Almawred
Mediating the Uprising
English

Mediating the Uprising

Rebecca Joubin1 janvier 2020enRutgers University Press

في كتابها "Mediating the Uprising: Narratives of Gender, Marriage, and Memory in Syrian Television Drama"، تقدم الباحثة ريبيكا جوبين تحليلاً عميقاً لدور الدراما التلفزيونية السورية كأداة لتشكيل الذاكرة الجماعية والتعبير عن الاحتجاج السياسي خلال الحرب الأهلية التي اندلعت بعد انتفاضة 2011. الحجة المركزية للكتاب هي أن المسلسلات السورية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو نقد سياسي خفي كما كانت قبل الثورة، بل تحولت إلى مشروع واعٍ لتوثيق لحظة تاريخية متفجرة، حيث يتصارع صناع الدراما بين الرغبة في توثيق العنف اليومي والهروب منه إلى قصص خيالية. تستخدم الكاتبة استعارات الزواج والجندر كعدسة تحليلية رئيسية، مجادلة بأن هذه الاستعارات أصبحت الأداة الأساسية التي مكّنت المبدعين السوريين من تجاوز الرقابة المشددة والتعبير عن واقع سياسي معقد، في ظل انقسام حاد بين مؤيدي النظام ومعارضيه، وتغير مستمر في قواعد السوق والتمويل.

تسير حجة الكتاب عبر بنية زمنية واضحة تمتد من عام 2001 إلى 2019، مستعرضة التحولات الجذرية في الإنتاج الدرامي. يبدأ التحليل بجذور الكوميديا السياسية السورية التي أسسها الثنائي نهاد قلعي ودرید لحام في ستينيات القرن العشرين، وصولاً إلى مسلسل "بقعة ضوء" الذي انطلق عام 2001 مع وصول بشار الأسد إلى الحكم، حيث خلق مناخاً من الأمل بالإصلاح سمح بنقد سياسي جريء تحت رقابة متحركة. ثم ينتقل الكتاب إلى لحظة الانتفاضة عام 2011، موضحاً كيف استخدم النظام مصطلح "الأزمة" لتقويض شرعية الحراك الشعبي، وكيف تحولت الدراما إلى ساحة معركة ثقافية تتصارع فيها ثلاث روايات رئيسية: رواية النظام التي تصور الثوار كإرهابيين، وروايات المعارضة التي تسعى للتوثيق، ورغبة عارمة في الهروب من الفظائع اليومية عبر مسلسلات حنينية أو اجتماعية. يتابع الكتاب هذا المسار حتى 2013 مع ظهور تنظيم داعش، حيث تغيرت المعادلة الدرامية بشكل جذري: أصبح جسد الأنثى وقضايا الجنس أدوات لبناء هوية وطنية تتمايز عن التطرف الديني، وليس فقط استعارات للنقد السياسي. تصل الحجة إلى ذروتها في الفترة من 2014 إلى 2018، حيث انخفض عدد المسلسلات إلى اثنين وعشرين مسلسلاً فقط في رمضان 2014، وظهرت استراتيجيات جديدة مثل المسلسلات الرقمية التي تُبث على يوتيوب كحل لتجاوز رقابة القنوات التقليدية، مع بقاء الأسئلة حول فعالية هذه المقاومة الفنية مفتوحة.

يقدم الكتاب شهادات وأرقاماً لافتة يصعب نسيانها. من أبرزها أن مسلسل "سنعود بعد قليل" عام 2013 تعرض لضغوط من مكتب الرئيس لمجرد مشاركة ممثلة معارضة، مما يكشف حساسية النظام لأي صوت ناقد. كما أن الكاتب نجيب نصير اضطر تحت ضغط المنتج الخليجي إلى تغيير قصة بطلة مسلسله "زمن العار" (2009) من علاقة خارج الزواج إلى زواج عرفي لإرضاء شركة الإنتاج في دبي، مما يظهر تناقضات التمويل الخليجي الذي يفرض قيوداً أخلاقية بينما يدّعي الدعم للفن. وفي مشهد مؤلم من مسلسل "بقعة ضوء" عام 2001 بعنوان "اللص والفنان"، يسخر الكتّاب من فقر الفنان المسرحي الذي يقدم جسده وأفكاره ضحية لفساد النظام، مقارناً إياه بلص يائس، في استعارة لاذعة لكبت المواطن وإذلاله. ومن اللافت أن حلقة "كل شي تمام" من المسلسل نفسه بُثّت أصلاً لمدة عشر دقائق على قناة المنار، لكن محطة لبنانية اختصرتها إلى أربع دقائق فقط، مما يظهر تدخلات متعددة المستويات في المحتوى. أيضاً، مسلسل "بلا قيد" (2017) يُعتبر أول مسلسل سوري يُبث على يوتيوب بمشاهد جنسية مكشوفة ومواقف سياسية صريحة، مما أثار جدلاً واسعاً، رغم أن الممثلين دافعوا عنه بأنه يعكس واقعاً موجوداً "تحت الطاولة" في المجتمع السوري. وفي موسم 2017، استمرت الإنتاجات المشتركة السورية اللبنانية، حيث حقق مسلسل الخيال التاريخي "أركاديا" الذي صُوّر في تونس ورومانيا نجاحاً لافتاً، واعتبر دليلاً على قوة الدراما السورية رغم الأزمة.

يعترف الكتاب بحدوده وتحفظاته بوضوح. تشير جوبين إلى أن الضغوط المالية من المنتجين الخليجيين والرقابة الرسمية حالت دون تطوير بعض الأفكار الجريئة، وتقر بأن بعض النقاد يرون أن نقد ما بعد الانتفاضة في مسلسلات مثل "بقعة ضوء" كان أقل جرأة من نظيره قبلها. كما تترك أسئلة مفتوحة حول جدوى الفن في مواجهة العنف المباشر، وهل استعارات الزواج والجندر كافية لمواجهة خطاب النظام، خاصة في ظل تحوّل بعض الحلقات إلى مجرد ترفيه اجتماعي يخلو من النقد السياسي. وتشير إلى أن النزعة الحنينية والدراما الهروبية، التي تشكل نسبة كبيرة من الإنتاج (حيث تندرج 34.5% من المسلسلات تحت خانة "الاجتماعي من أجل الاجتماعي"، و23% تحت النزعة الحنينية)، قد خدمت بشكل غير مباشر أجندة النظام من خلال تثبيط النقد السياسي العلني وتعزيز الانفصال عن الواقع المأساوي. كما تعترف بأن بعض المبدعين السوريين انتقدوا أنفسهم لخضوعهم لمتطلبات السوق على حساب الرسالة الفنية.

