
Adaptable Autocrats
يطرح كتاب «حكام استبداديون قابلون للتكيف» (Adaptable Autocrats) للمؤلف جوشوا ستاشر سؤالاً محورياً حول مفارقة صادمة: لماذا أفضت الانتفاضات العربية في عام 2011 إلى نتائج متباينة تماماً في بلدين جمهوريين متشابهين ظاهرياً هما مصر وسوريا؟ ففي الوقت الذي شهدت فيه مصر انتقالاً سريعاً وسلمياً نسبياً للسلطة من الرئيس حسني مبارك إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، انزلقت سوريا إلى حرب أهلية دامية وعنيفة. يقدم ستاشر إجابة واضحة وحاسمة: يكمن الاختلاف الجوهري في كيفية هيكلة السلطة وتوزيعها داخل كل نظام، وتحديداً في درجة مركزية السلطة التنفيذية. فمركزية السلطة في مكنت النخبة الحاكمة من تغيير الائتلاف الحاكم والتضحية برأس النظام لإنقاذه، بينما أدى اللامركزية في توزيع القوة في سوريا إلى جعل هذا التغيير مستحيلاً، مما دفع النظام إلى استخدام العنف المفرط كخيار وحيد للبقاء. جوهر أطروحة الكتاب هو أن سرعة التكيف لدى الأنظمة الاستبدادية لا تتعلق بمدى قوتها أو ضعفها فحسب، بل بكيفية توزيع تلك القوة ومرونة النخبة في إعادة تشكيل نفسها واستبدال أعضائها.
يسير حجة الكتاب عبر فصوله المترابطة بمنطق صارم، يبدأ بتأطير المشكلة ثم يتعمق في الأسباب التاريخية والبنائية، قبل أن يعود لتحليل لحظة الأزمة نفسها. يبدأ الكتاب بتقديم مشكلة البحث: لماذا اختلفت نتائج الانتفاضات رغم تشابه الظروف التي أشعلتها؟ يشير ستاشر إلى أن تفسير الاختلاف لا يكمن في عوامل سطحية مثل وجود النفط أو شكل النظام (جمهورية مقابل ملكية)، بل في البنية الداخلية للسلطة. ينتقل بعدها الفصل الثاني لتفكيك فشل الضغوط الخارجية، وخاصة الأمريكية، في إحداث إصلاحات ديمقراطية حقيقية. يشرح الكاتب أن الأنظمة العربية ليست جامدة، بل تمتلك هياكل مؤسسية متكيفة تمكن النخب من تحييد هذه الضغوط وإعادة إنتاج سلطتها. يستعرض ستاشر أدبيات دراسة الاستبداد وينتقد بحدة نظرية «النظام النيو-باتريمونيالي» التي تختزل الأنظمة في الزعيم وحاشيته وتتجاهل دور المؤسسات في تهذيب سلوك النخب وتحديد خياراتهم. يؤكد أن المؤسسات البيروقراطية، رغم ضعفها وتسييسها، تظل محورية لفهم تفاعل النخب، وأن درجة مركزية السلطة التنفيذية هي التي تحدد قدرة النظام على التكيف مع التحديات.
الفصل الثالث هو العمود الفقري للكتاب، حيث ينتقل من الوصف إلى التفسير التاريخي. يحاول ستاشر أن يجيب عن سبب اختلاف طبيعة السلطة التنفيذية في مصر وسوريا، ولا يعزو ذلك إلى اختيارات شخصية للقادة، بل إلى قيود تاريخية وبنائية فرضت نفسها خلال فترة السبعينيات الحاسمة. يحدد الكاتب ثلاثة عوامل رئيسية: الهوية الوطنية، المعاملات الدولية، وشدة التحديات الداخلية. في مصر، ورث القادة هوية وطنية متماسكة ومجتمعاً متجانساً نسبياً، مما أتاح للرئيس أنور السادات مساحة واسعة للتحرك. استخدم السادات ثورته التصحيحية في عام 1971 لاعتقال خصومه الناصريين وتفكيك الاتحاد الاشتراكي العربي، واستبداله بالحزب الوطني الديمقراطي الضعيف التابع للرئاسة. كما قام بتجريد الجيش من دوره السياسي عبر سياسات التناوب المستمر للقادة، مما جعله أداة تابعة للرئيس وليس مركز قوة مستقل. في المقابل، واجه حافظ الأسد مجتمعاً سورياً مجزأً إقليمياً وطائفياً، مما جعل القومية العربية هي الخيار الأيديولوجي الوحيد القابل للتطبيق لربط المواطنين بالدولة. بدلاً من تدمير حزب البعث، قام الأسد بتوسيعه بشكل هائل ليصبح ركيزة للنظام، فارتفع عدد أعضائه من 35 ألفاً عام 1970 إلى 200 ألف بحلول 1978، ثم إلى نحو 537,864 عضواً عام 1984. هذا النمو الهائل جعل الحزب «مستودعاً للسلطة» و«ركيزة للنظام» لا يمكن تفكيكها أو السيطرة عليها بالكامل. كما اضطر الأسد لبناء جيش عابر للطوائف ليكون ركيزة أخرى، مما جعل الجيش والأجهزة الأمنية مؤسسات سياسية متشددة تساهم في الحكم، وزادت من لامركزية السلطة التنفيذية. ويعزز الفصل ذلك بعاملين مساعدين: دعم الولايات المتحدة للسادات بعد حرب أكتوبر 1973، والذي منحه أكثر من 60 مليار دولار مساعدات منذ 1979، مما سرّع عملية مركزية السلطة، بينما أدى رفض الأسد للسلام مع إسرائيل إلى عزلته الدولية وزيادة اعتماده على المؤسسات المحلية.
يفصل الفصل الرابع والكتاب آلية التكيف من خلال التركيز على النخب السياسية العليا، قارناً بين نموذج مصر في عهد حسني مبارك كنموذج للسلطة المركزية القادرة على التكيف بسرعة، وسوريا في عهد بشار الأسد كنموذج للسلطة اللامركزية التي تعاني من الجمود. يوضح ستاشر أن الأنظمة المركزية كالمصرية تسمح للرئيس بإزالة أي نجم صاعد أو إضعاف أي مؤسسة بسهولة، كما حدث مع وزير الخارجية عمرو موسى الذي تم فصله فجأة من منصبه في مايو 2001 رغم شعبيته الجارفة بعد أغنية «أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى»، حيث تم تعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في منزلة فخرية عزّلته عن قاعدته المحلية. كما يروي الكاتب قصة إزاحة النخب القديمة مثل صفوت الشريف ويوسف والي وكمال الشاذلي لصالح صعود نجم نجل الرئيس جمال مبارك، عبر تسخير الحزب الوطني الضعيف كوسيلة للتغيير. في المقابل، تظهر حادثة تصويت سوريا في مجلس الأمن على القرار 1483 عام 2003 كيف يعرقل كبار البعثيين مثل عبد الحليم خدام رغبة الرئيس، مما يثبت أن النخب في سوريا تمتلك ملاذات مؤسسية تحميها وتجعل إدماجها أو استبعادها عملية صعبة ومعقدة. يعترف المؤلف بأن مبارك نفسه لم يكن مطلق السلطة، بل كان بحاجة للنخب لتنفيذ سياسته، وبأن بشار الأسد ليس دمية بل منافس على النفوذ ضمن نظام أوليغاركي.
