Almawred
_OceanofPDF.com_Beyond_Syrias_Borders_-_Emma_Lundgren_Jorum
English

_OceanofPDF.com_Beyond_Syrias_Borders_-_Emma_Lundgren_Jorum

1 janvier 2014enI.B. Tauris

يسعى كتاب "ما وراء حدود سوريا" لـ إيما لوندغرين يوروم إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف تتعامل الدولة السورية مع أقاليم فقدت سيطرتها الفعلية عليها، لكنها لا تزال تظهر كجزء من أراضيها على الخرائط الرسمية؟ يبني المؤلف فرضيته على أن العلاقة بين الدولة والأراضي المفقودة ليست ثابتة، بل ديناميكية وقابلة للتغير، وأن لكل إقليم أهمية مختلفة بالنسبة لسوريا. يدافع الكتاب عن موقف مفاده أن سوريا لم تتعامل مع هذه الأقاليم الثلاثة – لبنان، هاتاي (لواء إسكندرون)، ومرتفعات الجولان – بسياسة واحدة، بل طورت مقاربات متباينة تتراوح بين السعي للسيطرة غير المباشرة، والمطالبة الرمزية دون فعل، والإصرار المطلق على الاسترداد، وذلك اعتماداً على ظروف فقدان كل إقليم وقيمته الاستراتيجية.

يبدأ الكتاب بوضع إطار نظري ومنهجي، منتقداً الإهمال النظري لمفهوم "الإقليم" في الدراسات السياسية. يبني المؤلف، مستشهداً بأعمال يان لوستيك، فرضية مفادها أن الأراضي المفقودة ليست متساوية في القيمة بالنسبة للدولة: بعضها يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من هويتها وضرورياً لاستعادته، بينما يمكن مع الوقت أن يُنظر إلى أقاليم أخرى على أنها منفصلة ويمكن التخلي عنها. من الناحية المنهجية، اعتمدت الدراسة على تحليل الخطاب الرسمي السوري من خلال خطب ومقابلات الرؤساء شكري القوتلي، حافظ الأسد، وبشار الأسد، بالإضافة إلى مذكرات شخصيات دولية وإسرائيلية مشاركة في المفاوضات، وتقارير الأمم المتحدة. أما بالنسبة لحالة هاتاي، فكانت الأكثر حساسية، مما دفع الباحث إلى استخلاص الاستنتاجات من خلال ما لم تقله سوريا.

ينتقل الفصل الثاني إلى تقديم خلفية تأسيس الجمهورية العربية السورية، موضحاً أنها لم تكن دولة متكاملة عند استقلالها في عام 1946، بل كانت "دولة ناشئة" تعاني من ضعف التكامل الإقليمي والسكاني. يشرح الفصل كيف تم رسم حدود سوريا من الصفر بعد الحرب العالمية الأولى، وكيف فقدت خلال فترة الانتداب الفرنسي منطقتين من الأقاليم الثلاثة موضوع الدراسة (لبنان وهاتاي). يصف الفصل سياسة التقسيم الفرنسية التي قسمت سوريا المنتدبة إلى دويلات صغيرة، مما عمق الانقسامات الداخلية. ومع ذلك، تحولت الحركة الوطنية تدريجياً من المطالبة بـ"سوريا الجغرافية" الكبرى إلى قبول سوريا المنتدبة المصغرة، وكانت نقطة التحول ثورة 1925-1927 التي أدت إلى هيمنة الكتلة الوطنية التي ركزت على استقلال سوريا المنتدبة فقط. يقدم الفصل أيضاً لمحة عن التطورات السياسية بعد الاستقلال، وصولاً إلى انقلاب حزب البعث في مارس 1963 واستيلاء حافظ الأسد على السلطة في 1970، مما أنهى فترة عدم الاستقرار وبدأ عهداً من الاستقرار الداخلي المتزايد الذي انعكس على السياسة الخارجية.

يحلل الفصل الثالث العلاقة المعقدة بين سوريا ولبنان، ممتدةً من فترة الانتداب إلى عام 2010. الموضوع المحوري هو فكرة "نحن لسنا غرباء هنا" التي تعبر عن التصور السوري للبنان كجزء لا يتجزأ من مجالها الحيوي والأمني. يوضح المؤلف أن هذه السياسة تطورت عبر مراحل: من المطالبة بالوحدة إلى القبول القسري بالحدود، ثم إلى التدخل العسكري وإرساء نموذج من الهيمنة الممنهجة. يبدأ الفصل بجذور المسألة اللبنانية، موضحاً كيف أن إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920 ضم مناطق ذات أغلبية مسلمة كانت تابعة إدارياً لسوريا. بلغ هذا التطور ذروته في الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943، الذي نص على اعتراف سوريا باستقلال لبنان مقابل ألا يصبح لبنان "منصة أو ممراً للإمبريالية" ضد سوريا. مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تدخل الجيش السوري عسكرياً في 1 يونيو 1976، واكتسب شرعية لاحقة من خلال قوة الردع العربية. بعد الحرب، دخلت العلاقة مرحلة "الهيمنة السورية" الممنهجة بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق في 22 مايو 1991، والتي أسست لتنسيق عالٍ بين البلدين. بلغت الضغوط ذروتها بإصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 في سبتمبر 2004، ثم اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005، مما أدى إلى الانسحاب الكامل للقوات السورية في 26 أبريل 2005. ومع ذلك، تحول النفوذ السوري بعد الانسحاب إلى دعم حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله، وخاصة بعد اتفاق الدوحة في مايو 2008 الذي أعاد لسوريا هامش المناورة.

يتناول الفصل الرابع السياسات السورية تجاه منطقة هاتاي (لواء إسكندرون سابقاً) منذ ضمها إلى تركيا عام 1939. الإجابة المحورية هي أن سوريا لم تعترف رسمياً أبداً بضم هاتاي، لكنها في الوقت نفسه لم تتبنَّ سياسة فعلية لاستعادتها، بل اتبعت نهجاً غامضاً تمثل في إبقاء المنطقة ضمن خرائطها الرسمية مع تجنب إثارة النزاع حولها. يبدأ الفصل بخلفية الضم، حيث أثارت تركيا مسألة السكان الناطقين بالتركية في اللواء، وانتهى الأمر بصفقة فرنسية تركية في 23 يونيو 1939، ليصبح اللواء المحافظة الثالثة والستين لتركيا. ترتب على الضم هجرة ما يقدر بـ 50,000 شخص إلى سوريا. بعد الاستقلال، التزمت سوريا باتفاق غير رسمي مع تركيا عام 1946 يقضي بعدم المطالبة رسمياً بهاتاي مقابل اعتراف تركيا باستقلال سوريا. طوال فترة حكم حافظ الأسد، تراجعت قضية هاتاي عن الظهور العلني، لكن الخرائط المدرسية والمنشورات الرسمية استمرت في إظهارها كجزء من سوريا. شهدت الفترة من 2000 إلى 2011 انفراجاً كبيراً في العلاقات، حيث امتنع بشار الأسد عن ذكر هاتاي وسعت سوريا إلى طمس الحدود عملياً من خلال مشاريع مشتركة مثل سد الصداقة. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 ودعم تركيا للمعارضة، عادت قضية هاتاي بقوة إلى الإعلام السوري الرسمي لأول مرة منذ عقود، لكن دون أي مطالبة رسمية من الحكومة.

