Almawred
يوسف الفيصل - ذكريات ومواقف
عربي

يوسف الفيصل - ذكريات ومواقف

يوسف الفيصلar

بدأت حياة يوسف الفيصل في مدينة حمص، داخل أسرة صيدلانية عريقة، حيث كان والده الحاج رشيد الفيصل يمتلك صيدلية «الاستقامة». لم تكن هذه النشأة مجرد إطار عائلي، بل شكلت خلفية الصراع الفكري الأول في حياته؛ إذ أرادته العائلة أن يحمل راية المهنة، فدرس الصيدلة في جامعة دمشق تاركاً حلمه بدراسة الفلسفة. لكن هذا المسار الأكاديمي لم يمنع تكوّنه السياسي المبكر، ففي الإعدادية انضم إلى فرقة كشفية ومن ثم إلى الحزب الشيوعي السوري، متأثراً بصداقته بعدنان البني وعبد الحكيم عبد الصمد. عاش الفيصل صراعات أيديولوجية وجسدية مع جماعة الإخوان المسلمين في حمص، وشارك في الإضراب الخمسيني الشهير عام 1937 وهو في الثانية عشرة من عمره، يقذف الحجارة بالمقلاع. بعد هذه السنوات التكوينية، قاده التزامه الحزبي إلى الزواج من كوثر رحمون بقرار من قيادة الحزب، ليكون ذلك تمهيداً لمهمته في الخارج، حيث عمل في اتحاد الطلاب العالمي متنقلاً بين براغ وموسكو وبيروت، في حياة وصفتها المذكرات بأنها كانت صعبة على زوجته بسبب العمل السري والانتقالات المتكررة، إلى أن أصيبت بجلطة دماغية في نهاية الثمانينيات.

تتخلل المذكرات تفاصيل دقيقة عن الأحداث الوطنية الكبرى التي شهدتها سورية. يصف الفيصل انقلاب سامي الحناوي في 14 آب 1949 على حكم حسني الزعيم، الذي أغرَق البلاد بتدابير زجرية وأجرى استفتاءً شكلياً حصل فيه على 771114 صوتاً. يوثق الكاتب كيف قاد الحناوي، بدفع من صهره أسعد طلس، انقلاباً أسفر عن إعدام الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، في ظل صراع عربي بين محور مصر والسعودية والولايات المتحدة ومحور العراق وبريطانيا. ثم ينتقل إلى انقلاب العقيد أديب الشيشكلي في 19 كانون الأول 1949، الذي قاد سورية نحو ديكتاتورية فردية أسس فيها "حزب التحرير" وحل مجلس النواب والأحزاب، قبل أن يسقط في ربيع 1954 بعصيان ضباط في حلب وحماه وحمص، ليهرب إلى لبنان ثم البرازيل حيث اغتيل. في خضم هذه التقلبات، لم يغفل الفيصل عن توثيق سياسة الحناوي العدائية تجاه الشيوعيين، حيث هاجم رجال الأمن اجتماعاً لمؤتمر العمال السوريين واعتقلوا قادة مثل إبراهيم بكري وخليل الحريري، وأضرب المعتقلون عن الطعام خمسة عشر يوماً حتى أطلق سراحهم.

يقدم الكتاب وثائق حزبية نادرة تكشف الصراعات الأيديولوجية داخل الحزب الشيوعي. في قضية الرفيق سهيل (نجاة قصاب حسن)، يناقش الفيصل مسألة تأديبية انتهت بفصل هذا القائد متعدد المواهب (محامٍ، صحفي، موسيقي، رسام) من اللجنة المركزية، بسبب خلافات حول التصويت لصالح فرزت المملوك وموقفه من الهتاف للاتحاد السوفييتي. أما "قضية سالم" فتكشف النقاب عن معاناة القائد اللبناني فرج الله الحلو، الذي اتهمته القيادة المركزية بـ"الميول الكوسموبوليتية والشوفينية" بعد رفضه قرار تقسيم فلسطين، فيما يرى الفيصل أن القضية جوهرها كان حرص خالد بكداش على تطابق مواقف الحزب مع مواقف الاتحاد السوفييتي حرفياً، انطلاقاً من مبدأ "نحن مع الاتحاد السوفييتي على الخطأ والصواب". يكشف الفيصل أن هذا المبدأ نفسه تكرر عندما كُلف بكداش بوضع مشروع تقرير للمؤتمر السادس، مما أدى إلى انقسام لاحق في الحزب. وفي قضايا أخرى، ينتقد الفيصل تقريراً حزبياً نسبه إلى بكداش، اعتبر فيه أن البرجوازية الوطنية "أفلست تاريخياً" ودعا إلى عزلتها، بينما يرى الفيصل أن هذا الموقف انعزالي يتناقض مع تجارب أخرى كالتجربة الفيتنامية، مشيراً إلى أن التقرير اعتمد بشكل مفرط على أفكار ستالين مع سبعة عشر استشهاداً منه.

يتوقف الفيصل طويلاً عند حركة السلام العالمية وتجلياتها في سورية. يذكر أن المؤتمر العالمي الأول لقوى السلام عُقد في باريس وبراغ عام 1949، وأن الحركة نشأت كرد فعل على استخدام القنبلة الذرية ضد اليابان. في سورية، تشكل المجلس الوطني لأنصار السلام بقيادة الدكتور مصطفى السباعي والفنان سعيد تحسين، وعُقد أول مؤتمر في دمشق في تشرين الأول عام 1950 لكن الشرطة داهمته. أبرز حملات الحركة كانت جمع التواقيع على نداء استوكهولم في آذار 1950، الذي طالب بالمنع غير المشروط للسلاح النووي، وجمع النداء أكثر من مليار ونصف مليار توقيع عالمياً، ونحو ستمئة ألف توقيع في سورية التي كان عدد سكانها آنذاك نحو أربعة ملايين نسمة. يوثق المؤلف أيضاً كيف كانت سلطات النظام العسكري تلاحق حملة السلام، فيذكر حادثة في حمص حيث اعتُقل عدد كبير من أنصار السلام وسيقوا مشياً على الأقدام نحو أربعين كيلومتراً، وحولوا مسيرتهم إلى تظاهرة شعبية.

في مرحلة الخمسينيات، يسرد الفيصل بالتفصيل تشكل التحالفات البرلمانية والصراع بين التيار الوطني الرافض للأحلاف الغربية والتيار الموالي للعراق. يصف تشكيل حكومة فارس الخوري، وكيف غيّر خالد بكداش وبموافقة المؤلف رأيهما في منح الثقة للحكومة بعد تصريح الخوري بنفي أي نية لجر سورية إلى أحلاف عسكرية. يتناول الفصل أحداثاً كبرى مثل توقيع الاتفاق التركي العراقي في 11 كانون الثاني 1955 مؤسساً لحلف بغداد، وتأميم قناة السويس في 26 تموز 1956، ثم العدوان الثلاثي على مصر. هنا تبرز شهادات تاريخية مهمة، مثل برقية بكداش إلى عبد الناصر ورد الأخير عليها، ودور الضابط السوري جول جمال في تعطيل البارجة الفرنسية "جان دارك". ويثبت الفيصل أن الضغط الشعبي أدى إلى "معركة البترول" التي رفعت حصة سورية من شركتي النفط إلى 1,047,757 جنيهاً إسترلينياً عن عام 1955 مع مفعول رجعي قدره 8,000,000 جنيه، وصولاً إلى تأميم توزيع المحروقات.

يخصص الفيصل قسماً موسعاً للوحدة السورية المصرية، محدداً أربعة عوامل أدت إليها: الروح القومية العربية، التكاتف الشعبي بعد العدوان الثلاثي الذي احتشد فيه أكثر من مئة ألف متضامن في الملعب البلدي بدمشق، الهجمة الاستعمارية الأمريكية التي حشدت القوات التركية على الحدود السورية، والصراع الداخلي في سورية. يكشف المؤلف تفاصيل غياب خالد بكداش عن جلسة إقرار الوحدة التاريخية يوم 5 شباط 1958، معتبراً ذلك منعطفاً حاسماً ترك آثاراً سلبية. ثم ينتقد بشدة الممارسات المصرية بعد الوحدة التي نقلت إلى سورية "الأحكام العرفية والأجهزة الأمنية وقتل الناس تحت التعذيب"، ويوثق حملة اعتقالات واسعة طالت الآلاف وسقط فيها شهداء مثل فرج الله الحلو وسعيد الدروبي. وتتويجاً لهذه الأوضاع، قاد العقيد عبد الكريم النحلاوي انقلاباً في فجر 28 أيلول 1961 معلناً تصحيح مسار الوحدة.

بعد الانفصال، يوثق الفيصل الأجواء السياسية المتقلبة، حيث يصف مفارقة تحول شخصيات مثل أكرم الحوراني وصبري العسلي إلى داعمين للانفصال مدفوعين بالمصالح الطبقية. ثم يتناول مرحلة تثبيت حكم حزب البعث بعد 8 آذار 1963، حيث صدرت قرارات بتأميم شركات كبرى مثل الشركة السورية للغزل والنسيج في دمشق والشركة الأهلية في حلب، مما أثار أحداثاً عنيفة في حماة حيث قاد الإخوان المسلمون إضراباً وتحصن الشيخ مروان حديد في جامع السلطان، مما دفع السلطات لضرب الجامع بالمدفعية. في موازاة ذلك، يذكر الفيصل أن الحزب الشيوعي لعب دوراً فاعلاً بإلغاء تأميم المؤسسات الصغيرة، وفي أيلول 1965 صدر قرار بتشكيل المجلس الوطني الموسع الذي ضم لأول مرة عضوين من الحزب الشيوعي: الدكتورة نجاح الساعاتي وسميح عطية.

يأخذ عدوان 1967 حيزاً كبيراً من المذكرات، حيث يحلّله الفيصل كنتاج للتحولات الاجتماعية العميقة في سورية، مثل معركة استحقاقات النفط وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي لبناء سد الفرات. ينتقد الخطاب السياسي العربي الذي طغت عليه المزايدات والشعارات غير الواقعية، ويعترف بأن النكسة أظهرت قصوراً في الربط بين الوطني والقومي والدولي، وأسست لصعود التيار الديني السلفي. في هذا السياق، يناقش الفيصل قرار مجلس الأمن 242 الذي رفضته سورية قاطعاً، بينما انتقد الحزب الشيوعي هذا الموقف واعتبره خطأً يضع الأصدقاء والأعداء في كفة واحدة، مما أدى لاحقاً إلى مشاركة الحزب بإرسال مقاتلين إلى منظمات فلسطينية. يتوقف الكاتب طويلاً عند مشروع سد الفرات كرمز للتنمية والتعاون السوفييتي، حيث حصلت سورية على تمويل قيمته 501 مليون روبل بفائدة 2.5٪، ويصف حماسة آلاف الشيوعيين الذين خرجوا من السجون للمشاركة في البناء، وكيف شكل السد مجتمعاً جديداً بقيم التضافر.

يبحث الفيصل في الخلافات الدولية داخل الحركة الشيوعية، ويركز على اللقاء الاستشاري للأحزاب الشيوعية في بودابست، حيث هاجم بكداش موقف الحزب الشيوعي الروماني، مما أدى إلى انسحاب الوفد الروماني. يعترف الفيصل بأن إيمانهم كان مطلقاً بالسياسة السوفييتية، وأن المركزية أدت إلى "سلطة الفرد القائد" وساهمت في انهيار المنظومة الاشتراكية لاحقاً. أما بالنسبة للتنظيم الفلسطيني للحزب الشيوعي السوري، فيكشف الفيصل عن "حذر" كبير من قيادة الحزب بقيادة بكداش في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، أدى إلى رفض قبولهم كأعضاء لفترة طويلة، واصفاً ذلك بـ"الخطأ الفادح"، قبل أن يتشكل التنظيم رسمياً عام 1971 ويصدر نشرة "عائدون".

