
Religion and State in Syria
يطرح كتاب «الدين والدولة في سوريا» لتوماس بييريت سؤالاً محورياً حول طبيعة العلاقة بين النظام السوري وعلماء الدين السنة، منذ ستينيات القرن العشرين وحتى اندلاع الثورة عام 2011. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن هذه العلاقة لم تكن مجرد عداء أو خضوع، بل كانت شراكة غامضة ومتناقضة تطورت عبر عقود من الصراع والتكيف المتبادل. فالعلماء الذين كانوا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من أبرز معارضي النظام البعثي بزعامته العلوية وأيديولوجيته العلمانية، تعرضوا لقمع شديد في أوائل الثمانينيات بعد مشاركتهم في الانتفاضة الإسلامية. لكن بعد ثلاثة عقود، استعادوا نفوذهم الاجتماعي بشكل كبير، مما جعلهم يشكلون تهديداً محتملاً أكبر للنظام.
يسير الكتاب من فصل إلى آخر لبناء هذه الحجة عبر تتبع تاريخي دقيق يبدأ بفترة ما بعد الاستقلال عام 1946. يشرح المؤلف كيف أن النظام البعثي، على عكس النماذج التركية أو المصرية، لم يسعَ إلى دمج العلماء في جهاز الدولة أو إخضاعهم لمؤسسات رسمية، بل فضل إبعادهم ومراقبتهم أمنياً عبر أجهزة المخابرات. في عام 1965، تم نقل صلاحيات المجالس العلمية المنتخبة إلى وزير الأوقاف، مما أنهى وجود أي «رجال دين كبار» ذوي مسؤولية رسمية تجاه الدولة. هذا الغياب للمركز المؤسسي أدى إلى بنية مختلفة للطائفة الدينية في سوريا، حيث لا يوجد «علماء أطراف» معارضون للنظام، بل فصائل دينية متفاوتة القرب منه.
يستعرض الكتاب بروز جيل جديد من «شيوخ التأسيس» بين عامي 1920 و1979، والذين لم يشهدوا تراجعاً كما يُعتقد عموماً، بل إن نشاطهم التربوي والتعليمي منحهم نفوذاً غير مسبوق في المجتمع. يضرب المؤلف أمثلة لثلاثة من أبرز هؤلاء: حسن حبنكة شيخ حي الميدان بدمشق، الذي أسس معهد التوجيه الإسلامي عام 1946 وأغلقته الدولة عام 1967؛ وأحمد كفتارو المفتي الرسمي للنظام البعثي الذي تميز بخطابه العصري؛ ومحمد النبهان شيخ حلب الذي كرس جهوده لتعليم أبناء الفلاحين عبر معهد الكلتاوية. يوضح الكتاب أن هؤلاء العلماء استجابوا لتحديات التغريب من خلال تطوير مفهوم «الدعوة» كجهد جماعي منظم لإعادة الغزو الاجتماعي.
بعد الانتفاضة الإسلامية بين 1979 و1982، والتي يوضح المؤلف أنها بدأت بمجزرة طلاب المدفعية في حلب في يونيو 1979 وراح ضحيتها 83 طالباً علوياً، وصولاً إلى انتفاضة حماة في فبراير 1982 التي سُوّيت المدينة فيها جزئياً بالأرض، ينتقل الكتاب لتحليل استراتيجية النظام المزدوجة. بدلاً من تعزيز بيروقراطيته الدينية، فضّل النظام الاعتماد على شبكات دينية خاصة موالية مثل جماعة المفتي أحمد كفتارو التي أنشأت مركز أبي النور الإسلامي عام 1982، والتي بلغ عدد طلابه 8,000 طالب عام 2008، وجماعة صالح الفرفور التي افتتحت معهد الفتح عام 1991 بـ 4,300 طالب. لكن هذه السياسة لم تكن ناجحة تماماً، إذ استطاعت قوى دينية كانت قد قُضي عليها ظاهرياً بعد 1982 أن تعاود الظهور بفضل جذورها الاجتماعية العميقة.
من أبرز الظواهر التي يناقشها الكتاب الصعود السياسي للشيخ سعيد رمضان البوطي، المولود عام 1929، والذي أصبح المرجعية الدينية غير الرسمية للنظام. يصفه المؤلف بأنه بنى سمعته على الإعلام الجماهيري، وأدان مجزرة حلب عام 1979 ووصفها بـ «الحرابة». أصبح البوطي يتمتع بحرية كلام حرم منها سواه، وتولى دور الوساطة مع العلماء المبعدين مثل هشام البرهاني وعبد الفتاح أبو غدة الذين سُمح لهم بالعودة في منتصف التسعينيات. بعد منتصف التسعينيات، انفتح النظام في عهد بشار الأسد على شبكات دينية هُشّمت سابقاً، على رأسها جماعة زيد في دمشق، حيث سُمح لأبناء مؤسس الجماعة أسامة وسارية الرفاعي بالعودة من المنفى عام 1994، واستعادت الجماعة مساجدها وتوسعت إلى أحياء جديدة.
يتناول الكتاب قضية الهيمنة الدينية عبر فصل كامل حول كيفية تعريف العلماء للسنة للأرثوذكسية والحفاظ عليها في مواجهة السلفية. يجادل المؤلف بأن هيمنة «الأرثوذكسية القديمة» (الأشعرية والشافعية والتصوف) قبل عام 2001 لم تكن مجرد استمرار تاريخي، بل هي نتيجة انتصار حاسم لأصحابها على خصومهم الإصلاحيين. يبرز في هذا السياق الشيخ ناصر الدين الألباني (1914-1999) الذي اشتهر بمنهجه اللامذهبي ونقده الحاد، مما عرضه لهجوم عنيف من كبار العلماء مثل البوطي ونور الدين عتر. تعرض الألباني للمضايقات والسجن، وغادر إلى عمان عام 1979. وبعد 11 سبتمبر 2001، اشتد الضغط على السلفيين وأصبحوا متهمين كخطر عالمي ومحلي. يوضح الكتاب أن تشدد السياسات الرسمية تجاه السلفيين في التسعينيات نتج عن ضغوط من المؤسسة الدينية التقليدية، لا عن مخاوف أمنية بحتة.
في تحليل الاقتصاد السياسي للنخبة الدينية، يقدم الفصل الرابع أطروحة مفادها أن التحولات الاقتصادية في سوريا، وتحديداً سياسات التحرير الاقتصادي بعد أزمة 1986 المالية والتي تسارعت في عهد بشار الأسد مع إعلان مؤتمر الحزب العاشر عام 2005 عن «اقتصاد السوق الاجتماعي»، لم تهمش رجال الدين بل منحتهم فرصاً جديدة. أدى هذا الانفتاح إلى جانب تزايد الفقر (حيث كان عُشر السكان يعيشون على أقل من دولارين يومياً بحلول 2004) إلى تخفيف القيود على القطاع الخيري. تمكنت جماعة زيد بقيادة سارية الرفاعي من بناء إمبراطورية خيرية ضخمة مثل مشروع «حفظ النعمة»، وسيطرت على «اتحاد الجمعيات الخيرية بدمشق». يصف الكتاب انتخابات مجلس الشعب عام 2007 كدليل على تحول جديد، حيث برز رجال الأعمال كمرشحين وسعوا لتحسين صورتهم عبر الظهور إلى جانب رجال الدين، مما خلق ما وصفه إسلامي مستقل بـ «تثليث مدمر» يجمع رجل الدولة ورجل المال ورجل الدين.
يحلل الفصل الخامس السلوك السياسي للعلماء مقارنة بالناشطين الإسلاميين، مجادلاً بأن نهج العلماء هو نهج «قطاعي» يركز على التأثير في سياسات الدولة في القضايا التي تمس مجال عملهم المباشر: المؤسسات الدينية، الحفاظ على العقيدة، والأخلاق العامة. يوضح الكتاب أن 82% من تدخلات العلماء العلنية بين 1948 و1963 تركزت على قضايا أخلاقية ودينية وتعليمية، مقابل اهتمام محدود بالسياسة العامة والانتخابات. في أزمة الدستور عام 1973 التي لم تحدد دين رئيس الدولة، يتابع الكتاب كيف أن الإخواني سعيد حوى حاول استغلال غضب العلماء لتحقيق أهداف سياسية أوسع، بينما رضخ العلماء بعد حصولهم على تنازل رمزي (إضافة شرط أن يكون الرئيس مسلماً) وتراجعوا عن التصعيد.