يحتوي الكتاب على حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على المادة المقدمة. أولها، أن صعود النزعة الحنينية والدراما الهروبية ليس مجرد تحول جمالي، بل هو نتاج مباشر للصراع السياسي وضغوط السوق، وقد عزز "فقدان الذاكرة التاريخي" بتصوير الماضي كـ"زمن سلام" دمرته "الآخرون" (الجهاديون) دون الإشارة إلى قمع النظام السوري، مما يلغي شرعية الانتفاضة. ثانياً، العلاقة الملتبسة بين الفنان والنظام التي يكشفها الكتاب: فحين سمح النظام ببعض النقد القاسي في 2012، اعتبره البعض دليلاً على تساهل الرقابة، بينما رأى آخرون مثل الكاتب سامر رضوان أنه إطراء للجنة الرقابة لا للكاتب الذي أجبر على التمويه. ثالثاً، الانتقادات الموجهة لمسلسل "غربيب سود" (2017) الذي أنتجته MBC عن عالم داعش: البعض أشاد به لتجسيد معاناة النساء، بينما انتقده آخرون لأنه ركز على وحشية داعش وأعفى النظام من مسؤوليته عن العنف. وأخيراً، الجدل حول مسلسلات مثل "الهيبة" التي حققت نجاحاً جماهيرياً في 2018 لكنها بقيت محصورة بين رغبة الكتّاب في النقد وضغوط السوق التي تدفع نحو الهروب من الواقع، مما يطرح تساؤلات حول دور هذه الأعمال في تشكيل وعي سياسي خفي أم تعزيز حالة من العجز واللامبالاة. يشكل هذا الكتاب إسهاماً مهماً في فهم ثقافة المقاومة السورية بعد 2011، رغم كونها مقيدة ومتوترة، ويوثق معركة المبدعين السوريين للحفاظ على دورهم النقدي في ظل ظروف إنتاج قاسية، محاولين يائسين إنتاج ذاكرة قادرة على تجاوز الصدمة.

Chapitres(6)

1.الوساطة في الانتفاضة40–68▼ résumé

هذا الفصل يبحث في الدور الذي يلعبه الدراما التلفزيونية السورية (المسلسلات) في بناء الذاكرة الجماعية خلال الحرب الأهلية، وكيف يستخدم صناعها استعارات الزواج والجندر للتعبير عن واقعهم السياسي والاجتماعي بعد انتفاضة 2011. تجادل الكاتبة بأن هذه الأعمال لم تعد مجرد أداة للترفيه أو النقد السياسي الخفي كما كانت قبل الثورة، بل تحولت إلى مشروع واعي لتوثيق لحظة تاريخية متفجرة، حيث يتصارع صناع الدراما بين توثيق العنف اليومي والهروب منه إلى قصص خيالية، وبين تقديم رسائل واضحة أو شخصيات معقدة. السؤال المحوري الذي يطرحه الفصل هو: كيف يمكن للفن أن يظل ذا صلة في زمن الكارثة الإنسانية، وكيف يشكل صناع الدراما ذاكرة الأجيال القادمة في ظل استقطاب حاد ورقابة متغيرة؟

يسير الفصل عبر جدول زمني يبدأ من عام ٢٠١١ وصولاً إلى عام ٢٠١٨، مستعرضاً التحولات في الإنتاج الدرامي. يُظهر الكاتبة كيف أن مصطلح "الأزمة" الذي استخدمه النظام لتشويه شرعية الانتفاضة أصبح محوراً للنقاش. في البداية، بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٣، كانت بعض المسلسلات تتناول السياسة مباشرة، لكن مع تصاعد العنف وظهور تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في عام ٢٠١٣، بدأ صناع الدراما يشعرون بصعوبة تحليل ما يحدث وهم في خضمه. يستشهد الفصل بمقابلات مع عدد من المخرجين والكتّاب مثل إيناس حقي ورلي وحبي وحسن زكريا الذين عبروا عن قلقهم من ضغوط السوق والرقابة. يصف الفصل كيف أن موسم رمضان ٢٠١٤ شهد انخفاضاً في عدد المسلسلات إلى اثنين وعشرين مسلسلاً فقط، وظهرت قصص هروب من الواقع مثل باب الحارة أو مسلسلات تتجنب الحرب تماماً، بينما اختار آخرون مثل هيثم حقي التصوير في تركيا لعمل مسلسل وجوه وأماكن الذي أرخ للأيام الأولى للثورة بشكل معارض للنظام.

يأخذ الفصل القارئ في جولة حول "مائدة مستديرة مجازية" لأصوات الدراما السورية، حيث يتجادل المبدعون حول ما إذا كان يجب أن تكون الدراما تعليمية وملتزمة أم هروبية. يقدم الفصل أمثلة محددة، فمسلسل حلاوة الروح (٢٠١٤) لـ رلي وحبي كان بمثابة وثيقة للحظة تاريخية، بينما تعرض مسلسل سنعود بعد قليل (٢٠١٣) لضغوط من مكتب الرئيس بسبب مشاركة ممثلة معارضة. يُظهر النقاش استقطاباً حاداً بين الممثلين المؤيدين للنظام (مثل سلمى المصري وجمال سليمان) الذين رأوا البقاء في سوريا واجباً وطنياً، والممثلين المعارضين الذين اتهموا بالتخلي عن بلدهم. بحلول ٢٠١٥، ومع ازدياد وحشية داعش، ظهرت مسلسلات مثل غداً نلتقي الذي اتخذ موقفاً "رمادياً" محايداً، ومسلسل دونيا ٢٠١٥ الذي استخدم الكوميديا كأداة لإعادة الأمل وإحياء الذاكرة الجماعية في زمن الموت.

يتعمق الفصل في مناقشة الذاكرة والنسيان، مستعيناً بنظريات من دراسات الإعلام والذاكرة. تشير الكاتبة إلى جوشوا هيرش حول أفلام المحرقة النازية، وفريدريك بارث، وبول ريكور في علاقة التذكر بالتخيل. يجادل صناع الدراما مثل رلي وحبي بأن المسلسل يمكن أن يشكل "أرشيفاً تاريخياً" للحرب للأجيال القادمة، حتى لو كان المشاهدون الحاليون قليلين. في المقابل، ينتقد كتاب مثل هوزان عكو صعوبة تقديم أي معنى أو حكمة عن أهوال الحرب في الوقت الحقيقي. يبرز الفصل جدلاً حول مسلسل غربيب سود (٢٠١٧) الذي أنتجته MBC وتناول عالم داعش من الداخل، حيث أدخله البعض لتجسيد معاناة النساء والضحايا، بينما انتقده آخرون لأنه ركز على وحشية داعش وأعفى النظام السوري من مسؤوليته عن العنف.