في ختام المذكرات، يلقي الفيصل الضوء على المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري الذي عُقد بعد انقطاع دام 25 عاماً في حزيران 1979، في فيلا بحي المزة بسرية تامة. انتُخب فيه 111 مندوباً وحضره ممثلون عن الحزبين العراقي والأردني. كرس المؤتمر فكرة عقد المؤتمرات بشكل دوري وأرسى قواعد الديمقراطية الداخلية، لكن الفيصل يقر بأن المؤتمر أظهر بدايات الخلافات التي أدت لاحقاً إلى أول انقسام كبير في الحزب عام 1986.

هذه المذكرات ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شهادة حية على تعقيدات العمل السياسي في مرحلة مفصلية من تاريخ سورية. يقدم الفيصل نقداً ذاتياً لبعض مواقف الحزب، كاعترافه بأن انتقاد الحزب لبناء مرفأ اللاذقية بتكليف شركة يوغوسلافية كان خطأً ميكانيكياً يعكس الخلاف السوفييتي مع تيتو، أو اعترافه بأن لغة بيان الحزب بعد الانفصال كانت قاسية وتحليله مبالغاً فيه. مع ذلك، تبقى المذكرات محكومة بثنائية حادة في توصيف القوى (وطني ضد استعماري، تقدمي ضد رجعي)، وقد لا تنصف تعقيدات الواقع حقيقة. كما أن التبرير المستمر لتحالفات الحزب وفقاً لما يراه "الموقف الوطني الصحيح"، والانتقاد الشامل لجميع الحكومات دون استثناء، يجعل من المذكرات وثيقة مثيرة للنقاش حول موضوعية السرد الحزبي في تغطية فترة تاريخية شديدة الاضطراب.

Chapitres(8)

1.الطفولة / الدراسة الجامعية / كوثر رحمون / الهجوم على مكتب الحزب الشيوعي / سنة في سجني القلعة والمزة 13–90▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على سيرة حياة يوسف الفيصل الذاتية، متتبّعاً نشأته في مدينة حمص داخل عائلة صيدلانية، مروراً بطفولته ودراسته الجامعية، وصولاً إلى زواجه من كوثر رحمون وبداية مسيرته الحزبية والعملية. يقدّم المؤلف سرداً شخصياً يصف تكوينه الفكري والسياسي، ويشرح كيف قادته الظروف العائلية والالتزام الحزبي إلى اتخاذ قرارات مصيرية، مثل دراسة الصيدلة بدلاً من الفلسفة، وقبول مهمات خارج البلاد.

يسير الفصل زمنياً، مبتدئاً بوصف والده الحاج رشيد الفيصل، الصيدلي المعروف في حمص، الذي امتلك صيدلية «الاستقامة» أمام الساعة القديمة. يتحدث عن أخلاق والده الصارمة وتدينه واهتمامه بتربية أبنائه، وعن والدته وصفية السعيدي التي كانت تهتم بالمنزل والأولاد وتشجعهم على الدراسة. ينتقل بعدها إلى الحديث عن إخوته وأخواته، ومنهم محمد روحي الفيصل الكاتب والناقد، ومحمد واصل الفيصل الذي أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي لاحقاً ووزيراً للمواصلات، وأخته أسما الفيصل التي درست الطب وسُجنت نشاطها الحزبي وتزوجت رياض الترك. يوضح المؤلف كيف انتمى معظم أفراد عائلته للحزب الشيوعي أو تعاطفوا معه.

يروي المؤلف ذكريات طفولته، التي تضمّنت حبّه لتربية الحيوانات، وتعلّمه السباحة في الساقية، ومشاهدته لخيال الظل «كركوز وعيواظ»، وتأثره بشخصيات «القبضايات» والثوار الذين حاربوا الاحتلال الفرنسي. يصف مشاركته وهو في الثانية عشرة من عمره في الإضراب الخمسيني الشهير عام 1937 ضد الاحتلال، حيث كان يقذف الحجارة بالمقلاع، ويحكي عن تجربته في فتح الصيدلية بعد الإضراب واكتشافه أن الدرج الداخلي قد نُهب. ينتقل إلى مراحل تعليمه الأولى في الكتاتيب والمدرسة الخيرية الإسلامية، ويذكر أساتذته الذين أثّروا فيه، مثل أحمد نورس السواح معلم التاريخ الذي غرس فيه الروح الوطنية.

يتناول الفصل بالتفصيل تحوّله الفكري في المرحلة الإعدادية والثانوية، حين انضم إلى فرقة كشفية ومن ثم إلى الحزب الشيوعي السوري بفضل صداقته بـ عدنان البني وعبد الحكيم عبد الصمد. يصف الصراعات الأيديولوجية والجسدية مع جماعة الإخوان المسلمين في حمص، والتي بلغت ذروتها بمحاولة حرق منزل رفيق البني وهروبهم المؤقت إلى مصياف. يشير إلى نشاط الحزب في القضايا العمالية والفلاحية، وإلى دعمه للكتلة الديمقراطية بقيادة هاني البني في الانتخابات، ومشاركته في الاحتفال باستسلام ألمانيا النازية عام 1945 حيث سمع خطاب خالد بكداش لأول مرة.

يتناول الفصل دراسته الجامعية في كلية الصيدلة بجامعة دمشق، والتي فرضتها عليه حاجة العائلة لصيدلي يدير الصيدلية. يصف السنوات الدراسية وأساتذته وأجواء الجامعة في تلك الفترة، والنشاط السياسي الطلابي الذي شهده، خصوصاً التظاهرات المطالبة بالجلاء وإحراق الكتب الفرنسية، وتصديه لاتفاق بيفن – بيدو الاستعماري. يذكر تفاصيل عن زملائه في الدراسة ومنهم من أصبح وجهاً سياسياً بارزاً لاحقاً، ويصف حياته في «بانسيون» تديره مدام فكتوريا ثم انتقاله لاستئجار بيت مع شقيقه.

يتطرق الفصل إلى حادثة الهجوم على مكتب الحزب الشيوعي في دمشق بعد قرار تقسيم فلسطين، والتي أسفرت عن اعتقاله لمدة عام في سجني القلعة والمزة، مما أدى إلى تأخره سنة دراسية. يصف المؤلف أجواء السجن وتأثير ذلك على مسيرته الأكاديمية والسياسية.

أخيراً، ينتقل الفصل إلى تفاصيل زواجه من كوثر رحمون، الذي تمّ بقرار من قيادة الحزب وبعد موافقة العائلتين، ليكون تمهيداً لمهمته الحزبية في الخارج. يصف فترة الخطوبة والزواج، ثم سفره إلى براغ للعمل في اتحاد الطلاب العالمي، والحياة التي عاشها مع زوجته وأطفالهما بين براغ وموسكو وبيروت، متحدثاً عن الصعوبات الأمنية والمعيشية التي رافقت تلك الفترة. يعترف المؤلف بأن الحياة كانت صعبة على زوجته بسبب ظروف العمل السري والانتقالات المتكررة، خاصة في مرحلة الوحدة بين سورية ومصر، إلى أن أصيبت كوثر بجلطة دماغية في نهاية الثمانينيات.

2.الانقلابات العسكرية / انقلاب سامي الحناوي / الانقلاب الثالث.. انقلاب العقيد أديب الشيشكلي / قضية الر91–142▼ résumé

ملخص الفصل السابع والثامن والتاسع من كتاب "يوسف الفيصل - ذكريات ومواقف"

يتناول الفصل السابع انقلاب سامي الحناوي الذي وقع في 14 آب 1949 ضد حكم حسني الزعيم. يروي المؤلف أن أسعد طلس، وهو صهر الحناوي وموظف في وزارة الخارجية السورية، كان على صلة وثيقة بالنظام العراقي ونجح في شراء ولاء عدد من الضباط الصغار. توجه اهتمام طلس إلى صهره الحناوي، وهو ضابط كبير ذو سمعة حسنة في الجيش، وأقنعه بفكرة الاتحاد بين سورية والعراق، ثم دفعه للانقلاب على حسني الزعيم وتصفيته.

يصف المؤلف تردي أوضاع حكم حسني الزعيم، الذي أغرق البلاد بتدابير زجرية وأوقف الأحزاب وأجرى استفتاءً شكلياً حصل فيه على 771114 صوتاً من أصل 770771 صوتاً، ونصب نفسه "مشيراً". كما قام بتسريح عدد من الضباط بينهم العقيد أديب الشيشكلي. وقد لعب دوراً كبيراً في تدهور سمعته بسبب لقاءاته مع الإسرائيليين، مما دفع الحناوي وعدداً من الضباط لمقابلته والاحتجاج على هذه السياسة.

يذكر المؤلف أن حسني الزعيم أدلى بتصريح في 4 تموز أكد فيه علاقاته الطيبة مع مصر والملك فاروق والملك عبد العزيز آل سعود، وأعلن معارضته لضم سورية إلى العراق. رداً على ذلك، أعلن نوري السعيد عدم اعترافه بنتائج الاستفتاء وطلب من البلدان العربية عدم الاعتراف بها. اشتد الصراع على سورية بين مجموعتين عربيتين: مصر والسعودية بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا، والنظام الملكي العراقي بدعم من بريطانيا.

قام سامي الحناوي بتجميع ضباط من رتب مختلفة، بينهم خالد المسؤول عن حراسة بيت الزعيم نفسه. في اليوم المحدد، اعتقلوا حسني الزعيم ومحسن البرازي رئيس الوزراء، وساقوهما إلى سجن المزة. شكل الحناوي مجلساً حربياً اجتمع في المزة وأصدر قراراً بإعدامهما، وألقيت جثتاهما في مكان ناءٍ. صدر مرسوم تشريعي أعطى المجلس الحربي الأعلى جميع الصلاحيات، وآخر أعاد أسعد طلس إلى وزارة الخارجية.

دعا البلاغ العسكري شخصيات سياسية للاجتماع لتشكيل حكومة مدنية. تشكلت لجنة من هاشم الأتاسي وفارس الخوري ورشدي الكيخيا وناظم القدسي ومصطفى برمدا وسامي كبارة وأكرم الحوراني ونبيه العظمة وفيضي الأتاسي. كُلّف هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة مؤقتة ضمت خالد العظم وناظم القدسي ونبيه العظمة وفيضي الأتاسي وأكرم الحوراني وسامي كبارة ورشدي أسيون ومجد الدين الجابري وفتح الله عطفة وميشيل عفلق. اشترط الحوراني قبوله بالمنصب بعودة الضباط المسرحين إلى الجيش، بينهم الشيشكلي.

في يوم تشكيل الحكومة، قام الحناوي بعملية استعراضية سار فيها بقافلة من السيارات إلى سراي الحكومة، وأعلن أمام هاشم الأتاسي أن الجيش قرر العودة إلى الثكنات بعد تسليم الحكومة لرجال مدنيين.

بدأ العمل الجدي لتحقيق الاتحاد بين سورية والعراق. يروي المؤلف أن أكرم الحوراني قاوم هذا الاتجاه محذراً من أخطاره على الاستقلال السوري. ويستشهد بموقف خالد العظم الذي رأى صعوبات المشاركة الاقتصادية بين سورية ولبنان، متسائلاً كيف ستكون الحال بين العراق وسورية اللتين تفصلهما صحراء شاسعة. تشكلت مجموعة وزارية ضمت خالد العظم وأكرم الحوراني وسامي كبارة وقفت ضد مشروع الاتحاد.