يختتم الكتاب بتحليل التحولات الجذرية عشية الثورة، حيث بدأ النظام في 2008 بعد تحسن وضعه الدولي بتعزيز السيطرة على المؤسسة الدينية. تم تعيين محمد السيد وزيراً للأوقاف الذي أعلن حملة «لتطهير الفكر الإسلامي من شوائب الوهابية»، وبدأت سياسة «تأميم» المعاهد الشرعية. كما تم اعتقال صلاح الدين كفتارو ابن المفتي السابق، وتم منع النقاب في الجامعات ونقل أكثر من ألف معلمة منتقبة لوظائف إدارية. باندلاع الانتفاضة في مارس 2011، انقسمت المؤسسة الدينية بشكل حاد: ففي مدن الأرياف والمناطق الثائرة مثل درعا وحمص وإدلب واللاذقية، انحاز غالبية العلماء للثورة، بينما كان موقف علماء دمشق وحلب أكثر غموضاً. وقف الشيخ البوطي إلى جانب النظام بشكل قاطع واصفاً الانتفاضة بمؤامرة خارجية، بينما ظهر خط معارض قوي داخل دمشق على يد أسامة وسارية الرفاعي والشيخ كريّم راجح الذين استخدموا منابرهم لإعلاء المطالب الديمقراطية. بلغت المواجهة ذروتها في رمضان 2011 باقتحام الشبيحة لمسجد الرفاعي وإصابة أسامة الرفاعي بجروح.
يقر المؤلف في الخاتمة بحدود واضحة لاستراتيجية النظام، منها عدم قدرة الدولة على التأثير في توزيع رأس المال الرمزي أو الاقتصادي، وأن اللجوء إلى العنف لم يكن كافياً دائماً لتعويض الضعف البنيوي للنظام البعثي. يشدد على البعد التعاقدي في العلاقة بين الحكومة ورجال الدين، حيث يتبادل الأخير ولاءه مقابل مزايا قطاعية. يتوقع المؤلف أن هيمنة كبار علماء دمشق وحلب ستتعرض لضرر لا يمكن إصلاحه بسبب موقف البعض المؤيد للنظام، ومعارضة الأقلية غير الفعالة وإن كانت شجاعة، وصمت الأغلبية، وأن العلماء التقليديين سيضطرون للتعامل مع قوى جديدة مثل السلفيين بقيادة عدنان العرعور، وجماعات سياسية كالإخوان المسلمين، والأكثر إثارة للقلق، المسلحون الجهاديون الذين بدأوا يثبتون أقدامهم في سوريا بفضل وحشية النظام المتزايدة.
يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب تدور حول تفسير بييريت لاستقلالية العلماء. فبينما يقدمهم كفاعلين اجتماعيين مستقلين استغلوا مواردهم التقليدية لتعزيز نفوذهم، يرى البعض أن العلماء أصبحوا أدوات للنظام. كما أن تعميم فكرة أن النهج القطاعي للعلماء هو «ثابت» يتجاوز السياقات قد يتجاهل العوامل الأيديولوجية والسياسية العميقة التي تشكل مواقفهم، خاصة في لحظات المواجهة المباشرة كأحداث 1965 و1982.
Personnes
Chapitres(9)
1.مقدمة14–40▼ résumé
يُقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "الدين والدولة في سوريا" لتوماس بييريت الموضوع المحوري للكتاب: العلاقة المعقدة والمتطورة بين النظام السوري والعلماء السنة، منذ ستينيات القرن العشرين وحتى عام 2011. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه العلاقة لم تكن مجرد عداء أو خضوع، بل كانت شراكة غامضة ومتناقضة، تطورت عبر عقود من الصراع والتكيف المتبادل. يوضح بييريت أن العلماء، الذين كانوا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من أبرز معارضي النظام البعثي بزعامة علوية وأيديولوجية علمانية، تعرضوا لقمع شديد في أوائل الثمانينيات بعد مشاركتهم في الانتفاضة الإسلامية. لكن بعد ثلاثة عقود، استعادوا نفوذهم الاجتماعي بشكل كبير، مما جعلهم يشكلون تهديداً محتملاً أكبر للنظام.
يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذه الحجة. يبدأ بمشهد حيوي من احتفال المولد النبوي في مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي في دمشق عام 2007، حيث يلقي الشيخ أسامة الرفاعي خطاباً يحذر فيه القادة من أن شرعيتهم مرتبطة بتبني الأجندة الإسلامية. يستخدم بييريت هذا المثال كدليل على التحول الجذري في العلاقة، فالشيخ الرفاعي كان منفياً سياسياً سابقاً، ومع ذلك يستطيع انتقاد النظام علانية في حدث عام. هذا يقود إلى فكرة أساسية: أن النظام اضطر إلى التعامل مع قوى دينية ذات جذور اجتماعية واسعة، بدلاً من أن يكون قادراً على "التلاعب" بها أو خلقها من فراغ.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحدي المفاهيم الخاطئة الشائعة عن سوريا. أولها أن النظام لم يتمتع بأي شرعية دينية بين السنة بسبب علمانيته وهيمنة العلويين. يجادل بييريت بأن القيادة السياسية نجحت في إقامة شراكات قوية مع شخصيات دينية ذات مصداقية. ثانيها المبالغة في تقدير قدرة النظام على "الهندسة الاجتماعية"؛ فحالة أسامة الرفاعي تثبت أن إعادة بناء قوة العلماء بعد 1982 لم تكن نتيجة سياسات حكومية فقط، بل كانت نتيجة عمليات طويلة الأجل بدأت قبل البعث. جوهر حجة المؤلف هو أن النظام لم يشجع إعادة التأسلم، بل عمل فقط على الحد من آثاره السياسية.
يتناول الفصل التحديات الهيكلية التي واجهها العلماء السنة في القرن العشرين: علمنة القانون، وسيطرة الدولة على الأوقاف والمؤسسات الدينية، وتحديث التعليم مما أنتج نخباً مثقفة جديدة تحدت مرجعيتهم. لكن بييريت يوضح أن النتيجة لم تكن سلبية تماماً. فالأوقاف ظلت مصدراً للاستقلال المالي للعلماء عبر شراكتهم مع القطاع الخاص، وتمكنوا من الحفاظ على دور ريادي في تدريب رجال الدين من خلال إنشاء معاهد خاصة حديثة. الأهم أن العلاقات غير الرسمية بين الأستاذ والتلميذ تحولت إلى أداة قوية لدمج خريجي التعليم العلماني (مثل "المهندس التقي") في شبكاتهم، مما جعل التغيير الاجتماعي فرصة وليس تهديداً.
أخيراً، يحدد الفصل نطاق الكتاب ومصادره. يؤكد بييريت أن الكتاب يهدف إلى ملء فراغ في الأدبيات التي ركزت على الإخوان المسلمين أو شخصيات معزولة، من خلال تقديم تحليل شامل لبنية رجال الدين وتحدياتهم. يشرح كيف أن هوية "العالم" لا تُكتسب بشهادة بل بعلاقة استمرارية مع التراث، والأمثلة على ذلك مثل بكاء الشيخ حسام الدين الفرفور عند وصف شيخه عبد الرزاق الحلبي. يقر المؤلف بأن الحدود الفاصلة بين العلماء وغيرهم أصبحت غير واضحة، لكنه يوضح أن الفرق هو في التكوين الفكري والانتماء للتراث. ويشير إلى أن المشهد الديني السوري ليس موحداً، بل هو عبارة عن نخب محلية في دمشق وحلب، لكل منها مرجعياتها، وذلك بسبب ضعف الإعلام الديني المستقل وغياب هيئة تمثيلية وطنية. يعتمد البحث على مقابلات مكثفة ومشاهدات ميدانية ومصادر مكتوبة مثل التراجم والمدائح، لكنه يستبعد الصحف اليومية لضعفها والصحف الخاصة لمحدوديتها.
الحجج القابلة للنقاش في الفصل تتمحور حول تفسير بييريت لاستقلالية العلماء وقوة "التقليد". بينما يرى البعض أن العلماء أصبحوا أدوات للنظام، يقدمهم بييريت كفاعلين اجتماعيين مستقلين استغلوا مواردهم التقليدية لتعزيز نفوذهم. كما أن تأكيده على أن "التقليد" كان مصدر قوة وتكيف، وليس جموداً، هو موقف نظري يمكن مناقشته في ضوء دور العلماء المحافظين في إعاقة الإصلاح السياسي والديني.
2.مقدمة: المؤسسة الملغاة (1946–1979)41–50▼ résumé
يؤرخ هذا الفصل التمهيدي من كتاب توماس بييريه "الدين والدولة في سوريا" للعلاقة المتوترة والمتغيرة بين الدولة السورية ورجال الدين الإسلامي (العلماء) منذ الاستقلال عام 1946 وحتى صعود التيار الإسلامي في نهايات سبعينيات القرن العشرين. حجة المؤلف المحورية هي أن النظام البعثي، على عكس النماذج التركية أو المصرية، لم يسعَ إلى دمج العلماء في جهاز الدولة أو إخضاعهم لمؤسسات رسمية، بل فضل إبعادهم ومراقبتهم أمنياً عبر أجهزة المخابرات، مما منحهم في المقابل استقلالية اقتصادية ومؤسسية نسبية. لكن هذه الاستقلالية، كما يوضح الفصل، جاءت نتيجة لتجاهل وليس تمكيناً.