يحلل الفصل الخامس تطور الموقف السوري تجاه مرتفعات الجولان، منذ احتلالها في حرب حزيران/يونيو 1967 وحتى بداية الانتفاضة السورية عام 2011. الحجة المحورية هي أن قضية الجولان تحولت تدريجياً من كونها جزءاً من "القضية العربية" الشاملة إلى أن أصبحت "القضية السورية" المركزية. يبدأ الفصل بعرض الخلفية التاريخية، مشيراً إلى أن ما يقارب 1,250 كم² من أصل 1,750 كم² من الجولان وقع تحت السيطرة الإسرائيلية بعد الحرب. يدرس الفصل بالتفصيل مفاوضات السلام بين 1991 و2000، مقسماً إياها إلى أربع مراحل. شهدت المرحلة الثانية مع إسحاق رابين تقدماً بعرض الانسحاب الكامل إلى خط 4 حزيران/يونيو 1967 مقابل تلبية احتياجاته الأمنية، وهو ما عُرف بـ"الإيداع". تشهد الفترة الأخيرة من المفاوضات مع إيهود باراك أقصى مرونة سورية، حيث أبدت استعداداً للتنازل عن أراضٍ كانت سورية حتى بموجب حدود 1923، والموافقة على سيادة إسرائيل على كامل بحيرة طبريا وشريط ساحلي بطول 50 متراً، لكن قوبل هذا برفض إسرائيلي. بعد وفاة حافظ الأسد، تبنى بشار الأسد نفس الموقف المبدئي، مع إعادة التأكيد على أن استعادة كامل الجولان هو الشرط الأساسي لاستئناف المفاوضات. يتناول الفصل أيضاً الجهود السورية على الأرض للحفاظ على ارتباط الجولان بسوريا، مثل تسجيل المواليد والوفيات في دمشق، وشراء التفاح من مزارعي الجولان المحتل (بين 5,000 و12,000 طن سنوياً).

يقدم الفصل الختامي خلاصة تحليلية لسياسات سوريا تجاه الأقاليم الثلاثة، مقارناً بينها بشكل منهجي. بالنسبة للبنان، كان الهدف هو السيطرة غير المباشرة واستخلاص المكاسب السياسية والأمنية، دون محاولة ضمه. أما في حالة هاتاي، فاتسمت السياسة بالغموض: بقيت على الخرائط، لكن المطالبات الرسمية بها كانت نادرة، وتحولت إلى "ورقة مساومة" في أوقات التوتر مع تركيا. أما بالنسبة للجولان، فكانت السياسة متسقة ومتماسكة، تجمع بين الخطاب والفعل، مع رفض أي تنازل والإصرار على الانسحاب الكامل. يختتم الفصل بتحليل القيم المختلفة للأقاليم الثلاثة: بالنسبة للبنان، القيمة استراتيجية وأمنية؛ وفي حالة هاتاي، القيمة اقتصادية؛ أما الجولان، فقيمته تتجاوز الموارد المائية لتصل إلى القيمة المعنوية والنفسية، باعتبارها أرضاً محتلة من العدو اللدود. يعترف المؤلف بحدود الدراسة ويثير أسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بغموض السياسة السورية تجاه هاتاي والدوافع الحقيقية وراء إبقائها على الخرائط.

من النقاط القابلة للنقاش في الكتاب، الدور المزدوج للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومات البعث، التي كسرت من جهة قوة النخبة التقليدية، لكنها خلقت من جهة أخرى نخبة جديدة تعتمد على المحسوبية والفساد. كما يبرز سؤال حول شرعية وطبيعة التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية، حيث يتناقض الادعاء السوري بأنه جاء بدعوة من "السلطات الشرعية" مع إنكار تلك السلطات نفسها لذلك. وأخيراً، يُطرح التساؤل عما إذا كانت "المرونة غير المسبوقة" السورية في مفاوضات الجولان مجرد إستراتيجية تفاوضية لم تصل إلى حدود التضحية الجوهرية بالسيادة، أم أنها كانت خطوة حقيقية قوبلت بعدم المرونة الإسرائيلية.

Chapitres(6)

1.مقدمة7–14▼ résumé

يسعى هذا الفصل التمهيدي من كتاب "ما وراء حدود سوريا" إلى طرح السؤال المحوري الذي سيعالجه الكتاب بأكمله: كيف تتعامل الدولة السورية مع أقاليم فقدت سيطرتها الفعلية عليها، ولكنها لا تزال تظهر كجزء من أراضيها على الخرائط الرسمية؟ الإجابة التي يبني عليها المؤلف فرضيته هي أن العلاقة بين الدولة والأراضي المفقودة ليست ثابتة، بل هي ديناميكية وقابلة للتغير بمرور الزمن، وأن كل إقليم يحمل أهمية مختلفة بالنسبة لسوريا.

يبدأ الفصل بتحديد ثلاث مناطق متنازع عليها تظهر بوضوح على الخرائط الرسمية السورية كأجزاء من الأراضي الوطنية، رغم أنها لم تعد تحت السيطرة الفعلية للدولة: مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، ولواء إسكندرون (أو هاتاي كما تسمى بالتركية)، الذي ضمته تركيا عام 1939، وأخيراً لبنان، وهي المنطقة الوحيدة من بين الثلاث التي لم تكن سوريا تتهم صراحة بمحاولة ضمها، لكنها مارست عليها نفوذاً سياسياً كبيراً. يوضح المؤلف أن المناطق الثلاث كانت جميعها جزءاً من سوريا المنتدبة الفرنسية التي تأسست بموجب اتفاقية سايكس-بيكو بين بريطانيا وفرنسا، وحظيت بشرعية دولية عبر نظام الانتداب في عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. الهدف الأساسي للكتاب هو استكشاف وتحليل التغير والثبات وأوجه التشبه والاختلاف في السياسات السورية تجاه هذه المناطق الثلاث عبر الزمن، للوصول إلى استنتاج حول الأهداف السورية منها، ومعرفة لماذا تبقى بعض الأراضي المفقودة على جدول الأعمال كضرورة لاستعادتها بينما تختفي أخرى. يرى المؤلف أن هذه الدراسة تساهم في فهم أعمق للعلاقة الديناميكية بين الدولة والإقليم.

ينتقل الفصل بعد ذلك لتوضيح أهمية هذا البحث ضمن حقل العلوم السياسية. ينتقد المؤلف الإهمال النظري لمفهوم "الإقليم" في الدراسات السياسية، حيث كان يُنظر إليه غالباً كأمر مسلم به و"معطى". مستشهداً بأعمال يان لوستيك وأخرين، يبني المؤلف فرضية مفادها أن الأراضي المفقودة ليست متساوية في القيمة بالنسبة للدولة: بعضها يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من هوية الدولة وضرورياً لاستعادته، بينما يمكن مع مرور الوقت وتغير الظروف أن يُنظر إلى أقاليم أخرى على أنها منفصلة ويمكن التخلي عنها. هذا الإطار النظري هو نقطة الانطلاق للكتاب، حيث لا توجد حدود طبيعية ولا أراضي "معطاة" للدولة.