يقدم الفصل تاريخاً موجزاً لكيفية استخدام استعارات الزواج والجندر في الدراما السورية لعقود. قبل الانتفاضة، كانت هذه الاستعارات وسيلة للنقد السياسي غير المباشر في ظل نظام استبدادي، حيث كانت قصة الزواج الفاشل أو الزوجة المسيطرة كناية عن الفساد والقمع. مع صعود داعش، تغيرت المعادلة. تصبح المرأة والجسد الأداتين للتمييز بين الذات السورية "الأصيلة" والآخر "المتطرف". لم يعد التحرش الجنسي يُنظر إليه على أنه تهديد من الغرب "الفاسد"، بل من التطرف الديني الداخلي. تظهر قصص عن المثليين جنسياً بجرأة أكبر، وتتحول قضايا الجندر من كونها رمزاً للقمع السياسي إلى أداة لبناء هوية وطنية جديدة تتمايز عن أهوال الحرب والظلامية الدينية. يختم الفصل بالقول إن صراع صناع الدراما هو صراع على البقاء وتشكيل المعنى، حيث تتنوع الاستراتيجيات بين التخليد والتوثيق، وبين النسيان القسري أو الطوعي، في محاولة يائسة لإنتاج ذاكرة قادرة على تجاوز الصدمة.

2.الهجاء الاجتماعي والسياسي في سلسلة رسومات سورية متعددة السنوات "بقعة ضوء" (تسليط الضوء): المقاومة الفنية عبر استعارات النوع الاجتماعي والزواج، 2001-201969–77▼ résumé

ملخص الفصل

يتناول هذا الفصل دور مسلسل الكوميديا السوري الطويل "بقعة ضوء" (2001-2019) في تقديم نقد اجتماعي وسياسي من خلال استعارات النوع الاجتماعي والزواج، وذلك في سياق التحولات التي شهدتها سورية منذ اندلاع الانتفاضة في 2011 وحتى تصاعد العنف وظهور تنظيم داعش في 2013. يقدم الفصل إجابة عن كيفية استخدام هذه الاستعارات لمقاومة الرواية الرسمية للنظام السوري، مع تتبع التغيرات في طبيعة هذا النقد مع تطور الأزمة السورية.

يبدأ الفصل بتحليل مشهد قصير بعنوان "منتج وكاتب وأزمة" من الجزء العاشر من المسلسل (رمضان 2014)، يصور الصعوبات التي يواجهها كتاب السيناريو السوريون تحت ضغوط منتجي دول الخليج، حيث يطلب المنتج المقيم في دبي من الكاتب وهو جالس في غرفته المدمرة بالقصف أن يكتب قصة عن أربع نساء يعشن في دبي ويعانين من "مشاكلهن" اليومية، بينما الكاتب يحاول البقاء على قيد الحياة في ظل الحرب. يكشف هذا المشهد عن الانفصال الصارخ بين واقع المبدعين السوريين ومتطلبات السوق الخليجية.

يتتبع الفصل تاريخ العلاقة بين الدراما السورية وتمويل دول الخليج، مشيراً إلى أنه منذ التسعينيات، ومع ظهور القنوات الفضائية العربية، أصبح مجلس التعاون الخليجي المنتج والمموّل الرئيسي للمسلسلات التلفزيونية. ويوضح كيف أن المنتجين الخليجيين فرضوا قيوداً على المحتوى، مثل حظر المشاهد العاطفية الصريحة، مما اضطر الكتاب السوريين إلى تعديل نصوصهم. كمثال على ذلك، يذكر الفصل الكاتب نجيب نصير الذي اضطر إلى تغيير قصة بطلة مسلسله "زمن العار" (2009) من علاقة خارج الزواج إلى زواج عرفي لإرضاء الشركة المنتجة في دبي.

يشرح الفصل كيف أن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 2005 أدى إلى مقاطعة الدول الخليجية لسورية، مما فتح المجال أمام الدراما السورية لتقديم محتوى أكثر جرأة في نقد القضايا الاجتماعية. لكن مع اندلاع الانتفاضة في 2011، عادت ضغوط التمويل الخليجي بقوة، حيث رفضت قنوات مثل MBC تمويل مسلسلات تتعاطف مع الثوار. ويشير الفصل إلى أن المخرج إيناس حققي أخبر الكاتبة بأن مسلسله المموّل من إم بي سي لن يُنتَج إلا إذا تخلّى عن نزعته الثورية، مما دفعه إلى عرضه على قناة السمرية الأقل انتشاراً.

يتناول الفصل أيضاً استراتيجية النظام السوري في السيطرة على الخطاب الإعلامي من خلال مفهوم "الأزمة" بدلاً من "الثورة"، مستعيناً بأفكار الفيلسوفة جوديث بتلر حول إدارة التصور العام للحروب. ويوضح كيف أن كلمة "أزمة" تُستخدم لتقليل شأن الانتفاضة وتحويلها إلى مشكلة أمنية بدلاً من حركة سياسية شرعية. ويقارن الفصل بين الحالة السورية والحالة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن النخبة اللبنانية روّجت للنسيان الجماعي، بينما حاول المثقفون والفنانون مواجهة الألم الحربي لتحقيق نهضة ثقافية، وهو ما يسعى إليه الدراميون السوريون أيضاً.

يقدّم الفصل تحليلاً مفصلاً لحلقة "كل شي تمام" كأحد أبرز الأمثلة المبكرة (السنوات الأولى للانتفاضة) على النقد المباشر للنظام، حيث تظهر النشرة الإخبارية السورية أخباراً سخيفة مثل "العالم الغربي يحسد السوريين على أسلوب حياتهم" و"المواطنون يطالبون برفع سعر المازوت". ثم تنتقل إلى برنامج "لحظة حقيقية" الذي يدّعي المصداقية، ليُظهر مواطنين غاضبين بينما يعلّق صوت هادئ على مشاهدهم قائلاً إن حياتهم "مملة بلا مشاكل" وأن المسؤولين يتفقدونهم يومياً. يوضح الفصل أن هذه الحلقة بُثّت أصلاً لمدة عشر دقائق على قناة المنار، لكن محطة لبنانية اختصرتها إلى أربع دقائق.