يقسم الفصل هذه الفترة إلى مرحلتين. المرحلة الأولى (من 1946 إلى 1963) شهدت محاولات من الأنظمة السورية الأولى لبناء مؤسسات دينية رسمية على النمط الكمالي في تركيا. في 1947، أُنشئ منصب "المفتي العام"، وفي 1949، صدر قانون يؤمّم جميع المساجد وينشئ إدارة الأوقاف. في 1961، تأسست وزارة الأوقاف نفسها. ولكن هذه المؤسسات لم تدم طويلاً. يصف الفصل كيف أن بعض الحكام العسكريين الأوائل كحسني الزعيم (في 1949) وأديب الشيشكلي (1952)، ذهبوا إلى حد محاولة تنظيم الملابس الدينية ومنع العمامة، وهي إجراءات قوبلت بمقاومة شرسة من العلماء أدت في النهاية إلى التخلي عنها بعد سقوط الشيشكلي عام 1954. ويورد الفصل حكاية شعبية عن الشيخ يحيى الصباغ، الذي يُزعم أن دعاءه أدى إلى مقتل الزعيم، كدليل على العداء بين الطرفين.
أما المرحلة الثانية (من 1963 إلى 1979) فتمثل قطيعة مع مسيرة المؤسسة. يوضح الفصل أن البعثيين، وخاصة "البعث الجديد" ذي النزعة الماركسية من 1966 إلى 1970، لم يهتموا بتطوير بيروقراطية دينية بل ركزوا على تحييد الخطر السياسي للعلماء. في 1965، تم نقل صلاحيات المجالس العلمية المنتخبة إلى وزير الأوقاف، مما أنهى وجود أي "رجال دين كبار" ذوي مسؤولية رسمية تجاه الدولة، على غرار الأزهر في مصر أو هيئة كبار العلماء في السعودية. يحاجج الفصل أن غياب هذا "المركز" المؤسسي أدى إلى بنية مختلفة للطائفة الدينية في سوريا، حيث لا يوجد "علماء أطراف" معارضون للنظام، بل فصائل دينية متفاوتة القرب منه.
يؤكد الفصل أن حافظ الأسد، رغم انفراجته الظاهرية مع الإسلام بعد 1970، لم يغير هذه السياسة البنيوية. فميزانية وزارة الأوقاف انخفضت بنسبة الثلث في النصف الثاني من السبعينيات مقارنة بزيادات هائلة لوزارات أخرى كالثقافة. بقيت سياسة النظام أمنية بحتة: قمع لجماعة الإخوان المسلمين، وتغاض عن عمد عن توسع الدعوة الإسلامية التعليمة التي قادها العلماء. يُنهي الفصل باستنتاج أساسي: استبعاد النخبة الدينية من جهاز الدولة أتاح لها تركيز طاقتها على العمل المجتمعي، فكانت عاملاً رئيسياً في إطلاق "الصحوة الإسلامية" التي سيناقشها الفصل التالي. يُقرّ الفصل ضمناً أن هذا التطور لم يكن مخططاً له بالكامل، لكن نتائجه - وهي استقلالية العلماء عن السلطة مع حفاظهم على نفوذ اجتماعي - كانت حاسمة للفترة اللاحقة. يترك الفصل سؤالاً مفتوحاً عن كيفية إدارة هذه الاستقلالية في ظل نظام شمولي، وهو ما سيتم تناوله لاحقاً في الكتاب.
3.الفصل 1: عصر 'الشيوخ المؤسسين' (1920–1979)51–122▼ résumé
يُؤسّس هذا الفصل لفهم العلاقة بين الدين والدولة في سوريا خلال القرن العشرين، مركزاً على دور "شيوخ التأسيس" الذين برزوا بين عامي 1920 و1979. يرى المؤلف أن رجال الدين (العلماء) لم يشهدوا تراجعاً كما يُعتقد عموماً، بل إن نشاطهم التربوي والتعليمي منحهم نفوذاً غير مسبوق في المجتمع، ومهّد الطريق للصحوة الإسلامية في الربع الأخير من القرن. يستعرض الفصل كيف استجاب العلماء لتحديات التغريب الذي بدأ قبل الاحتلال الفرنسي عام 1920، وإلغاء الخلافة عام 1924، من خلال تطوير مفهوم "الدعوة" كجهد جماعي منظم لإعادة الغزو الاجتماعي، بدلاً من مجرد الرعاية الدينية الفردية.
يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. أولاً، يصف التحول الاجتماعي الذي شهدته النخبة الدينية مع انحسار الأسر العلمية العريقة (مثل آل الغزي والشطي) التي هيمنت على مناصب الإفتاء والقضاء لقرون، وحلول علماء جدد من خلفيات متواضعة: حرفيون وتجار وصغار، إضافة إلى مهاجرين من الجزائر والمغرب وكردستان. يضرب الفصل مثالاً باختيار أحمد كفتارو (ابن شيخ صوفي كردي) مفتياً عاماً للجمهورية عام 1964 بعد انقلاب حزب البعث، مما أثار معارضة علماء دمشق الذين دفعوا بـ حسن حبنكة (ابن صاحب دكان بسيط) كمرشح بديل، مما يؤكد أن التغيير لم يكن بفعل سياسات الدولة بل نتيجة تحولات ثقافية بدأت قبل الحرب العالمية الأولى.
ثانياً، يتناول الفصل بالتفصيل الصراع بين النموذج التقليدي للتعليم الديني القائم على حلقات الدرس غير الرسمية والإجازة الشخصية، والنموذج المؤسسي الحديث المستوحى من المدارس الغربية. كانت المؤسسات الجديدة مثل كلية الشريعة بجامعة دمشق (1954) تهدف لتخريج "عالم جديد" يلم بالقانون الوضعي والاقتصاد، لكن هذا المشروع الإصلاحي واجه عقبات، أبرزها صعود النظام البعثي العلماني عام 1963 الذي أحبط أي أمل في تطبيق الشريعة. كما قاوم العلماء المحافظون هذا التوجه من خلال إنشاء معاهد شرعية خاصة (مثل الفتح والتوجيه الإسلامي والشعبانية والكلتاوية) حافظت على النموذج التقليدي القائم على علاقة الشيخ بالتلميذ والزي الموحد، مما جعلها حصوناً للهوية التقليدية للعلماء.
يقدم الفصل صوراً لثلاثة من أبرز هؤلاء الشيوخ المؤسسين، موضحاً أدوارهم المختلفة:
- حسن حبنكة: شيخ حي الميدان بدمشق، ابن تاجر صغير، لعب دوراً سياسياً معارضاً للفرنسيين وللحكومات العلمانية. أسس معهد التوجيه الإسلامي عام 1946، وأغلقته الدولة عام 1967 بعد موقفه المعارض للتطرف اليساري، لكنه ظل نافذاً بعلاقاته بالسعودية.
- أحمد كفتارو: شيخ منحدر من أصول كردية، اعتمد استراتيجية التحالف مع الدولة منذ الخمسينيات، مما جعله المفتي الرسمي للنظام البعثي. تميز بخطابه العصري وحواره مع المسيحيين، ومثل ظاهرة "شيخ الإعلام" عبر دروسه في الإذاعة.
- محمد النبهان: شيخ حلب، من أصول قبلية، كرس جهوده لتعليم أبناء الفلاحين والقبائل عبر معهد الكلتاوية (1964). تمتع بسلطة كاريزمية خارقة تجلت في معجزات مزعومة، وكان له نفوذ سياسي كبير لدرجة أنه هدد بقتل زعيم سياسي اتهمه بالعلمانية، وأشهر أعماله تحويل مطعم يقدم الخمر إلى مسجد قرب جامعة حلب.
أخيراً، يخصص الفصل قسماً لـ "حركات التربية غير الرسمية"، ممثلة بـ جماعة زيد بدمشق بقيادة الشيخ عبد الكريم الرفاعي. كان هدف هذه الحركة مخاطبة الشباب المثقف في المدارس الحكومية، ليس بإبعادهم عنها، بل بتقديم تعليم ديني غير رسمي ومتكامل في المساجد لمواجهة موجة الإلحاد بين المدرسين والطلاب، وقد مهّد هذا النهج للصحوة الإسلامية في السبعينيات.
