من الشهداء في كل المواقع التي خاضت فيها الفصائل الفلسطينية صراعاتها.
يتناول الكتاب بالتفصيل العلاقات السورية-الفلسطينية المتقلبة، التي تراوحت بين التحالف الاستراتيجي والاقتتال المسلح. فبعد حرب 1967، دعمت السلطة البعثية العمل الفدائي بقوة، لكن العلاقات توترت بعد تدخل الجيش السوري في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ووصلت إلى ذروة الصدام في حرب 1982 التي أسفرت عن خروج منظمة التحرير من لبنان. بعد هذه الحرب، حاول النظام السوري الإمساك بالورقة الفلسطينية، مما أدى إلى انشقاق حركة فتح وظهور "حركة فتح - الانتفاضة"، واقتتال فلسطيني-فلسطيني في البقاع وطرابلس، واعتقال نحو 5,000 فلسطيني من كوادر حركة فتح في السجون السورية.
يشير الكتاب إلى مفارقة لافتة: فعلى الرغم من القبضة الأمنية الشديدة في سوريا، تمتع الفلسطينيون في الثمانينيات بهامش عمل سياسي في التجمعات الفلسطينية أكبر بكثير من السوريين، الذين لم تكن لهم حياة سياسية على الإطلاق. ويعزو المؤلف ذلك إلى قناعة النظام بأن العمل السياسي الفلسطيني لا يشكل خطراً عليه، لأن الفلسطينيين ليسوا طامحين في أي شكل من أشكال الصراع على السلطة في سوريا.
ولكن مع توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، شعر فلسطينيو الشتات ومنهم فلسطينيو سوريا بالخذلان، لأن الاتفاق لم يلحظهم إلا بوصفهم موضوعاً مؤجلاً إلى "مفاوضات الوضع النهائي" التي لم تجرِ مطلقاً. ومنذ ذلك الوقت، بدأ الوجود الفصائلي يتحول إلى وجود هامشي، وأصبحت تجربة الفصائل الفلسطينية في سوريا تعاني من التردد السياسي والنظري.
ويخلص الفصل الثالث إلى أن الفلسطينيين في سوريا عاشوا طوال العقدين المنصرمين حالة من الانفضاض عن فصائل العمل الوطني الفلسطيني بسبب الإحباط، حتى أنهم عندما انفجر الحراك السوري في مواجهة النظام، وجدت الفصائل الفلسطينية نفسها غير قادرة على فهم ما يجري أو التعامل معه، بينما كان متفرغوها يعقدون الاجتماعات ويصدرون البيانات التي تتجنب الإشارة إلى القاتل الحقيقي للفلسطينيين والسوريين.
أما الفصل الرابع والأخير، فيتناول الفلسطينيين والثورة السورية. يصف الكتاب كيف وقعت المخيمات الفلسطينية ضحية القصف الوحشي والتهجير، فتعرضت مخيمات درعا والرمل في اللاذقية وخان الشيح والسبينة وصولاً إلى مخيم اليرموك للقصف بالمدافع والطائرات. ويقدم رقماً صادماً: غادر من مخيم اليرموك وحده على إثر قصف طائرات الميغ أكثر من 140,000 فلسطيني، تقطعت السبل بالكثيرين منهم في المدارس والجوامع. وتعرض الفلسطينيون الذين لجأوا إلى الأردن لمعاملة سيئة، وأعلن رئيس وزراء الأردن أن دخول اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن "خط أحمر". كما يعيش أكثر من 30,000 لاجئ فلسطيني من سوريا في لبنان أوضاعاً صعبة. وتشير تقديرات الأونروا إلى أنه منذ بدء النزاع، نزح أكثر من 300,000 فلسطيني من أصل إجمالي نحو 500,000، وأن جميعهم يحتاجون إلى مساعدة عاجلة.
يقر المؤلف بحدود واضحة في دراسته، فهو يعتمد على ملخصات فصول الكتاب ولا يتعامل مع النص الأصلي، كما أن الدراسة نُشرت في وقت مبكر نسبياً من الأزمة السورية (نيسان 2013)، مما يجعلها غير قادرة على تقديم قراءة كاملة لتطورات الأزمة وتداعياتها على الفلسطينيين. كذلك يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مصير الوجود الفلسطيني في سوريا بعد الأزمة، وحول قدرة الفصائل الفلسطينية على استعادة دورها الفاعل في حماية اللاجئين.
من الناحية النقدية، يمكن القول إن الكتاب يقدم قراءة متوازنة نسبياً، لكنه يميل إلى إبراز الجوانب الإيجابية في معاملة سوريا للفلسطينيين ربما أكثر مما تستحق، خصوصاً في ضوء الادعاء بأن القمع الأمني في سوريا كان يشمل الجميع بالتساوي، وهو ما قد يقلل من خصوصية معاناة الفلسطينيين تحت القبضة الأمنية. كما أن تأكيد المؤلف على أن الفلسطينيين في سوريا لم يشعروا بأنهم غرباء قد يكون مبالغاً فيه، خصوصاً في ضوء القيود المفروضة على تملكهم العقاري ومعاملتهم كأجانب في هذا المجال. ومع ذلك، يظل الكتاب مصدراً مهماً لفهم وضع الفلسطينيين في سوريا قبل الأزمة وخلال سنواتها الأولى، ويقدم تحليلاً عميقاً للتناقضات التي ميزت هذه التجربة الفريدة في الشتات الفلسطيني.