من الناحية المنهجية، يشرح الفصل مصادر البحث المتنوعة التي اعتمد عليها. فقد تمت دراسة الخطاب الرسمي السوري من خلال مقابلات إعلامية وخطب كبار المسؤولين، وخاصة الرؤساء: شكري القوتلي، حافظ الأسد (1971-2000)، وبشار الأسد (منذ 2000). تم جمع خطابات حافظ الأسد من قرص مضغوط يحتوي على 686 وثيقة، وخطابات بشار الأسد من موقع إلكتروني مخصص. بالنسبة للبنان قبل عام 1970، استخدمت مجموعات وثائقية لبنانية. أما حالة هاتاي، فكانت الأكثر حساسية وصعوبة في البحث بسبب ندرة المصادر السورية المباشرة، مما دفع الباحث إلى استخلاص الاستنتاجات من خلال ما لم تقله سوريا. فيما يخص الجولان، تم الاستعانة بمذكرات شخصيات دولية وإسرائيلية مشاركة في المفاوضات مثل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت والمبعوث الأمريكي دنيس روس والمفاوض الإسرائيلي إيتامار رابينوفيتش، بالإضافة إلى مقابلة للمفاوض السوري وليد المعلم في عام 1997. كما استخدمت تقارير الأمم المتحدة وقراراتها.

يختم الفصل بتعريف مصطلحات أساسية لتجنب اللبس. يُستخدم مصطلحا "سوريا" و"الجمهورية العربية السورية" بالتبادل للفترة التي تلت عام 1970. يشير "سوريا الجغرافية" إلى منطقة أكبر تضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة. أما "سوريا المنتدبة" فتشير إلى أراضي الانتداب الفرنسي عام 1920. يسمى لبنان قبل استقلاله عام 1946 "لبنان الكبير". ويؤكد المؤلف أن تسمية "هاتاي" تُستخدم للفترة التي تلت الضم التركي، بينما تُستخدم "الإسكندرونة" لما قبل ذلك. كما يعتذر المؤلف عن طريقة الترجمة الصوتية المبسطة التي سيتّبعها من اللغة العربية، آملاً أن تجعل النص أكثر سهولة للقراء غير المتخصصين في اللغة العربية.

2.توطيد الدولة الإقليمية والتطور السياسي للجمهورية العربية السورية15–58▼ résumé

يبدأ هذا الفصل بتقديم خلفية تأسيس الجمهورية العربية السورية، مركزاً على أنها لم تكن دولة متكاملة عند استقلالها في عام 1946، بل كانت وفقاً لما يصفه "سيدرمان" "دولة ناشئة" تعاني من ضعف التكامل الإقليمي والسكاني، وحدوداً لا تمت بصلة لواقع ما قبل الحرب. يوضح الفصل أن الهدف منه ليس تقديم سرد تاريخي مفصل، بل وضع إطار لفهم السياسات السورية تجاه الأراضي المفقودة.

يسير الفصل على خطوتين رئيسيتين: الأولى تتتبع تشكل أراضي سوريا الحالية من الحرب العالمية الأولى حتى الاستقلال، حيث تتضارب الطموحات القومية العربية مع الخطط الأوروبية. يشرح كيف تم رسم حدود سوريا من الصفر، وكيف فقدت سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي اثنتين من الأراضي الثلاث التي تشكل موضوع الدراسة (وهي لبنان وهاتاي). يبدأ الشرح بمراسلات الحسين-مكماهون (1915-1916) التي وعدت باستقلال العرب مقابل ثورتهم، ثم اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت سوريا الجغرافية (التي تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين/إسرائيل الحالية). بعد الحرب، تم تقسيم سوريا الجغرافية إلى ثلاث إدارات مؤقتة (OETA)، وخاضعة للسيطرة البريطانية والفرنسية والعربية بقيادة فيصل الذي أعلن قيام المملكة العربية السورية في مارس 1920، إلا أن بريطانيا وفرنسا أبطلتا هذا الإعلان وفرضتا نظام الانتداب في مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، مقسمة المنطقة إلى انتدابين فرنسي (سوريا ولبنان) وبريطاني (فلسطين وشرق الأردن). دخلت القوات الفرنسية دمشق في 25 يوليو 1920 وطردت فيصل، لتبدأ حقبة الانتداب التي شهدت ترسيخ الحدود الخارجية لسوريا عبر اتفاقيات مع بريطانيا (حدود فلسطين والأردن والعراق) وتركيا، حيث كانت الحدود التركية هي الأكثر إشكالاً. أبرز مثال على ذلك هو اتفاقية فرانكلين-بويون (1921) التي أبقت منطقة الإسكندرونة ضمن سوريا المنتدبة مع حكم ذاتي، قبل أن تضمها تركيا لاحقاً في 1939 بعد مفاوضات فرنسية تركية، وأعيدت تسميتها بهاتاي.

ينتقل الفصل إلى الحديث عن التكامل الداخلي لسوريا، والذي كان نتاج قوتين متعارضتين: سياسة التقسيم الفرنسية والحركة الوطنية التي بدأت تسعى لتوحيد كل سوريا الجغرافية ثم استقرت على الأقل. قسم الفرنسيون سوريا المنتدبة إلى دويلات صغيرة (دولة دمشق، دولة حلب، دولة جبل الدروز، دولة العلويين، ولبنان الكبير) وجربوا تركيبات إقليمية مختلفة، مما عمق الانقسامات الداخلية بين مدن كانت متباينة أصلاً مثل دمشق وحلب. ومع ذلك، فإن الحركة الوطنية (التي مثلتها الكتلة الوطنية بعد ثورة 1925-1927) تحولت تدريجياً من المطالبة بسوريا الجغرافية الكبرى إلى قبول سوريا المنتدبة المصغرة. يؤكد الكاتب أن نقطة التحول كانت ثورة 1925-1927 التي أدت إلى مقتل أو نفي قادة الوحدة الكبرى وهيمنة الكتلة الوطنية التي ركزت على استقلال سوريا المنتدبة فقط. والدليل على ذلك هو أن الرئيس شكري القوتلي، في خطاب استقلاله عام 1946، لم يشر مطلقاً إلى الأراضي المفقودة.

الجزء الثاني من الفصل يقدم لمحة عن التطورات السياسية في سوريا ما بعد الاستقلال، معتبراً أن عدم الاستقرار الداخلي انعكس على السياسة الخارجية. تهيمن على التحليل الأكاديمي ثلاث قراءات للسياسة السورية: الصراع الطائفي، الصراع الجغرافي بين المركز والأطراف، والصراع الطبقي؛ وتتداخل هذه القراءات لأن النخبة الاقتصادية التقليدية كانت سنية وحضرية، بينما الأقليات الدينية الفقيرة كانت ريفية. بعد الاستقلال، هيمنت البرجوازية السنية الحضرية على السياسة حتى أواخر الخمسينيات، لكن سلسلة من الانقلابات العسكرية جعلت الجيش هو صاحب الكلمة العليا. أدى الانقلاب الذي قاده حزب البعث في مارس 1963 إلى تغيير جذري، حيث طهر الجيش من الضباط السنة، مما أفسح المجال لصعود الأقليات الريفية (خاصة العلويين) في المؤسسة العسكرية. وفي 1970، استولى حافظ الأسد على السلطة في "الحركة التصحيحية"، مما أنهى فترة عدم الاستقرار وبدأ عهداً من الاستقرار الداخلي المتزايد الذي انعكس على السياسة الخارجية، حيث أصبحت سوريا لاعباً إقليمياً يتجاوز وزنه الاقتصادي والعسكري.