يقر المؤلف في ثنايا الفصل بوجود تحفظات وحدود. فهو يذكّر بأن الرواية التي يقدمها علماء سوريا عن تاريخهم هي رواية "انحدار" (للعهد العثماني) يعقبه "نهضة" بدأها الشيوخ المؤسسون، وهي استراتيجية سردية تهدف إلى بناء شرعية لهؤلاء الجدد الذين لا يمتلكون أنساباً علمية عريقة. كما يشير إلى نقص في المعلومات حول سبب تراجع المدارس النظامية في دمشق في القرن التاسع عشر مقارنة بحلب. كذلك، يقر بأن بعض الادعاءات المتعلقة بالنبهان (مثل رفضه تعيين خليفة لانتظار المهدي) تبقى مفتوحة للشك، ويوضح أن بعض أتباعه يصفون تدينهم بأنه "خرافي" مقارنة بخطاب علماء آخرين أكثر تحفظاً. أخيراً، يلفت الانتباه إلى حقيقة أن %40 من علماء دمشق هم من خريجي كليات علمانية كالأدب العربي والقانون، مما يدل على بقاء الحلقات الدراسية غير الرسمية طريقاً معترفاً به للوصول إلى مكانة "العالم"، على عكس الحال في مصر والسعودية.
4.الفصل 2: المناظر الطبيعية بعد المعركة (1979–2007)123–184▼ résumé
ملخص الفصل 2: المناظر الطبيعية بعد المعركة (1979–2007)
يتناول هذا الفصل التحولات التي شهدها الحقل الديني في سوريا بعد الانتفاضة الإسلامية بين 1979 و1982، ويبين كيف تعامل النظام السوري مع رجال الدين السنة في أعقاب المواجهة الدامية. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن النظام، بدلاً من تعزيز بيروقراطيته الدينية بعد الأزمة، فضّل الاعتماد على شبكات دينية خاصة موالية له، وأن هذه السياسة لم تكن ناجحة تماماً، إذ استطاعت قوى دينية كانت قد قُضي عليها ظاهرياً بعد 1982 أن تعاود الظهور بفضل جذورها الاجتماعية العميقة، مما اضطر النظام إلى مصالحتها في نهاية المطاف.
يبدأ الفصل بعرض موجز لانتفاضة 1979-1982، مصححاً الاعتقاد السائد بأنها كانت مجرد مواجهة بين النظام والإخوان المسلمين. يوضح المؤلف أن الطليعة المقاتلة، المنشقة عن جماعة مروان حديد، هي التي نفذت معظم العمليات العسكرية، بدءاً من مجزرة طلاب المدفعية في حلب في يونيو 1979 والتي راح ضحيتها 83 طالباً علوياً. تصاعد العنف ليشمل إعدام مئات المعتقلين الإسلاميين في سجن تدمر في يونيو 1980 رداً على محاولة اغتيال الرئيس، وإقرار القانون رقم 49 الذي يعاقب بالإعدام مجرد الانتماء للإخوان، وانتهاءً بانتفاضة حماة في فبراير 1982 التي سُوّيت المدينة جزئياً بالأرض وقتل آلاف السكان.
يؤكد المؤلف أن دور العلماء في هذه الأحداث كان ثانوياً وليس محورياً، لكن دورهم التربوي كان أساسياً في تكوين "جيل الصحوة". فقد كانت حلقات الدراسة الدينية مشتلاً للجماعات المسلحة، إذ قدّمت شخصيات قيادية في الطليعة المقاتلة من تلامذة علماء مثل محمد الزعبي وطاهر خير الله. ويبيّن الفصل أن حالة جماعة زيد تمثل تحدياً للنظرية الماركسية التي تفسر الهدوء السياسي بقرب رجال الدين من التجار، إذ أن هذه الجماعة رغم قربها من طبقة التجار انجرّت إلى المواجهة، بينما يظل العامل الحاسم هو البيئة الثقافية للشباب المتعلم تعليماً مدنياً وليس الطلاب الشرعيين.
ينتقل الفصل إلى تبعات القمع، مشيراً إلى أن عدداً قليلاً من العلماء قُتل خلال الأحداث، لكن المئات اضطروا للنفي. يورد أمثلة على نزوح جماعي لعلماء من حلب مثل محمد الحجار وعبد القادر عيسى وفوزي فيض الله، ويلفت إلى ظاهرة أوسع هي "استنزاف العمائم" من حلب، حيث غادرها كبار العلماء منذ الستينيات بسبب السياسات المركزية للنظام وعدم وجود مؤسسات تعليم إسلامي عليا، حتى بقي في الغربة ما لا يقل عن ثلاثين عالماً حلبياً كبيراً مقابل دزينة لدمشق.
يوضح الفصل الاستراتيجية المزدوجة التي اتبعها النظام لاستعادة السيطرة على الحقل الديني: القمع أولاً، حيث أغلقت المساجد بين الصلوات ومنعت الدروس والاحتفالات الدينية في الثمانينيات. ثم الأهم والأكثر دهشة، وهو التراجع عن أسلمة الدولة وعدم تطوير البيروقراطية الدينية. فبينما تضاعفت نفقات وزارة الأوقاف ثلاث مرات بين 1980 و1984، ركزت الزيادة على رواتب رجال الدين وبناء المساجد، بينما تقلص عدد الموظفين الإداريين في الوزارة بمقدار الثلثين في العقدين التاليين. حتى "معاهد حافظ الأسد لتحفيظ القرآن" كانت مجرد تسمية رسمية لحلقات قائمة مسبقاً، تديرها الجمعيات الأهلية وليس الدولة، مما يعكس عزوف النظام عن تطوير بيروقراطية دينية قوية قد تتحول إلى لوبي داخل الدولة، في ظل نظام تهيمن عليه نخبة عسكرية علوية علمانية.
يصف الفصل فترة الثمانينيات بأنها "زمن المقاولين من الباطن"، حيث اتجه النظام للشبكات الدينية الموالية التي أثبتت ولاءها أثناء الأزمة. في دمشق، سُمح لجماعة المفتي أحمد كفتارو بإنشاء مركز أبي النور الإسلامي عام 1982 (الذي تحول إلى مجمع الشيخ أحمد كفتارو عام 2004)، ولأتباع صالح الفرفور بافتتاح معهد الفتح عام 1991. بلغ عدد طلاب هذين المعهدين 8,000 و4,300 طالب على التوالي عام 2008، بالرغم من أن شهاداتها لم تكن معترفاً بها من الدولة. وقد احتكرت الكفتارية واجهة الإعلام وتمثيل "الإسلام" في البرلمان، بينما عُيّن عبد الفتاح البزم مفتياً لدمشق عام 1993. يبين المؤلف فشل الكفتارية في التوسع خارج معقلها التاريخي، حيث لم تتمكن من إنشاء موطئ قدم في حي الميدان الدمشقي حتى عام 2007، مما يسلط الضوء على حدود دعم الدولة حتى لأكثر حلفائها ولاءً.
ثم ينتقل الفصل إلى الصعود السياسي للشيخ سعيد رمضان البوطي، المولود عام 1929 لأسرة كردية. يصفه المؤلف بأنه أصبح المرجعية الدينية غير الرسمية للنظام، على عكس المفتين الرسميين الذين أهملوا دورهم في الإفتاء السياسي. يمثل البوطي نموذجاً للعالِم الذي بنى سمعته على الإعلام الجماهيري، وكانت كتبه تجمع بين "العلم" و"الفكر"، مما جعله محبوباً لدى شباب الجماعات الدينية في السبعينيات. ومع أن معارضته للإسلام السياسي سبقت العنف، إلا أن الانتفاضة دفعته لتأييد النظام علناً، فأدان مجزرة حلب عام 1979 ووصفها بـ"الحرابة". أصبح البوطي بفضل علاقاته مع النظام يتمتع بحرية كلام حرم منها سواه، وتولى دور الوساطة مع العلماء المبعدين، مثل هشام البرهاني وعبد الفتاح أبو غدة الذين سُمح لهم بالعودة في منتصف التسعينيات. يلخص موقف البوطي خطابه أمام الأسد: "أتمنى أن تكون حكمتك الاستثنائية... عموداً متيناً لحماية هذا الدين... أولئك الذين أُطلق سراحهم أيها الرئيس هم طليعة المشتاقين للوقوف خلفكم".
أما في حلب، فانحاز النظام إلى تلاميذ محمد النبهان من حي باب النيرب، الذين عُيّنوا في المناصب الدينية الكبرى. كان سهيب الشامي رمزاً لهذه السياسة: ابن الرجل الأيمن للنبهان ورئيس مديرية أوقاف حلب ربع قرن، متّهماً باستغلال منصبه لجمع ثروة. كما دعم النظام فرعاً منافساً هو عائلة حسون، فكان أحمد بدر الدين حسون مستقلاً في البرلمان ثم مفتياً لحلب عام 1999، ثم مفتياً عاماً لسوريا عام 2005 خلفاً لكفتارو، متجاوزاً قانون 1961 الذي ينص على انتخاب المفتي. أثار حسون غضب زملائه بخطابه "التنويري" وتصريحاته المثيرة للجدل حول العلمانية واليهود، مما جعل البوطي والقرضاوي ينتقدانه علناً.