في أيلول، عقد الإخوان المسلمون مؤتمراً وأعلنوا تأييدهم للمشروع. صدر ترخيص رسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقام الحناوي بزيارة مكتب الحزب. نُظمت انتخابات لجمعية تأسيسية، ونجح أنصار الاتحاد مع العراق، وانتخبت الجمعية هاشم الأتاسي رئيساً للدولة وناظم القدسي رئيساً للوزراء. نشطت المؤسسات العراقية، فقدم الأمير عبد الإله لزيارة سورية، وبدأ صرف الأموال على نطاق واسع. المفارقة كانت في موقف الملك عبد الله ملك الأردن، الذي عارض الاتحاد انطلاقاً من أن مشروعه "سورية الكبرى" هو الأحق.

ووفقاً للأكثرية على مشروع الاتحاد، أعلن خالد العظم استقالته، وكادت تنشأ أزمة وزارية. تدخلت لجنة وفاق ورفضت الجمعية التأسيسية استقالة الرئيس، وشكل العظم وزارته.

يصف المؤلف سياسة الحناوي العدائية تجاه الشيوعيين، وممارسته سياسة تنكيل واسعة. هاجم رجال الأمن اجتماعاً لمؤتمر العمال السوريين، واعتقلوا عدداً من الرفاق بينهم إبراهيم بكري وخليل الحريري، وساقوهم إلى سجن المزة. أضرب المعتقلون عن الطعام، وبعد خمسة عشر يوماً أطلق سراحهم. أصدر الحزب الشيوعي بياناً في تشرين الأول 1949 بعنوان "فليسقط الإرهاب الإقطاعي الفاشستي"، اتهم فيه حكام الانقلاب باستخدام أساليب حسني الزعيم في قمع الحريات وإبقاء الاتفاقيات الاستعمارية البترولية. ركز الحزب في بيان آخر على موضوع الاتحاد مع العراق، محذراً من أنه مشروع استعماري هدفه جعل سورية مستعمرة خاضعة للاحتلال العسكري.

ينتقل الفصل الثامن إلى انقلاب العقيد أديب الشيشكلي في 19 كانون الأول 1949. يوضح المؤلف أن انتخابات الجمعية التأسيسية أثارت قلق الضباط، خاصة أن الدستور الجديد خلا من التأكيد على النظام الجمهوري، مما سرّع بعملية الانقلاب. صدر البلاغ رقم 1 يتهم سامي الحناوي وعديله أسعد طلس وبعض السياسيين بالتآمر مع جهات أجنبية على سلامة الجيش والنظام الجمهوري. عُين الزعيم أنور بنود رئيساً للأركان، والشيشكلي معاوناً له.

بدأ رئيس الدولة هاشم الأتاسي استشاراته الوزارية، وكُلّف خالد العظم بتشكيل الوزارة، لكن رشدي الكيخيا رئيس الجمعية التأسيسية وضع العصي في العجلات. تعذر الاتفاق، وقدم الأتاسي استقالته. تشكلت لجنة وفاق نجحت في حل الأزمة، وشكل خالد العظم وزارته.

تميزت مرحلة الشيشكلي بعدم الاستقرار، فمنذ نيسان 1951 بدأت أوضاع وزارة العظم تهتز. تشكلت وزارة برئاسة ناظم القدسي ثم استقالت، وعاد العظم مجدداً. أصبح الشيشكلي رئيساً للأركان وخطا نحو السيطرة الفردية. أتت وزارة حسن الحكيم واستقالت، ثم وزارة معروف الدواليبي التي لم تدم سوى يومين، واعتقل رئيسها وأعضاؤها. استلم العسكريون السلطة، ونظم الشيشكلي تنظيمه السياسي "حزب التحرير"، وحل مجلس النواب والأحزاب، ونظم انتخابات برلمانية، وجرى التصويت على دستور رئاسي منحه السلطة الكاملة، وأصبح رئيساً للجمهورية. في ربيع 1954، قام ضباط بعصيان في حلب وحماه وحمص، واضطر الشيشكلي للتراجع والهرب إلى لبنان ثم فرنسا وسويسرا، واستقر في البرازيل حيث اغتيل.

يستعرض المؤلف ست قضايا رئيسية في هذه المرحلة: تصريح الدواليبي في نيسان 1950 الذي هدد فيه بأن العرب قد يفضلون أن يصبحوا جمهورية سوفييتية على أن يكونوا وطناً لليهود؛ البيان الثلاثي الصادر عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن تسليح الدول العربية وإسرائيل؛ الجدل حول المادة الثالثة من الدستور الجديد المتعلقة بدين رئيس الجمهورية؛ رفض النقطة الرابعة من مشروع ترومان؛ رفض مشروع قيادة الشرق الأوسط؛ قيام الثورة المصرية في تموز 1952 وعلاقات الصداقة بين الشيشكلي واللواء محمد نجيب.

يتناول الفصل أيضاً نشاط الحزب الشيوعي السوري ضد نظام الشيشكلي. أصدر الحزب مذكرة إلى الجمعية التأسيسية تضمنت مبادئ أساسية للدستور الجديد، شملت النضال من أجل الاستقلال الوطني، رفض المشاريع الحربية، صيانة كيان سورية، النظام الجمهوري الديمقراطي، محو الإقطاعية، تحقيق مطالب العمال والفلاحين، حقوق المرأة، اقتصاد وطني مزدهر، احترام الملكية الفردية، الحريات الديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة.

يوثق المؤلف النشاطات الجماهيرية للحزب، كالتظاهرات والعرائض ووفود الاحتجاج. يصف التظاهرة الكبرى في 10 تشرين الأول بدمشق، وكيف تدخلت الشرطة العسكرية واعتقلت بعض المتظاهرين. يذكر إضرابات الطلاب الدائمة، والاعتقالات الواسعة للشيوعيين والبعثيين في كانون الثاني 1952، وسوقهم إلى سجن تدمر. يروي لقاء الشيشكلي ببعض المعتقلين الشيوعيين في 1 تموز، وإطلاق سراحهم.

ويخلص الفصل إلى أن تراكم النشاطات والغليان الشعبي أدى إلى نضوج الظروف لإسقاط نظام الشيشكلي. عُقد مؤتمر سياسي في مدينة حمص ضم القوى السياسية التقليدية باستثناء الشيوعيين، رغم محاولاتهم الدخول. انتهى المؤتمر إلى مقاطعة استفتاء الشيشكلي على الدستور والرئاسة في 11 تموز 1953، وكان الاستفتاء هزيلاً. مع ذلك، أقر الدستور وانتخب الشيشكلي رئيساً للجمهورية، لكن الأحداث تلت ذلك وأدت إلى تصفية نظامه وهروبه إلى بيروت.

أما الفصل التاسع، فيتناول قضية الرفيق سهيل واسمه الحقيقي نجاة قصاب حسن. يصفه المؤلف بأنه ابن دمشق، درس الحقوق وممارس المحاماة، وكان أمين اللجنة المنطقية لمنظمة دمشق وعضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. كان متعدد المواهب: موسيقي ورسام وصحفي. ترشح للنيابة عن دمشق، ودافع عن العديد من الرفاق المعتقلين.

في نهاية عام 1951 والنصف الأول من 1952، نشأت قضية شغلت الحزب، وعُقد اجتماع في بيروت برئاسة الأمين العام خالد بكداش للبحث فيها. انتهت القضية بفصل سهيل من اللجنة المركزية واللجنة المنطقية، ثم آثر إنهاء علاقته بالحزب والعودة إلى الحياة الخاصة.

يذكر المؤلف أهم القضايا التي حوسب عليها سهيل: التصويت لصالح فرزت المملوك في انتخابات ريف دمشق؛ موقفه من الهتاف للاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي؛ موقفه من الانتقاد والانتقاد الذاتي؛ مسألة الاستهتار بالعمل السري. يورد رسالة مطولة من سهيل إلى القيادة المركزية يشرح فيها وجهة نظره، ويدافع عن نفسه، وينتقد بدوره بعض الرفيقات.

كما يورد رسالة من بشير (خالد بكداش) إلى الرفيق شارل حول القضية، ينتقد فيها موقف سهيل ويتهمه بالفردية والذاتية، ويؤكد أن البقاء في الحزب يستحق التضحية.

3.حزب العمال والفلاحين / قضية سالم / حركة السلام في سورية وفي العالم / سقوط أديب الشيشكلي وعودة الحياة143–222▼ résumé

ملخص الفصل

يقدم هذا الفصل من مذكرات يوسف الفيصل وثائق حزبية وأحداثاً سياسية محورية في تاريخ سورية والحزب الشيوعي السوري خلال منتصف القرن العشرين. يتناول الفصل ثلاثة محاور رئيسية: تقرير حزبي حول التوجه نحو العمال والفلاحين، وقضية تأديبية داخل الحزب عُرفت بـ"قضية سالم"، وحركة السلام في سورية والعالم. المحور الذي يربط هذه الموضوعات هو الصراع الأيديولوجي والتنظيمي داخل الحزب الشيوعي حول الاستراتيجية الصحيحة لمرحلة التحرر الوطني الديمقراطي.

يبدأ الفصل بعرض تقرير حزبي طويل يُنسب إلى خالد بكداش، يتناول المهام الرئيسية للحزب في مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي. يحدد التقرير أن الأهداف هي القضاء على سيطرة الاستعمار وعملائه وتصفية بقايا الإقطاعية، وإقامة حكم ديمقراطي شعبي، تمهيداً لمرحلة الاشتراكية. الشعارات الرئيسية في هذه المرحلة هي: السلم والاستقلال الوطني والديمقراطية. يرى التقرير أن القوة الرئيسية للثورة هي الطبقة العاملة المتحالفة مع جماهير الفلاحين، بينما الفئات الشعبية الأخرى كالطلاب والمثقفين وصغار التجار هي قوى مساعدة لا تستطيع السير وحدها إلى النهاية.

يتخذ التقرير موقفاً قاسياً من البرجوازية الوطنية، معتبراً أنها أفلست تاريخياً ولا يمكنها لعب دور أساسي أو قيادي في النضال ضد الاستعمار، بل إن مهمة الحزب هي عزل هذه البرجوازية عن الشعب وكشف نفوذها. ينتقد التقرير الأحزاب البرجوازية الكبيرة مثل حزب الشعب والحزب الوطني في سورية، وشخصيات مثل بشارة الخوري ورياض الصلح وكميل شمعون في لبنان. كما يحذر من الجماعات والأحزاب التي تدّعي الاشتراكية، معتبراً أنها تشكل خطراً على الحركة الوطنية الديمقراطية.

يعترف التقرير بوجود أخطاء في عمل الحزب، أبرزها أن نشاطه يتركز في أوساط البرجوازية الصغيرة والعمال الميسورين، بدلاً من العمال والفلاحين الفقراء. ويدعو إلى "انعطاف حازم نحو العمال والفلاحين"، ويحدد مهمات تنظيمية لتحقيق ذلك، منها: الأمانة التامة لمبادئ الحزب، وتوجيه العمل النقابي والجماهيري نحو العمال والفلاحين، وتقديم كادر جديد باستمرار مع الاهتمام بالثقافة النظرية الماركسية اللينينية.

يقدم يوسف الفيصل بعد ذلك نقده الخاص لهذا التقرير، معتبراً أنه يتضمن تناقضاً صارخاً. فهو من جهة يحدد أن البرجوازية الوطنية يجب أن تكون جزءاً من قوى الثورة الوطنية الديمقراطية، لكنه من جهة أخرى يدعو إلى عزل هذه البرجوازية والقضاء على نفوذها. يرى الفيصل أن هذا الموقف انعزالي، وأن تجارب الأحزاب الشيوعية الأخرى، كالتجربة الفيتنامية، تظهر أهمية التحالف مع البرجوازية الوطنية. كما ينتقد اعتماد التقرير المفرط على أفكار ستالين، مع سبعة عشر استشهاداً منه، ويشبه ذلك بالاستشهاد بالنصوص الدينية. ويشير الفيصل إلى أن التقرير صدر بطبعتين، الأولى كانت أكثر انعزالية وتضمنت مواقف ضد قوى مثل كمال جنبلاط، بينما حُذفت هذه المواقف من الطبعة الثانية.