يصف الفصل كيف بنى حافظ الأسد نظاماً استبدادياً مركزياً، معتمداً على الجيش والبيروقراطية، وقام بتوسيع نطاق سيطرة الدولة على المجتمع عبر تنظيم السكان في منظمات نقابية ومهنية موالية للنظام (مثل اتحاد العمال والفلاحين)، وإنشاء الجبهة الوطنية التقدمية في 1972 لاستيعاب الأحزاب السياسية المحدودة تحت قيادة البعث. كما تم تحويل البعثية إلى "مخزن للعبارات الدعائية" بعد تجريدها من أيديولوجيتها. في الجانب الاقتصادي، حلّت الرأسمالية الحكومية محل الاشتراكية، وتبعها تحرير اقتصادي (إنفتاح) في الثمانينيات أفاد النخبة التجارية والبيروقراطية. تعرض نظام الأسد لتحديات خطيرة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بسبب التدخل في لبنان والفساد، وبلغت ذروتها في مواجهة دامية مع الإخوان المسلمين انتهت بمذبحة حماة في 1982 وجعلت العضوية في الجماعة جريمة يعاقب عليها بالإعدام. بعد وفاة حافظ الأسد في يونيو 2000، خلفه ابنه بشار الأسد الذي بدأ حكمه بـ "ربيع دمشق" من الإصلاحات المحدودة، لكنه سرعان ما تحول إلى قمع متزايد.

فيما يتعلق ببناء الدولة، يشير الفصل إلى أن سياسة التقسيم الفرنسية جعلت سوريا عند الاستقلال دولة مجزأة بعمق. بينما ركزت الحكومات المتعاقبة على توحيد الأراضي وقمع طموحات الطوائف في الحكم الذاتي، كان أول مشروع كبير لبناء الدولة تحت حكم الدكتاتور العسكري أديب الشيشكلي في الخمسينيات. أما المشروع الأكبر فكان تحت حكم البعث بعد عام 1963، والذي وجه جهوده لتطوير الصناعات الجديدة، وتأميم القائمة، وتوزيع الأراضي، مما قوض القاعدة الاقتصادية للنخبة السنية التقليدية. قاد حافظ الأسد هذا المسار بسياسات متوازنة، حيث أبطأ الإصلاحات الاشتراكية وفتح المجال للأعمال التجارية لتوسيع قاعدة دعم النظام. يخلص الفصل إلى أن النجاحات التي حققتها حكومات البعث في بناء الدولة، مثل إنشاء شبكة طرق تربط كل قرية بدمشق بحلول عام 1990، خدمت بشكل أساسي أهدافاً سياسية وأمنية مثل إخضاع حلب وإحكام السيطرة على البلاد، وليس بالضرورة تحقيق التنمية المتوازنة. كما يؤكد الكاتب أن النظام مهيمن عليه من قبل العلويين، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع العلوي بأكمله في السلطة، فالانتماء للطائفة العلوية لا يضمن الوصول إلى النظام.

يقر الفصل بحدوده، مشيراً إلى أن سوريا - مثل الشرق الأوسط بشكل عام - لا تزال غير مدروسة بشكل كافٍ، وبالتالي فإن هذا الفصل ليس "كاملاً" من حيث تغطيته لبناء الدولة السورية وترسيخها الداخلي والخارجي، بل هو جمع وتحليل لما توصل إليه البحث حتى الآن. من النقاط القابلة للنقاش في الفصل هو الدور المزدوج للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومات البعث؛ فهي من جهة كسرت قوة النخبة التقليدية ووسعت قاعدة الدعم للدولة، ومن جهة أخرى خلقت نخبة جديدة تعتمد على المحسوبية والفساد، مما يثير تساؤلات حول الاستمرارية والتغيير في الهيكل الاجتماعي السياسي السوري.

3.نحن لسنا غرباء هنا': السياسة السورية تجاه لبنان59–94▼ résumé

يُحلل هذا الفصل العلاقة المعقدة والمتعددة الأوجه بين سوريا ولبنان، ممتدةً من فترة الانتداب الفرنسي وصولاً إلى عام 2010. الموضوع المحوري هو فكرة "نحن لسنا غرباء هنا" التي تعبر عن التصور السوري للبنان كجزء لا يتجزأ من مجالها الحيوي والأمني، مما أدى إلى سياسة تقوم على مبدأين متناقضين ظاهرياً: الاعتراف باستقلال لبنان كدولة ذات سيادة، مع السعي في الوقت نفسه إلى السيطرة على قراراته وتوجيه سياساته بما يخدم المصالح السورية. يوضح المؤلف أن هذه السياسة لم تكن ثابتة، بل تطورت عبر مراحل مختلفة، من المطالبة بالوحدة إلى القبول القسري بالحدود، ثم إلى التدخل العسكري وإرساء نموذج من الهيمنة الممنهجة.

يبدأ الفصل بجذور المسألة اللبنانية، موضحاً كيف أن إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920 من قبل فرنسا ضمّ مناطق ذات أغلبية مسلمة كانت تابعة إدارياً لسوريا، مثل بعلبك والبقاع، إلى جبل لبنان ذي الأغلبية المسيحية المارونية. هذا القطع أثار غضب الحركة القومية السورية التي عملت طوال عشرينيات القرن الماضي على استعادة هذه المناطق، مع التركيز بشكل خاص على الأقضية الداخلية الأربعة ومدينة طرابلس الساحلية. كان الموقف السوري متذبذباً في البداية؛ ففي عام 1932، قررت كتلة وطنية سورية أن جبل لبنان يمكنه أن يقرر مصيره، مما يشير إلى التخلي عن المطالبة به. وبحلول عام 1945، كانت الكتلة مستعدة للتخلي عن جميع المطالبات باستثناء طرابلس مقابل دعم البطريرك الماروني لاستقلال سوريا ولبنان، لكن هذا الاتفاق لم يتم. بلغ هذا التطور ذروته في الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943، وهو اتفاق غير مكتوب قسّم السلطة بين الطوائف اللبنانية، ونص أيضاً على أن تعترف سوريا باستقلال لبنان مقابل ألا يصبح لبنان "منصة أو ممراً للإمبريالية" ضد سوريا. يرى المؤلف أن هذه الفكرة الأساسية، أي الاعتراف بالاستقلال مقابل ضمانات أمنية، ظلت مبدأً توجيهياً للسياسة السورية.