بعد منتصف التسعينيات، يصف الفصل انفتاح النظام في عهد بشار الأسد على شبكات دينية هُشّمت سابقاً، على رأسها جماعة زيد في دمشق. يعود تفسير التسامح مع زيد إلى جذورها العميقة في طبقة التجار الدمشقيين الذين ساعد ولاؤهم النظام في أزمة 1979-1982. سُمح لأبناء مؤسس الجماعة، أسامة وسارية الرفاعي، بالعودة من المنفى عام 1994، واستعادت الجماعة مساجدها وتوسعت إلى أحياء جديدة، حتى أصبحت شبكة تضم عشرات المساجد. يصف الفصل زيارة خاصة قام بها الرئيس لأسامة الرفاعي عام 2002، وتكليف خطيب زيدي هو نعيم العرقسوسي لخطبة عيد الأضحى بحضور الرئيس عام 2005. ومع ذلك، يوضح أن هذه السياسة الجديدة لم تحوّل علماء زيد إلى مادحين للنظام، بل استعادوا استقلالهم النسبي.
أخيراً، يتناول الفصل ظاهرة خطيب الإذاعة راتب النابلسي (مواليد 1938)، الذي أصبح نجم الدعاة عبر الإذاعة والتلفزيون والإنترنت، حيث كان موقعه الأكثر زيارة في سوريا عام 2011، و85% من زواره من خارج سوريا. في حلب أيضاً، اضطر النظام لإفساح المجال لشخصيات مستقلة، مثل أتباع الشيخ عبد القادر عيسى، وأبناء العائلات الدينية العريقة كعائلة البيانوني الذين سُمح لهم بالعودة من المنفى. دفن الشيخ عبد الله سراج الدين عام 2002 في جنازة مهيبة شارك فيها عشرات الآلاف، مما أظهر الفجوة بين رجال الدين الرسميين الذين لم يربحوا قلوب المؤمنين، والعلماء المستقلين الذين حافظوا على مكانتهم الشعبية.
يقر المؤلف في الفصل بحدود مقارنته، مشيراً إلى صعوبة معرفة ما يحدث فعلياً داخل حلقات الدراسة الدينية، ومقراً بأن استراتيجية النظام في إعادة السيطرة على الحقل الديني "لم تكن ناجحة تماماً". يظل السؤال مفتوحاً حول مدى استدامة هذا التوازن الهش بين النظام والشبكات الدينية، وكيف سيتطور هذا المشهد بعد عام 2007 في ظل تنامي القوى الدينية المستقلة.
5.الفصل 3: (إعادة) تعريف الأرثوذكسية ضد الاتجاهات الإصلاحية185–261▼ résumé
يركز هذا الفصل على كيفية تعريف العلماء السنة في سوريا للأرثوذكسية (المذهب السائد) والحفاظ عليها في مواجهة التيارات الإصلاحية، وفي مقدمتها السلفية. يتبنى المؤلف منظوراً اجتماعياً لا لاهوتياً، حيث يعرّف الأرثوذكسية بأنها المذهب الديني الذي يتمتع بمكانة مهيمنة في وقت ومكان معينين، وهي نتاج توافق نخبوي بين العلماء وليس عامة المؤمنين. يجادل بييري بأن النظام البعثي لم يدعم تيارات دينية معينة لأسباب هيكلية تتعلق بسهولة السيطرة، بل فعل ذلك بناءً على مواقفها السياسية المباشرة أو، في الأمور الدينية الخالصة، بدعم الأغلبية داخل الحقل الديني. الحجة الأساسية في الفصل هي أن هيمنة "الأرثوذكسية القديمة" (الأشعرية والشافعية والتصوف) قبل عام 2001 لم تكن مجرد استمرار تاريخي، بل هي نتيجة انتصار حاسم لأصحابها على خصومهم الإصلاحيين، وأن هذا الصراع لا يزال مستمراً.
يتتبع الفصل تاريخ السلفية في سوريا منذ أواخر العهد العثماني. برز اتجاهان إصلاحيان مرتبطان لكنهما متميزان: الأول سلفي ديني بقيادة جمال الدين القاسمي (1866-1914)، ركز على إصلاح العقائد ورفض تقليد المذاهب ونقد التصوف. والثاني اجتماعي-سياسي بقيادة عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902) وطاهر الجزائري (1852-1920)، سعى لتحديث المجتمعات الإسلامية. قوبل كلا الاتجاهين بمعارضة غالبية العلماء. في منتصف القرن العشرين، وسعت السلفية نفوذها بين النخب المثقفة الجديدة (محامون، كتاب، أكاديميون) بفضل مجلات مصرية سلفية ودعوة وهابية عبر التجارة ونمو التعليم الحديث. أسس هؤلاء "السلفيون الأفندية" جمعيتي "التمدن الإسلامي" (1932) و**"الشبان المسلمين" (1937)** التي أصبحت فرع دمشق لـالإخوان المسلمين، والتي اتسمت بنقد حاد لتحفظ العلماء.
يصف الفصل كيف أن وصول حزب البعث إلى السلطة في ستينيات القرن العشرين ضرب السلفية ضربة قاسية من خلال إجبار أبرز وجوهها (إخوان دمشق) على النفي، مما أدى إلى "تطرف" النخبة الدينية بإضعاف أطرافها الأكثر حداثة. أما علماء السلفية الذين بقوا، مثل ناصر الدين الألباني (1914-1999) وعبد القادر الأرناؤوط (1928-2004)، فكانوا من أصول متواضعة ويشتغلون بصناعة الساعات، وبدأوا كحنفيين قبل أن يتحولوا. اشتهر الألباني بمنهجه "اللامذهبي" ونقده الحاد، مما عرضه لهجوم عنيف من كبار العلماء مثل سعيد رمضان البوطي ونور الدين عتر (مواليد 1939). تعرض الألباني للمضايقات والسجن، وغادر إلى عمان عام 1979، لكن صلاة العيد السنوية التي أحياها السلفيون ظلت مسموحة. في منتصف تسعينيات القرن العشرين، اشتد الضغط على السلفيين (مثل الأرناؤوط) بمنعهم من الخطابة، وتفاقم الوضع بعد 11 سبتمبر 2001، حيث أصبحوا متهمين كخطر عالمي ومحلي، وتم حظر صلاة عيدهم.
يؤكد المؤلف أن تشدد السياسات الرسمية تجاه السلفيين في التسعينيات نتج عن ضغوط من المؤسسة الدينية التقليدية، لا عن مخاوف أمنية بحتة. وبعد 11 سبتمبر، شجع هذا الجو علماء تقليديين مثل الوطي على المطالبة صراحة بـ"تطهير البلاد من المفسدين". ورغم الانقراض شبه الكامل للسلفية بين النخبة الدينية، فإنها تنتشر على المستوى الشعبي عبر عمالة عائدة من الخليج ووسائل الإعلام الجديدة. يورد الفصل مثالاً على ذلك: انتشار شريط فيديو بعنوان "أفيون الشعوب" يهاجم الطرق الصوفية بعنف، مما دفع بعضها إلى تقييد تسجيل طقوسها.
يوضح الفصل كيف أن الأرثوذكسية القديمة لم تبقَ دون تغيير، بل طورت أدوات دفاعية لتحصين نفسها. أولاً، يرفض التيار السائد فكرة الإصلاح الديني كلياً، ويميز بين "تجديد الفكر الإسلامي" (المسموح) و"تجديد الفقه" (المرفوض)، محافظاً بذلك على سلطة العلماء. ثانياً، حافظت العقيدة الأشعرية على هيمنتها المطلقة بفضل طابعها النظري المحصن نسبياً. ثالثاً، في الفقه، يحافظ "المذهبية" (الالتزام بمذهب واحد) على قوته رغم تطور "الفقه المقارن" الذي يمثله وهبة الزحيلي (مواليد 1932). الزحيلي، رغم محافظته، مدح ابن عبد الوهاب وأجاز التلفيق بين المذاهب وعدّ تغطية الوجه غير واجبة. رابعاً، حدث إحياء كبير لـ دراسات الحديث كسلاح مضاد للسلفية، تمثل في إعادة إحياء ممارسة "السماع" العلني لصحيح البخاري، وهو تقليد مهجور منذ القرن التاسع عشر. قاد هذا الإحياء محمد اليقوبي ونعيم العرقسوسي من جماعة زيد، واجتذب آلاف الشباب. الهدف من هذا "السماع" كان إعادة تأكيد دور العلماء كحلقة وصل حية مع النبي، وإظهار تفوق سلطتهم على الكتب والإنترنت.