يمتد التحليل في الفصل الخامس ليشمل الفئات غير النخبوية، ويقارن آليات استقطابها بين البلدين. في مصر، كان الحزب الوطني الديمقراطي الضعيف أداة فعالة لاستقطاب الطبقة الوسطى الحضرية والمهنيين عبر «أمانة السياسات» التي أنشئت في سبتمبر 2002 بقيادة جمال مبارك وفريق من التكنوقراط مثل محمود محيي الدين ومحمد كمال وحسام بدراوي. تحول هؤلاء المستقلون إلى وكلاء للاستمرارية الاستبدادية بعد دمجهم في الحزب. كما أنشأ النظام مجالس وطنية مثل «المجلس القومي لحقوق الإنسان» الذي أُنشئ في 2003 وضم شخصيات مرموقة مثل بطرس بطرس غالي وأحمد كمال أبو المجد، بهدف استقطاب النخب المهنية الحضرية غير السياسية وتحييد خطاب المعارضة عبر إضفاء طابع وطني عليه، دون منح المجلس أي صلاحيات تشريعية حقيقية. في سوريا، وتحت رعاية أسماء الأسد، تأسست جمعيات مثل «فردوس» في يوليو 2001 و«ماورد» في أبريل 2003 و«سيا» في يناير 2004 لمكافحة الفقر وتمكين المرأة وريادة الأعمال، لكنها بقيت خاضعة للرقابة لأن بنات النخبة الحاكمة مثل ديما تركماني ونورة الشعار يديرنها، مما منعها من أن تصبح مساحة مستقلة أو تهدد التوازن السياسي بين مراكز القوة.
يعود الفصل الأخير إلى الانتفاضات نفسها لاختبار الفرضية الأساسية. يصف ستاشر كيف أدت الاحتجاجات في ميدان التحرير في مصر إلى إرهاق أجهزة الأمن، مما دفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى التدخل. استغل المجلس صلاحياته المركزية ليضحي بمبارك ورجاله مثل أحمد عز وحبيب العادلي لإنقاذ النظام نفسه، مما يمثل تغييراً في هيكل النظام وليس تغييراً للنظام ذاته. في سوريا، جعلت اللامركزية وتقاسم السلطة مع الحزب والأجهزة الأمنية من المستحيل تغيير تركيبة الائتلاف الحاكم دون انهيار الدولة، مما دفع النظام إلى استخدام القوة المفرطة والعنف، خالقاً «سوريتين»: واحدة خاضعة وأخرى متمردة. يعترف ستاشر في ختام الكتاب بحدود تحليله، مشيراً إلى أن مستقبل هذه الأنظمة ليس محتومًا، ففي مصر بقيت الثورة غير مكتملة والطبقة الاجتماعية الصارمة قائمة، ومن غير الواضح ما إذا كان المجلس العسكري سينقل السلطة لرئيس منتخب يتمتع بسلطة مركزية مماثلة. في سوريا، يقر المؤلف بأن النظام ليس على وشك الانهيار الفوري، لكن من الصعب تصور بقاء الأسد والنخب الحاكمة في السلطة بعد انتهاء العنف، مشيراً إلى أن الانتفاضة كشفت عن عجز الدولة عن إعادة تشكيل ائتلافها الحاكم. يحذر الكاتب من المبالغة في تمجيد نجاح الثورتين في تونس ومصر، مؤكداً أن تغيير الرؤساء كان الجزء السهل، بينما بقيت الهياكل الاجتماعية والطبقية العميقة كما هي دون تغيير يذكر، مما يعكس جوهر فكرة الكتاب: «التغير للبقاء على حاله».
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، التركيز الحصري على «مستوى تمركز السلطة التنفيذية» كمتغير رئيسي يفسر الاختلافات في المرونة بين النظامين، مع إيلاء اهتمام أقل للعوامل الاقتصادية والإقليمية والبنية الطائفية لسوريا، خاصة دور الأقلية العلوية، التي قد تكون عوامل حاسمة في تفسير الترابط بين النخب وقدرتها على الصمود أكثر مما يشير إليه المؤلف. كما أن تخصيص مساحة كبيرة لصعود جمال مبارك قد يبدو لإثبات مرونة النظام، بينما يمكن قراءة ذلك كحالة فريدة من المحسوبية لا تعكس بالضرورة آلية مؤسسية قابلة للتكرار. يطرح الكتاب أيضاً سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل مركزية السلطة في سوريا: هل سيتمكن بشار الأسد من إعادة هيكلة السلطة مثلما فعل السادات في مصر، أم أنه سيواصل التنافس مع النخب الحزبية والأمنية؟ الجواب، بحسب المؤلف، ليس مجرد مسألة وقت بل يتطلب جرأة سياسية لإضعاف المؤسسات وإعادة هيكلتها، وهو تحليل يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية لاستكشاف حدود هذا النموذج التفسيري في سياقات أخرى.
Personnes
Chapitres(6)
1.مقدمة: التغير للبقاء على حاله18–44▼ résumé
يطرح هذا الفصل التمهيدي سؤالاً محورياً: لماذا اختلفت نتائج الانتفاضات العربية في 2011 بين دولتين جمهوريتين هما مصر وسوريا، على الرغم من تشابه الظروف العامة التي أشعلتها؟ ففي الوقت الذي شهدت فيه مصر انتقالاً سريعاً وسلمياً نسبياً للسلطة من الرئيس حسني مبارك إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، انزلقت سوريا إلى صراع عنيف ودموي. يقدم المؤلف إجابة واضحة: يكمن الاختلاف الجوهري في كيفية هيكلة السلطة وتشغيلها داخل كل نظام سياسي، وبالتحديد في درجة مركزية السلطة. فمركزية السلطة في مصر مكّنت النخبة من تغيير الائتلاف الحاكم بسرعة لإنقاذ النظام، بينما أدى اللامركزية في السلطة في سوريا إلى جعل تغيير الائتلاف أمراً مستحيلاً تقريباً، مما دفع النظام إلى استخدام العنف المفرط كخيار وحيد للبقاء. يخلص المؤلف إلى أن سرعة التكيف لدى الأنظمة الاستبدادية لا تتعلق بمدى قوتها فحسب، بل بكيفية توزيع تلك القوة ومرونة النخبة في إعادة تشكيل نفسها.
يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذه الحجة. يبدأ بسرد موجز للانتفاضات العربية، مشيراً إلى أن سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 كان الشرارة التي أشعلت المنطقة. في مصر، استمرت الاحتجاجات 18 يوماً وانتهت بتنحي مبارك في 12 فبراير. يستخدم المؤلف هذه الأحداث لطرح مشكلة البحث الأساسية: لماذا نجحت بعض الانتفاضات في إزاحة رؤوس النظام بينما فشلت أخرى؟ يتجاوز المؤلف التفسيرات السطحية مثل التركيز على النفط أو شكل النظام (جمهورية مقابل ملكية)، ويشير إلى أن النتائج كانت متباينة للغاية: انتقال مضطرب في مصر وتونس، جمود في اليمن، قمع وحشي في البحرين، وحرب أهلية في ليبيا وسوريا.
ثم ينتقل الفصل إلى مقارنة مفصلة بين مصر وسوريا لفهم هذا التباين. بالنسبة لمصر، يصف المؤلف كيف أن السلطة كانت مركزية للغاية قبل 2011، حيث هيمن الرئاسة على كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والحزب الحاكم وأجهزة الأمن. لكنه يبين أن الجيش، الذي كان العمود الفقري للنظام منذ ثورة 1952، شهد تدهوراً في نفوذه السياسي والاقتصادي منذ عهدي السادات ومبارك، لصالح وزارة الداخلية ورجال الأعمال المقربين من النظام، وخاصة خلال مشروع توريث الحكم لنجل الرئيس جمال مبارك. هذه التهميش والاستياء داخل المؤسسة العسكرية جعلها مستعدة للتدخل. عندما اندلعت الاحتجاجات، هزم المحتجون أجهزة الأمن الداخلي، وانهار الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وأصبح الجيش هو صاحب القرار الوحيد. نظراً لمركزية السلطة، كان من الممكن للجيش (المجلس الأعلى للقوات المسلحة) أن "يضحي" بـمبارك وائتلافه الاقتصادي الجديد لإنقاذ النظام ككل، والانتقال بسلاسة إلى موقع السلطة المركزية.
على النقيض، يركز الفصل على الحالة السورية ليشرح كيف أن اللامركزية في السلطة أدت إلى نتيجة مختلفة تماماً. يوضح المؤلف أن سوريا دولة غير متجانسة، وأن الرئيس حافظ الأسد بنى نظاماً على أعمدة متعددة (الجيش، الحزب، الأجهزة الأمنية) وائتلاف حاكم عابر للطوائف، مما جعل السلطة لا تتركز في يد الرئيس وحده بل كانت موزعة بين هذه المؤسسات. هذا التصميم، الذي كان ضرورياً لاستقرار الدولة، جعل من المستحيل تغيير الائتلاف الحاكم بسرعة. عندما اندلعت الاحتجاجات السورية في درعا في مارس 2011، لم تكن هناك آلية للتخلص من شخص واحد (الرئيس بشار الأسد) لإنقاذ النظام، لأن النظام نفسه كان قائماً على هذا الائتلاف المتنوع والموزع. لذا، رأت النخبة أن الخيار الوحيد للبقاء هو التكاتف واستخدام القوة المميتة لقمع الاحتجاج، خوفاً من انهيار النظام بأكمله. يخلص الفصل إلى أن اللامركزية جعلت من الأسد قائداً لا غنى عنه في وقت الأزمة، ولكنها أيضاً جعلت الدولة أضعف وأكثر عنفاً.
في النهاية، يعترف المؤلف بحدود تحليله، مشيراً إلى أن نجاح الاحتجاجات في مصر كان جزئياً بفضل التجانس النسبي للمجتمع المصري، مما ساعد المحتجين على تجاوز خلافاتهم السابقة وتشكيل جبهة موحدة، على عكس المجتمع السوري المتنوع. كما يقر بأن فكرة "الكرامة" كسبب للانتفاضات هي فكرة صحيحة لكنها صعبة الدراسة منهجياً. يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بدور الجيش المصري، حيث يرى بعض المحللين أن تدخله كان بطولياً، بينما يرى المؤلف أنه كان بمثابة انقلاب منقذ للنظام القديم نفسه، وليس ثورة حقيقية. يحذر المؤلف من المبالغة في تمجيد نجاح الثورتين في تونس ومصر، مشيراً إلى أن تغيير الرؤساء كان الجزء السهل، بينما بقيت الهياكل الاجتماعية والطبقية العميقة كما هي دون تغيير يذكر، مما يعكس جوهر فكرة الفصل: "التغير للبقاء على حاله".
1.مناقشة السلطوية45–63▼ résumé
يطرح هذا الفصل سؤالاً محورياً حول سبب فشل الضغوط الخارجية، وخاصة الأمريكية، في إحداث إصلاحات ديمقراطية حقيقية في الأنظمة العربية، ويقدم جوشوا ستاشر إجابة مفادها أن هذه الأنظمة ليست جامدة أو ضعيفة، بل تمتلك هياكل مؤسسية متكيفة تمكن النخب الحاكمة من تحييد الضغوط وإعادة إنتاج سلطتها. يوضح الكاتب أن النقاش حول الاستبداد تطور من التركيز على "الانتقال إلى الديمقراطية" في التسعينيات إلى تفسير "استدامة الاستبداد" في الألفية الثانية، مشيراً إلى أن المنطقة العربية ظلت عصية على موجة التحول الديمقراطي الثالثة. ويذكر الكاتب بالاستثناءات المشكوك فيها مثل المغرب والعراق ولبنان في تصنيف فريدم هاوس، مؤكداً فشل جهود "صناعة الديمقراطية" الأمريكية رغم خطابات "أجندة الحرية" التي أطلقها الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر.