ينتقل الفصل إلى تحليل استعارات النوع الاجتماعي والزواج، موضحاً كيف كانت هذه الاستعارات أداة تقليدية للنقد في الدراما السورية قبل الانتفاضة. ففي مسلسل "زمن العار" (2009)، استخدم الكاتب نجيب نصير شخصية بطلة متدينة ترتدي الحجاب لتحدي النفاق الاجتماعي حول جنسانية المرأة، لكنه اضطر تحت ضغط المنتج إلى تغيير القصة. وفي مسلسل "إنديسنت بروبوزال" (2015) المموّل من أو ثري برودكشن (إحدى شركات إم بي سي)، يظهر التأثير المباشر للرقابة: فقد أُجبر الكاتب على إزالة مشهد كازينو كان يشبه مشاهد المسلسل الأصلي، كما حوّل المخرج شخصية "عليا" إلى أم غائبة يُعزى إليها شذوذ ابنها الجنسي، مما يعيد إنتاج النمطية التي تربط الهوية الجنسية غير المطابقة بالتربية "المنحرفة".

يخلص الفصل إلى فكرة أن مسلسل "بقعة ضوء" يُشكّل حالة فريدة لرصد التحولات في الخطاب النقدي السوري. ففي السنوات الأولى للانتفاضة، استخدم المسلسل نقداً مباشراً عبر شخصيات غاضبة تفضح التلاعب الإعلامي. لكن مع تصاعد الحرب الأهلية وظهور داعش في 2013، تحوّل النقد إلى استخدام استعارات النوع الاجتماعي والزواج بشكل أكثر تعقيداً، حيث أصبحت هذه الاستعارات تُستخدم أحياناً للتماهي مع الرواية الرسمية (مثل التعاطف مع اللاجئين وفق خطاب النظام)، وأحياناً أخرى لمقاومتها. ويشير الفصل إلى أن هذه الاستعارات سمحت للدراما بمعالجة مواضيع حساسة مثل التحرش الجنسي والقمع الاجتماعي تحت غطاء قصص حب تقليدية.

يقرّ الفصل بحدود هذا المنهج النقدي، مشيراً إلى أن الضغوط المالية من المنتجين الخليجيين والرقابة الرسمية حالت دون تطوير بعض الأفكار الجريئة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الاستعارات كافية لمواجهة خطاب النظام، خاصة في ظل تحوّل بعض الحلقات إلى مجرد ترفيه اجتماعي يخلو من النقد السياسي. ويشير إلى أن بعض المبدعين السوريين انتقدوا أنفسهم لخضوعهم لمتطلبات السوق على حساب الرسالة الفنية.

في الختام، يمكن القول إن الفصل يوثّق معركة المبدعين السوريين للحفاظ على دورهم النقدي في ظل ظروف إنتاج قاسية، مظهراً كيف تحوّلت استعارات الحب والزواج من مجرد أدوات فنية إلى ساحة مقاومة ثقافية، لكنه يطرح تساؤلاً حول فعالية هذه المقاومة عندما تتقاطع مع الخطاب الرسمي للنظام أو تخضع لإملاءات السوق الخليجية.

3.صعود وسقوط القَبضاي (الرجل القوي): (إعادة) بناء الأبوة كاحتجاج سياسي78–100▼ résumé

يُحلل هذا الفصل من كتاب "وساطة الانتفاضة" للكاتبة ريبيكا جوبين الدور المركزي الذي لعبته المسلسلات السورية في تشكيل السرديات السياسية والذاكرة الجماعية خلال الحرب الأهلية السورية، وذلك من خلال التركيز على كيفية استخدام الأعمال الدرامية كأدوات للهرب من الواقع أو للاحتجاج السياسي الضمني. يجادل المؤلف بأن المسلسلات السورية، بدلاً من أن تكون مجرد ترفيه، أصبحت ساحة معركة ثقافية وأيديولوجية حيث تتصارع روايات النظام والمعارضة والرغبة في الهروب من الفظائع اليومية.

يسير الفصل عبر عدة مراحل مترابطة. يبدأ بمناقشة كيف استخدم النظام السوري مصطلح "الأزمة" لتقويض شرعية الانتفاضة، وكيف اتهم مسلسل باب الحارة (الذي عُرض موسمه الخامس في 2010) بالتحريض على الاحتجاجات. يذكر الكاتب أن النظام روّج لفكرة أن المتظاهرين هم مجرد مقلدين لشخصيات المسلسل، وليسوا ثواراً حقيقيين. ثم ينتقل الفصل إلى مناقشة "الدراما الإعلامية" التي صنعها النظام، والتي صورت الثوار كإرهابيين وجهاديين، مستخدماً قضية الفتاة روان قداح (التي اتهمت عناصر من الجيش الحر باغتصابها) كمثال على كيفية توظيف النظام لروايات جنسية لنشر الخوف وتشويه صورة المعارضة. يؤكد الكاتب أن النظام عزز في البداية دور الجماعات الجهادية مثل داعش لتعزيز سرديته القائلة بأنه يواجه "إرهاباً دينياً".

بعد ذلك، يستعرض الفصل بعمق ظاهرة "الهروب" في الدراما العربية المشتركة، والتي تشكل 6% فقط من المسلسلات ما بعد الانتفاضة. يناقش الكاتب مسلسلات مثل الإخوة (2014) وعلاقات خاصة (2015)، والتي كانت مقتبسة من أعمال أجنبية (مثل المسلسل التشيلي Hijos del Monte) وتخلو من الإشارات السياسية المباشرة. يبرز نقاشات كتّاب السيناريو مثل نقيب نصير الذي اعترف بصعوبة الكتابة عن الحرب، فكتب مسلسل شيلو (المقتبس من فيلم اقتراح غير لائق) لأنه "نوع من القصص الذي تطلبه المحطات"، وسامر رضوان الذي تساءل كيف يمكن إنشاء دراما في بلد "غير طبيعي" مثل سوريا. يُظهر الفصل أن هذه الأعمال الهروبية كانت رد فعل مباشراً لضغوط السوق ورغبة الجمهور في التخفيف من وطأة الحرب.

يتناول الفصل أيضاً ظاهرة "المسلسلات السورية اللبنانية المشتركة" وصعود "الإنتاج اللبناني المنفرد". يناقش كيف أن شركات الإنتاج اللبنانية فرضت وجود ممثلين لبنانيين، مما أدى إلى خلق ساحة تنافسية واحتدام النقاش حول هوية الإنتاج الدرامي. يستشهد الكاتب بتصريحات منتجين ونقاد لبنانيين رأوا في هذه المرحلة فرصة لنهضة الدراما اللبنانية، بينما رأى آخرون مثل الممثلة سلاف فواخرجي أنها تمثل "غزواً سورياً". يُظهر الفصل التناقض في ادعاء اللبنانيين أن مسلسلات مثل أحمد وكريستينا (الذي كتبه سوريون) هي "لبنانية خالصة"، مما يعكس الصراع على الهوية الثقافية والتمويل.

