Almawred
Middle East Authoritarianisms
English

Middle East Authoritarianisms

Steven Heydemann1 janvier 2013enStanford University Press

يتمحور كتاب “Middle East Authoritarianisms” لستيفن هايدمان حول فكرة أن الاستبداد في الشرق الأوسط ليس نظاماً جامداً ينتظر الانهيار، بل هو كيان سياسي مرن وقابل للتكيف، يعيد تشكيل أدوات حكمه باستمرار لمواجهة التحديات والبقاء في السلطة، حتى في وجه انتفاضات شعبية كبرى مثل تلك التي بدأت في أواخر عام 2010. يدافع المؤلف عن مفهوم أسماه "الاستبداد التجميعي" (Recombinant Authoritarianism)، وهو قدرة النظام على إعادة تركيب وتشكيل ترتيباته المؤسسية والخطابية والتنظيمية والاقتصادية لخلق حلول جديدة للتحديات المتغيرة، بدلاً من مجرد التشبث بالسلطة بشكل أعمى. يرفض الكتاب النظر إلى هذه الأنظمة على أنها بقايا من الماضي، ويجادل بأنها كيانات سياسية معقدة تتعلم من أخطائها وتتكيف، مما يجعل بقاءها أو سقوطها مرتبطاً بقدرتها على إعادة اختراع نفسها.

تبدأ حجة الكتاب بتقديم السياق الدراماتيكي للأحداث في 2011، حيث انهار نظام زين العابدين بن علي في تونس، وأُجبر حسني مبارك على التنحي في مصر، وقُتل معمر القذافي في ليبيا. لكن المؤلف يقر بأن هذه الأحداث، رغم هولها، لا تعني نهاية الاستبداد. على العكس، يرى أن أنظمة مثل النظام السوري بقيادة بشار الأسد والنظام الإيراني أظهرت مرونة مذهلة، مستشهداً بالحالة السورية حيث تحولت الاحتجاجات السلمية إلى مقاومة مسلحة واستخدم النظام قمعاً وحشياً واسع النطاق، وبحالة إيران حيث فشلت "الحركة الخضراء" في 2009 في إحياء احتجاجاتها بعد الانتفاضات العربية. الهدف هنا هو إثبات أن هذه الأنظمة تتعلم من بعضها البعض وتتكيف من خلال تقديم تنازلات شكلية، واعتماد سياسات اقتصادية مخففة، وتقسيم المعارضة، واستخدام القمع المكثف. يرفض الكتاب مفهوم "الاستمرارية" البسيط ويستبدله بـ "المرونة" كإطار تحليلي أساسي.

ينتقل الكتاب بعدها إلى تفكيك آلية عمل هذا "الاستبداد التجميعي" في كلا البلدين من خلال فحص الحوكمة الاقتصادية. في سوريا، يصف الكاتب تحول النظام من اقتصاد قائم على المحسوبية الحكومية إلى نظام محسوبية قائم على السوق، حيث قاد بشار الأسد إصلاحاً اقتصادياً انتقائياً تحت اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" في 2005. لم يكن الهدف تحرير الاقتصاد حقاً، بل خلق فرص جديدة للإثراء لحلفاء جدد مثل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، الذي أصبح المستثمر الخاص الأكبر، وتجديد شبكات الولاء من خلال خصخصة أصول القطاع العام وفتح المجال للبنوك الخاصة. هذا التحديث الاستبدادي خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال الموالين، لكنه في الوقت نفسه ولّد توترات مع شبكات المحسوبية القديمة داخل حزب البعث وزاد من التفاوت الاقتصادي، مما خلق أرضية خصبة للاحتجاجات لاحقاً. في إيران، يصف الكتاب نظام رعاية اجتماعية مزدوجاً: "نظام رعاية ثوري" يستهدف الفقراء عبر مؤسسات مثل لجنة الإمام الخميني للإغاثة التي تخدم حوالي 6 إلى 7 ملايين شخص، و"نظام نقابي" موروث من عهد الشاه يخدم الطبقتين الوسطى والعاملة عبر منظمة الضمان الاجتماعي التي تخدم 27 مليوناً. هذا الهيكل المزدوج منح النظام مرونة في الحفاظ على قاعدة عريضة من الدعم، لكنه في الوقت نفسه خلق توقعات جديدة لدى الطبقة الوسطى، مما ساهم في ظهور الحركة الخضراء.