يسير الفصل عبر عدة خطوات تحليلية: أولاً، يصف "مسرحية" الإصلاح الدبلوماسية بين المسؤولين الأمريكيين والنخب العربية، حيث يبدو الأمر وكأنه صراع حاد لكنه في النهاية "ضجة فارغة" لا تؤدي إلى تغيير جوهري. يستشهد الكاتب بميشيل دون من مؤسسة كارنيجي التي نسبت الفضل للضغط الأمريكي في إجراء انتخابات رئاسية تعددية في مصر عام 2005، لكنه يوضح ساخراً أن الرئيس آنذاك فاز بنسبة 90% تقريباً، مما يثبت أن الحوافز الخارجية لا تعكس الواقع. ثانياً، يحلل الفصل كيفية عمل المؤسسات كـ"مركز عصبي للاستبداد" حسب تعبير جايسون براونلي، حيث تمتص الضغوط وتعيد توجيهها، وتضمن تماسك النخب ومرونتها. ويشير إلى أن الأنظمة تختلف في درجة مركزية السلطة التنفيذية، ففي مصر كانت مؤسسات الدولة مركزية تحت سيطرة الرئاسة، مما جعل النظام أكثر قدرة على التكيف وإعادة تشكيل نفسه حتى بعد انتفاضة 2011، بينما في سوريا كانت السلطة لا مركزية بين الرئاسة والحزب والأجهزة الأمنية، مما أدى إلى مزيد من تقاسم السلطة ولكن أيضاً إلى مزيد من الجمود وصعوبة التكيف.
ينتقل الفصل لمناقشة الأدبيات النظرية حول دراسة الاستبداد، مستعرضاً تعريف خوان لينز الكلاسيكي للأنظمة السلطوية ونماذج التصنيف المختلفة مثل الأنظمة العسكرية والحزبية والسلطانية وشبه الديمقراطية. ينتقل الكاتب بعدها إلى نظرية "النéo-باتريمونيالية" المستمدة من أفكار ماكس فيبر، ويشرح كيف أن هشام شرابي وحليم بركات استخدماها لشرح ضعف المجتمع المدني وتخلف التنمية في العالم العربي. لكن ستاشر ينتقد هذا الاستخدام بحدة، معتبراً إياه "تآكلياً" وخطأً تجريبياً، لأنه يفشل في التمييز بين الأنظمة المختلفة ويلقي باللوم على الثقافة بينما يتجاهل الأسباب المؤسسية والتاريخية والاقتصادية والجيو-سياسية. يرى ستاشر أن المشكلة في هذه المقاربات أنها تختزل النظام في "الزعيم وحاشيته"، وتجعل المؤسسات مجرد واجهة ضعيفة، وتتجاهل دورها في تهذيب سلوك النخب وتحديد نطاق خياراتهم.
يخصص الفصل قسماً مهماً لـ"أدوات الهيمنة"، مستعرضاً ثلاثة أنواع من السلطة عند فيبر: التقليدية، والكاريزماتية، والعقلانية-القانونية. يوضح أن المؤسسات البيروقراطية هي التي تحقق التحديث السياسي وتجعل الحكم مهنياً وغير شخصي. ثم يناقش نظريات صمويل هنتنغتون حول أهمية الحزب الواحد في استيعاب الفئات الاجتماعية الجديدة وتحقيق الاستقرار السياسي. ينتقل بعدها إلى أعمال براونلي ودان سلاتر وجنيفر غاندي التي تؤكد أن المؤسسات في الأنظمة الاستبدادية يمكن أن تكون "شخصية للغاية ومؤسسية للغاية في الوقت نفسه"، فهي تقيد النخب ولكنها أيضاً تمكن تماسكها. ويركز على أن أصول المؤسسات وتاريخها هي التي تحدد من يتم تضمينه في الائتلاف الحاكم وكيف يتم التوصل إلى توافق، مما يؤدي إلى تفاوت في مركزية السلطة بين نظام وآخر.
في القسم المتعلق بـ"استعمار الوافدين"، يصف الكاتب آلية "الاستقطاب" أو "الدمج" التي تستخدمها النخب لتوسيع سيطرتها على المجتمع. يشرح أن هذه العملية تشمل علاقات المحسوبية (الزبونية) والدمج النقابي، حيث يتم إدخال الأفراد غير المنحازين إلى المؤسسات الحكومية مقابل مزايا مادية واجتماعية مثل القروض والمنح والأمان الوظيفي والنفوذ. يؤكد ستاشر أن هذه العملية ليست مجرد "بحث عن ريع" سلبي، بل تهدف النخب إلى استقطاب المواهب والأشخاص ذوي رأس المال الاجتماعي لجعلهم مساهمين في النظام. يوضح أن الاستقطاب يعزز الاعتماد المتبادل: الرئيس يجعل النخبة تعتمد عليه، والنخبة تجعل المجتمع يعتمد عليها، مما ينتج تماسكاً ذاتياً ويقلص احتمالات المعارضة.
أما القسم الأخير حول "تركيز القوة" فيتناول القمع كأداة حكم. يميز الكاتب بين استخدام القوة الفعلية والتهديد باستخدامها، مشيراً إلى أن التهديد أكثر فعالية في تغيير السلوك، مستشهداً بحنة آرنت التي رأت أن القوة والعنف نقيضان؛ فالعنف يظهر عندما تتعرض السلطة للخطر. يوضح أن الأجهزة الأمنية تعمل كحصن أخير للاستبداد، لكن استخدام القوة المفرطة، كما في سوريا والبحرين، يمكن أن يزيد المعارضة. يؤكد ستاشر أن الفارق بين مصر وسوريا ليس في درجة القمع، بل في درجة تسييس المؤسسات الأمنية: ففي مصر كانت الأجهزة الأمنية منفذة غير سياسية لإرادة الرئاسة، بينما في سوريا كانت فاعلاً سياسياً يتنافس مع المؤسسات الأخرى، مما يضعف التكيف.
في الختام، يقدم الفصل ثلاثة استنتاجات رئيسية: أولاً، المؤسسات في الأنظمة الاستبدادية أضعف وأكثر تسييساً وشخصية، لكنها تظل محورية لفهم تفاعل النخب. ثانياً، المؤسسات البيروقراطية أقوى عادةً من المؤسسات السياسية (كما في مصر)، لكن هذا ليس ثابتاً حيث يكون الحزب أقوى نسبياً كما في سوريا. ثالثاً، تختلف التكوينات المؤسسية حتى في الأنظمة المتشابهة ظاهرياً. ويخلص إلى أن درجة مركزية السلطة التنفيذية هي التي تحدد قدرة النظام على إعادة تشكيل نفسه والتكيف مع التحديات، مما يفسر لماذا صمد النظام المصري وأعاد إنتاج نفسه بعد 2011 بقدرة أكبر من النظام السوري. يقر الكاتب بأن الفصل يطرح أسئلة مفتوحة حول أصول هذه المركزية أو اللامركزية، ويعد بالعودة إليها في فصول لاحقة لاستكشاف كيف تشكلت هذه الهياكل في مصر وسوريا تاريخياً.