ينتقل الفصل إلى فترة ما بعد الاستقلال (1947-1974) والتي تميزت بتوترات مستمرة، خاصة في المجال الاقتصادي. انتهى الاتحاد الجمركي بين البلدين في مارس 1950 بعد خلافات حادة حول السياسة النقدية وقيود الاستيراد، وهي خلافات طغت أحياناً على الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. استخدمت سوريا أدوات الضغط الاقتصادي كإغلاق الحدود وحظر التجارة للضغط على لبنان. كما ظهرت نقاط احتكاك أخرى، منها الصحافة اللبنانية الحرة التي كانت تنتقد الأنظمة السورية، وإيواء لبنان للمنفيين والمعارضين السياسيين السوريين الذين خططوا لانقلابات فاشلة. بلغ التوتر ذروته في عام 1958 عندما اتهمت الحكومة اللبنانية سوريا (التي كانت آنذاك جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة) بتهريب الأسلحة ودعم الجماعات المتمردة خلال الحرب الأهلية اللبنانية الأولى. من القضايا الحدودية البارزة التي يثيرها الفصل هي مزارع شبعا، وهي منطقة صغيرة لم يتم ترسيم حدودها بشكل نهائي. ففي عام 1964، قررت لجنة حدودية سورية-لبنانية أن المزارع تابعة للبنان بناءً على ملكية الأراضي، لكن سوريا احتفظت بالسيطرة الفعلية عليها حتى احتلتها إسرائيل مع هضبة الجولان في حرب يونيو 1967، حيث عوملت حينها كأرض سورية من قبل جميع الأطراف.

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، دخلت السياسة السورية مرحلة جديدة من التدخل المباشر. يصف الفصل الدور السوري المزدوج: وسيط موضوعي يحاول إنهاء الحرب، وطرف فاعل يسعى لتحقيق أهدافه. كانت الأهداف السورية ثابتة: منع انقسام لبنان على أسس طائفية، ومنع إسرائيل من استخدام الأراضي اللبنانية لتهديد سوريا، والحفاظ على وحدة لبنان ضمن المعسكر العربي، وضمان استمرار وجود الفدائيين الفلسطينيين. في يناير 1976، صرح وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام بأن لبنان "جزء من سوريا" وأن سوريا ستعيده إذا حاول أحد تقسيمه. وبعد فشل الوساطة، تدخل الجيش السوري عسكرياً في 1 يونيو 1976، بحجة أن الرئيس اللبناني سليمان فرنجية طلب المساعدة، وهو ادعاء نفاه فرنجية لاحقاً. على الرغم من الجدل حول شرعية هذا التدخل، فقد اكتسب شرعية لاحقة من خلال قوة الردع العربية التابعة لجامعة الدول العربية، والتي انتهى بها الأمر إلى أن أصبحت قوة سورية بحتة. طوال الحرب، رفضت سوريا مطالب متكررة من حكومات لبنانية بسحب قواتها، وربطت الانسحاب بانسحاب إسرائيلي أولاً، وهي سياسة استمرت حتى عام 2005.

يستعرض الفصل كيف عملت سوريا على تقنين وجودها ونفوذها من خلال اتفاقيات مكتوبة تمس بسيادة لبنان. عند توقيع الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي في 17 مايو 1983، والذي اعتبرته سوريا بمثابة معاهدة سلام مع إسرائيل، عارضته بشدة وطالبت بفرض عقوبات على لبنان، لكنها استثنت "الشعب اللبناني" من هذه العقوبات لتستمر في دعم حلفائها داخله. كما عملت سوريا على صياغة اتفاقيات بين الفصائل اللبنانية تنص صراحة على "التنسيق العالي" بين البلدين في جميع المجالات، وخاصة الأمني والدفاعي، كما في الاتفاق الثلاثي عام 1985. وبلغ هذا التوجه ذروته في اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب. يوضح الفصل أن اتفاق الطائف لم ينص على انسحاب سوري كامل وغير مشروط، بل على إعادة انتشار للقوات السورية إلى منطقة البقاع، وأن كامل الانسحاب هو مسألة للتفاوض بين الحكومتين. وقد علق الرئيس حافظ الأسد على الاتفاق قائلاً: "لولا التزامنا به، لما كان هذا الاتفاق موجوداً".

بعد الحرب، دخلت العلاقة مرحلة "الهيمنة السورية" الممنهجة. يذكر الفصل أن الاتفاق الأبرز هو معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق في 22 مايو 1991، والتي أسست لتنسيق عالٍ بين البلدين "في إطار سيادة واستقلال كل دولة"، وهو تناقض واضح. هذه المعاهدة، إلى جانب 39 اتفاقية أخرى، أنشأت إطاراً قانونياً للنفوذ السوري، لكن تنفيذها كان يعكس علاقة القوة غير المتكافئة لمصلحة سوريا. تجاوز النفوذ السوري الاتفاقيات الرسمية ليشمل حق النقض على المرشحين للمناصب السياسية الكبرى، كما حدث في تمديد ولاية الرئيس إميل لحود عامي 1995 و2004 عبر تعديل الدستور. كما قامت سوريا بقمع المعارضة اللبنانية، حيث تعرض الصحفيون والسياسيون الناقدون للاعتقال أو الاغتيال، وسيطرت على السياسة الخارجية اللبنانية بشكل خاص في ما يخص عملية السلام مع إسرائيل، حيث ربطت حافظ الأسد أي مفاوضات لبنانية بالتقدم على المسار السوري.

في عهد الرئيس بشار الأسد (منذ عام 2000)، حاولت سوريا الحفاظ على نفوذها ولكنها واجهت ضغوطاً داخلية ودولية متزايدة. مع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو 2000، تصاعدت الأصوات المعارضة للوجود السوري. بلغت الضغوط ذروتها بإصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 في سبتمبر 2004 الذي دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان وإجراء انتخابات رئاسية حرة. أدى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005 إلى موجة احتجاجات هائلة، وأعلن بشار الأسد الانسحاب الكامل للقوات السورية في مارس 2005، واكتمل في 26 أبريل 2005. ومع ذلك، يوضح الفصل أن الانسحاب العسكري لم يكن نهاية النفوذ السوري. فبعد الانسحاب، تحولت السياسة السورية إلى دعم حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله، كلاعب رئيسي على الساحة اللبنانية. يخلص الفصل إلى أن سوريا استعادت الكثير من نفوذها بعد عام 2005، خاصة بعد اتفاق الدوحة في مايو 2008 الذي أنهى أزمة سياسية حادة وأعطى تحالف 8 آذار (المدعوم من سوريا) حق النقض في الحكومة اللبنانية. كما أن تحول التحقيق في اغتيال الحريري من الاتهام المباشر لسوريا إلى التركيز على حزب الله، ساهم في تخفيف الضغط عن النظام السوري وأعاد له هامش المناورة.

في الختام، يقدم الفصل حجة قوية مفادها أن السياسة السورية تجاه لبنان كانت، ولا تزال، قائمة على فكرة أمنية وجودية، رغم تغير أدواتها وأشكالها. يقر المؤلف بأن العلاقة كانت دائماً غير متكافئة، وأن اتفاقيات التعاون التي تم توقيعها لم تكن محايدة بل كانت تعكس علاقة القوة بين البلدين. إحدى الحجج القابلة للنقاش والتي تبرز من النص هي شرعية وطبيعة التدخل السوري في الحرب الأهلية، حيث يتناقض الادعاء السوري بأنه جاء بدعوة من "السلطات الشرعية" مع إنكار تلك السلطات نفسها لذلك، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول تفسير مبدأ السيادة والاستقلال في سياق العلاقات الدولية المعقدة.