ينتقل الفصل إلى "قضية سالم"، وهي قضية تأديبية طالت الرفيق فرج الله الحلو (المعروف بالاسم الحركي "سالم")، وهو قائد شيوعي لبناني بارز. يصف الفيصل فرج الله الحلو بأنه مناضل قديم، انتسب إلى الحزب في أوائل الثلاثينيات، وسافر إلى موسكو للدراسة، وتولى مناصب قيادية، وأشرف على تحرير جريدة "النور"، واستشهد لاحقاً خلال العمل السري.

تعرض فرج الله الحلو لانتقادات قاسية من القيادة المركزية، واتُهم بـ"الميول الكوسموبوليتية والشوفينية"، وهما اتهامان متناقضان كما يلاحظ الفيصل. طُلب منه تقديم نقد ذاتي، وخاض عملية طويلة استمرت تسعة أشهر من الضغط النفسي، حتى صدرت رسالة يعترف فيها بأخطائه. يرى الفيصل أن هذه الرسالة لم تكن نقداً ذاتياً حقيقياً، بل نصوصاً فُرضت على فرج الله الحلو، الذي وافق عليها من باب الإخلاص للحزب وحرصه على وحدته.

يوضح الفيصل أن القضية الجوهرية وراء هذه الاتهامات كانت موقف فرج الله الحلو من قرار تقسيم فلسطين. فقد رفض هذا القرار وطالب ببقاء الحزب على موقفه المبدئي برفض التقسيم وإقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين. وقد رأت القيادة، وعلى رأسها خالد بكداش، أن هذا الموقف يتعارض مع موقف الاتحاد السوفييتي، واعتبرته "شوفينياً". ينتقد الفيصل هذه المقاربة، معتبراً أن خالد بكداش كان حريصاً على تطابق مواقف الحزب مع مواقف الاتحاد السوفييتي حرفياً، انطلاقاً من مبدأ "نحن مع الاتحاد السوفييتي على الخطأ والصواب"، وهو مبدأ خاطئ برأي الفيصل.

يكشف الفيصل أن هذه الواقعة تكررت لاحقاً عندما كُلف خالد بكداش بوضع مشروع تقرير للمؤتمر السادس، وجعل عنوان فصله الأول "نحن مع الاتحاد السوفييتي على الخطأ والصواب". اعترض الفيصل ورفاقه في المكتب السياسي، مما أدى إلى تعليق البحث ثم انقسام لاحق في الحزب. ويخلص الفيصل إلى أن خالد بكداش كان يتعامل بهذه الطريقة مع أي قائد يظهر بمؤهلات قيادية قد تنافسه، مشيراً إلى أن هذا ما جرى مع رشاد عيسى وناصر حدة أيضاً. ويرى أن الأسلوب المتبع في هذه القضية يمس بكرامة المناضلين، ويتجاهل العناصر الإنسانية والنفسية في التعامل مع الكادر الحزبي.


أما المحور الثالث فيتناول حركة السلام في سورية والعالم. يذكر الفيصل أن المؤتمر العالمي الأول لقوى السلام عُقد في باريس وبراغ عام 1949، والمؤتمر الثاني في وارسو عام 1950، حيث أُسس مجلس السلام العالمي. نشأت الحركة كرد فعل على استخدام الولايات المتحدة للقنبلة الذرية ضد اليابان، ورفضاً للحرب كوسيلة لحل الخلافات الدولية.

في سورية، تشكل المجلس الوطني لأنصار السلام بقيادة شخصيات مثل الدكتور مصطفى السباعي والفنان سعيد تحسين والدكتور نظيم القدسي وغيرهم. عُقد أول مؤتمر لأنصار السلام في دمشق في تشرين الأول عام 1950، لكن الشرطة داهمته واعتقلت المشاركين. أُلغي المجلس العدلي لاحقاً، وأُحيل الموقوفون إلى المحاكم العادية، ثم صدر عفو عام شملهم.

أبرز حملات الحركة كانت جمع التواقيع على نداء استوكهولم في آذار 1950، الذي طالب بالمنع غير المشروط للسلاح النووي. جمع النداء أكثر من مليار ونصف مليار توقيع عالمياً، ونحو ستمئة ألف توقيع في سورية، وهو رقم كبير نسبياً إلى سكان سورية البالغ عددهم آنذاك نحو أربعة ملايين. وقع على النداء شخصيات سياسية ودينية بارزة، من بينهم رشدي الكيخيا ومعروف الدواليبي والشيخ مصطفى السباعي والبطريرك طحان ومفتي سورية الشيخ محمد الحكيم.

يوثق الفيصل كيف أن سلطات النظام العسكري كانت تلاحق حملة السلام، ويذكر حادثة في حمص حيث اعتُقل عدد كبير من أنصار السلام وسيقوا مشياً على الأقدام نحو أربعين كيلومتراً. حول المعتقلون مسيرتهم إلى تظاهرة شعبية، مما اضطر السلطات لإيقافهم ونقلهم بالسيارات.

يختتم الفيصل هذا القسم بذكر زيارته الأولى إلى موسكو عام 1957، مرافقاً للشيخ محمد الأشمر، أحد قادة ثورة 1925، الذي كان يمثل حركة السلام السورية في اجتماع التضامن الآسيوي في بكين. يروي الفيصل ملاحظته الطريفة حول مواعيد العمل في موسكو، التي تبدأ في الحادية عشرة صباحاً وتنتهي في الحادية عشرة ليلاً.

في المجمل، يقدم هذا الفصل صورة معقدة عن الصراعات الأيديولوجية والتنظيمية داخل الحزب الشيوعي السوري في منتصف القرن العشرين، ويظهر كيف أثرت الانعزالية والتبعية للاتحاد السوفييتي على سياسات الحزب وعلاقاته الداخلية. كما يوثق جوانب من النشاط الجماهيري لحركة السلام في سورية، والتي شكلت منصة للتحالف بين قوى سياسية ودينية مختلفة. يمكن القول إن الفصل يكشف عن تناقض جوهري بين الخطاب الثوري المناهض للبرجوازية والضرورة العملية للتحالف مع القوى الوطنية المختلفة لمواجهة الاستعمار والعدوان.

4.البرلمان الجديد وتركيبته السياسية / الوضع السياسي في سورية في سنوات ٥١ - ٥٧ / طريق الخلاص والاستقرار223–288▼ résumé

ملخص الفصل: «البرلمان الجديد وتركيبته السياسية / الوضع السياسي في سورية في سنوات ٥١ - ٥٧ / طريق الخلاص والاستقرار»

يدور هذا الفصل حول الحياة السياسية في سورية خلال النصف الثاني من الخمسينيات، مركزاً على تشكل الحكومات والتحالفات البرلمانية والصراع بين التيارين: الوطني المستقل الرافض للأحلاف الغربية، والتيار الموالي للعراق والمشاريع الاستعمارية. يقدم المؤلف، عضو القيادة في الحزب الشيوعي السوري، سرداً مفصلاً للأحداث من الداخل، موثقاً قرارات الحزب وتحولاته، وموضحاً كيف سارعت القوى الوطنية والشعبية لمواجهة الضغوط التركية والعراقية والأمريكية.

يبدأ الفصل بتشكيل حكومة فارس الخوري بعد فشل خالد العظم، وقد ضمت الحكومة حزب الشعب والكتلة الحرة وكتلة العشائر. يعرض المؤلف الموقف الحرج للحزب الشيوعي، حيث اجتمعت القيادة بقيادة خالد بكداش وقررت في البداية عدم منح الثقة للحكومة بسبب نفوذ حزب الشعب الميال للعراق. لكن خلال جلسة الثقة، أدلى الخوري بتصريح حاسم نفى فيه أي نية لجر سورية إلى أحلاف أو اتفاقيات عسكرية، واعتبر تصريحاته جزءاً من البيان الوزاري. هنا غيّر خالد بكداش وبموافقة المؤلف يوسف الفيصل رأيهما، وقررا التصويت بالثقة بدلاً من حجبها، وهو قرار أقرته القيادة لاحقاً. وصوت بالامتناع عن التصويت (الاستنكاف)، ونالت الحكومة الثقة بـ ١٤٦ صوتاً مقابل حجبها عن ٣٨ نائباً.

يبرر خالد بكداش هذا الموقف في خطابه الشهير، مستشهداً بأمثلة دولية (الشيوعيون في فرنسا والهند) حيث يصوتون للحكومات التي تتخذ مواقف وطنية محددة، مؤكداً أن المبدأ ليس المعارضة العمياء لأي حكومة برجوازية، بل تقييم موقفها من الاستعمار والأحلاف والقضايا الوطنية. ينتقل الفصل إلى تحليل مفهوم "الاستقرار"، فيميز بكداش بين استقرار دكتاتوري واهٍ كعهد أديب الشيشكلي الذي انهار بسرعة، واستقرار حقيقي قائم على احترام إرادة الشعب والحريات ومواجهة الاستعمار، مستشهداً بكارثة إيران في عهد مصدق، وبالاضطهاد في العراق والأردن ومصر ذريعة "الاستقرار". ثم يناقش بكداش قضية الحريات الديمقراطية، منتقداً بقاء القوانين الجائرة من عهد الانتداب والدكتاتوريات كالمرسوم رقم ٩٨، ومرسوم تجنيد الطلاب، وقانون المطبوعات التعسفي، مؤكداً أن "سيادة القانون" لا معنى لها مع استمرار هذه القوانين القامعة.

يسرد الفصل بعد ذلك الأحداث الكبرى في المنطقة بين ١٩٥٤ و١٩٥٧، موضحاً انقسام الصف العربي إلى معسكرين: سورية ومصر والسعودية ضد العراق والأردن ولبنان. من أبرز المحطات: توقيع الاتفاق التركي العراقي في ١١ كانون الثاني ١٩٥٥ مؤسساً لحلف بغداد، وفشل الوفود العربية في ثني العراق عن ذلك، وتشكيل جبهة معارضة ضمّت مصر وسورية والسعودية في آذار ١٩٥٥. أدى ضغط السفير الأمريكي وتهديدات تركيا إلى تظاهرات طلابية عارمة في دمشق، ثم تحول الاتفاق إلى حلف بغداد بانضمام بريطانيا وباكستان. في تشرين الأول ١٩٥٥، تشكلت القيادة الموحدة السورية المصرية بقيادة المشير عبد الحكيم عامر، وزادت الاعتداءات الإسرائيلية والتركية والعراقية على الحدود.

يوثق الفصل صفقة السلاح التشيكوسلوفاكية مع مصر في أيلول ١٩٥٥، والتي أحاطتها حملة دعائية واسعة. كما يصف إنهاء قيادة الجنرال الإنكليزي كلوب على الجيش الأردني في ٢ آذار ١٩٥٦ نتيجة تظاهرات شعبية، وتحسن العلاقات السورية الأردنية بزيارة الملك حسين لدمشق. ثم يصل إلى الذروة: تأميم قناة السويس في ٢٦ تموز ١٩٥٦، وتشكيل "الهيئة العربية السورية لنصرة مصر" في سورية برئاسة الدكتور معروف الدواليبي، وضمّت خالد بكداش ويوسف الفيصل وأمناء مساعدين. تضامنت سورية بإضرابات ومهرجانات حاشدة. ويورد المؤلف برقية خالد بكداش إلى عبد الناصر ورد الأخير عليها. وأثناء العدوان الثلاثي في ٢٩ تشرين الأول ١٩٥٦، اضطرت الدول المعتدية للتراجع بعد إنذار الماريشال بولغانين السوفييتي، حيث ساهم الضابط السوري جول جمال في تعطيل البارجة الفرنسية "جان دارك". ومنع ضخ النفط من كركوك.