2.أصول السلطة التنفيذية64–95▼ résumé
يُحاول هذا الفصل تفسير سبب اختلاف طبيعة السلطة التنفيذية في مصر وسوريا، على الرغم من أوجه التشابه الظاهرية بين النظامين. يقدم جوشوا ستاشر إجابة محورية مفادها أن الاختلاف في السلطة المركزية (مركزية السلطة في مصر) مقابل السلطة اللامركزية (تعدد مراكز القوة في سوريا) لا يعود إلى اختيارات شخصية للقادة، بل هو نتاج قيود تاريخية وبنائية فرضت نفسها عليهم خلال فترة السبعينيات الحاسمة. هذه القيود تمثلت في ثلاثة عوامل رئيسية: الهوية الوطنية، المعاملات الدولية، وشدة التحديات الداخلية.
يبدأ الفصل بمقارنة جذرية بين البلدين. ففي مصر، ورث القادة هوية وطنية متماسكة ومجتمعاً متجانساً نسبياً، مما أتاح لهم مساحة للتحرك دون الحاجة لبناء "مجتمع متخيل" لتوحيد طوائف متعددة. في المقابل، واجهت سوريا إرثاً من التشرذم الإقليمي والطائفي، حيث لم يكن للدولة السورية تاريخ ككيان واحد ذي حدود واضحة، مما جعل القومية العربية هي الخيار الأيديولوجي الوحيد القابل للتطبيق لربط المواطنين بالدولة.
يستخدم المؤلف حجة "القيود المختلفة على الهوية" لشرح كيف تعامل كل من الرئيسين أنور السادات (حكم 1970-1981) وحافظ الأسد (حكم 1970-2000) مع بناء الدولة. يوضح الفصل أن السادات، بسبب ضعف القيود الاجتماعية، استطاع أن ينفصل عن القومية العربية ويتبنى "القومية المصرية" (مصر أولاً). في المقابل، لم يكن أمام الأسد خيار سوى تعزيز القومية العربية كأساس للنظام، لأن "السورية" كهوية وطنية لم تكن خياراً متاحاً في ذلك الوقت.
لتأكيد هذه الفرضية، يتناول الفصل تطور الحزب الحاكم في كل دولة. في مصر، قام السادات بتفكيك وتجريد الاتحاد الاشتراكي العربي (حزب عبد الناصر) من قوته، مستخدماً ثورته التصحيحية عام 1971 لاعتقال خصومه الناصريين. ثم استبدله بـالحزب الوطني الديمقراطي، وهو حزب "بلا أسنان" خالٍ تماماً من أي استقلالية أو أيديولوجية، وأداة في يد الرئيس وليس مركزاً للقوة. منذ ديسمبر 1976، حوّل السادات الاتحاد الاشتراكي العربي إلى ثلاثة منابر ثم ألغاه بالكامل، مما جعل الرئاسة هي المؤسسة السياسية الوحيدة النشطة.
على الجانب الآخر، في سوريا، ورث حافظ الأسد حزب البعث الذي كان صغيراً وأيديولوجياً. بدلاً من تدميره، قام الأسد بتوسيع الحزب بشكل كبير ليصبح ركيزة للنظام. ارتفع عدد أعضاء الحزب من 35 ألفاً عام 1970 إلى 200 ألف بحلول 1978، ثم إلى نحو 375 ألفاً عام 1980، و537,864 عضواً عام 1984 .أدى هذا النمو الهائل، الناتج عن ضرورة تحقيق الاستقرار في مجتمع مجزأ، إلى جعل الحزب "مستودعاً للسلطة" و"ركيزة للنظام". هذا جعل الحزب يتمتع باستقلالية كبيرة، وأصبح من المستحيل على الأسد تفكيكه أو السيطرة عليه بالكامل كما فعل السادات، مما ساهم في خلق نظام سياسي متعدد مراكز القوة.
يتوازى الأمر نفسه مع تطور المؤسسة العسكرية. يصف الفصل كيف قام السادات بتجريد الجيش المصري من دوره السياسي، وذلك من خلال سياسات "فرق تسد" و"التناوب المستمر" للقادة العسكريين مثل محمد أحمد صادق وأحمد إسماعيل علي وعبد الغني الجمسي، الذين أصبحت مناصبهم مرهونة بولائهم الشخصي للرئيس. انخفضت نسبة الوزراء من أصول عسكرية من 34% في عهد عبد الناصر إلى 20% في عهد السادات، ثم إلى أقل من 10% في عهد خلفه حسني مبارك. أصبح الجيش أداةً تابعةً للرئيس وليس مركز قوة مستقل. في المقابل، واجه الأسد وضعاً مختلفاً تماماً. لم يستطع تجريد الجيش من سياساته، بل كان عليه بناء جيش "عابر للطوائف" ليكون ركيزة أخرى للنظام، حيث أداره عبر ثلاث دوائر متداخلة: دائرة ضيقة من العلويين المقربين، ودائرة من ضباط البعث من طوائف أخرى، ودائرة خارجية من الضباط المحترفين. أصبح الجيش والأجهزة الأمنية مؤسسات سياسية متشددة تساهم في حكم البلاد، مما زاد من لامركزية السلطة التنفيذية.
أخيراً، يضيف الفصل عامليين مساعدين عززا هذا التباعد: المعاملات الدولية والتحديات الداخلية. بعد حرب أكتوبر 1973، سارعت الولايات المتحدة بقيادة هنري كيسنجر لدعم السادات كحليف رئيسي، مما منحه الدعم المالي (أكثر من 60 مليار دولار مساعدات منذ 1979) والسياسي لتسريع سياسته وإعادة تشكيل الائتلاف الحاكم. في المقابل، أدى رفض الأسد للسلام مع إسرائيل إلى عزلته دولياً وجعله في مواجهة أمنية دائمة، مما زاد اعتماده على المؤسسات المحلية وأعاق مركزية السلطة. أما على الصعيد الداخلي، فقد واجه السادات تحديات محدودة ومتقطعة مثل أعمال شغب الخبز عام 1977 ومعارضة اتفاقية كامب ديفيد، والتي لم تعطل مشروعه لتركيز السلطة. في سوريا، كانت التحديات أكثر عمقاً، مما أجبر الأسد على تعميق لامركزية السلطة لضمان استقرار النظام عبر مؤسسات متعددة.