يتناول الفصل التغيرات في خطاب التصوف دفاعاً عنه. يؤكد كبار العلماء على أن التصوف "الأخلاقي" هو الجوهر، ويهاجمون التصوف "العرفاني" أو "الفلسفي" (خاصة ابن عربي)، مبررين ذلك بحماية عقيدة العامة ومنع السلفيين من استغلاله. مع ذلك، يقر المؤلف أن هذه "الرقابة" ليست مطلقة. يوضح الفصل استمرار مفاهيم الولاية مثل البركة، والحال، والكرامات في الخطاب الديني السائد، ويأخذ جماعة زيد كمثال على "المنهج المعتدل" الذي يسعى للتوازن. ففي حين لا يشجعون على التبرك المادي (لمس الثياب)، يتم نقل البركة عبر القرب الجسدي (كما في قراءة عقد الزواج)، ويشددون على كرامات نفسية كفراسة الشيخ بدلاً من الكرامات المادية الخارقة. كما يحولون القديس من رمز لخلود النظام الحضري إلى نموذج للفعل الدنيوي والصبر التربوي. في الطقوس، يدافع الجمهور عن المولد النبوي كأداة دعوية ناجحة، وينتقدون بعض طقوس الطرق الصوفية مثل الذكر الجهري للطريقة الشاذلية (الوقوف والقفز). تبنى زيد حلاً توفيقياً بإنشاء طريقة جديدة تعتمد على أذكار مستقاة من الأحاديث "الصحيحة" ومصادرها النصية، في "مجلس الصفاء" الأسبوعي.
يختتم الفصل بمناقشة "الأممية المناهضة للسلفية" التي برزت بعد 11 سبتمبر، ويقودها علماء سوريون مثل البوطي واليقوبي، بالتحالف مع مؤسسات مثل مؤسسة آل البيت في الأردن، والأزهر، والطريقة العلوية اليمنية. يبرز هنا دور الحبيب علي الجفري (مواليد 1971)، الداعية اليمني الشاب الذي حظي باستقبال حاشد في سوريا، ونجح في جمع خصوم تقليديين في احتفال واحد (مولد كفتارو). لكن هذه الوحدة كشفت عن انقسامات جديدة: فبينما دعمه البوطي، انتقده كُريّم راجح (شيخ القراء) بشدة باعتباره يمثل "تصوفاً متطرفاً"، مما أظهر تمسك بعض العلماء بـ"إسلام الوسطية". أخيراً، ينتقل الفصل إلى الإصلاحيين المعاصرين. يستثني محمد شحرور (مواليد 1938) الذي أجمع العلماء على رفضه كونه "علمانياً" ملحداً. ثم يتناول حالة محمد حبش (مواليد 1962)، صهر أحمد كفتارو، الذي تبنى موقفاً مسكونياً بزعمه أن الإسلام لا يحتكر الخلاص، وأن الجنة مفتوحة لأهل الكتاب. هذا الموقف أغضب البوطي وكفتارو معاً، اللذين اتهماه بالزندقة، مما جعله يعتمد بشكل كبير على المخابرات للاستمرار. يخلص التحليل إلى أن مرونة حبش واعتماداته السياسية تسمح له بالبقاء، لكنها لا تمنحه شرعية قادرة على تحدي المؤسسة الدينية التقليدية.
يشير الفصل إلى بعض التحفظات والأسئلة المفتوحة، مثل التأكيد على أن بعض التغييرات الدفاعية (مثل تخفيف طقوس الصوفية) لم تصل إلى حد "الإصلاح" الجوهري، وأن استراتيجيات الإصلاحيين المعاصرين معقدة وتتأرجح بين الانتقاد الواضح والمرونة لتجنب الاصطدام الكامل مع النظام والعلماء المحافظين.
6.الفصل 4: العمامة ودفتر الشيكات: الاقتصاد السياسي للنخبة الدينية السورية262–293▼ résumé
يقع الفصل الرابع من كتاب توماس بييريت "الدين والدولة في سوريا" تحت عنوان "العمامة ودفتر الشيكات: الاقتصاد السياسي للنخبة الدينية السورية". موضوعه المحوري هو تحليل العلاقة بين رجال الدين السُّنة (العلماء) والقطاع الخاص، وتطورها من فترة الانتداب الفرنسي حتى أوائل القرن الحادي والعشرين. يقدّم المؤلف أطروحة مفادها أن التحولات الاقتصادية في سوريا، وتحديداً سياسات التحرير الاقتصادي، لم تُهمّش رجال الدين، بل منحتهم فرصاً جديدة لإثبات أهميتهم الاجتماعية من خلال قيادة النهضة الخيرية الخاصة، مما أدى إلى تحالف متجدد بين النخبة الدينية ورجال الأعمال، وصولاً إلى ارتباطهم بالرأسمالية السياسية المقربة من النخبة العسكرية الحاكمة.
يبدأ الفصل بتوضيح أسس هذا التحالف التاريخية. يشير إلى أن العلاقة بين العلماء والتجار تعود إلى فترة ما قبل البعث، حيث برزت طبقة من "علماء التجار" خلال النهضة الدينية في النصف الأول من القرن العشرين، وكانوا ينتمون غالباً إلى الطبقة الوسطى من الحرفيين وأصحاب المتاجر. لم يقدم التجار الدعم المالي للعلماء فحسب، بل كانوا يرسلون أبناءهم للتعلم على أيديهم، ويحرصون على حضور دروسهم التي كانت تُصمم لتعزيز الروابط الاجتماعية وجمع التبرعات. يذكر الفصل أمثلة على هؤلاء العلماء مثل حسن حبنكة (المغلف) وصالح الفرفور (النجار). أسفر هذا التعاون عن ازدهار الجمعيات الخيرية الإسلامية في خمسينيات القرن العشرين، حيث ارتفع عددها من 73 جمعية عام 1952 إلى 203 جمعية عام 1954، وبرزت شبكة "النهضة الإسلامية" التي أسست مشاريع إنتاجية للتدريب المهني. لكن هذا العصر الذهبي انتهى مع انقلاب حزب البعث عام 1963، الذي فرض سياسات اشتراكية وقيد العمل الخيري.
ينتقل الفصل لمناقشة عودة التحرير الاقتصادي بعد أزمة 1986 المالية، والتي تسارعت في عهد بشار الأسد مع إعلان مؤتمر الحزب العاشر عام 2005 عن "اقتصاد السوق الاجتماعي". أدى هذا الانفتاح، إلى جانب تزايد الفقر (حيث كان عُشر السكان يعيشون على أقل من دولارين يومياً بحلول 2004)، إلى تخفيف القيود على القطاع الخيري. يوضح المؤلف أن المستفيد الأكبر من هذا الانبعاث الخيري كانت جماعة زيد، رغم ماضيها المعارض للنظام. فقد تمكنت الجماعة، بقيادة سارية الرفاعي، من بناء إمبراطورية خيرية ضخمة مثل مشروع "حفظ النعمة" الذي يجمع ويوزع الطعام والدواء والملابس، وتمكنت من السيطرة على "اتحاد الجمعيات الخيرية بدمشق". يعزو المؤلف هذا النجاح إلى قدرة الجماعة على جمع التبرعات من قاعدة واسعة من صغار ومتوسطي التجار، وهو أمر لم تنجح الشبكات الدينية الموالية للنظام، مثل "جمعية الأنصار" التابعة لأكاديمية الكفتارو، في منافستها فيه، حيث كانت الأخيرة تعتمد على تبرعات متقلبة من الإمارات والكويت.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل "الانتخابات التشريعية" عام 2007، ويعتبرها دليلاً على تحول جديد في العلاقة بين العلماء ورجال الأعمال. ففي انتخابات مجلس الشعب الذي لا يتمتع بسلطة حقيقية، برز رجال الأعمال كمرشحين أساسيين، وسعوا لتحسين صورتهم كأتقياء عبر الظهور إلى جانب رجال الدين المعروفين. يصف الفصل بالتفصيل كيف قامت قائمتا "الفيحاء" (برئاسة محمد حموشو) و"الشام" (برئاسة هاشم الأقصى) باستقطاب علماء مثل عبد السلام راجح ومحمد حبش ضمن قوائمهما. تضمنت الحملات الانتخابية حضور العلماء في احتفالات المولد النبوي التي نظمتها المؤسسات الدينية الممولة من المرشحين، حيث تم منح رجال الأعمال المانحين مقاعد قريبة من الشيخ. ويشير الفصل إلى أن الأهمية السياسية لهذه العملية تكمن في علاقة رجال الأعمال هؤلاء بالنخبة العسكرية؛ فمثلاً، محمد حموشو هو صهر وزعيم ماهر الأسد، شقيق الرئيس وقائد الحرس الجمهوري. وهكذا، أصبح رجال الدين، عبر شركائهم الجدد، على اتصال مباشر مع "الرأسمالية السياسية" المرتبطة بالنظام.