يتناول الفصل التطورات الداخلية: عودة شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية في ٤ أيلول ١٩٥٥ بفوزه بـ ٨٩ صوتاً مقابل ١٢ لخالد العظم. ويبرز حدثاً جوهرياً: اغتيال العقيد عدنان المالكي في ٢٢ نيسان ١٩٥٥ على يد عنصر من الحزب السوري القومي، مما أدى إلى حل الحزب ومحاكمات واسعة. ثم اكتشفت مؤامرة عراقية في أواخر عام ١٩٥٦ للإطاحة بالشخصيات الوطنية، ضبط فيها ٧٥ بندقية، وشملت محاكمة سياسيين كبار كـ عدنان الأتاسي، منير العجلاني وآخرين، وصدرت أحكام بالإعدام خففت للسجن المؤبد. وأدت هذه الأحداث إلى تغييرات في هيئة الأركان والوزارات، حيث شكل صبري العسلي وزارة جديدة في حزيران ١٩٥٦ اتخذت خطوات وطنية كالاعتراف بالصين الشعبية.

يسلط الفصل الضوء على الصراع مع التيارات الدينية الرجعية، حيث هاجم الشيخ عبد الحكيم المنير الحكومة واتهمها بالإلحاد، وقاد الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق حملة "الأمر بالمعروف" لمداهمة الملاهي، وعارض منح المرأة حق التصويت في انتخابات البلديات في خطاب حاد مع خالد بكداش الذي دافع عن المرأة العربية. وصوّت المجلس بـ ٦٤ صوتاً ضد انتخاب المرأة و ١٦ صوتاً معها. ويوثق الفصل أيضاً معركتين انتخابيتين فرعيتين بارزتين: فوز رياض المالكي (شقيق الشهيد) في دمشق على الشيخ مصطفى السباعي مرشد الإخوان، وفوز كمال الكلاليب في حمص بتحالف القوى التقدمية، مما أظهر دور الشيوعيين في دعم المرشحين الوطنيين.

تخصص صفحات مهمة لـ "معركة البترول"، حيث طالبت الحركة الجماهيرية (لجان البترول) بتعديل اتفاقيات مرور النفط لشركتي "آي بي سي" و "التابلاين"، التي كانت تدر دخلاً زهيداً، والمطالبة بنصف الأرباح. في ١٥ تشرين الأول ١٩٥٦، أقرت اللجان النيابية المشتركة اتفاقات جديدة تاريخية زادت حصة سورية لـ عام ١٩٥٥ إلى ١,٠٤٧,٧٥٧ جنيهاً إسترلينياً، مع مفعول رجعي قدره ٨,٠٠٠,٠٠٠ جنيه. وتم تأميم توزيع المحروقات وتقرير إنشاء مصفاة للنفط في سورية، وانتهى الصراع في البرلمان لصالح العرض التشيكي.

يختتم الفصل بنشر مقالات سياسية للمؤلف من جريدة "النور". المقال الأول يستخلص "درساً من إيران" محذراً من تكرار سيناريو إسقاط مصدق بسبب تساهله مع الخبراء الأمريكيين والعملاء، ويؤكد أن سورية نجت منه لعدم وجود خبراء أجانب في جيشها ومقاومتها للنقطة الرابعة، داعياً لتطهير دوائر الدولة. المقال الثاني يحلل نتائج الانتخابات الفرعية باعتبارها "استفتاءً شعبياً" رافضاً لسياسة حزب الشعب الرجعية الداعمة للأحلاف، ومؤكداً ثبات الاتجاه الوطني. المقال الثالث يتناول صعوبة تشكيل "وزارة قومية" بسبب الخلاف العميق حول المبادئ، وليس توزيع الحقائب، مشيراً إلى أن الاتحاد الوطني الحقيقي يتحقق حول قضايا جوهرية كنضال الشعب ومواقف النواب التقدميين في البرلمان. ويقدم الفصل في الختام بياناً سياسياً للحزب الشيوعي صدر تحت عنوان "طريق الخلاص والاستقرار أمام سورية: نظام جمهوري برلماني ديمقراطي وحكومة وطنية ديمقراطية"، حيث حلّل الأزمة الاقتصادية والسياسية والحريات المقيّدة، وانتقد الحكومات المتعاقبة التي أفسحت المجال لرساميل أجنبية (مثل شركة التابلاين، آي بي سي، بنك سورية ولبنان، وغيرها) وأهملت الجماهير. وأكد البيان أن الحل النهائي هو التحرر الوطني الكامل، وتحرير الاقتصاد، وإصلاح زراعي جذري، وتحقيق مطالب العمال، وإقامة حكم وطني ديمقراطي شعبي. وفي مرحلة أولى، دعا إلى توحيد القوى في جبهة وطنية شاملة لإقامة نظام جمهوري برلماني ديمقراطي وحكومة وطنية، باعتبار ذلك طريقاً للخلاص من الأزمات والمؤامرات.

يتخلل الفصل نقد ذاتي للمؤلف، إذ يعترف بأن انتقاد الحزب في البيان لبناء مرفأ اللاذقية بتكليف شركة يوغوسلافية وربطها بالمشاريع الأمريكية كان خطأً ميكانيكياً يعكس الخلاف السوفييتي مع تيتو، واعترف بأن المرفأ كان إنجازاً اقتصادياً كبيراً. كما يشير إلى أن أديب الشيشكلي، رغم ديكتاتوريته، رفض النقطة الرابعة الأمريكية والمشاركة في حرب كوريا، مما يعقّد تقييم أدائه.

هذا الفصل غني بالتفاصيل والوثائق، تاريخياً ووثائقياً، ويقدم رؤية الحزب الشيوعي السوري للأحداث من الداخل، لكنه يحتوي على حجج قابلة للنقاش، مثل التبرير المستمر لتحالفات الحزب وفقاً لما يراه "الموقف الوطني الصحيح"، والثنائية الحادة في توصيف القوى (وطني ضد استعماري، تقدمي ضد رجعي) التي قد لا تنصف تعقيدات الواقع، والانتقاد الشامل لجميع الحكومات دون استثناء، بما فيها تلك التي قادها وطنيون.

5.الدراسة الحزبية / الوحدة السورية - المصرية / الوثائق الأساسية الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري حول ال289–358▼ résumé

يستعرض هذا الفصل من مذكرات يوسف الفيصل، والذي يتألف من ثلاثة أقسام رئيسية، تجربته الدراسية في الاتحاد السوفييتي، ثم الظروف التي سبقت وأدت إلى قيام الوحدة السورية المصرية، وأخيراً موقف الحزب الشيوعي السوري الرسمي من هذه الوحدة. الموضوع المحوري هو تقديم شهادة شخصية وسياسية عن فترة حاسمة من تاريخ سورية، مع التركيز على دور الحزب الشيوعي وتطور الأحداث التي انتهت بالوحدة ثم الانفصال.

يبدأ الفصل بسرد تفصيلي لرحلة اليوسف الفيصل ورفاقه للدراسة في مدرسة الحزب في موسكو، حيث كان الجهد الأساسي منصباً على تعلم اللغة الروسية التي كانت حلقة أساسية لفهم المواد النظرية. يذكر المدرسة نونا سيرغييفنا التي تركت أثراً جميلاً في نفوسهم، ويعتبر العلاقة التي نشأت معها تعبيراً عن الروح الأممية. شمل البرنامج مواد مثل الفلسفة والاقتصاد السياسي وتاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي وحركات التحرر، وقرأوا مراجع لماركس وإنجلز ولينين، مثل كتاب "أنتي دوهرينغ". بالإضافة إلى الدروس النظرية، تضمن البرنامج زيارات للمصانع والمتاحف والمعالم الثورية كالطراد أورورا ومتحف الأرميتاج، وزيارات لمدن مثل باكو ويالطا. يذكر الأستاذة والمدرسين مثل مدير المدرسة مترونوف ونائبه بوزاكوف والمدرسة نينا بتروفنا. ويشير إلى أن طلاب المدرسة كانوا من مختلف البلدان، وكانوا هم الأربعة العرب الوحيدين في البداية، ثم لحق بهم في العام الثاني رفاق سوريون ولبنانيون مثل نقولا شاوي وإبراهيم بكري وظهير عبد الصمد وموريس صليبي وشقيقته الدكتورة أسماء الفيصل.

يتطرق الفصل إلى تفاصيل الحياة اليومية، كمشاركته في احتفالات الساحة الحمراء بذكرى ثورة أكتوبر وعيد العمال، حيث كان يرى الاستعراضات العسكرية وظهور الصواريخ العملاقة. يروي قصة طريفة عن مشاركته غرفة النوم مع الرفيق دانيال الذي كان يعاني من الشخير، مما اضطرهما لعقد اتفاق للنوم. ثم يروي حادثة مؤثرة في كانون الثاني 1957 عندما وصلت أسرته إلى موسكو دون سابق إنذار في طقس شديد البرودة، مما أدى إلى إصابته باحتشاء قلبي بسبب الانتقال المفاجئ من الحمام الدافئ إلى البرودة القارسة. وينقل تأثره العميق عندما بدأ أطفاله خلدون وسوسن ومها يتكلمون الروسية وينسون العربية. يتحدث عن لقائهم بالقائد الكردي الملا مصطفى البرزاني الذي كان يدرس في المدرسة نفسها، وكيف كانت له شخصيته القيادية الفريدة واهتمامه بقضيته الكردية. كما يروي حادثة في قطار إلى لينينغراد عندما ادعوا أنهم من ألبانيا، فاكتشفوا أن الضباط الذين كانوا يحدثونهم هم ألبان حقيقة.

يسرد الفصل ظروف العودة إلى سورية في أيار 1958 بعد إعلان الوحدة السورية المصرية، وكيف تجاوزوا مشكلة انتهاء صلاحية جوازات سفرهم بمساعدة سفير الجمهورية العربية المتحدة في براغ الدكتور صلاح الدين الطرزي. يقدم الفصل وصفاً متوازناً للحياة في الاتحاد السوفييتي، معترفاً بالنظام القوي والمستقر في الخمسينيات، والانتصار في الحرب العظمى، والنجاحات في غزو الفضاء، وبناء السدود ومحطات الكهرباء. لكنه يذكر أيضاً الجوانب السلبية مثل رتابة البضائع وندرة بعضها كالزبدة واللحم، وأزمة السكن، ويشرح كيف كان الشيوعيون السوريون يفسرون هذه السلبيات على أنها تضحيات من أجل دعم الدول الاشتراكية الأخرى ونتيجة للحرب. بالمقابل، يُشيد بجوانب إيجابية باهرة مثل انتشار القراءة في المترو، وازدحام مسرح البولشوي، والاحترام العميق للثقافة. وينتقد سياسات ستالين الاقتصادية التي ركزت على الصناعة الثقيلة وأهملت حاجات الإنسان الضرورية، وتمسكه بمبدأ الاهتراء المادي الذي حال دون تطوير الآلات. ويختتم هذا القسم بوصف شعري لجمال الطبيعة الروسية في الشتاء والخريف.