يقر المؤلف في النهاية بأن هذا التحليل يترك عدة أسئلة مفتوحة، مثل مدى تأثير هذه البنى المؤسسية المختلفة في كيفية تطور الانتفاضات الشعبية عام 2011. حيث تشير الحجة الضمنية القابلة للنقاش إلى أن مركزية السلطة في مصر جعلت إسقاط النظام أكثر سهولة، بينما جعلت اللامركزية السورية النظام أكثر ميلاً لاستخدام العنف الشديد للحفاظ على تماسك ركائزه المتعددة.
3.التكيف والاستقطاب النخبوي96–136▼ résumé
يُركّز هذا الفصل من كتاب "أنظمة استبدادية قابلة للتكيّف" (Adaptable Autocrats) لمؤلفه جوشوا ستاشر (Joshua Stacher) على محورية النخب السياسية العليا في الحفاظ على أي نظام سياسي، وكيف تؤدي آليات إدماج النخب (Elite Co-optation) واستبعادها إلى تحديد درجة قدرة النظام الاستبدادي على التكيّف. الإجابة المحورية التي يقدّمها المؤلف هي أن سرّ قدرة النظام الاستبدادي على التكيّف لا تكمن في زعيمه القوي وحده، بل في مستوى تمركز السلطة التنفيذية داخل النظام. فكلما كانت السلطة مركزية في يد الرئيس، كان النظام أكثر مرونةً في تغيير ائتلافه الحاكم وإدماج نخب جديدة أو استبعاد القديمة، مما يجعله أكثر قدرة على الصمود. أما في الأنظمة اللامركزية حيث تتنافس مؤسسات سياسية قوية مع الرئيس، فإنّ تغيير الائتلاف الحاكم يصبح أبطأ وأكثر خطورة، مما يدفع النظام إلى اللجوء للعنف لحماية نفسه عند التهديد.
يسير الفصل خطوةً بخطوة، قارناً بين نموذجين: مصر في عهد حسني مبارك كنموذج للسلطة المركزية القادرة على التكيّف بسرعة، وسوريا في عهد بشار الأسد كنموذج للسلطة اللامركزية التي تعاني من الجمود والصراع بين مراكز القوى. يبدأ المؤلف بتأصيل نظري: النخب العليا (مثل كبار أعضاء الحزب والوزراء والمستشارين) هم الفاعلون الأساسيون، لكن قوتهم الفعلية تأتي من قربهم من مركز السلطة التنفيذية. في الأنظمة المركزية كالمصرية، يستطيع الرئيس بسهولة إزالة أي نجم صاعد أو إضعاف مؤسسة كاملة، مما يجعل النظام قابلاً للتغيير بسرعة (كما حدث بعد ثورة 2011 حين استطاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إزاحة مبارك وفريقه الاقتصادي).
أما في الأنظمة اللامركزية كالسورية، فقد ورث حافظ الأسد مؤسسات سياسية قوية (كحزب البعث والأجهزة الأمنية) حافظت على استقلاليتها واستطاعت منافسة الرئيس. ويُظهر الفصل أن بشار الأسد لم يستطع توحيد السلطة كما فعل والده، بل وجد نفسه مضطراً للتنافس مع نخب راسخة في الحزب والأمن. يدعم المؤلف ذلك بمثال تفصيلي عن تصويت سوريا في مجلس الأمن على القرار 1483 عام 2003، حيث أظهرت الحادثة كيف يعرقل كبار البعثيين (مثل عبد الحليم خدام) رغبة الرئيس في التصويت لصالح القرار، مما أدى إلى ارتباك وخلاف علني. هذا يثبت أن النخب في سوريا تمتلك ملاذات مؤسسية تحميها، مما يجعل إدماجها أو استبعادها عملية صعبة ومعقدة.
يُطوّر الفصل هذه المقارنة عبر مثالين ملموسين عن تغيير الائتلاف الحاكم. في مصر، يُسلّط الضوء على قصة صعود وسقوط وزير الخارجية عمرو موسى. رغم شعبيته الجارفة بعد أغنية "أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى" عام 2001، اعتبرته النخبة التنفيذية تهديداً محتملاً. تمّ فصله فجأة من منصبه وتعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في مايو 2001، وهي منزلة فخرية عزّلته عن قاعدته المحلية وجرّدته من نفوذه الحقيقي. يوضح هذا المثال كيف أن الأنظمة المركزية تستطيع استبعاد أي نجم بسرعة ودون مقاومة مؤسسية. على النقيض، تروي الحالة الثانية في مصر قصة إزاحة النخب القديمة مثل صفوت الشريف ويوسف والي وكمال الشاذلي لصالح صعود نجم نجل الرئيس، جمال مبارك. هذه العملية لم تكن فجائية بل تدرّجية، وتمت عبر تسخير الحزب الوطني الحاكم الضعيف كوسيلة للتغيير بعد فشله الذريع في انتخابات 2000 البرلمانية (حيث فاز 39% فقط من مرشحيه). يخلص المؤلف إلى أن هذه المرونة في إقصاء النخب القديمة وإدخال الجديدة هي دليل على قدرة النظام الاستبدادي المصري على التكيّف.
يعترف المؤلف بتحديدات وتحفظات مهمة. فهو لا يقدّم صورة لرئيس مطلق السلطة، بل يؤكد أن مبارك نفسه كان بحاجة للنخب لتنفيذ سياسته والحفاظ على الإجماع، وأن قوته كانت تتطلب عملاً مستمراً لإعادة ضبط العلاقات معهم. كذلك في سوريا، لا يصف بشار الأسد بأنه دمية، بل كمنافس على النفوذ ضمن نظام أوليغاركي، حيث يمتلك رئاسة قوية بالأساس لكنه لا يستطيع تفعيل سلطاته الدستورية بالكامل أمام مؤسسات محصّنة. يُقرّ الكاتب أيضاً بأن الحديث عن "مراكز القوى" مثل الحزب والأمن قد يكون مضلّلاً، لأن هذه المؤسسات ليست كتلاً متجانسة، بل تتخلّلها شبكات محسوبية متداخلة ومتنافسة. في النهاية يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل مركزية السلطة في سوريا: هل سيتمكن بشار الأسد من إعادة هيكلة السلطة مثلما فعل السادات في مصر، أم أنه سيواصل التنافس مع النخب الحزبية والأمنية؟ الجواب، بحسب المؤلف، ليس مجرد مسألة وقت بل يتطلب جرأة سياسية لإضعاف المؤسسات وإعادة هيكلتها.