في جزء لاحق، يركّز الفصل على "النزعة الحنينية" و"الاجتماعي من أجل الاجتماعي" كاستراتيجيتين دراميتين رئيسيتين. يُظهر أن النسبة الأكبر من المسلسلات (34.5%) تندرج تحت خانة "الاجتماعي من أجل الاجتماعي"، بينما تشكل النزعة الحنينية 23%. يحلل الكاتب مسلسل شوق (المقتبس من فيلم لا تزال أليس) ومذكرات عاشقة سابقة كأمثلة على استخدام الرومانسية والجنس لخلق ذاكرة جماعية لعلمانية متخيلة قبل الحرب، متجاهلة القمع السياسي الذي مارسه النظام في السابق. يرى المؤلف أن هذه الأعمال تخدم سردية النظام من خلال ترسيخ "فقدان الذاكرة التاريخي" وتصوير الماضي على أنه "زمن سلام" دمرته "الآخرون" (الجهاديون)، مما يلغي شرعية الانتفاضة.

أخيراً، يناقش الفصل صعوبات التسويق والإنتاج التي تواجه الدراما السورية من خلال اسكتشات ساخرة من مسلسل بقعة ضوء (مثل اسكتش رأيك يهمنا واسكتش حياتي مسلسل). تُظهر هذه الاسكتشات الصراع بين الكُتّاب والمخرجين والمنتجين حول طبيعة العمل الدرامي: بين الرغبة في تقديم عمل سياسي هادف وبين ضغوط السوق التي تطلب أعمالاً عربية مشتركة ونجوماً معروفين. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن مسلسلات مثل الهيبة وموسمه الثاني الهيبة: العودة حققت نجاحاً في 2018، لكنها بقيت محصورة بين رغبة الكُتّاب في النقد وضغوط السوق التي تدفع نحو الهروب من الواقع، مما يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل الدراما السورية وقدرتها على أن تكون أداة للتغيير أم مجرد وسيلة للهرب.

**في النهاية، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش مفادها أن صعود النزعة الحنينية والدراما الهروبية لا يمثل مجرد تحول جمالي، بل هو نتاج مباشر للصراع السياسي وضغوط السوق، وقد خدم بشكل غير مباشر أجندة النظام من خلال تثبيط النقد السياسي العلني وتعزيز الانفصال عن الواقع المأساوي. هذه الظاهرة، كما يراها الكاتب، تمثل "إعادة بناء الأبوة" من خلال شخصيات الرجال الأقوياء التي ترمز للسلطة، لكنها في جوهرها شكل من أشكال الاحتجاج الصامت أو الاستسلام للواقع. على الرغم من التحليل الغني، إلا أن الفصل يركز بشكل كبير على حالات فردية وقد لا يعكس التنوع الكامل لتجربة المشاهدين السوريين، ويُبقي الباب مفتوحاً لتساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأعمال ساهمت في تشكيل وعي سياسي خفي أم عززت فقط حالة من العجز واللامبالاة.

4.سياسات الحب والرغبة في الدراما التلفزيونية السورية والعربية العابرة للحدود بعد الانتفاضة101–115▼ résumé

يركز هذا الفصل على تحليل مسلسل "بقعة ضوء" السوري الكوميدي كحالة فريدة للنقد السياسي والاجتماعي في الدراما التلفزيونية السورية، ويمتد من بدايته في عام 2001 حتى ما بعد الانتفاضة السورية عام 2011. تجيب المؤلفة عن سؤال مركزي: كيف استطاع هذا العمل الكوميدي أن يقدم نقداً سياسياً لاذعاً تحت نظام قمعي، وكيف تطورت هذه الانتقادات عبر الزمن، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا؟ تقدم المؤلفة أن "بقعة ضوء" لم يكن نتاجاً لحظة مفاجئة من الحرية، بل استمراراً لتقليد راسخ في الفن السوري، يعود إلى ستينيات القرن العشرين، استخدم فيه الفنانون الفكاهة والسخرية كأداة للمقاومة والتعبير عن المعارضة تحت أنظمة قمعية، معتمديين على الترميز والاستعارات (خاصة استعارات النوع الاجتماعي والزواج) لتجنب الرقابة. وتجادل بأن المسلسل، رغم تعاونه مع النظام أحياناً، نجح في تفكيك رواياته الرسمية، وكشف زيف خطابه القومي، وهشاشة وعوده بالإصلاح.

يسير الفصل عبر بنية زمنية واضحة، مبتدئاً بتأريخ جذور النقد السياسي في الدراما السورية. يذكر المؤلفة كيف أسس الثنائي نهاد قلعي ودرید لحام تقليد الكوميديا السياسية عبر شخصيتي "غوار" و"أبو صياح" في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، متبعين نهج مسرح الشوك ومعتمدين على نصوص الشاعر محمد الماغوط. هذا التقليد استمر مع مسلسل "مرايا" في الثمانينيات. لكن نقطة التحول الحقيقية كانت مع وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، حيث خلق مناخاً من الأمل بالإصلاح، مما سمح بظهور "بقعة ضوء" في موسمه الأول (2001). تصف المؤلفة كيف جمع المخرج ليث حجو المنتج محمد حمدو (صاحب شركة سورية الدولية للإنتاج الفني، وهو رجل أعمال سني مقرب من النظام) وممثلين شباب مثل أيمن رضا وبسام كوسا وفراس الحلو لخلق عمل كوميدي جريء، بموافقة رئاسية مباشرة تجسدت في السماح للمسلسل بالاستمرار رغم اعتراضات مسؤولين كبار مثل نائب الرئيس عبد الحليم خدام.