ينتقل الفصل إلى القسم الثاني حول الوحدة السورية المصرية، محدداً أربعة عوامل رئيسية أدت إليها. العامل الأول هو تأصل الروح القومية العربية ورفض الاحتلال منذ العهد العثماني وصولاً إلى الجلاء في نيسان 1947. العامل الثاني هو تكاتف الشعبين السوري والمصري وتضامنهما في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس، حيث احتشد في الملعب البلدي بدمشق أكثر من مئة ألف متضامن، ونظم إضراب شامل، وعقد مؤتمر شعبي عربي حضره ممثلون عن عدة دول. يورد الفصل مقتطفاً من خطاب خالد بكداش في مجلس النواب السوري بتاريخ 28 تشرين الثاني 1956 يعلن فيه الوقوف مع مصر إلى النهاية. العامل الثالث هو الهجمة الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة بزعامة أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، التي اتهمت سورية بأنها أصبحت قاعدة سوفييتية، مما أدى إلى حشد القوات التركية على الحدود السورية. ويذكر أن الاتحاد السوفييتي رد بحشد قواته في القفقاس وإرسال رسالة إنذار لتركيا. العامل الرابع هو الصراع الداخلي في سورية وحملة العداء للشيوعية، حيث نشأت تجمعات سياسية متعارضة وكشفت مؤامرة أمريكية لاغتيال عدد من القادة منهم أكرم الحوراني وخالد بكداش.

يتطرق الفصل إلى تفاصيل الصراع السياسي، كفوز رياض المالكي في الانتخابات التكميلية على الشيخ مصطفى السباعي، وتوتر العلاقات مع السعودية، والخلافات التي نشأت بين الأحزاب حول توزيع المقاعد في المجلس البلدي. يدافع الفصل عن موقف الحزب الشيوعي، مؤكداً أنه لم يكن يسعى للوصول إلى السلطة بل كان برنامجه يقوم على فكرة "الدولة الديمقراطية" وتحالفه مع قوى وطنية مثل خالد العظم وأكرم الحوراني. ويذكر حديثاً دار بينه وبين قائد الجيش الأول الفريق جمال الفيصل الذي أعرب عن قلقه من سيطرة الشيوعيين على الجيش. ومع تصاعد الأزمات، وصل وفد مصري إلى سورية واتخذ قراراً بالمباركة للاتحاد. ومع تعيين اللواء عفيف البزرة قائداً للجيش، برز تياران عسكريان، وسافر وفد عسكري إلى القاهرة طالباً الوحدة الاندماجية، فوافق عبد الناصر بشرط حل التكتلات العسكرية والأحزاب السياسية. يروي الفصل قصة غياب خالد بكداش عن جلسة إقرار الوحدة التاريخية يوم 5 شباط 1958، مشيراً إلى أن القيادة الحزبية ناقشت الموضوع وأصر بكداش على مغادرته البلاد إلى الاتحاد السوفييتي، وهو ما اعتبره الكاتب منعطفاً حاسماً ترك آثاراً سلبية. ويختتم الفصل هذا القسم بتحليل خالد العظم لدوافع عبد الناصر لقبول الوحدة عام 1958 بعد رفضها عام 1956، مرجعاً ذلك لدور معركة السويس، والخوف من انسياق سورية نحو السوفييت بتشجيع أمريكي، والحاجة المصرية لرقعة زراعية أوسع.

في القسم الثالث، يعرض الفصل الوثائق الأساسية التي أصدرها الحزب الشيوعي السوري حول الوحدة. أولها وثيقة "البنود الثلاثة عشر" التي أقرتها اللجنة المركزية في أيام 11-14 كانون الثاني 1958، والتي طالبت بمراعاة الظروف الموضوعية لكل إقليم عبر إنشاء برلمانات وحكومات إقليمية مع حكومة مركزية، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وتقوية الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، وصيانة الاقتصاد السوري، وتنظيم الصلات التجارية العادلة، والنضال ضد تغلغل الرساميل الاستعمارية، وإصلاح زراعي شامل، وصيانة حقوق العمال. أما الوثيقة الثانية فهي "النقاط الثماني عشرة" أو "البرنامج السياسي الجديد للحزب الشيوعي السوري" الذي ناقشته القواعد ونشر في أواخر عام 1961، والذي كان أكثر نقداً للوحدة، مطالباً بإعادة النظر في أسسها، وإلغاء الديكتاتورية، وإطلاق الحريات، وإنقاذ الاقتصاد السوري من التدهور، وحماية الصناعة من المزاحمة المصرية، وإلغاء الأحكام العرفية، ومكافحة البطالة، وصون كيان الجيش السوري. ويختتم الفصل بوصف تداعيات الوحدة، حيث شكل عبد الناصر حكومة مركزية ومجالس تنفيذية دون تحديد صلاحيات نواب الرئيس السوريين، وأبعد الفريق عفيف البزرة عن قيادة الجيش. ظهرت التناقضات سريعاً في مجالات الإصلاح الزراعي والسياسة البترولية، وأرسلت مصر مئات المعلمين إلى سورية متجاهلة الكوادر السورية. ويروي الفصل محاولة عبد الناصر حل الحزب الشيوعي عبر لقائه بممثليه أحمد محفل وجورج عويشق، ورفضهم لذلك. وانتقد الكاتب بشدة الممارسات المصرية التي نقلت إلى سورية "الأحكام العرفية والأجهزة الأمنية وقتل الناس تحت التعذيب". وفي 15 تشرين الثاني 1958، شن عبد الناصر هجوماً على الحزب وأغلق جريدته "النور"، وبدأت حملة اعتقالات واسعة طالت الآلاف وتعرضوا لأبشع أنواع التعذيب، وسقط شهداء منهم فرج الله الحلو وسعيد الدروبي. ويورد الفصل رسالة مؤثرة من المعتقل عبد الباقي الجمالي تصف فظاعة التعذيب. وتتويجاً لهذه الأوضاع، قاد العقيد عبد الكريم النحلاوي انقلاباً في فجر 28 أيلول 1961 أعلن تصحيح مسار الوحدة ووضع حد للتسلط المصري، منهياً بذلك التجربة الوحدوية.

6.الانفصال / آثار واميلياك الثلاثي / مرحلة تثبيت حكم حزب البعث وبدء التدابير التقدمية / خدمة العلم / ا359–400▼ résumé

بداية الفصل تعود إلى فترة ما بعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة، حيث يوثق المؤلف يوسف الفيصل الأجواء التي سادت سورية عقب حركة الجيش في 28 أيلول 1961. يبدأ بعرض بيان صادر عن اجتماع في دمشق ضم شخصيات سياسية سورية، اجتمعوا لتقييم الوضع بعد الانفصال. يجمع البيان على تأييد حركة الجيش ويحمل الرئيس جمال عبد الناصر مسؤولية فشل الوحدة، متّهماً إياه بإقامة حكم طغيان وتسلط أدى إلى خنق الحياة السياسية والديمقراطية في سورية. يلاحظ المؤلف المفارقة في أن الموقعين على البيان ضموا وجوهًا سياسية كانت تعتبر من ألد أعداء بعضهم البعض في السابق، مثل أكرم الحوراني وصبري العسلي، الذين تحولوا إلى داعمين للانفصال. ويحلل المؤلف الدوافع الخفية وراء هذه التحولات، مشيرًا إلى أن المصالح الطبقية للبرجوازية السورية كانت العامل الأساسي، حيث ارتعبوا من تيار التقدم الشعبي في سنوات الوحدة، ولعب الاستعمار دوره في التهويل من خطر التوجه نحو الاتحاد السوفييتي. ويضيف أن بعض قادة حزب البعث كانوا مخلصين للوحدة، لكن آخرين كانوا ينظرون إليها بمنظار ضيق، ولما تطورت الأمور ضد توقعاتهم انقلبوا على الوحدة.

يتضمن الفصل نص بيان صادر عن الحزب الشيوعي السوري في أوائل تشرين الأول 1961، يبارك الانفصال ويهاجم الحكم الناصري بعنف. يصف البيان حكم عبد الناصر بأنه "حكم الفراعنة" و"الديكتاتورية الناصرية"، ويتهمه بارتكاب مجازر بحق السوريين وبتخريب الاقتصاد وفتح الأبواب أمام التغلغل الاستعماري. يكرّم البيان شهداء الحزب الشيوعي الذين سقطوا في سجون العهد الناصري، مثل فرج الله الحلو وسهيل الدروبي ومحيي الدين فليون. يدعو البيان إلى إقامة حكم وطني ديمقراطي في سورية، قائم على انتخابات حرة، يطلق الحريات، ويطهر الدولة من عملاء الناصرية، ويعاقب المجرمين. يقر المؤلف بأن لغة البيان كانت قاسية وتحليله مبالغًا فيه، لكنه يفسر ذلك بالضغط النفسي وهول الأحداث في تلك الفترة. ويشير إلى أن النظر إلى تلك الفترة والأحداث لاحقًا، مثل التقارب مع الاتحاد السوفييتي والمعارك مع إسرائيل، قد يغير التقدير.

بعد العودة إلى دمشق، بدأ الحزب الشيوعي عمله السري في ظل حكومة جديدة لم تتعامل معه بإيجابية. لم تفرج السلطات عن سجناء المزة مباشرة، ومنعت خالد بكداش من العودة. ركز الحزب على إعادة بناء تنظيمه، فشكل لجانًا قيادية في دمشق وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس وحلب. شارك الحزب في الانتخابات النيابية التي جرت في أوائل كانون الأول 1961، ورشح مرشحين مثل هلال فرزلي وبشير السبيني والدكتور محمد حاج حسين. ورغم أن الحزب منع من ترشيح خالد بكداش رسميًا، إلا أن أصواتًا كثيرة ظهرت باسمه في صناديق الاقتراع. حلل الحزب نتائج الانتخابات في نشرة داخلية، مشيرًا إلى أنها جرت في ظل هيمنة رجعية وتسخير لجهاز الدولة، ورغم ذلك رأى أن القوى الوطنية حققت نجاحًا في تجنيد الجماهير والالتفاف حول شعار الاشتراكية.

يتناول الفصل تفاصيل عودة خالد بكداش إلى سورية ومحاولاته المتكررة. بعد أن منعت السلطات عودته، حطت طائرته في دمشق في 14 تشرين الثاني 1962، لكن الأمن والشرطة العسكرية طوقوها ومنعوه من المغادرة، وأجبِروا الطائرة على العودة إلى براغ مرورًا بـبغداد. يقدم الفصل مذكرات العميد مطيع السمان، قائد قوى الأمن الداخلي آنذاك، والتي يصف فيها الحادثة ويذكر أن رئيس الوزراء بشير العظمة وناظم القدسي (رئيس الجمهورية) لم يرغبا في تحمل مسؤولية السماح بعودة بكداش. يذكر المؤلف أن بكداش شعر أن القيادة الحزبية في دمشق لا ترغب في عودته لأسباب شخصية، مما خلق انطباعًا سلبياً بقي كامنًا لعشرين عامًا قبل أن يظهر مجددًا.

تتالت الحكومات في تلك الفترة. حكومة معروف الدواليبي اتجهت لإلغاء الإصلاح الزراعي والتأميمات، مما أثار احتجاجات شعبية واسعة. في 28 آذار 1962، قام الجيش بحركة انقلابية حل فيها المجلس النيابي واعتقل رئيس الجمهورية، متهمًا الحكومة بعرقلة المكاسب. لكن بعد خلافات داخل الجيش، عاد ناظم القدسي إلى مكتبه وتشكلت حكومة جديدة برئاسة الدكتور بشير العظمة في نيسان 1962. أعلنت هذه الحكومة إلغاء التعديلات على قانون الإصلاح الزراعي. يصف المؤلف بشير العظمة بأنه رجل مستقيم وصريح، لكنه لم يستطع تحمل ألاعيب السياسة، فاستقال بعد خمسة أشهر. كُلّف خالد العظم بتشكيل وزارة جديدة استمرت حتى استلام حزب البعث للسلطة في 8 آذار 1963.