4.من الأراضي المنسية إلى المسروقة: السياسات السورية تجاه هاتاي95–118▼ résumé

يتناول هذا الفصل موضوع السياسات السورية تجاه منطقة هاتاي (لواء إسكندرون سابقاً) منذ ضمها إلى تركيا عام 1939 وحتى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن سوريا لم تعترف رسمياً أبداً بضم هاتاي إلى تركيا، لكنها في الوقت نفسه لم تتبنَّ سياسة فعلية لاستعادتها، بل اتبعت نهجاً غامضاً ومتناقضاً تمثل في إبقاء المنطقة ضمن خرائطها الرسمية مع تجنب إثارة النزاع حولها، والاكتفاء باستخدام القضية كورقة ضغط داخلية أو كلغم في العلاقات مع تركيا كلما دعت الحاجة.

يسير الفصل تاريخياً خطوة بخطوة، بدءاً من الخلفية التي سبقت الضم. فبعد أن كان لواء الإسكندرونة يتمتع بنظام حكم ذاتي ضمن دولة حلب إبان الانتداب الفرنسي، أثارت تركيا مسألة السكان الناطقين بالتركية فيه. على الرغم من استعداد الرئيس السوري آنذاك هاشم الأتاسي للحفاظ على الحكم الذاتي، طالبت تركيا بالاستقلال ثم فصل اللواء عن سوريا. أحيل الملف إلى عصبة الأمم في ديسمبر 1936، التي قررت في يناير 1937 بقاء المنطقة ضمن سوريا لكن تحت "وصاية جماعية" فرنسية تركية. رفضت سوريا هذا القرار، واندلعت إضرابات ومظاهرات، لكنها لم تملك أي نفوذ حقيقي بسبب سيطرة فرنسا على علاقاتها الخارجية. في يوليو 1938، وقعت فرنسا وتركيا معاهدة صدقة اعتبرها السوريون خيانة. انتهى الأمر بصفقة فرنسية تركية في 23 يونيو 1939 وافق بموجبها مجلس هاتاي المنتخب ذو الأغلبية التركية على الضم في 29 يونيو 1939، ليصبح اللواء المحافظة الثالثة والستين لتركيا والتي ضمت لاحقاً مناطق إضافية مثل دورتيول وحسا وأرزين، مما وسع مساحتها من 1800 كم² إلى 5570 كم² الحالية. ترتب على الضم هجرة ما يقدر بـ 50,000 شخص إلى سوريا، نصفهم تقريباً من العرب السنة، بالإضافة إلى أرمن علويين ومسيحيين، في مشهد ديموغرافي غيّر تركيبة المنطقة.

بعد الاستقلال، التزمت سوريا باتفاق غير رسمي مع تركيا عام 1946 (بوساطة عراقية) يقضي بعدم المطالبة رسمياً بهاتاي مقابل اعتراف تركيا باستقلال سوريا. على هذا النحو، لم تذكر سوريا هاتاي في شكواها ضد فرنسا للأمم المتحدة عام 1946، ولم يذكرها الرئيس شكري القوتلي في خطبه. الاستثناء الوحيد كان حكم حسني الزعيم القصير (مارس - أغسطس 1949) الذي أعلن التخلي عن المطالبات، لكن خلفه سامي الحناوي تراجع عن ذلك معتبراً أن هذه السياسة كانت خطأً أكبر من محاولات الزعيم للسلام مع إسرائيل. في الخمسينيات، استمر النهج المزدوج: رفضت سوريا عرض تركيا بإنشاء منطقة حرة في ميناء إسكندرون، لكنها نشرت خرائط تظهر هاتاي كأرض سورية، مع إشارات داخلية على أن هذه الخرائط لأغراض الاستهلاك الشعبي فقط، كما قال الرئيس أديب الشيشكلي للمسؤولين الأتراك.

طوال فترة حكم حافظ الأسد (1970-2000)، تراجعت قضية هاتاي عن الظهور العلني بشكل كبير. لم يذكرها الأسد في أي خطاب أو مقابلة، حتى عندما تحدث باستفاضة عن "الحدود المصطنعة للإمبريالية". عام 1972، مُنعت المظاهرات السنوية حول إسكندرون. ومع ذلك، استمرت الخرائط المدرسية والمنشورات الرسمية في إظهار هاتاي كجزء من سوريا، ورفضت سوريا ضم نهر العاصي (الذي ينتهي في هاتاي) لأي مفاوضات مائية مع تركيا باعتباره نهراً محلياً لا يمر بأراضٍ تركية. هذا الموقف تغير تدريجياً مع تحسن العلاقات بعد أزمة 1998 التي بلغت ذروتها بطرد سوريا لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وتوقيع اتفاق أضنة.

شهدت الفترة من 2000 إلى 2011 انفراجاً كبيراً في العلاقات السورية التركية تحت حكم بشار الأسد. امتنع الأسد عن ذكر هاتاي في خطاب تنصيبه، وسعت سوريا إلى طمس الحدود عملياً بدلاً من الاعتراف بها رسمياً. تم التوقيع على اتفاقية تجارة حرة، واتفق الطرفان على بناء سد الصداقة المشترك على نهر العاصي (2010). كما بدأت وسائل الإعلام السورية الرسمية أحياناً في الإشارة إلى هاتاي باسمها التركي، وألغت امتيازات دخول الطلاب من هاتاي للجامعات السورية دون امتحانات. لكن الاعتراف الرسمي بالحدود ظل مستعصياً، واستمرت الخرائط الرسمية في إظهار هاتاي كأرض سورية، ملونة باللون الرمادي في خريطة عام 2010 تمييزاً لها.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتزايد دعم تركيا للمعارضة، عادت قضية هاتاي بقوة إلى الإعلام السوري الرسمي ابتداءً من نوفمبر 2012، لأول مرة منذ عقود، حيث صُوِّرت على أنها "المحافظة المسروقة". برز تنظيم مسلح موالٍ للنظام باسم "الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون – المقاومة السورية" بقيادة مهراج أورال المولود في هاتاي، والذي قاتل في ريف اللاذقية. لكن الفصل يشير إلى أن هذا الظهور لم يصاحبه أي مطالبة رسمية من الحكومة السورية، بل تم عبر الإعلام والجمعيات الشعبية. في لحظة تصعيد حرجة، عندما أسقطت سوريا طائرة تركية في يونيو 2012، أظهر التلفزيون السوري خريطة واضحة للحدود بين سوريا وهاتاي باللون الأصفر، مما يُعد إشارة واضحة على أن النظام يعتبر هاتاي ضمن تركيا في تلك اللحظة.

في الختام، يعترف المؤلف أن ندرة المصادر وطبيعة السياسة السورية المزدوجة تجعل التحليل صعباً. يخلص الفصل إلى أن القرارات السورية قبلت فعلياً بتركية هاتاي منذ زمن طويل، وأن إبقاءها على الخرائط ليس دليلاً على نية استعادة، بل هو إرث تاريخي وأداة سياسية. السؤال الحقيقي، الذي يُحال للفصل الأخير من الكتاب، ليس لماذا لم تستعد سوريا هاتاي، بل لماذا بقيت هاتاي حاضرة على خرائط سوريا طيلة هذه العقود رغم تغير العلاقات والظروف.

