Almawred
عربي

ملامح سوريا في القرن التاسع عشر

ar

يقدم كتاب "ملامح سوريا في القرن التاسع عشر" للمؤلف م. لورتيه، وهو طبيب وعميد كلية الطب في جامعة ليون، وصفاً تفصيلياً لرحلته في أرجاء سوريا الطبيعية (التي شملت سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكية) في أواخر القرن التاسع عشر. ينقل الكتاب انطباعات الرحالة ورصده الدقيق للجغرافيا والمجتمع والعمارة والاقتصاد في المناطق التي زارها، بدءاً من منابع نهر الأردن في فلسطين وصولاً إلى دمشق وما حولها. ورغم أن المادة تبدو وكأنها يوميات رحالة محايد، إلا أن المقدمة التي كتبها المترجم أحمد عبد الكريم تكشف عن خلفية المهمة التي أوكلت إلى لورتيه من قبل وزارة التربية الفرنسية، والتي كانت تهدف، في سياق الصراع الاستعماري على تركة الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض)، إلى تمهيد الطريق استراتيجياً لاستعمار الشرق الأوسط باعتباره جسراً حيوياً نحو آسيا وأفريقيا. وبالتالي، فإن الرحلة لم تكن مجرد استكشاف علمي، بل كانت جزءاً من مشروع استشراقي أوسع يخدم مصالح القوى الكبرى، خاصة فرنسا وبريطانيا.

يسير الكتاب وفق مسار جغرافي محدد يتتبعه القارئ مع الرحالة. يبدأ من منطقة الحولة وقرية الفجر وتل القاضي، حيث ينبع نهر اللدان أحد روافد الأردن، ثم ينتقل إلى بانياس التي يصفها بـ "تيفولي سورية" لجمال طبيعتها وكثرة مياهها وشلالاتها. يتوقف عند آثار مدينة بانياس القديمة وقصر الصبيبية ومعبد الآلهة بان، ويذكر علاقة المنطقة بالمسيح ووصول الإمبراطور تيتوس إليها. يمر بعدها بـ مجدل شمس ويصف سكانها الدروز وأخلاقهم، ثم بركة رام (بحيرة فيالا القديمة). تتواصل الرحلة عبر مرج الحشتر والمزرعة وصولاً إلى عرطوز، حيث يسلط الضوء على معاناة الفلاحين تحت وطأة ضرائب الدولة العثمانية. ينتهي الجزء الأول بوصول الرحالة إلى دمشق، المدينة التي يصفها بـ "جنة حقيقية" بعد عناء السفر.

يتعمق القسم الثاني من الرحلة في استكشاف المناطق المحيطة بدمشق. يبدأ الرحالة رحلة شاقة لاجتياز جبل الشيخ (حرمون)، واصفاً قمته المكللة بالثلوج والتي يبلغ ارتفاعها 2800 متر تقريباً، ويذكر وجود بقايا معبد يُسمى قصر عنتر مخصص لعبادة الإله حرمون. يزور قرية شلبعا والهبارية حيث يكتشف معابد فينيقية قديمة يرى أنها تسبق العصر اليوناني وتستحق دراسة متخصصة. يتوقف مطولاً في حاصبيا، وهي قرية درزية جميلة يصف جمال فتياتها، ويهتم بشكل خاص بمناجم القار (النفط أو الملفر) في المنطقة، موضحاً طريقة استخراجه البدائية وأهميته الاقتصادية في مكافحة الحشرات وتصديره إلى أوروبا. ينتقل بعدها إلى راشيا حيث يلاحظ انتشار الأمراض كالديزانتاريا والملاريا رغم ارتفاعها، ثم يعود أدراجه نحو دمشق ماراً ببحيرة كفر قوق ودير المشاش وميسلون والديماس، مختتماً رحلته بوصول ثانٍ إلى دمشق عبر وادي بردى وقرية دمر.