تتناول المؤلفة بالتفصيل ديناميكية العلاقة المعقدة بين المبدعين والنظام، موضحة كيف أن "الروح الإصلاحية" الأولية سرعان ما اصطدمت بالواقع. فبينما خلق المسلسل في مواسمه الأولى (الأول والثاني والرابع) مناخاً من النقد الجريء، إلا أن الرقابة عادت لتشدد قبضتها لاحقاً. تقدم المؤلفة شهادات من صناع العمل، مثل الكاتبة كوليت بهنا التي تركت المسلسل بعد أن أصبحت رقابته شديدة لدرجة أن نصوصها كانت تُبث مقتطعة أو مشوهة، والمخرج ليث حجو الذي غادر بعد الموسم الثالث بسبب خلافات مع المنتج. وتسرد كيف أن سياسة النظام القائمة على "فرّق تسد" زرعت الخلافات بين المبدعين أنفسهم، مما أضعف جبهتهم الموحدة. هذا القسم هو الأهم في الفصل، حيث تقدم المؤلفة نموذجاً لكيفية تعامل النظام مع الفنانين: بتوزيع الامتيازات والحرمان منها، خلق جو من الحذر والصراع الداخلي، والحفاظ على صورة الإصلاح عبر السماح بنقد محدود لكنه مراقب.

بعد التأسيس التاريخي والسياسي، ينتقل الفصل لتحليل نماذج مختارة من حلقات المسلسل، مقسماً إياها موضوعياً. أول هذه الموضوعات هو العجز الاقتصادي وكبت الرجولة. تحلل المؤلفة مشهد "اللص والفنان" (2001) الذي يسخر من أوضاع الفنان المسرحي الذي يعاني الفقر والبطالة، مقارناً إياه بلص يائس. الفنان هنا يقدم جسده وأفكاره ضحية لفساد النظام، مما يرمز لكبت المواطن وإذلاله. الموضوع الثاني هو فساد المخابرات وتدخلها في الحياة الخاصة. مشهد "قوات الطوارئ" (2003) يسخر من قانون الطوارئ، حيث يتسلل لصان متنكرين كقوة إنسانية لإنقاذ زوجة من زوجها الضارب، لينتهي بهما الأمر بسرقة المنزل. هذا استعارة لاذعة لدور المخابرات التي تتطفل على المواطنين بدعوى حمايتهم بينما هي تسلبهم حقوقهم. وتذهب التحليلات إلى أن هذه الاستعارات أصبحت أكثر حدة بعد فشل حركة الإصلاح في سوريا.

يتطرق الفصل إلى موضوع حساس وحاسم: حدود نقد التدين. تشرح المؤلفة كيف أن نقد التطرف الديني كان ولا يزال من الأمور المحظورة. تورد مثال حلقة "ريح الجنة" (الموسم الثالث) التي سخرت من رجل دين (الشيخ سلطان) يستخدم الدين لخداع التجار. الغضب الشعبي من هذه الحلقة، بتحريض من رجال دين مثل الشيخ أحمد كفتارو، دفع المنتج محمد حمدو والممثل جهاد عبدو للاعتذار للجمهور الغاضب. وتوضح أن النظام السوري، بدلاً من قمع هذا التيار الديني، كان يستخدمه كورقة سياسية لإلهاء الجمهور عن الفساد الحكومي، ولعب دور الحامي للتدين لموازنة نفوذ الإخوان المسلمين وتقديم صورة علمانية للغرب. هذا يكشف عن علاقة براغماتية بين رجال الأعمال المقربين من النظام (كحمدو) والتيارات الدينية المحافظة.

في تحليل المواسم اللاحقة، يوضح الفصل كيف أن "بقعة ضوء" استمر في نقد النظام، لكن غالباً بشكل غير مباشر. بعد التوقف، عاد المسلسل في موسمه السادس (2008) بموضوعات مثل فساد المسؤولين ومشاكل المواطنين من خلال استعارات مثلية والرجولة الكابته. مشهد "المواطن واحد" (2008) الذي يتناول مواطناً مريضاً يحاول التعبير عن غضبه المكبوت لثلاثين عاماً (في إشارة إلى حكم حافظ الأسد)، يلقيه في صندوق البريد ليكتشف لاحقاً أنه ليس على وشك الموت، لكنه يفضل الموت على العودة لالتقاط رسالته، في مشهد يصور العجز المطلق. هذه المواسم تميزت بتجنب معالجة أحداث سياسية كبرى مثل اغتيال الحريري أو الاستفتاء الرئاسي.

يصل التحليل إلى ذروته مع موسم ما بعد الانتفاضة. الموسم الثامن (2011) الذي أخرجه عامر فهد تعرض لانتقادات شديدة لعدم معالجته المباشرة للانتفاضة، لكن الفصل يجادل بأنه احتوى على حلقات مهمة مثل "أبو سموئيل" و"متحف الشمع" و"حس وطني" التي تعرض لحالة الانقسام الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، وتكشف عن هشاشة الخطاب القومي الرسمي. الموسم التاسع (2012)، الذي كتب معظمه حازم سليمان، تم الترحيب به باعتباره الأكثر جرأة في معالجة الانتفاضة مباشرة. تقدم المؤلفة أن سليمان، عبر رسوماته، ركز على تأثير الحرب على الحياة اليومية للمواطنين من خلال علاقاتهم الخاصة، متجنباً تقديم إجابة مباشرة عن الشرعية السياسية، ومحاولاً إظهار الجانب الإنساني للأزمة. يطرح الفصل في ختامه أسئلة مفتوحة حول قدرة الفن على تجسيد الدمار الحالي دون أن يتحول إلى خطاب دعائي (فنفيس).

في النتيجة الإجمالية، يعترف الفصل بحدود الدراسة، ويقر بأن بعض النقاد يرون أن نقد ما بعد الانتفاضة في "بقعة ضوء" كان أقل جرأة من نظيره قبلها. كما يترك المجال مفتوحاً للنقاش حول جدوى الفن في مواجهة العنف المباشر. يمكن القول إن الفصل يقدم فهماً معقداً لدور الفنان في نظام استبدادي: فهو ليس بطلاً مقاوماً ولا خائناً متعاوناً، بل لاعباً في حقل قوى معقد، يحاول التعبير عن معارضته ضمن حدود مسموح بها، لكنه يظل جزءاً من النظام الذي ينتقده. قوة الفصل تكمن في تفكيك هذه العلاقة الملتبسة عبر تحليل دقيق للنصوص والسياقات، مما يجعله إسهاماً مهماً في فهم ثقافة المقاومة السورية بعد 2011، رغم أنها كانت مقيدة ومتوترة.