5.مرتفعات الجولان: من القضية العربية إلى القضية السورية119–142▼ résumé

يُحلل هذا الفصل تطور الموقف السوري تجاه مرتفعات الجولان، منذ احتلالها في حرب حزيران/يونيو 1967 وحتى بداية الانتفاضة السورية عام 2011. الحجة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن قضية الجولان تحولت تدريجياً من كونها جزءاً من "القضية العربية" الشاملة، إلى أن أصبحت "القضية السورية" المركزية، مع تمسك ثابت باستعادة كامل الأرض، ولكن بمرونة متزايدة في تعريف "الانسحاب الكامل" وشروط السلام المقابل.

يبدأ الفصل بعرض الخلفية التاريخية، مشيراً إلى أن ما يقارب 1,250 كم² من أصل 1,750 كم² من الجولان وقع تحت السيطرة الإسرائيلية بعد الحرب، وكان يسكنها حوالي 153,000 شخص، هرب معظمهم إلى سوريا وبقي حوالي 6,100. وينتقل الفصل بعد ذلك إلى مرحلة ما بعد 1970 تحت حكم حافظ الأسد، والتي شهدت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، التي انتهت باتفاقية فك الاشتباك في 31 أيار/مايو 1974. بموجب هذه الاتفاقية، استعادت سوريا أرضاً احتُلت عام 1973 ومساحة أخرى من أراضي 1967، بما في ذلك مدينة القنيطرة التي سُلمت مدمرة. يناقش الفصل أن حافظ الأسد استمر في اعتبار قضية الجولان تابعة للقضية الفلسطينية، وكان يرفض أي تطبيع قبل الانسحاب الكامل، مكرراً شعار "لا يمكن التخلي عن شبر واحد أو ذرة واحدة".

يدرس الفصل بالتفصيل مفاوضات السلام بين 1991 و2000، ويقسمها إلى أربع مراحل. المرحلة الأولى (1991-1992) انتهت بجمود بسبب رفض إسرائيل الاعتراف بأن القرار 242 ينطبق على الجولان. المرحلة الثانية (1993-1996) شهدت تقدماً مع إسحاق رابين الذي عرض الانسحاب الكامل إلى خط 4 حزيران/يونيو 1967 مقابل تلبية احتياجاته الأمنية، وهو ما عُرف بـ"الإيداع". ولكن سوريا رفضت العرض في البداية لأنه كان يشير إلى خط 1923، وأصرت على خط 4 حزيران/يونيو. وعندما وافقت إسرائيل على هذا الخط، نشبت خلافات حول شروط الأمن (مثل محطات الإنذار المبكر) والمياه (الوصول إلى بحيرة طبريا). رفض حافظ الأسد الطلبات الإسرائيلية التي اعتبرها انتقاصاً من السيادة السورية. توقفت المفاوضات بعد اغتيال رابين وانتخاب بنيامين نتنياهو (المرحلة الثالثة، 1996-1999) الذي أنكر وجود "الإيداع".

تشهد الفترة الأخيرة من المفاوضات (أيلول/سبتمبر 1999 - كانون الثاني/يناير 2000) مع إيهود باراك أقصى مرونة سورية. فبينما أصرت سوريا على خط 4 حزيران/يونيو 1967 كأساس، أبدت استعداداً غير مسبوق للتنازل عن أراضٍ كانت سورية حتى بموجب حدود 1923، والموافقة على سيادة إسرائيل على كامل بحيرة طبريا وشريط ساحلي بطول 50 متراً، وقبول محطات إنذار مبكر لفترة محدودة بشرط ألا يديرها إسرائيليون. لكن هذه المرونة قوبلت بعدم رد إسرائيلي حاسم، ثم بتسريب للخبر أضعف موقف سوريا. وعندما قدم باراك عرضاً نهائياً يبعد الخط الإسرائيلي عن البحيرة لمسافة 100 متر، رفضه حافظ الأسد رفضاً قاطعاً، معتبراً أنه لا يريد سلاماً، لتنتهي المفاوضات الرسمية.

ينتقل الفصل إلى فترة ما بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتولي ابنه بشار الأسد. يؤكد الفصل أن بشار الأسد تبنى نفس الموقف المبدئي لأبيه، مع إعادة التأكيد على أن استعادة كامل الجولان إلى خط 4 حزيران/يونيو 1967 هو الشرط الأساسي لاستئناف المفاوضات، وأن القضية السورية أصبحت منفصلة بوضوح عن القضية الفلسطينية. على الرغم من عدم استئناف المفاوضات الرسمية، يناقش الفصل محاولات غير مباشرة من خلال وسطاء مثل تركيا (عامي 2007-2008) وفرنسا (عام 2010)، لكنها جميعاً فشلت لنفس السبب: رفض إسرائيل الالتزام المسبق بخط 4 حزيران/يونيو 1967.

أخيراً، يتناول الفصل الجهود السورية على الأرض للحفاظ على ارتباط الجولان بسوريا. تشمل هذه الجهود: تسجيل المواليد والوفيات في دمشق، دفع رواتب للمعلمين المفصولين، تسهيل مرور الطلاب لدراسة في الجامعات السورية (حوالي 500-600 طالب في كل وقت)، وتنظيم زيارة حج الدروز السنوية. بالإضافة إلى ذلك، قامت سوريا منذ عام 2005 بشراء التفاح من مزارعي الجولان المحتل (بين 5,000 و12,000 طن سنوياً) لتخفيف أعبائهم الاقتصادية، مع التأكيد على أن هذه ليست تجارة مع إسرائيل. كما تمنع سوريا إنشاء أي مؤسسات محلية تُسجل في إسرائيل، معتبرةً ذلك تطبيعاً للاحتلال. يشير الفصل إلى أن استمرار الهدوء على خط وقف إطلاق النار منذ عام 1974 يُعد إنجازاً بحد ذاته، لكنه يختتم بالإشارة إلى تهديدات هذا الاستقرار بعد اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، مع اقتحام متظاهرين للسياج وسقوط قذائف هاون سورية في الجانب الإسرائيلي.

يُقر المؤلف بأن هناك تحفظات، مثل عدم اليقين حول صحة "المفاوضات السرية"، وتباين الروايات بشأن "الإيداع". كما يترك أسئلة مفتوحة حول دوافع التدخل السوري في شؤون سكان الجولان، واحتمالية تغيير الموقف السوري مستقبلاً إذا ما سنحت الفرصة لاتفاق مرضٍ.

بناءً على النص وحده، فإن إحدى أبرز الحجج القابلة للنقاش هي أن رفض حافظ الأسد القاطع للتنازل عن أي شريط ضيق من الأرض لصالح إسرائيل، رغم مرونته في قضايا أخرى، كان السبب الرئيسي وراء فشل المحادثات في كانون الثاني/يناير 2000. بمعنى آخر، يُطرح التساؤل عما إذا كانت "المرونة غير المسبوقة" السورية مجرد إستراتيجية تفاوضية لم تصل إلى حدود التضحية الجوهرية بالسيادة، أم أنها كانت خطوة حقيقية قوبلت بعدم المرونة الإسرائيلية.

