أبعاد العنف الطائفي في الساحل السوري
يتناول كتاب "أبعاد العنف الطائفي في الساحل السوري" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في يناير 2013 موضوعاً حساساً ومعقداً هو تحول منطقة الساحل السوري من حالة الاستقطاب الطائفي إلى مجازر مروعة، محاولاً تتبع جذور هذه الظاهرة وأسبابها ومآلاتها. الموقف المحوري الذي يدافع عنه الكتاب هو أن العنف الطائفي لم ينبثق من ثقافة الشعب السوري أو طوائفه بشكل عفوي، بل كان نتاجاً لاستراتيجية مدروسة من قبل النظام السوري، الذي عمل منذ الأسبوع الأول للثورة السلمية على تحويل مسارها من صراع سياسي ضد الاستبداد إلى فتنة طائفية، وذلك عبر خطاب إعلامي تحريضي، واستخدام مفرط ومقصود للقوة ضد المحتجين، وتوظيف الميليشيات المذهبية، مما دفع إلى ردود فعل طائفية مماثلة من بعض أطراف المعارضة.
يسير الكتاب في حجته بشكل متسلسل ومنطقي، مبتدئاً بوصف مرحلة الاستقطاب الطائفي الأولى. يوضح كيف نجح النظام في خلق حالة من الاحتقان المذهبي في الساحل، خاصة في مدن اللاذقية وبانياس وجبلة، من خلال إطلاق الميليشيات المأجورة "الشبيحة" من الأحياء العلوية في مناطق التماس، وتقديم المعتقلين من المحتجين على أنهم سلفيون تكفيريون، وتحذير الطوائف من بعضها البعض عبر سيارات تجوب الأحياء. مقابل ذلك، يوثق الكتاب محاولات مجتمعية لضبط النفس، مثل ابتكار آليات ضبط اجتماعي في أحياء مختلطة كحي قنينص، بل والخروج بتظاهرات مشتركة، لكن سرعان ما تفوق الخوف وهيمنة السلاح على هذه المبادرات. ينتقل الكتاب بعدها إلى توثيق الانتقال من الاستقطاب إلى المجازر، مسجلاً أول حادثة عنف طائفي واضحة المعالم في 15 تموز/ يوليو 2011 في حمص، قبل أن تصل إلى الساحل بجرائم مروعة.
يقدم الكتاب وقائع وأرقاماً وشهادات لافتة يصعب نسيانها، حيث يصف مجزرة بانياس في 5-7 أيار/ مايو 2013، عندما قامت اللجان الشعبية وقوات الدفاع الوطني من القرى العلوية المجاورة، بقيادة علي الكيالي الذي يتزعم ميليشيا "الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون"، باستباحة قرية البيضا وحي النبع داخل المدينة، مما خلف عدداً كبيراً من القتلى من الأطفال والنساء. تشير التقديرات التي يوردها الكتاب إلى مقتل 604 أشخاص وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، أو 535 وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان. وبعد ثلاثة أشهر، في 4 آب/ أغسطس 2013، شنّت قوات مسلحة تابعة للمعارضة، تضم كتائب جهادية مثل "المهاجرون" التي يقاتل فيها ليبيون، هجوماً على قرى صغيرة ذات غالبية علوية في ريف اللاذقية (مثل أستربة، وبيت الشكوحي، وبلوطة)، مما أسفر عن قتل العشرات وخطف ما يزيد على 100 طفل وامرأة بينهم شيخ دين يُدعى بدر الدين غزال، لا يزال مصيرهم مجهولاً. يذكر الكتاب أن الكتائب الخاطفة عرضت التفاوض مع النظام لإطلاق سراحهم مقابل الإفراج عن معتقلين، لكن النظام رفض ذلك رغم ضغط أهالي المخطوفين.
سعياً لتفسير أسباب ظهور العنف الطائفي، يرفض الكتاب اختزاله في عوامل ثقافية أو دينية، ويضعه في سياقه السياسي والاجتماعي. يرى أن الاستقطاب الطائفي كان جزءاً من استراتيجية النظام لتقسيم الرأي العام وحرف الأنظار عن المطالب السياسية، واستنفار المتطرفين الإسلاميين لتبرير القمع. من جهة أخرى، لا يعفي الكتاب المعارضة من المسؤولية، مشيراً إلى أن بعض أطرافها وشخصياتها انخرطت لاحقاً في هذه العملية من خلال دفاعها عن "جبهة النصرة لأهل الشام" أو التغطية على أفعال بعض الفصائل المسلحة. أدى تطور العمليات العسكرية، مع تفوق النظام الجوي واستخدام البراميل المتفجرة، إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، مما زاد الاحتقان الطائفي حتى أصبحت أغلب أطياف المعارضة الإسلامية المسلحة تساوي بين النظام والطائفة العلوية في خطابها، وكثر الحديث عن "النظام النصيري أو العلوي". كما فاقمت العوامل الخارجية من حدة الاحتقان، بدخول تنظيمات دينية متطرفة مثل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" و"حزب الله اللبناني" ومقاتلين شيعة من العراق، مما حول الصراع إلى حرب بالوكالة ذات أبعاد مذهبية إقليمية.
يعترف الكتاب بحدود التحليل ويدعو إلى مزيد من البحث حول قضايا محددة، مثل فكرة "الدويلة العلوية" التي يخشى البعض أن تتحول إلى واقع في حال يأس النظام من الصمود ولجوئه إلى الساحل، معتبراً أن هذه الفكرة، رغم انتشارها في النقاشات، تحتاج إلى دراسة منفصلة. كما يقر بأن العوامل التي أبقت مدينة اللاذقية بمنأى عن العنف الطائفي الواضح رغم الجرائم في محيطها، مثل وجود أسواق تجارية مركزية تضم جميع الطوائف واستضافة أكبر عدد من المهجرين (أكثر من مليون سوري) الذين لا يرغبون في دوامة جديدة من العنف، هي عوامل آخذة في التآكل بفعل الاستقطاب، مما ينذر بانهيار التعايش السلمي. ويترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول المصير، متسائلاً عن إمكانية تحول الصراع من ثورة ضد الاستبداد إلى حرب أهلية واضحة المعالم، أو خضوع سورية لتسويات سياسية ومحاصصة طائفية على غرار "اتفاق الطائف" اللبناني، وهو سيناريو يراه الكتاب مسدود الأفق ديمقراطياً ومغذياً من القوى الإقليمية والدولية.
أخيراً، يمكن الإشارة بإيجاز إلى أن حجج الكتاب، رغم تماسكها، تثير نقاطاً قابلة للنقاش، مثل التركيز شبه الحصري على مسؤولية النظام كمحرّض أساسي للطائفية، مما قد يقلل من وزن العوامل البنيوية والاجتماعية والاقتصادية العميقة، أو دور الخطاب الطائفي لبعض رجال الدين المستقلين عن النظام مثل عدنان العرعور الذي يذكره الكتاب كعامل مساهم. كما أن التمييز بين العنف السياسي والطائفي في سياق أهلي مثل السياق السوري، حيث تتداخل الدوافع، يظل إشكالياً نظرياً وعملياً. ومع ذلك، يظل الكتاب دراسة مهمة وشجاعة تقدم توثيقاً دقيقاً لمرحلة دموية، وكشفاً لآليات تحويل الاحتجاج السلمي إلى حرب مذهبية تحمل في طياتها مخاطر التغيير الديموغرافي والتطهير الطائفي، مع تحذير واضح من الانزلاق نحو مستقبل جديد مسدود الأفق ديمقراطياً في قلب المشرق العربي.