يتناول الكتاب أيضاً إدارة الدولة للدين في سوريا كمثال صارخ على التكيف. يصف توماس بييريت كيف انتقلت الدولة من سياسة "التدخل المحدود الخبيث" في الشؤون الدينية بعد صعود حزب البعث، إلى سياسة "المقاولة الفرعية" حيث تم التعاقد مع جماعات دينية مخلصة مثل جماعة الكفتارية لإدارة الحقل الديني، ثم إلى سياسة "تأميم الإسلام" في صيف 2008 رداً على ضغوط إقليمية مثل الغزو الأمريكي للعراق في 2003. في تلك الفترة، خطط النظام لزيادة عدد موظفي وزارة الأوقاف بنسبة 1500% (من 103 إلى 1500)، لتأكيد السيطرة المباشرة على كل شيء من المعاهد الشرعية إلى الواعظات. لكن مع اندلاع انتفاضة 2011، تراجع النظام عن هذه السياسات وعاد لاسترضاء رجال الدين، مما يظهر أن هذه العلاقة كانت مرنة وتخضع للحسابات السياسية اللحظية.

أما بالنسبة للاستجابات الاجتماعية، فيتحدى الكتاب النظرة التقليدية التي تفصل الدولة عن المجتمع. في سوريا، يشرح تيجي دونكر أن الحركات الإسلامية لم تتحول إلى تعبئة جماهيرية ضد النظام قبل 2011 بسبب آلية "الوساطة" . نخبة من العلماء والدعاة، مثل محمد سعيد رمضان البوطي ومحمد حبش، عملوا كوسطاء بين النظام والحركات الإسلامية، مما أتاح تمثيلاً محدوداً لمصالحهم دون تعبئة علنية، مما عزز صمود النظام بشكل غير مباشر. في إيران، تظهر آرزو أوسانلو كيف أن النساء الإيرانيات استغللن الطبيعة الهجينة للنظام (مزجها بين الثيوقراطية والجمهورية) للمطالبة بحقوقهن عبر المحاكم المدنية. على سبيل المثال، نجحن في تقييد حق الرجل الأحادي في الطلاق (المادة 1133) من خلال اشتراط دفع المهر والتسوية الإلزامية، مما يظهر أن النظام يولد مساحات للمقاومة الداخلية وليس فقط القمع.

يستخدم الكتاب أيضاً الأدب كعدسة لفهم الحياة تحت الاستبداد. يصف ماكس فايس كيف أن الروائيين السوريين، مثل خالد خليفة في روايته "مديح الكراهية" ونهاد سيريس في "الصمت والصراخ"، استخدموا السخرية والرمزية كمساحة للتفاوض مع السلطة والتعبير عن نقد خفي، في استراتيجية وصفها بـ"المقاومة الرمزية". في الفصل المتعلق بـالقضاء، يحلل رينود ليندرز كيف استخدم النظام السوري المحاكم كأداة لقمع المعارضة، موضحاً أن النظام كان يتنقل بين "القضائية" (عبر محكمة أمن الدولة العليا التي تأسست عام 1968) والقمع خارج القضاء (مثل مجزرة حماة عام 1982 حيث قُتل ما بين 5,000 و10,000 شخص)، وذلك بناءً على كيف ينظر النظام إلى خصومه: كمجرمين يمكن مقاضاتهم أم كـ"محاربين" يجب استئصالهم.

يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة. يعترف بأن الأحداث التي بدأت في 2011 ستغير المشهد السياسي، لكنها لن تمحو الاستبداد. كما يقر بأنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت دول مثل تونس ومصر ستتحول إلى ديمقراطيات حقيقية أم ستشهد إعادة تشكيل للحكم الاستبدادي. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل سوريا وإيران، معترفاً بأنه سيكون من الحماقة افتراض أن النظام السوري سينجح في محاولاته العنيدة للتمسك بالسلطة، أو أن الاحتمالات المستقبلية للتحول الديمقراطي مستبعدة تماماً. أحد الحجج القابلة للنقاش بوضوح هي التركيز على مفهوم "المرونة" بدلاً من "الاستمرارية". بينما يرى المؤلف أن هذا تمييز جوهري، يمكن القول إنه قد يبالغ في تقدير الاختلاف عن مفاهيم سابقة مثل "التحديث الاستبدادي"، لكن النقطة الأساسية هي أن الكتاب يبني حالة قوية على أن هذه الأنظمة ليست مجرد بقايا، بل كيانات معقدة وقابلة للتكيف، مما يجعل مساهمته مهمة في فهم السياسة في الشرق الأوسط بعد عام 2011.