يعتبر المؤلف أن حزب البعث استفاد من دروس الوحدة السابقة، مما جعله أكثر واقعية. ونتيجة للصراع بين البعثيين والناصريين، فشلت محاولة انقلابية ناصرية في 18 تموز 1963، مما دفع عبد الناصر لإعلان الانسحاب من اتفاق الوحدة الثلاثية. أعلن انسحاب الجمهورية العربية المتحدة من أي اتفاق مع الحكومة السورية، واصفًا حكم البعث بأنه "فاشستي". بعد ذلك، استقال لؤي الأتاسي، وعُيّن أمين الحافظ رئيسًا للجيش ومجلس قيادة الثورة.

في قسم لاحق من الفصل، يوثق المؤلف مرحلة تثبيت حكم حزب البعث وتطبيقه التدابير التقدمية بين عامي 1963 و1965. أصبحت السلطة بيد الحزب، وبدأت إجراءات اقتصادية واجتماعية عميقة. صدرت قرارات بتأميم شركات كبرى مثل الشركة السورية للغزل والنسيج في دمشق والشركة الأهلية في حلب، وقرارات بالاستيلاء على أراضٍ فائضة عن الحد الأعلى للملكية. قوبلت هذه الإجراءات بردود فعل قوية، أبرزها أحداث حماة حيث قاد الإخوان المسلمون إضرابًا تطور إلى تحصن الشيخ مروان حديد في جامع السلطان، مما دفع السلطات لضرب الجامع بالمدفعية. كما شهدت دمشق إضرابًا للتجار. في المقابل، نظم اتحاد عمال دمشق تظاهرات حاشدة تأييدًا لقرارات التأميم. يوضح المؤلف أن الحزب الشيوعي لعب دورًا فاعلًا، حيث التقى مسؤولوه بأمين الحافظ ونقلوا وجهة نظرهم، مما أدى لإلغاء تأميم المؤسسات الصغيرة مثل الأفران ومصانع الكبريت، لأنها كانت توجه ضربة للبرجوازية الصغيرة التي تعتبر حليفًا في تلك المرحلة.

في حزيران 1965، عقد الحزب الشيوعي اجتماعًا موسعًا للجنة المركزية تحت السرية الكاملة، وناقش موقفه من المنعطف التاريخي. دعم الحزب التأميمات وطالب بإقامة جبهة وطنية تقدمية تضم جميع القوى التقدمية. في أيلول 1965، صدر قرار بتشكيل المجلس الوطني الموسع لقيادة الثورة من 40 عضوًا، ولأول مرة ضم عضوين من الحزب الشيوعي: الدكتورة نجاح الساعاتي وسميح عطية. يقر المؤلف بوجود تناقض في سياسة الحزب؛ فبينما كان يدعم قرارات التأميم ويبدأ حملات توقيع، كانت الأجهزة الأمنية تواصل ملاحقة واعتقال نشطاء شيوعيين، مما أدى إلى استشهاد الناشط عبد القادر الإخوان في سجون حمص تحت التعذيب.

يخصص الفصل قسمًا لسرد تجربة المؤلف الشخصية في الخدمة العسكرية ("خدمة العلم"). تم سوقه إليها في 17 نيسان 1964، وكان كبيرًا في السن (يقترب من الأربعين) لأن قيادات الحزب كانت تؤجل سوقه بسبب انتمائه السياسي. توجه إلى كلية ضباط الاحتياط في حلب، حيث تعرض لمراقبة شديدة هو والرفيق برهان دراق السباعي. يصف تفاصيل حياته اليومية في الثكنة، من الاستيقاظ المبكر والمسيرات الطويلة التي عانى فيها، إلى التدريب على الرمي الذي لم يتقنه. خلال خدمته، تلقى رسالة من القيادة الحزبية تشير إلى أن الرفيق خالد بكداش قد أساء تفسير رسالة أخرى كتبها المؤلف، معتبرًا أنها تعبر عن طموح شخصي، مما دفع القيادة إلى "معالجته" بإبعاده عن القيادة وتكليفه بالعمل في حلب. يصف المؤلف حياته في حلب، حيث استأجر شقة صغيرة في حي الميدان، ويذكر محاولته الفاشلة لطبخ الفاصولياء. بعد شهرين، احتج عدد من رفاق القيادة مثل ظهير عبد الصمد ودانيال نعمة على هذا القرار، مما أدى إلى إلغائه وعودته إلى دمشق وعمله السابق.

يتناول الفصل أيضًا استقلال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري في عام 1964، وهو حدث مهم في تاريخ الحزب الشيوعي السوري. يوضح المؤلف أن الحزبين بدآ كحزب واحد عام 1924، وخلال المؤتمر الوطني في 1944 تقرر فصلهما شكلاً، لكن القرار لم يُطبق وبقي التنظيم موحدًا من الناحية العملية. يعدد الأسباب التي أدت إلى القطيعة: الاختلاف الجذري في طبيعة الوضع الاقتصادي والسياسي بين لبنان وسورية، تأثير الوحدة مع مصر على مواقف الشيوعيين اللبنانيين الذين تحالفوا مع الناصريين، وأسلوب القيادة الذي مارسه خالد بكداش مع قادة لبنانيين مثل نقولا شاوي وأرتين مادويان، واصفًا إياه بأنه كان يفتقر أحيانًا إلى الروح الرفاقية. يعترف المؤلف بأن القيادة السورية في ذلك الوقت لم تتعامل مع الموقف بشكل صحيح، وبدلاً من السعي للحوار، سلكت سلوك الصدام، وهو ما يعتبره خطأ. لكنه يشيد بالدور العظيم الذي لعبه الشيوعيون اللبنانيون في استضافة وإيواء الكادرات السورية الهاربة من الاضطهاد خلال سنوات الوحدة. كما يؤكد أن العلاقات عادت للتحسن بعد عدة سنوات، وأن الدروس المستفادة من هذه التجربة يجب أن تركز على احترام استقلالية كل حزب وعدم التدخل في شؤونه.

في الفقرات الأخيرة، يذكر المؤلف أن بوادر الخلاف بدأت تظهر داخل الحزب الشيوعي السوري عام 1964. بينما كان الحزب بحاجة لعقد مؤتمر لمناقشة التحولات الكبرى في البلاد، فإنه لم يفعل ذلك حتى عام 1969. خلال هذه الفترة، خرج عدد من الكادرات الحزبية الرئيسية من السجن، وقد تشربوا بأفكار جديدة حول الديمقراطية الداخلية ومحاربة عبادة الفرد والتجديد في الهيئات الحزبية، مما أدى إلى صراعات حادة وانقسامات لاحقة، خاصة خلال التحضير للمؤتمر وعند وضع مشروع برنامج الحزب.

7.٢٣ شباط ١٩٦٦ / تطوير العمل بين العمال / عدوان ١٩٦٧ : عوامله ونتائجه ومضاعفاته / سد الفرات والمشاريع 401–438▼ résumé

يتركز هذا الفصل من مذكرات يوسف الفيصل على فترة حساسة وحافلة بالأحداث في تاريخ سورية الحديث، ويمتد من عام ١٩٦٦ حتى أواخر عام ١٩٦٨. الموضوع المحوري هو مسار التحولات الوطنية والتقدمية التي شهدتها البلاد بعد حركة ٢٣ شباط ١٩٦٦، وكيف تعامل الحزب الشيوعي السوري مع هذه التطورات، بما في ذلك الصراعات الداخلية، والعدوان الإسرائيلي، والمشاريع التنموية الكبرى. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن سورية كانت أمام منعطفين حاسمين: إما السير في طريق التقدم والتحالف مع المعسكر الاشتراكي، أو الانزلاق نحو التبعية للغرب والرجعية العربية، وأن خيار الطريق الأول كان ضرورياً رغم المخاطر والتحديات اللاحقة.

يسير الفصل عبر عدة محاور رئيسية. يبدأ بوصف الزخم الشعبي بعد شباط ١٩٦٦، حيث يذكر زيارة الصحفي السوفييتي يفغيني بريماكوف إلى دمشق لنقل الصورة الحقيقية، وتشكيل وفد سوري رفيع برئاسة يوسف زعين إلى موسكو، والذي ضم حافظ الأسد، وتم خلاله الاتفاق على تجديد اتفاقية خالد العظم لعام ١٩٥٧ لبناء سد الفرات ومحطة كهربائية، بتمويل سوفييتي قيمته ٥٠١ مليون روبل بفائدة ٢.٥٪. ويعتبر المؤلف أن هذا الاتفاق عزز وضع السلطة الجديدة، ويتجلى ذلك في تظاهرة أول أيار التي ضمت أكثر من ثلاثين ألف عامل وفلاح، هتفت لبناء السد ودعمت التأميم والإصلاح الزراعي.

يوثق الفصل عودة الزعيم الشيوعي خالد بكداش إلى سورية بعد غياب دام منذ آذار ١٩٦٣، بترتيب من الحزب وتنسيق مع السلطات، رغم الاستغراب الرسمي. ويشير إلى اجتماع اللجنة المركزية في ٤ حزيران ١٩٦٧ الذي أقر هذه التطورات، ونتج عنه مقال لبكداش بعنوان "مميزات المرحلة الحالية في سورية". ثم ينتقل إلى مؤامرة سليم حاطوم في أيلول ١٩٦٦، الذي احتجز نور الدين الأتاسي وصلاح جديد في السويداء، مطالباً بالإفراج عن ضباط والإطاحة بالحكم. يوضح المؤلف كيف لعب اللواء حافظ الأسد دوراً حاسماً في إفشال المؤامرة بإنذاره بقصف المدينة، ويذكر أن حاطوم برر عمله بـ"خطر الشيوعية" رغم عدم وجود شيوعيين في مراكز السلطة، بهدف وقف العلاقات مع الاتحاد السوفييتي.

يتناول الفصل بعد ذلك جهود تطوير العمل العمالي، حيث عقدت اللجنة المركزية اجتماعاً استمعت فيه لتقرير من يوسف الفيصل وآخر من إبراهيم بكري. حدد الاجتماع مطالب اقتصادية أساسية للعمال مثل رفع الأجور، مكافحة البطالة، تطبيق مبدأ الثماني ساعات، وتحسين قانون العمل. ورأى المؤلف أن تنامي دور الطبقة العاملة واتحاد النقابات، واتخاذه طابعاً يسارياً ملحوظاً، دفع الحزب الشيوعي لتطوير عمله بين العمال، مشيراً إلى أن أغلب تلك المطالب أصبحت بديهيات في الحياة النقابية السورية لاحقاً.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لتحليل عوامل عدوان ١٩٦٧ ونتائجه. يبدأ بمعركة استحقاقات النفط، حيث شكلت لجنة مركزية وطنية وتمكنت سورية من الحصول على حقوقها من شركة نفط العراق في آذار ١٩٦٧. تبع ذلك توقيع اتفاقيات اقتصادية هامة مع الاتحاد السوفييتي لسد الفرات وتوسيع مصفاة حمص وسكة حديد اللاذقية-القامشلي. يرى المؤلف أن هذه التطورات الاجتماعية العميقة دفعت القوى الاستعمارية والصهيونية للتحرك، فبدأت حشود إسرائيلية على الحدود وحملة شائعات. يذكر تفاصيل التحركات الدولية والتعاون المصري السوري، ويشير إلى دور خادع للرئيس الأمريكي جونسون مع الجانبين العربي والسوفييتي. يصف المؤلف هجوم ٥ حزيران ١٩٦٧ على المطارات المصرية واحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية. ويقدم تحليلاً للجنة المركزية للحزب يرى أن أهداف العدوان كانت ضرب حركة التحرر الوطني وتوسيع إسرائيل وضرب الصداقة العربية السوفييتية، معترفاً بأن العدوان لم يحقق أهدافه الأساسية بقلب الأنظمة. ينتقد المؤلف الخطاب السياسي العربي الذي طغت عليه المزايدات والشعارات غير الواقعية، معتبراً أن النكسة أظهرت قصوراً في الربط بين الوطني والقومي والدولي، وأسست لصعود التيار الديني السلفي.