في القسم الأخير، يحلل الفصل "الأخلاق الاقتصادية البرجوازية" لعلماء سوريا. يرى المؤلف أن هذه الأخلاق تنبع من أصولهم في السوق، حيث يُقدس "العمل الحر" (self-employment) كدليل على الاستقلال المادي والسياسي عن الدولة، وكضمان للكسب الحلال. يستشهد بقول الشيخ هشام البرهاني إن العمل في الدولة قد يتضمن أموالاً غير حلال كالضرائب على الخمر. ورغم أن الزهد يحترم، إلا أن الثروة الشخصية مقبولة طالما يتم "تطهيرها" بالتبرعات الخيرية. يعتمد رجال الدين مقولة "اليد العليا خير من اليد السفلى" لتشجيع المؤمنين على الاغتناء، بل ويميلون إلى نظرة قاسية تجاه الفقراء، كما يتجلى في خطاب سارية الرفاعي الذي ينتقد المتسولين ويقترح تحويل المساعدات إلى نظام عمل إنتاجي إجباري. في الشأن الاقتصادي الكلي، يرفض العلماء الاشتراكية البعثية ويدافعون عن الليبرالية الاقتصادية، لكنهم في الوقت نفسه يقدمون "الاقتصاد الإسلامي" كبديل إنساني لكل من الرأسمالية والاشتراكية. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن النظام لم يجد غضاضة في حماس العلماء للاقتصاد الإسلامي، لأنه ترجم عملياً إلى تأسيس بنوك إسلامية (بعد 2005) انضوى علماء بارزون مثل وهبة الزحيلي وسعيد رمضان البوطي في هيئاتها الشرعية، مما جعلهم جزءاً من العولمة الرأسمالية بدلاً من تقديم بديل حقيقي لها.
يقرّ المؤلف في خاتمته بأن هذه التحالفات تشكل "تثليثاً مدمراً" كما وصفه الإسلامي المستقل ياسر العيطة، يجمع رجل الدولة ورجل المال ورجل الدين في علاقة مصالح متبادلة، لكنها غير متكافئة لصالح النخبة العسكرية السياسية. هذا التحالف، رغم توتراته الداخلية، كان مفتاحاً لصمود النظام خلال أزمات السياسة الخارجية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن الدين ورجال الدين لم يكونا مجرد أدوات سلبية في يد النظام، بل لعبا دوراً فاعلاً في إعادة إنتاج السلطة عبر آليات اقتصادية، وذلك من خلال بناء شبكات خيرية خاصة ذات قاعدة اجتماعية واسعة.
7.الفصل 5: العلماء والإسلاميون في المجال السياسي294–377▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل السلوك السياسي المتميز لعلماء الدين السوريين مقارنةً بالناشطين الإسلاميين العلمانيين (الإخوان المسلمين)، مُجادِلاً بأن الاختلاف بينهما ليس مجرد تباين في درجة "المعارضة" أو "الولاء" للنظام، بل هو اختلاف جوهري في الأولويات والاستراتيجيات. يرى المؤلف أن نهج العلماء هو نهج "قطاعي" في المقام الأول، حيث يركزون على التأثير في سياسات الدولة في القضايا التي تمس مجال عملهم المباشر: المؤسسات الدينية، الحفاظ على العقيدة، والأخلاق العامة (التي يُسقِطونها غالباً على حياء المرأة). في المقابل، يُعطي الناشطون الإسلاميون أولوية للتغييرات الهيكلية في النظام السياسي نفسه كحرية الانتخابات وإنهاء نظام الحزب الواحد.
يبدأ الفصل بتتبع التنظيمات السياسية للعلماء منذ عام ١٩٣٠، حيث تأسست جمعية "الهداية الإسلامية" في دمشق على غرار النموذج المصري، وركزت على التعليم الديني والأخلاق العامة. تلتها "جمعية العلماء" بزعامة كامل القصاب عام ١٩٣٧، والتي نظمت أول مؤتمر للعلماء في دمشق عام ١٩٣٨ ضم شخصيات من سوريا ولبنان وفلسطين والعراق. يُبرز المؤتمر قضية محورية: التصدي لمشاريع قانون الأحوال الشخصية الفرنسية التي اعتُبرت تهديداً للشريعة، ونجح العلماء في حشد مظاهرات أدت إلى سحب المرسوم.
بعد الاستقلال عام ١٩٤٦، برز هيكلان منفصلان: "رابطة العلماء" التي ضمت كبار المشايخ التقليديين، و**"الإخوان المسلمين"** التي قادها خطباء وناشطون عصريون كـمصطفى السباعي. ويُظهر الفصل أن ٨٢٪ من تدخلات العلما العلنية بين ١٩٤٨ و١٩٦٣ تركزت على قضايا أخلاقية ودينية وتعليمية، مقابل اهتمام محدود بالسياسة العامة والانتخابات، على عكس الإخوان الذين اضطروا لخوض كل النقاشات السياسية. ويضرب الفصل مثالاً على التناقض بينهما بأزمة الدستور عام ١٩٥٠، حيث تمسك العلماء بشرط أن يكون الإسلام دين الدولة، بينما قبل الإخوان بصيغة أقل (مصدر رئيسي للتشريع) تجنباً لأزمة سياسية قد تخسرهم تمثيلهم البرلماني، مما أثار غضب العلماء.
تتصاعد وتيرة الأحداث مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام ١٩٦٣. يصف الفصل محاولة العلماء التوفيق بين معارضتهم للسياسات الاشتراكية وعلاقاتهم الجيدة أحياناً مع بعض قادة البعث المعتدلين كـأمين الحافظ. لكن التصعيد بلغ ذروته بعد انقلاب عام ١٩٦٦ وبعد حرب ١٩٦٧، حيث قاد الشيخ حسن حبنكة الماحتجاجات ودُفع ثمنها بإغلاق معهده واعتقاله. في أزمة الدستور عام ١٩٧٣، التي لم تحدد دين رئيس الدولة، يتتبع الفصل بمهارة استراتيجية الإخواني سعيد حوى لاستغلال غضب العلماء لتحقيق أهداف سياسية أوسع (زعزعة النظام)، بينما كان العلماء، وبعد حصولهم على تنازل رمزي (إضافة شرط أن يكون الرئيس مسلماً)، رضوا بذلك وتراجعوا عن التصعيد، مفضلين التعامل مع نظام حافظ الأسد الذي رأوا فيه شراً أقل من سابقيه.
يختتم الفصل بفترة حكم بشار الأسد، ويصف محاولة فاشلة لبروز جيل جديد من العلماء الشباب كـمعاذ الخطيب الذي دعا عام ٢٠٠٤ إلى اتحاد للعلماء والأئمة والدعاة يطالب بإصلاحات سياسية جذرية (إلغاء قانون الطوارئ، الإفراج عن المعتقلين). لكن المشروع قوبل بفتور من كبار العلماء، مما يؤكد مرة أخرى تردد النخبة الدينية في تجاوز مطالبها القطاعية نحو معارضة سياسية شاملة، وهو ما يختلف جوهرياً عن مشروع الإخوان المسلمين.
يحتوي الفصل على حجج قابلة للنقاش، أبرزها تعميم المؤلف فكرة أن النهج القطاعي للعلماء هو "ثابت" يتجاوز السياقات، بينما تظهر أمثلة كأزمة ١٩٦٥ وأحداث ١٩٨٠ أن بعض العلماء لم يترددوا في الانخراط في مواجهة مباشرة. كما أن تفسير سلوك العلماء بناءً على "ممارساتهم اليومية" فقط قد يقلل من شأن العوامل الأيديولوجية والسياسية العميقة التي تشكل مواقفهم.
8.الفصل 6: الإصلاحات والثورة378–425▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل، «الإصلاحات والثورة»، التحولات الجذرية في العلاقة بين النظام السوري وعلماء الدين، من سياسة التقارب والاستمالة إلى الإخضاع والمواجهة، وصولاً إلى انتفاضة عام 2011 التي قسمت صفوف المؤسسة الدينية بشكل حاد. يبدأ الفصل بعرض فترة قصيرة من الانفراج النسبي في 2008، حيث سعى النظام، بعد تحسن وضعه الدولي، إلى تعزيز السيطرة على المؤسسة الدينية بدلاً من الاعتماد على استمالتها. وقد تجلى ذلك في تعيين محمد السيد وزيراً للأوقاف، الذي أعلن عن حملة لـ«طهر الفكر الإسلامي من شوائب الوهابية» ووضع حد «للفوضى»، في إشارة إلى سياسة «الحكم غير المباشر» التي اتبعها النظام سابقاً.
يتناول الفصل بالتفصيل إجراءات التضييق التي بدأت في سبتمبر 2008 بعد تفجير سيارة في دمشق، حيث استغلها النظام لاتهام مؤسسات دينية، كالمعاهد الشرعية والجمعيات الخيرية، بالإرهاب. أدى ذلك إلى سياسة «تأميم» المعاهد الشرعية، باستثناء أكاديمية كفتارو ومعهد الفتح، وإنشاء أول معاهد إسلامية حكومية عليا في تاريخ سوريا. كما شهدت وزارة الأوقاف توسعاً بيروقراطياً هائلاً، مع خطة لزيادة عدد الموظفين إلى 1500 موظف، بزيادة قدرها 1500% مقارنة بعام 2000.