يخصص الرحالة حيزاً كبيراً من كتابه لوصف دمشق وغوطتها بتفصيل بالغ الدقة. يصف نهر بردى وجسوره ومقاهيه التي يرتادها العاطلون عن العمل. يتحدث عن هندسة المنازل الدمشقية المصنوعة من اللبن، وتوزيع المياه عبر السواقي وفق قوانين قديمة. يصف البساتين وأشجار الفاكهة وخاصة المشمش الذي يصنع منه قمر الدين، ويشير إلى جودة العنب الدمشقي وصناعة الدبس بدلاً من السكر بسبب الرسوم الجمركية العالية. يصف الحياة الاجتماعية في المقاهي وعادة خروج الرجال للتنزه في البساتين عند الغروب بينما تبقى النساء المحجبات في المنزل. ينتقل بعدها إلى وصف البحيرات والمستنقعات شرقي دمشق مثل بحيرة العتيبة والهيجانة، ويحذر من روائحها الكريهة في الصيف والخريف وتسببها بالأمراض القاتلة.

لعل أكثر ما يميز الكتاب هو غناه بالشهادات والوقائع اللافتة التي تقدم صورة حية عن المجتمع السوري في تلك الحقبة. من أبرزها وصف حالة الفلاحين البؤساء في عرطوز الذين تقتطع الدولة العثمانية ثمار جهدهم، مقابل وصف آخر لفلاحي الغوطة الذين يقاومون جلاوزة الباشا بالسلاح ويلجأون إلى حوران وجبل الدروز. يصف الرحالة الشعب السوري بأنه جذاب وذكي وميله للدعابة، لكنه يقرن هذا الوصف بعبارة هامة: "خاصة عندما لا يكون مسحوقاً من الأنظمة المتوحشة كالنظام العثماني". يوضح الكتاب تحيزه الطبقي أيضاً عندما يصف باعة السوق من اليهود بكلمات قاسية واصفاً إياهم بالمرائين والمحتالين، بينما يصف قصور دمشق بكل إعجاب وجمال، ويذكر أن بعض الأسر العريقة اضطرت لبيع قصورها بسبب استيلاء السلطات العثمانية على ثرواتها. يتطرق لورتيه أيضاً إلى تجارة الحرير المتراجعة في دمشق بسبب المنافسة الخارجية، ويذكر أن حوالي ألفي حائكة كانت تعمل في هذه الصناعة.

يعترف المؤلف في مواضع متفرقة بحدود معرفته وتركه أسئلة مفتوحة، مما يعطي مصداقية لوصفه. فهو يعلن صراحة عن جهله بأصل البناة الذين شيدوا المعابد الفينيقية على سفوح جبل الشيخ، هل هم سوريون في العصر اليوناني أم فينيقيون؟ ويرى أن هذه المعابد تعود لعصر أقدم من عصر الإسكندر المقدوني. يوصي الخبراء المختصين بدراسة هذه الآثار التي لم يزرها أي رحالة أوروبي من قبل. كما يقر بوجود دببة في منطقة جبل الشيخ رغم أن بعض المعاصرين له بدأوا يشككون في وجودها ويصفون الروايات عنها بالأساطير.

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح، أولها النية الاستعمارية الواضحة خلف المهمة العلمية، حيث تجسد المقدمة هذا التناقض بين وصف الرحالة المحايد والغرض السياسي لرعاة الرحلة. ثانياً، هناك تناقض ملحوظ في نظرة الكاتب للسكان المحليين، إذ يمتدح ذكاء الشعب السوري وجمال فتيات الدروز وفي الوقت نفسه يصف تجار السوق اليهود بأوصاف نمطية سلبية. أخيراً، تترك نظرة الكاتب الطبية إشارة مهمة عن الأمراض السائدة، لكنه يخلط بين ملاحظاته الطبية وتحيزاته الاجتماعية، مما يجعل القارئ بحاجة إلى تمييز بين الرصد العلمي والخلفية الفكرية للعصر الاستعماري الذي كُتب فيه الكتاب.