ينتقل الفصل للحديث عن "لجنة الدفاع عن الوطن" التي تشكلت بعد العدوان وضمت شخصيات سياسية واجتماعية برئاسة وزير الداخلية محمد عيد عشاوي، ويذكر أن الحزب الشيوعي دعمها لكنه انتقد آلية تشكيلها عبر الشرطة وطالب بانتخاب أعضائها. يشرح المؤلف أن الحزب ركز على شعار "إزالة آثار العدوان"، ويدرج "دروس المعركة" التي كتبها خالد بكداش في جريدة "نضال الشعب"، والتي تضمنت التأكيد على فشل الأهداف الأساسية للعدوان، وأهمية السياسة الخارجية الحكيمة، وتوطيد الجبهة العربية والوحدة مع المعسكر الاشتراكي. يتناول الفصل نقاشاً محورياً حول قرار مجلس الأمن ٢٤٢، حيث أعلنت سورية رفضه القاطع، بينما انتقد الحزب الشيوعي هذا الموقف واعتبره خطأً يضع الأصدقاء والأعداء في كفة واحدة، ودعا للنضال السياسي إلى جانب المسلح، مما أدى لاحقاً إلى مشاركة الحزب بإرسال مقاتلين إلى منظمات فلسطينية.

أخيراً، يكرس الفصل مساحة كبيرة لوصف مشروع سد الفرات كرمز للتنمية الوطنية والتعاون مع الاتحاد السوفييتي. يبدأ القصة بتنصل الحكومات الغربية من تمويل السد بضغط أمريكي، ليتوجه المهندس إبراهيم فرهود إلى موسكو ويحصل على الموافقة المبدئية. تم التوقيع النهائي بعد حركة شباط ١٩٦٦، وفي ٦ آذار ١٩٦٨ جرى الاحتفال ببدء العمل في مركز الطبقة في الرقة، بالتزامن مع تدشين سكة حديد القامشلي. يصف المؤلف حماسة آلاف الشيوعيين الذين خرجوا من السجون والبيوت السرية للمشاركة في البناء، وكيف شكل السد مجتمعاً جديداً بقيم التضافر. يذكر مقاطعة القوى اليمينية والرجعية للمشروع، مما اضطر الحكومة لإنشاء "الشركة العربية السورية للتعمير"، ويشيد بدور الشيوعيين مثل مروان قولي ونبيل الخاني. يختتم هذا القسم بالإشارة إلى تدشين خط أنابيب النفط في الحسكة في أول أيار ١٩٦٨، ومرفأ طرطوس، وخط سكة حديد عكاري-طرطوس، معتبراً أن هذه المشاريع أرست بنية تحتية أساسية للاقتصاد الوطني وعززت الصمود.

8.أحداث على النطاق الدولي / خالد بكداش يصاب بذبحة قلبية / التنظيم الفلسطيني للحزب الشيوعي السوري / الم439–484▼ résumé

يقدّم هذا الفصل من مذكرات يوسف الفيصل سرداً لثلاثة محاور رئيسية مترابطة في تاريخ الحزب الشيوعي السوري: تطور الخلافات الأيديولوجية داخل الحركة الشيوعية العالمية وتأثيرها على الحزب، إصابة الأمين العام خالد بكداش بذبحة قلبية، ونشأة وتطور التنظيم الفلسطيني للحزب الشيوعي السوري. يجيب المؤلف على سؤال كيف تعامل الحزب مع التحديات الداخلية والخارجية، موضحاً التحولات الفكرية والسياسية التي مر بها.

يبدأ الفصل بمناقشة الأحداث الدولية التي هزت الحركة الشيوعية، ويركز على اللقاء الاستشاري للأحزاب الشيوعية والعمالية الذي عُقد في بودابست. يصف المؤلف هذا الاجتماع بأنه كان "عاصفاً"، حيث ألقى خالد بكداش كلمة انتقد فيها علناً موقف الحزب الشيوعي الروماني من وحدة الحركة الشيوعية واستقلاليته، كما هاجم اقتراح الحزب الروماني بدعوة شخصية تُدعى ميكونيس، الذي كان قد أيد عدوان 1967 على البلدان العربية. أدى هذا إلى انسحاب الوفد الروماني احتجاجاً، وتعطلت الجلسات. حاولت أحزاب مثل الحزب الشيوعي الفرنسي التوسط لحل الخلاف، طالبةً سحب المقطع المتعلق بالحزب الروماني من الكلمة. بعد نقاش معمق، وافق الوفد السوري على سحب الفقرة "على أساس أنها تخرج عن نطاق اللقاء الاستشاري" للحفاظ على نجاح الاجتماع. ومع ذلك، عاد الوفد الروماني في اليوم الثاني وطالب بإدانة موقف الحزب السوري، مما أدى إلى رفض معظم الحضور لهذا الطلب وتأييدهم للموقف السوري، وانسحب الحزب الروماني نهائياً.

يشرح المؤلف أن هذا الصدام لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان تعبيراً عن "خلافات أيديولوجية عميقة" بدأت تظهر في الحركة الشيوعية العالمية، وأبرزها "الميل نحو الاستقلالية" لدى بعض الأحزاب وتعمق الخلافات بين الحزب الشيوعي الصيني والحزب الشيوعي السوفييتي. يقر المؤلف بأن الحزب الشيوعي السوري في تلك الفترة كان "موحد الرأي حول دعم الموقف السوفييتي" ويرى أن الموقف الأممي كان يتصل بشكل أساسي بالموقف من الاتحاد السوفييتي باعتباره "وطن الاشتراكية". يعود المؤلف إلى هذه الخلافات متأملاً، ويعترف بأن إيمانهم كان "مطلقاً" بالسياسة السوفييتية، وأن الأحداث كشفت عن "نضوج فكرة الاستقلالية". ويشير بأسف إلى أن المركزية التي كانت ضرورية في مراحل سابقة أدت إلى "سلطة الفرد القائد" وساهمت لاحقاً في "عملية انهيار المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي". يتطرق إلى خلافه الجوهري مع خالد بكداش الذي انتهى بالقطيعة، حيث قدم بكداش صيغة أن الحزب "مع الاتحاد السوفييتي على الخطأ والصواب"، بينما رفضها المؤلف وطالب بصيغة أخرى تركز على دعم السوفييت لنضالهم الوطني.

في المحور الثاني، يصف المؤلف زيارة نادرة قام بها خالد بكداش إلى محافظة الحسكة (الجزيرة) في الأشهر الأخيرة من عام 1978، برفقة المؤلف والدكتور نبيه رشيدات. خلال الزيارة، شعر بكداش بآلام في صدره، وتوقفوا للراحة، ثم تابعوا المسير حتى تفاقمت الآلام وتبين أنه أصيب بـ "احتشاء في القلب". تم اتخاذ التدابير الطبية اللازمة، وتم إبلاغ الرفاق السوفييت الذين أرسلوا طبيبين متخصصين. بعد تحسن حالته، نظم المؤلف جولة سياحية للطبيبين في سورية، يروي خلالها حادثة طريفة حين استفاق الطبيبان مذعورين لصوت آذان الفجر. بعد تعافي بكداش، غادر إلى موسكو لمتابعة العلاج وعاد في كانون الأول 1978 لاستئناف عمله.

المحور الثالث مخصص للتنظيم الفلسطيني للحزب الشيوعي السوري. يبدأ المؤلف بالتأكيد على أن هذا التنظيم "لم ينشأ من العدم"، بل سبقته أشكال متعددة من العمل. يذكر أن قانوناً سورياً كان يمنع وجود ضباط غير سوريين في الجيش، مما أدى إلى منح الجنسية السورية لضباط فلسطينيين التحقوا بالكلية العسكرية عام 1947. يصف المؤلف "حذراً" كبيراً من قيادة الحزب، بقيادة خالد بكداش، في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين بسبب "عدم توفر معلومات لدى قيادة الحزب عنهم" وحادثة تسلل أمني لشخص يدعى محمود شعبان. أدى هذا الحذر إلى رفض قبول الفلسطينيين كأعضاء في الحزب لفترة طويلة. يوضح المؤلف أن هذا كان "خطأ فادحاً"، لكن التطور اللاحق ساعد في إيجاد تنظيم فلسطيني خاص بالحزب.

يتناول المؤلف بالتفصيل نشاطات الشيوعيين الفلسطينيين قبل وبعد تشكيل التنظيم رسمياً عام 1971. يصف المرحلة الأولى (قبل التنظيم) بأنها تميزت بكونهم أعضاء في الحزب السوري ونشاطهم في مؤسسات مثل الجامعة والجيش، ودورهم في إصدار مجلة "صوت فلسطين" ومشاركتهم البارزة في عمليات عسكرية مثل "عملية الحزام الأخضر" في آب 1967. أما المرحلة الثانية (بعد التنظيم)، فتضمنت نشاطات مثل طباعة منشورات الحزب، المشاركة في انتخابات نقابات المعلمين والطلاب الفلسطينيين، وإقامة معسكرات تثقيفية، وإرسال طلاب للدراسة في البلدان الاشتراكية. يذكر أن نشرة التنظيم، "عائدون"، لعبت دوراً جيداً في نشر سياسة الحزب. ولم يخلُ الأمر من خلافات داخل لجنة التنظيم، بلغت ذروتها في منتصف 1977، مما أدى إلى حلها من قبل قيادة الحزب في أيار 1978، لتشكيل لجنة قيادية مؤقتة. يختتم المؤلف هذا المحور بالإشارة إلى أنه عندما أُعلن عن تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1982، ترك الحرية للرفاق الفلسطينيين للانضمام إليه أو البقاء في الحزب السوري، فاختارت الغالبية الانضمام إلى الحزب الفلسطيني الجديد.

في ختام الفصل، يتناول المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري، الذي عُقد بعد انقطاع دام 25 عاماً في حزيران 1979. يصف المؤلف التحضيرات المعقدة للمؤتمر، والأسباب البعيدة والقريبة لدعوته، بما في ذلك تأثير الخلافات الفكرية مع طرح خروشوف، وضغط الرفاق السوفييت في مدرسة الحزب، والحاجة لمراجعة مواقف الحزب بعد انهيار الوحدة السورية-المصرية. يذكر أن انعقاد المؤتمر كان استثنائياً، وتم في فيلا في حي المزة بسرية تامة. انتُخب 111 مندوباً، وحضره ممثلون عن الحزبين الشيوعيين العراقي والأردني. ركز التقرير السياسي الذي قدمه خالد بكداش على مواضيع محورية مثل الوحدة العربية، والموقف من الاتحاد السوفييتي، والعمل الفدائي، وانتقال الحزب من شعار "الجبهة الوطنية" إلى "الجبهة الوطنية التقدمية". تضمن التقرير نقداً ذاتياً من بكداش لغياب المؤتمرات. أقر المؤتمر البرنامج الاقتصادي والزراعي والنظام الداخلي، وانتخب لجنة مركزية جديدة أعادت انتخاب خالد بكداش أميناً عاماً. من أهم نتائج المؤتمر، التي أوردها المؤلف، تكريس فكرة عقد المؤتمرات بشكل دوري، وإرساء قواعد الديمقراطية الداخلية، ومعالجة قضايا فكرية وسياسية كبرى. مع ذلك، يقر المؤلف بأن المؤتمر أظهر أيضاً بدايات الخلافات الفكرية التي أدت لاحقاً إلى "أول انقسام كبير في الحزب الشيوعي السوري عام 1986".