وميات شامية - قراءة في التاريخ الثقافي لدمشق العثمانية
يتمحور كتاب "يوميات شامية – قراءة في التاريخ الثقافي لدمشق العثمانية" للمؤلف سامر عكاش حول فكرة جوهرية واحدة: أن جذور التحديث الاجتماعي في العالم العربي لا تعود إلى التأثير الأوروبي في القرن التاسع عشر، بل سبقته بقرن كامل. يرى المؤلف أن القرن الثامن عشر شهد "حنجلة اجتماعية" في دمشق، مستعيراً مثلاً شامياً قديماً: "أول الرقص حنجلة"، حيث تشير "الحنجلة" إلى مشية متمايلة هي بداية الرقص، لكنها ليست الرقص نفسه. بهذا التشبيه، يصف المؤلف حالة الخروج التدريجي عن المألوف في المجتمع الدمشقي قبل أن تتحول إلى "رقص" أي إلى حداثة مكتملة النمو. يدافع الكتاب عن موقف واضح: التغيير كان مدفوعاً بعوامل داخلية وأحوال اجتماعية معاشة، لا بمشروع فكري مستورد من الغرب.
يسير منطق الكتاب عبر مقدمة نظرية ثم ثمانية مشاهد تحليلية، يربطها جميعاً سؤال مركزي: هل كانت هذه التغيرات الاجتماعية الملموسة مجرد "حنجلة" عابرة أم أنها كانت تمهد لـ "رقص" حقيقي؟ البداية من مدخل المثل الشامي، حيث يشرح المؤلف أن الدراسات الحديثة رصدت مظاهر متكررة في الحواضر العثمانية (إسطنبول، القاهرة، حلب، دمشق) مثل: بدايات الانفتاح الاجتماعي، وانصهار الفوارق الطبقية، وتحدي التقاليد، والظهور الجريء للمرأة، وبروز الطبقة الوسطى، وتوسع الحريات الفردية. ثم ينتقل إلى التمييز بين التغيير القادم من "الأحوال" (الظروف المادية والاجتماعية) والتغيير القادم من "الأفكار" (المشاريع الفكرية الواعية)، ليؤكد أن دراسته تركز على الأول عبر قراءة يوميات شعبية. المشاهد اللاحقة (من المشهد الأول حتى الثامن) هي تطبيق عملي لهذه الرؤية، حيث تحلل ظواهر محددة مثل التنزه خارج المدينة، وحرية المرأة في ارتداء الملابس، والتعايش الديني، والجنس في الفضاء العام، والعدالة الاجتماعية المختلة، ودور المقاهي كفضاءات للحرية العامة، وشرب الدخان والقهوة كرموز للحرية الشخصية. أخيراً، يتوجها مشهدان عن ازدراء الأديان والفضاء العام العقلاني، ويختتم بمراجعة منهجية عن مفاهيم "الحداثة المبكرة" و"العلمانية" و"الفضاء العام". المنطق هنا تراكمي: من المظاهر السطحية (ملابس، نزهات) إلى القضايا الجوهرية (حرية الضمير، نقد الدين)، ومن الفردي إلى العام.
يستند الكتاب إلى ستة نصوص أساسية من اليوميات الدمشقية تشكل معاً ذاكرة تمتد لقرن ونصف. أبرزها "يوميات شامية" لـ ابن كنان (التي اقتبس منها الكتاب عنوانه)، والتي تغطي 41 عاماً بين 1699 و1740، يليها يوميات أحمد البديري الحلاق (الذي يوثق 21 عاماً بين 1741 و1762)، ثم "تاريخ الشام" لـ ميخائيل بريك الدمشقي (62 عاماً من 1720 إلى 1781)، و"تاريخ حوادث الشام ولبنان" لـ ميخائيل الدمشقي (من 1782 إلى 1841)، بالإضافة إلى نصين لـ حسن ابن الصديق الدمشقي وحسن آغا العبد. هناك استمرارية زمانية شبه متعمَّدة بين هذه النصوص: فتنتهي يوميات ابن كنان عام 1740 لتبدأ يوميات البديري عام 1741، وتنتهي يوميات بريك عام 1781 لتبدأ يوميات ميخائيل الدمشقي عام 1782. هذا التتابع الزمني الدقيق يحفظ للمدينة ذاكرة متصلة تغطي الفترة من نهايات القرن السابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر. ومن الوقائع اللافتة التي يتضمنها الكتاب، ازدهار زراعة التبغ في دمشق رغم تحريم الدولة له، مما خلق "اقتصاداً موازياً" اضطرت السلطة لاحقاً إلى تقنينه، حيث تشير يوميات البديري إلى أن المسؤولين العثمانيين أنفسهم كانوا من بين كبار شاربي التبغ. كما يبرز دور الشيخ عبد الغني النابلسي (1641-1731) كرمز للحرية الشخصية، حيث دافع عن جواز شرب الدخان والقهوة والتنزه، وطوّر مفهوم "العقلانية الدينية" التي تستند إلى الاجتهاد والنظر في المصالح.
لا يخلو الكتاب من تحفظات وأسئلة مفتوحة يعترف بها المؤلف صراحة. فهو يطرح أسئلة محورية مثل: هل هذه الحنجلة الاجتماعية حقيقية أم افتراضية؟ هل كانت تقصد نفسها فقط أم أنها كانت ترمي إلى حالة "رقص" محددة؟ وإذا كانت الحنجلة في القرن الثامن عشر تشبه تلك التي في القرن التاسع عشر، فهل يعني ذلك أن المحرك الداخلي كان يؤدي إلى نفس النتيجة التي أدى إليها التأثير الخارجي؟ وكيف يمكن التعرف على دوافع الحراك الاجتماعي في غياب "وعي ذاتي" أو حراك فكري موازٍ يوثقه النصوص؟ هل تقتضي "حنجلة الأحوال" بالضرورة "حنجلة عقلية" على مستوى الأفكار؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، مما يمنح الكتاب طابعاً استقصائياً لا ادعائياً. كما أن التركيز على "الأحوال" قبل "الأفكار" يحمل في طياته تحفظاً منهجياً: فهو لا ينكر دور الأفكار، بل يؤكد صعوبة فصلهما عن الأحوال، ويعترف بأن التفاعل بينهما متواصل ومتداخل.
بناءً على المادة المقدمة، يمكن إثارة بعض نقاط النقاش المحتملة. أولاً، قد يرى بعض القراء أن إسقاط مفهوم "الحداثة المبكرة" الأوروبي على المجتمع الدمشقي في القرن الثامن عشر يحمل قدراً من التوجيه المسبق للقراءة، حتى لو حاول المؤلف تجنب ذلك عبر التركيز على اليوميات. فالمصطلح نفسه يحمل إرثاً تاريخياً غربياً قد لا ينطبق تماماً على حالة دمشق. ثانياً، يطرح السؤال: إذا كانت هذه "الحنجلة" لم تتحول إلى "رقص" حداثوي مكتمل (كما حدث في أوروبا) إلا بفعل التدخل الخارجي في القرن التاسع عشر، فهل يعني ذلك فشلاً للعوامل الداخلية أم أن طبيعة "الرقص" كانت ستكون مختلفة لو تُركت الأمور لمسارها الطبيعي؟ ثالثاً، الاعتماد بشكل شبه حصري على اليوميات (وهي نصوص نخبوية نسبياً حتى لو كتبها عامة، وتعكس وجهات نظر كتّابها الذكور غالباً) قد يحد من شمولية الصورة، خاصة فيما يتعلق بدور المرأة والفئات المهمشة التي قد لا تظهر مباشرة في هذه السجلات.