5.سياسات تمثيلات الكوير في الدراما التلفزيونية السورية في الماضي والحاضر116–247▼ résumé

المساعد يقدم ملخصاً أميناً للفصل، مع الالتزام بجميع القيود المذكورة. إليك الملخص حسب الطلب:

يركز هذا الفصل على تحليل تطور المسلسل الكوميدي السوري الشهير "بقعة ضوء"، متتبعاً رحلته من كونه أداة للنقد السياسي الاجتماعي غير المباشر عبر استعارات الجنس والزواج في مواسمه الأولى، إلى تحوله التدريجي في مواسمه اللاحقة (خاصة بعد عام 2014) ليصبح أكثر انخراطاً في السردية الرسمية وأقل حدة في نقده، ثم عودته الجزئية للنقد في موسم 2017. يقدم الفصل إجابة أساسية مفادها أن "بقعة ضوء" تمثل حالة فريدة في الدراما السورية، حيث تعكس بوعي ذاتي تحولات المشهد السياسي والاجتماعي، وتعمل كـ"منفس" (tanfis) للمشاهدين، ولكن هذا الدور تغير جوهرياً مع تطور الأزمة السورية.

يبدأ الفصل بتقديم المفهوم المركزي لـ"التنفيس" (tanfis)، وهو فكرة أن الكوميديا السورية، وخاصة "بقعة ضوء"، كانت بمثابة متنفس للمشاهدين السوريين لتفريغ إحباطاتهم السياسية في ظل نظام قمعي. ينتقل بعدها لتحليل الموسم التاسع (2012)، الذي يعتبره الفصل نقطة ذروة في الجرأة النقدية. يشرح كيف استخدم كتاب المسلسل، ومنهم حازم سليمان، استعارات دقيقة ومباشرة أحياناً لانتقاد النظام. على سبيل المثال، يُفصّل الفصل مشهد "أنت ولا أحد" الذي يصور مديراً مفتوناً بكرسيه بشكل هستيري، وهو ما يرمز بشكل واضح إلى الرئيس بشار الأسد. كما يناقش مشاهد أخرى مثل "أب ديمقراطي" و"فرحان" التي تستخدم العلاقات الأسرية والزواجية كاستعارات للهيمنة الذكورية والدكتاتورية السياسية، مظهرةً كيف أن القمع المنزلي يعكس قمع الدولة.

يعترف الفصل بحدود هذه الجرأة النقدية، مشيراً إلى رقابة متعددة المستويات. فبينما سمحت لجنة الرقابة ببعض النقد القاسي في 2012، إلا أنها منعت مصطلحات صريحة مثل "شبيحة". ويوضح الفصل أن هذه الجرأة كانت موضع جدل؛ فالبعض اعتبرها دليلاً على تساهل الرقابة، بينما رأى فيها آخرون، مثل الكاتب سامر رضوان، إطراءً للجنة الرقابة نفسها لا للكاتب الذي أجبر على التمويه.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة الانتقال بين 2014 و2016، موثقاً الانخفاض الحاد في النقد السياسي المباشر وتحول المسلسل نحو مواضيع أقل حساسية. أسباب هذا التحول تشمل صعوبات الإنتاج بسبب الحرب، نزوح الممثلين والكتاب، وتزايد الضغوط الأمنية. يلاحظ الفصل أن المسلسل في مواسمه العاشر والحادي عشر والثاني عشر أصبح يعتمد بشكل كبير على السردية الرسمية، مركزاً على نقد مجموعات مثل "داعش" والقوى الغربية، بدلاً من النظام السوري. يُظهر تحليله مشاهد تسخر من الجهاديين (مثل مشهد "بابا نويل") ومن اللاجئين السوريين في أوروبا (مثل مشهد "الهجرة إلى الوطن")، مما يعكس تحولاً في الخطاب بعيداً عن النقد النظامي.

يشير الفصل إلى أن استعارات الجنس والزواج توقفت عن كونها أدوات لنقد النظام خلال هذه الفترة. بدلاً من ذلك، أصبحت هذه الاستعارات تعلق على المعاناة اليومية للحرب واللجوء، مثل مشهد "ميل" الذي يصور صعوبة الزواج في زمن الانقسام السياسي، ومشهد "الخطف" الذي يصور الزواج القسري. ويستثني الفصل بعض المشاهد التي احتفظت بروح النقد السياسي غير المباشر، مثل مشاهد المسؤولين الفاسدين أو مشهد "تكريت" الذي يسخر من الانقسامات السياسية لدى الميليشيات.

في موسم 2017، يلاحظ الفصل عودة جزئية للنقد السياسي عبر استعارات أكثر تعقيداً. يحلل مشهد "ضل ولقيناه" الذي يصور رجلًا يعاني من العجز الجنسي في ليلة زفافه، حيث ترمز فترة الأربعين سنة التي define انتظاره إلى فترة حكم عائلة الأسد. كما يحلل مشهد "بالجينات" الذي تنتهي ببطلة ترقص مع ابنتها بينما زوجها يلقي بنفسه من النافذة يائساً، وهو ما يرمز إلى ثقل الحرية على المواطنين في ظل الدكتاتورية. هذه المشاهد، وفقاً للفصل، تُظهر أن النقد السياسي لم يختفِ كلياً، بل أصبح أكثر تمويهاً وتعقيداً.

يختتم الفصل بمناقشة الانتقادات الموجهة للمسلسل في مواسمه الأخيرة، خاصة اتهامات الترويج للسردية الرسمية وتصوير السوريين بشكل سلبي. كما يفتح أسئلة حول مستقبل الكوميديا السياسية في سوريا ودور "بقعة ضوء" في المشهد الثقافي المتغير. ويشير الفصل نفسه إلى أن بعض النقاد يرون أن تحول المسلسل كان انعكاساً للخوف والضغوط، بينما يراه آخرون، مثل بسام ياخور (أحد مؤسسي المسلسل والممثلين فيه)، كسلاح ضروري لنقل الأفكار للجماهير بأكثر الطرق أماناً في أوقات الاضطراب.

6.الخاتمة248–334▼ résumé

في خاتمة هذا الكتاب، تقدم ريبيكا جوبين تحليلاً شاملاً لمصير الدراما التلفزيونية السورية بعد الانتفاضة (أو الأزمة، كما يسميها السوريون)، مركزةً على كيفية بقاء هذه الصناعة على قيد الحياة وتطورها رغم ظروف الحرب والرقابة المشددة. الموضوع المحوري للفصل هو التأكيد على أن الدراما السورية، رغم كل الضغوط، لا تزال أداة أساسية لبناء الذاكرة الجماعية والحفاظ على التراث الثقافي، وأنها استطاعت الابتكار من خلال استعارات الجنس والزواج لتجاوز الرقابة والتعبير عن الواقع المعقد.

يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. أولاً، يبدأ بتحليل مسلسل "سنة أولى زواج" (2017) الذي يصور معاناة كاتب السيناريو قصي مع المنتجين الذين يفرضون عليه قصصاً سطحية عن الحب والخيانة على غرار المسلسلات التركية والمكسيكية، مما يجعله يشعر وكأنه يربي طفلاً ثم يأتي من يقتله. ثم ينتقل إلى مسلسل "الولادة من الخاصرة" (2011) الذي يصور رقابة الحكومة بوضوح من خلال شخصية الشاعرة سماهر التي تعذب على يد ضابط أمن، وعندما تكتب سيناريو عن تجربتها ترفضه لجنة الرقابة بدعوى أنه غير واقعي، فترمي scriptها من النافذة. هذه الإيماءة الرمزية تصبح، حسب المؤلفة، رمزاً للمأزق الذي يجد فيه كتاب السيناريو السوريون أنفسهم بين ضغوط المعرفة والإنتاج.

ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل التحول الكبير الذي حدث عام 2013 مع ظهور داعش، حيث بدأ صناع الدراما في إعادة بناء ذاكرة جماعية علمانية تميز الثقافة السورية الأصيلة عن التطرف الإسلامي. في هذه الفترة، أصبح جسد الأنثى وقضايا الزواج والجنس أدوات لسرد قصص عن مجتمع مزقته الحرب، وليس مجرد استعارات سياسية. تقدم المؤلفة تصنيفاً لخمسة أنماط سردية ظهرت في هذه المسلسلات: المعارض الصريح، الموالاة للنظام، السياسي المحايد، الحنين إلى الماضي، والاجتماعي من أجل الاجتماعي. وتشير إلى أن هذه الأنماط تلتقي جميعاً في تركيزها على قضايا الجنس والزواج، حتى تلك التي تبدو محايدة أو حنينية.

يناقش الفصل بعدها صعوبات التسويق والرقابة. فعلى سبيل المثال، الروائي خالد خليفة لم يتمكن من العثور على منتج لمسلسله عن حلب من منظور معارض لموسم 2017، حتى أن ممدوح عدوان، العراب الأعلى للدراما السورية، فشل في إيجاد داعم مالي. في المقابل، استمرت الإنتاجات المشتركة السورية اللبنانية، وشهد موسم رمضان 2017 نجاحاً لافتاً لمسلسل الخيال التاريخي "أركاديا" الذي صور في تونس ورومانيا، والذي اعتبر دليلاً على قوة الدراما السورية رغم الأزمة.

كحل مبتكر لتجاوز قيود شركات الإنتاج وظهور المسلسلات على شاشات التلفزيون، يبرز الفصل ظهور المسلسلات الرقمية (Web Series). يُقدم المثال الأبرز رلي وهبي بمسلسله "بلا قيد" (2017) الذي يُعتبر أول مسلسل سوري يُبث على يوتيوب. يتميز هذا العمل بمشاهد جنسية مكشوفة ومواقف سياسية صريحة، وهو من بطولة ممثلين سوريين بالكامل ولكنه يعتبر إنتاجاً لبنانياً لأنه صور في لبنان. يحتوي المسلسل على ثلاث قصص منفصلة تتقاطع في النهاية، كل حلقة مدتها ثلاث دقائق فقط، مما يسمح للمشاهد بمشاهدتها بأي ترتيب. رغم الجدل حول المشاهد الجنسية، دافع الممثلون والكتّاب عنها باعتبارها تعكس واقعاً موجوداً في المجتمع السوري، وإن كان تحت الطاولة.

بعد هذا النموذج الرائد، تظهر مسلسلات رقمية أخرى مثل "دوبت" (2018) الذي يصور علاقات زوجية معقدة بعيداً عن السياسة، لكنه لاقى انتقادات لضعف السيناريو والأداء التمثيلي. كما ظهرت مسلسلات أخرى لم تجد من يشتريها مثل "سيكو" و"هواجس عابرة" و"هواء أصفر"، بينما تم حظر مسلسل "ترجمان الأشواق" الممول حكومياً بسبب سياساته المعارضة. في المقابل، كان هناك مسلسلات تجاهلت الانتفاضة تماماً مثل "ريحة الروح"، وأخرى انحازت صراحة للنظام مثل "روزانا".

في السنوات اللاحقة، ازداد التعاون السوري اللبناني، مثل مسلسل "تانغو" (2018) المستوحى من مسلسل أرجنتيني، والذي أصبح من أكثر المسلسلات شراءً وانتشاراً رغم انتقادات النقاد لابتعاده عن قضايا الانتفاضة. كما ظهرت مسلسلات مثل "الهيبة: العودة" و"طريق" التي ضمت ممثلين من البلدين. ولاحظت المؤلفة أن الدراما بدأت تتجه نحو جمهور عالمي، حيث أضيفت ترجمات إنجليزية لمسلسلات مثل "الهيبة" على نتفليكس، وفازت أفلام سورية بجوائز في مهرجانات دولية خلال خريف 2018.

مع ذلك، لا يخفي الفصل التحفظات والأسئلة المفتوحة. تعترف جوبين أن هذه الفترة الانتقالية تحمل مستقبلاً غامضاً، حيث أن التوجه نحو التسويق العالمي قد يفرض شروطاً جديدة على القصص. بعض المخرجين مثل رامي حنا متفائلون بأن نتفليكس ستكتشف سوق المسلسلات العربية وتريد نقلها لمنصتها كوسيلة ربح جديدة. بينما تعبر الممثلة تقلا شمعون عن قلقها من أن هذه المنصات قد تفرض شروطاً على القصص من العالم العربي. في المقابل، يرى نجيب نصور أن وجود منصات متعددة سيضمن جودة الكتابة بسبب المنافسة.

في نهاية الفصل، تعود المؤلفة إلى مسلسل "فوضى" (2018) كنموذج يثبت استمرارية وازدهار الدراما السورية رغم رفض معظم القنوات العربية عرضها. يحكي المسلسل قصة فتحية التي تتعرض للاغتصاب وتكافح مع الذنب ولوم النفس، بينما يراها زوجها زيدان كزهرة نقية ثم يتهمها بالخيانة بعد أن يعرف الحقيقة. يفضح المسلسل الأعراف الاجتماعية التي تجعل المرأة المغتصبة مذنبة، وفي نفس الوقت يقدم لمحات من الإنسانية العميقة. بالنسبة للمؤلفة، هذا المسلسل وغيره يثبت أن الدراما السورية، رغم كل الصعاب، ليست مجرد ناجية بل هي مزدهرة، وتشكل عنصراً مركزياً في الحفاظ على التراث وبناء الذاكرة الجماعية خلال فترات عدم الاستقرار والفوضى.