من الحجج القابلة للنقاش التي يقدمها الفصل، التركيز الحصري على مستوى تمركز السلطة التنفيذية كمتغير رئيسي يفسر الاختلافات في المرونة بين النظامين، مع إيلاء اهتمام أقل للعوامل الاقتصادية أو الإقليمية أو البنية الطائفية لسوريا (خاصةً دور الأقلية العلوية) التي قد تكون عوامل حاسمة في تفسير الترابط بين النخب وقدرتها على الصمود أكثر مما يشير إليه المؤلف. كما أن تخصيص مساحة كبيرة لصعود جمال مبارك قد يبدو لإثبات مرونة النظام، بينما يمكن القراءة بأنها حالة فريدة من المحسوبية لا تعكس بالضرورة آلية مؤسسية قابلة للتكرار في سياقات أخرى.
4.التكيف والاستقطاب غير النخبوي137–172▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل كيفية تكيف الأنظمة الاستبدادية من خلال استقطاب الفئات غير النخبوية، ويقارن بين نظامين عربيين هما مصر وسوريا قبل عام 2011. يطرح الفصل سؤالاً محورياً: كيف تؤثر درجة تمركز السلطة التنفيذية على آلية استقطاب هذه الفئات؟ ويجيب بأن تمركز السلطة في مصر جعل الاستقطاب أكثر كفاءة وتركيزاً عبر الحزب الحاكم، بينما أدى توزيع السلطة في سوريا إلى استقطاب أكثر تشتتاً وأقل فعالية.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال مقارنة منظمة بين البلدين. يبدأ بشرح الإطار النظري: في الأنظمة ذات السلطة التنفيذية المركزية (مثل مصر)، يمكن للنخبة الحاكمة استقطاب المجموعات بسهولة عبر الحزب الواحد وبدون عوائق مؤسسية، مما يزيد من قدرة النظام على التكيف. أما في الأنظمة اللامركزية (مثل سوريا)، فإن المنافسة بين مراكز القوة (الحزب، الرئاسة، الأمن) تؤدي إلى استقطاب متفرق يصعب معه تغيير الائتلاف الحاكم.
ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل الاستقطاب الحزبي. في مصر، كان الحزب الوطني الديمقراطي ضعيفاً ومصمماً ليكون تابعاً للرئاسة وليس نداً لها، وقد أنشأ في سبتمبر 2002 "أمانة السياسات" بقيادة جمال مبارك وفريق من التكنوقراط مثل محمود محيي الدين ومحمد كمال وحسام بدراوي. أصبحت هذه الأمانة المكان الأكثر نشاطاً لاستقطاب غير النخبويين، وخصوصاً من الطبقة الوسطى الحضرية والمهنيين. يشرح الفصل آلية عمل "مجلس السياسات العليا" الذي ضم 123 عضواً من الأكاديميين والاقتصاديين والدبلوماسيين السابقين، والذين تحولوا من كونهم مستقلين إلى أعضاء في الحزب، مما حوّلهم إلى وكلاء للاستمرارية الاستبدادية. يذكر الفصل شهادات حية مثل شهادة الأستاذ عادل بشرى الذي رأى في المجلس "أعظم مركز أبحاث في البلاد"، مقابل شهادة هالة مصطفى التي شعرت أن المجلس أصبح أداة للاستقطاب بعد أن وعده بمساحة ليبرالية.
في المقابل، يصف الفصل الاستقطاب الحزبي في سوريا عبر تجربة "لجنة إصلاح البعث" التي شُكلت في يناير 2004. ضمت اللجنة أربع لجان فرعية، لكن "لجنة الحرية" فقط هي التي ضمت شخصيات مستقلة ومعارضة مثل ميشيل كيلو وسمير الطقي، وجلساتها كانت استشارية فقط. لم يُطلب من هؤلاء المستقلين الانضمام إلى حزب البعث بل استُخدموا لتوليد أفكار للإصلاح دون دمجهم رسمياً في النظام. يشير الفصل إلى أن صعوبة الاستقطاب في سوريا تعود إلى البنية البيروقراطية للحزب وشبكات المحسوبية المتشابكة، مما يجعل إدخال أعضاء جدد بشكل مفاجئ أمراً مربكاً.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى استراتيجية "المجلسنة" في مصر كمثال على التكيف المتطور. أنشأ النظام مجالس وطنية مثل "المجلس القومي للمرأة" و"المجلس القومي لحقوق الإنسان" (الذي أُنشئ في 2003). كان الهدف من هذه المجالس استقطاب النخب المهنية الحضرية غير السياسية، وتحييد خطاب المعارضة عبر إضفاء طابع وطني عليه. المجلس القومي لحقوق الإنسان ضم شخصيات مرموقة مثل بطرس بطرس غالي كرئيس وأحمد كمال أبو المجد كنائب، بالإضافة إلى ناشطين مستقلين مثل بهي الدين حسن وحافظ أبو سعودة. لكن الفصل يوضح أن المجلس كان استشارياً بلا صلاحيات تشريعية، وكانت مهمته الحقيقية هي توسيع نفوذ النظام بين الطبقة الوسطى وليس تحقيق إصلاح فعلي.
في المقابل، تتبع سوريا استراتيجية "التوسع الخاضع للرقابة في الجمعيات الأهلية". تحت رعاية أسماء الأسد، تأسست جمعيات مثل فردوس (يوليو 2001) لمكافحة الفقر الريفي، وماورد (أبريل 2003) لتمكين المرأة اقتصادياً، وسيا (يناير 2004) لريادة الأعمال الشابة. يوضح الفصل أن هذه الجمعيات، رغم قيامها بعمل جيد، تظل خاضعة للرقابة لأن بنات النخبة الحاكمة (مثل ديما تركماني ونورة الشعار) يديرنها، مما يمنعها من أن تصبح مساحة مستقلة أو تهدد التوازن السياسي بين مراكز القوة.
أخيراً، يقارن الفصل بين البرلمانات في البلدين. في مصر، كان الفوز بمقعد برلماني غالباً ما يتبعه الانضمام إلى الحزب الوطني الديمقراطي للوصول إلى موارد الدولة، حيث أن ما يقرب من 95% من التشريعات كانت تأتي من الحكومة. في سوريا، يُحجز ثلث مقاعد البرلمان الـ250 للمستقلين مسبقاً، ولا يُطلب منهم الانضمام إلى حزب البعث. يقدم الفصل مثالاً عن رجل الأعمال المستقل هاشم عكاد الذي يخدم في البرلمان منذ 1994 دون أن يكون عضواً في الحزب، معبراً عن ولائه للرئيس لكنه يرفض الانتماء الحزبي.