6.الخلاصة143–157▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل الختامي من كتاب "ما وراء حدود سوريا" للكاتبة إيما لوندغرين يوروم، خلاصةً تحليليةً لسياسات سوريا تجاه ثلاثة أقاليم فُقدت في مراحل تاريخية مختلفة: لبنان، وهاتاي (التي ضمّتها تركيا)، ومرتفعات الجولان (التي تحتلها إسرائيل). يتمحور الموضوع المحوري حول كشف التعقيد في العلاقة بين الدولة والأرض، متجاوزاً الافتراضات المبسّطة حول "أبدية" الحدود الوطنية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن سوريا لم تتعامل مع هذه الأقاليم الثلاثة بسياسة واحدة، بل طوّرت مقاربات متباينة، تتراوح بين السعي للسيطرة غير المباشرة، والمطالبة الرمزية دون فعل، والإصرار المطلق على الاسترداد، وذلك اعتماداً على ظروف فقدان كل إقليم، ووجوده في الإطار الدولي، وقيمته الاستراتيجية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر مقارنة منهجية للحالات الثلاث. يبدأ بـلبنان، موضحاً أنه أول إقليم يُفصل عن سوريا الانتدابية الفرنسية عام 1920، لكن سوريا تخلّت عنه فعلياً في منتصف الأربعينيات مقابل معاهدة وعدت باستقلالها، واعترفت رسمياً به كدولة منفصلة في بداية الخمسينيات. استرشدت السياسة السورية منذ ذلك الحين بمعادلة "الميثاق الوطني اللبناني" لعام 1945، والتي تقضي باحترام استقلال لبنان مقابل ألا يشكل تهديداً لسوريا. يبيّن الكاتب كيف تُرجمت هذه المعادلة إلى محاولات دائمة للسيطرة على الأحداث في لبنان متجاهلة سيادته، وبلغت ذروتها بالتدخل العسكري عام 1976 وفرض الهيمنة بعد اتفاق الطائف 1989. ومع ذلك، لم تحاول سوريا ضم لبنان، بل حرصت على الحفاظ على مظهر الدولتين المستقلتين. يُشير الفصل إلى أن الانسحاب السوري القسري عام 2005 غيّر قواعد اللعبة، فانتقلت السيطرة المباشرة إلى العمل عبر حلفاء أقوياء، وفي مقدمتهم حزب الله، وخاصةً بعد ازدياد نفوذه إثر اتفاق الدوحة في مايو 2008. ويخلص الفصل إلى أن هدف سوريا لم يعد ضم لبنان، بل استخلاص المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية من السيطرة عليه، خاصة في مواجهة إسرائيل.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى هاتاي، التي فُصلت بقرار فرنسي آخر بعد ثمانية عشر عاماً من إنشاء لبنان الكبير. على عكس لبنان، لم تعترف سوريا رسمياً بفقدانها لهاتاي، رغم أنها تخلّت عنها عملياً في اتفاق 1946 مقابل اعتراف تركيا باستقلالها. السياسة السورية هنا اتسمت بالغموض: بقيت هاتاي على الخرائط السورية كأرض محتلة، لكن المطالبات الرسمية بها كانت نادرة، ولم تُتخذ إجراءات فعلية لاستعادتها. يوضح الكاتب كيف تحولت هاتاي إلى "ورقة مساومة" أو "نقطة تجميع" للاستنفار الوطني في أوقات التوتر مع تركيا، مثل أزمة 1998، بينما في فترات التحسن، كما حصل بين 2004 و2011، لجأت سوريا إلى "طمس الحدود" من خلال مشاريع مشتركة مثل "سد الصداقة" على نهر العاصي ومنطقة التجارة الحرة. يُشير الفصل إلى أن غياب الدعم الدولي، وعدم وجود حراك شعبي كبير داخل هاتاي نفسها، وكون فقدانها تم قبل الاستقلال، كلها عوامل تفسر هذا الموقف المتردد.

أما بالنسبة لـمرتفعات الجولان، فهي الحالة الأقل غموضاً، حيث تقوم سياسة سورية متسقة ومتماسكة، تجمع بين الخطاب والفعل. يُذكر أن الجولان هو الإقليم الوحيد الذي فُقد بعد استقلال سوريا، إثر احتلاله في حرب 1967. تصف الفصل كيف أن سوريا رفضت أي تنازل، متشبثة بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط الرابع من يونيو 1967، رافضةً المخاوف الأمنية الإسرائيلية (رغم تلبيتها جزئياً في مفاوضات 1999 و2000). على عكس هاتاي، رفضت سوريا فكرة المشاريع المشتركة مع إسرائيل، واعتبرت الجولان قضية أساسية لا يمكن تجاوزها. يضع الفصل هذا التباين في سياق أن الجولان كان جزءاً من الدولة السورية المستقلة، وأن استعادته أصبحت قضية وجودية بالنسبة لنظام البعث، خاصةً أن حافظ الأسد كان وزيراً للدفاع عند فقدانه، وأن العدو (إسرائيل) هو نفسه العدو الذي تعهد الحزب بالقضاء عليه.

يختتم الفصل بتحليل القيم المختلفة للأقاليم الثلاثة. بالنسبة للبنان، كانت القيمة استراتيجية وأمنية بالدرجة الأولى، عبر استخدام العمق اللبناني (وحزب الله) كورقة ضغط ضد إسرائيل، بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية كالتهريب وتوفير سوق عمل. وفي حالة هاتاي، كانت القيمة اقتصادية (أرض خصبة وميناء إسكندرون)، ولكنها لم تمنع التخلي عنها مقابل الاستقلال، مما يجعل إبقاءها على الخريطة لغزاً يُفسره الكاتب إما كـ"ورقة مساومة" مستقبلية أو كضرورة داخلية لعدم فقدان ماء الوجه. أما الجولان، فقيمته تتجاوز الموارد المائية (عين بانياس وبحيرة طبريا) لتصل إلى القيمة المعنوية والنفسية، باعتبارها أرضاً محتلة من العدو اللدود، وقاعدة متقدمة تهدد العاصمة دمشق بمسافة 45 كيلومتراً.

يعترف المؤلف بحدود الدراسة ويثير أسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بغموض السياسة السورية تجاه هاتاي والدوافع الحقيقية وراء إبقائها على الخرائط. كما يشير إلى أن الدعم الدولي لمطالب سوريا بالجولان هو دعم "نظري" عبر قرارات الأمم المتحدة (مثل القرار 242 و 497) دون ضغط حقيقي لإجبار إسرائيل على الانسحاب. ويختتم الفصل بنظرة مستقبلية تستند إلى الماضي، متوقعاً أن تواصل سوريا السعي لزيادة نفوذها في لبنان لأسباب أمنية، وأن تبقى هاتاي على الخريطة كورقة قومية مع استبعاد إثارة النزاع عليها (خاصة بعد دعم تركيا للمعارضة السورية)، وأن يظل استرداد الجولان بالكامل شرطاً لا يمكن تجاوزه لأي سلام مع إسرائيل، حتى مع تغير النظام.