يعترف الفصل بحدود تحليله. يشير إلى أنه من غير الواضح ما الذي سيؤول إليه هذان النظامان السياسيان بعد الانتفاضات العربية، وأن استراتيجيات مثل "المجلسنة" أو توسيع الجمعيات قد تبدو بلا جدوى بعد عام 2011، لكنه يؤكد أن نجاح هذه الاستراتيجيات هو القاعدة وليس الاستثناء، وأن التغيير جاء بفعل قوى خارجية وغير متوقعة. يبقي الفصل السؤال مفتوحاً حول مدى فعالية هذه الآليات في مواجهة التحديات الكبرى.
5.انتفاضات 2011 ومستقبل التكيف الاستبدادي173–258▼ résumé
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل كيفية تأثير درجة مركزية السلطة التنفيذية في الأنظمة الاستبدادية على قدرتها على التكيف مع الأزمات السياسية، وذلك من خلال مقارنة مسار الانتفاضات الشعبية في مصر وسوريا عام 2011. يقدم جوشوا ستاشر إجابة واضحة مفادها أن الأنظمة التي تتمتع بسلطة تنفيذية مركزية قادرة على إعادة تشكيل ائتلافها الحاكم بسرعة وتضحية ببعض أركانه لإنقاذ النظام ككل، بينما الأنظمة ذات السلطة التنفيذية اللامركزية تجد نفسها عاجزة عن تعديل الائتلاف الحاكم فتضطر لاستخدام العنف كخيار وحيد للبقاء، مما يؤدي إلى طريق مسدود.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من الخلفية التاريخية المشتركة للبلدين بعد الاستقلال، حيث مرا بمرحلة الشعوبية (الاستبداد اليساري) ثم التحول إلى النيوليبرالية (الاستبداد اليميني) في السبعينيات، مما أدى إلى إعادة هيكلة التحالفات الطبقية وزيادة التفاوت الاقتصادي. يشير المؤلف إلى أن هذا المسار المتشابه يخفي اختلافاً جوهرياً في درجة مركزية السلطة التنفيذية، مؤكداً أن افتراض "سوريا هي مصر متأخرة" هو افتراض خاطئ.
في حالة مصر، يصف الكاتب كيف أدت الاحتجاجات غير المتوقعة في ميدان التحرير إلى إرهاق أجهزة الأمن، مما اضطر المجلس الأعلى للقوات المسلحة (SCAF) إلى التدخل. استغل المجلس صلاحياته المركزية ليطيح بـ حسني مبارك ورجاله، مثل أحمد عز وحبيب العادلي، ويضحي بهم لإنقاذ النظام نفسه. يوضح المؤلف أن هذا يمثل تغييراً في هيكل النظام وليس تغييراً للنظام ذاته، وهو ما يعكس قدرة عالية على التكيف الاستبدادي بفضل السلطة المركزية. على النقيض، يشرح الفصل كيف أن النظام اللامركزي في سوريا، حيث يتقاسم الرئيس بشار الأسد السلطة مع أطراف أخرى في الائتلاف الحاكم مثل الحزب والأجهزة الأمنية، جعل من المستحيل تغيير تركيبة الائتلاف دون انهيار الدولة. أدى هذا المأزق إلى استخدام القوة المفرطة والعنف ضد المتظاهرين، مما أوصل البلاد إلى طريق مسدود وخلق "سوريتين": واحدة خاضعة وأخرى متمردة.
يستخدم المؤلف عدة أمثلة لإيضاح الفارق:
- مصر: تم فصل عمرو موسى من منصبه كوزير للخارجية رغم خدمته الطويلة، مما يظهر هشاشة النخب في ظل السلطة المركزية. صعود جمال مبارك السريع يظهر سهولة إدخال نخب جديدة.
- سوريا: حادثة التصويت على القرار 1483 للأمم المتحدة، حيث خالف كل من فاروق الشرع وعبد الحليم خدام أمراً رئاسياً مباشراً دون عقاب، تثبت أن النخب محمية بمؤسساتها وليس بعلاقاتها الشخصية بالرئيس.
يعترف المؤلف بحدود وتحفظات واضحة، حيث يؤكد أن مستقبل هذه الأنظمة ليس محتومًا. في مصر، يبقى الثورة غير مكتملة والطبقة الاجتماعية الصارمة قائمة، ومن غير الواضح ما إذا كان SCAF سينقل السلطة لرئيس منتخب يتمتع بسلطة مركزية مماثلة. في سوريا، يقر المؤلف بأن النظام ليس على وشك الانهيار الفوري، لكن من الصعب تصور بقاء الأسد والنخب الحاكمة في السلطة بعد انتهاء العنف، مشيراً إلى أن الانتفاضة كشفت عن عجز الدولة عن إعادة تشكيل ائتلافها الحاكم.
يتناول الفصل أيضاً انتقاداً للسياسة الأمريكية والدعوات الغربية للإصلاح والديمقراطية، معتبراً أنها "خاطئة التصور" لأنها تتجاهل الاختلافات البنيوية بين الأنظمة. ويشير إلى أن خطاب باراك أوباما بعدم تصنيف مبارك كاستبدادي يناقض التحليلات داخل وزارة الخارجية التي كشفت عنها ويكيليكس.
من حيث الخلفيات التاريخية، يتتبع الفصل مسار الانفصال بين البلدين بعد حرب أكتوبر 1973. استخدم أنور السادات شرعيته الناتجة عن الحرب للتوجه نحو الولايات المتحدة وتفكيك أجهزة الدولة الحزبية والأمنية لمركزة السلطة حول مكتبه. بينما حافظ الأسد، بسبب ظروفه المختلفة وائتلافه اللامركزي، اضطر لتعزيز مؤسسات الدولة (الحزب، الجيش، الأمن) لضمان بقائها، مما خلق نظاماً أكثر مركزية متعددة الأقطاب.
في النهاية، يخلص الفصل إلى أن دراسة التكيف الاستبدادي هي إطار أفضل لفهم الحكم في العالم العربي مقارنة بنظريات التحول الديمقراطي أو الانتقالية. فالديمقراطية ليست المحتكر الوحيد للقدرة على التكيف؛ فالأنظمة الاستبدادية تتكيف أيضاً، ولكن بنجاعة متفاوتة تحددها درجة مركزية السلطة التنفيذية. يعد هذا الفصل حجة قابلة للنقاش لأنها تتحدى النظرة الأحادية للأنظمة الاستبدادية العربية وتقدم نموذجاً تفسيرياً يركز على البنية وليس فقط على الإرادة الفردية للقادة، وإن كانت تُقر بأهمية الفاعلية البشرية والإرث التاريخي في تشكيل هذه البنى.