لم تقتصر الإجراءات على المؤسسات، بل طالت رجال الدين أنفسهم. أُجبِر العلماء على الاستقالة من مجالس إدارة الجمعيات الخيرية، ومنعوا من مغادرة البلاد دون موافقة الوزارة. وقام النظام باعتقال عدة شخصيات بارزة، أبرزهم صلاح الدين كفتارو ابن المفتي السابق، بتهمة الاختلاس وإثارة الفتنة الطائفية، مما شكل رسالة واضحة بإخضاع حتى أقوى رموز النفوذ الديني. كما تم تقييد المظاهر الدينية العامة مثل غلق غرف الصلاة في المراكز التجارية، ومنع النقاب في الجامعات، ونقل أكثر من ألف معلمة منتقبة لوظائف إدارية. يخلص الفصل إلى أن العلاقة بين الدولة وعلماء الدين بلغت أدنى مستوياتها عشية الثورة العربية، حيث ألغيت مأدبة الإفطار الرمضانية الرئاسية لعام 2010 لأول مرة منذ عقود.
باندلاع الانتفاضة في مارس 2011، يوثق الفصل انقساماً حاداً داخل المؤسسة الدينية. ففي مدن الأرياف والمناطق الثائرة مثل درعا وحمص وإدلب واللاذقية، انحاز غالبية العلماء للثورة وأصبحوا قادةً للمظاهرات، وتعرضوا لبطش النظام. في المقابل، كان موقف علماء دمشق وحلب أكثر غموضاً، حيث مكّنهم الهدوء النسبي من الاختيار بين درجات متنوعة من الموالاة والمعارضة. كان الموقف الأبرز والأكثر إثارة للجدل هو موقف الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي وقف إلى جانب النظام بشكل قاطع واصفاً الانتفاضة بأنها مؤامرة خارجية وفتنة، مستخدماً نفوذه كوسيط للإعلان عن إصلاحات شكلية مثل رفع حالة الطوارئ وإنشاء قناة فضائية إسلامية ومعهد عالٍ للعلوم الشرعية. يحلل الفصل دوافع البوطي، مرجحاً عوامل مثل علاقاته العميقة مع الأجهزة الأمنية، وخشيته على إرثه التاريخي، وطموحه في الحفاظ على دور سياسي، إضافة إلى غروره وتنافسه مع يوسف القرضاوي.
بالمقابل، ظهر خط معارض قوي داخل دمشق على يد شخصيات مثل أسامة وسارية الرفاعي والشيخ كريّم راجح، الذين استخدموا منابرهم في مسجدي الرفاعي والحسن لإعلاء المطالب الديمقراطية ورفض الرواية الرسمية. يصف الفصل تفاصيل المواجهة العنيفة خلال رمضان 2011، والتي بلغت ذروتها باقتحام الشبيحة لمسجد الرفاعي وإصابة أسامة الرفاعي بجروح. لكن المفاجأة كانت في ضعف رد فعل أبناء العاصمة، خاصة من الطبقات الوسطى والعليا، مما كشف البعد الطبقي للثورة وأدى إلى إحباط القيادات الدينية المعارضة. في المقابل، ظل موقف علماء حلب متحفظاً، حيث وقعوا عرائض نقدية لكنهم لم ينضموا لصفوف الثورة علناً.
أخيراً، ينتقل الفصل إلى الحديث عن «العودة الافتراضية» لعلماء المنفى، الذين استخدموا وسائل الإعلام الحديثة مثل يوتيوب والقنوات الفضائية لدعم الثورة. يبرز في هذا السياق عدنان العرعور، وهو داعية سلفي مقيم في السعودية، الذي اكتسب شعبية هائلة بخطابه الثوري الشعبي، على الرغم من إساءته المثيرة للجدل تجاه الطائفة العلوية. يختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذا النشاط الافتراضي، رغم نجاحه، لم يترجم إلى تنظيم سياسي موحد على غرار «الجبهة الإسلامية» في الثمانينيات، مما يعكس تعقيد المشهد الديني السوري المعارض وصراعاته الداخلية.
9.خاتمة426–506▼ résumé
ملخص الفصل الختامي من كتاب "Religion and State in Syria" لتوماس بييريت
يُجمل المؤلف في هذا الفصل الختامي التحديات الرئيسية التي واجهها علماء الدين السُّنة في سوريا خلال القرن العشرين في ثلاث كلمات: الاستقلالية، والملاءمة، والمرونة. الإجابة التي يقدمها الكتاب هي أن علماء الدين تمكنوا، بدرجة كبيرة، من الحفاظ على وجودهم ونفوذهم على الرغم من التحديات الكبيرة التي فرضتها الدولة الحديثة والتغيرات الاجتماعية والسياسية، وذلك بفضل استراتيجياتهم الذكية ومرونتهم السياسية.
يبدأ الفصل بمناقشة تحدي الاستقلالية عن الدولة. يوضح المؤلف أن هذه المشكلة كانت أقل حدة في سوريا مقارنة ببعض البلدان الإسلامية الأخرى، لأن الجمهورية السورية الفتية لم ترث مؤسسات إسلامية رسمية متجذرة بعمق، وفشلت محاولات تقليد سياسات مصطفى كمال وجمال عبد الناصر في أول عقدين بعد الاستقلال بسبب عدم الاستقرار السياسي. مع صعود حكم حزب البعث في الستينيات، تم استبعاد العلماء "الرجعيين" من أجهزة الدولة. ومنذ ذلك الحين، أدارت المخابرات القوية الحقل الديني بينما بقيت الإدارة ضعيفة. بعد الانتفاضة الإسلامية بين 1979 و1982، قام النظام بتعمد تدهور وزارة الأوقاف، وأوكل إدارة الشأن الديني إلى شبكات خاصة موالية مثل الكفتارية، وعائلة الفرفور، والنبهانية.
في مجال تدريب رجال الدين، حافظ العلماء على استقلاليتهم بثلاث طرق رئيسية. أولاً، تم تدريب نسبة كبيرة منهم في معاهد دينية خاصة تجمع بين مزايا التعليم الحديث وعلاقة التلميذ بأستاذه. ثانياً، حتى خريجو كلية الشريعة الحكومية يتابعون غالباً منهجاً "حراً" بالتوازي مع دراستهم لاكتساب رأس المال الرمزي اللازم من خلال الارتباط بعلماء كبار. ثالثاً، ظل من الممكن الوصول إلى قمة النخبة الدينية من خلال حضور حلقات العلم غير الرسمية فقط، دون الحصول على شهادة رسمية. يعزو المؤلف استمرار هذه المفاهيم التقليدية للسلطة الدينية إلى عاملين: تشكك النظام البعثي في كلية الشريعة التابعة له، مما حال دون تطوير التعليم الديني الحكومي، وقيام جماعات مثل جماعة زيد بتوسيع نظام نقل المعرفة التقليدي من خلال توفير التدريب الديني لطلاب الكليات العلمانية.
أما بالنسبة للاستقلالية الاقتصادية للعلماء، فقد صمدت بفضل خلفية العديد من الشخصيات المؤسسة للنهضة كتجار، وتحالفهم المبكر مع أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص الذين تحملوا الأعباء المالية لأنشطتهم التعليمية والخيرية. استمر اعتماد العلماء على التجار لأن البعث، وفقاً لاستراتيجيته في "الحكم غير المباشر"، لم يقم أبداً ببيروقراطية النخبة الدينية بشكل كامل.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحدي الملاءمة في مجتمع سريع التغير. أولاً، احتاج العلماء إلى إثبات ملاءمتهم وفقاً لمعاييرهم الخاصة، أي الانتماء إلى سلسلة نسب علمية. مع اختفاء البيوتات العلمية القديمة في دمشق في النصف الأول من القرن العشرين، ملأ الوافدون الجدد المناصب العليا، فعززوا شرعيتهم بسردية بطولية عن أصولهم تركزت حول النهضة التي قادها تلاميذ الشيخ بدر الدين الحسني، الذي يرمز إلى الاستمرارية والتغيير. الأهم كان إثبات الملاءمة الوظيفية للعالم في العالم الحديث. أدت المحاولات المختلفة لحل هذه المشكلة إلى ظهور "الجماعات" التي تشكل المشهد الديني السوري اليوم، والتي توفر لأعضائها هوية جماعية تقوم على ذكرى شيخ مؤسس، وحيّ منشأ، وطريقة عمل معينة.
لتوسيع نفوذهم، أنشأ العلماء معاهد دينية لتدريب رجال الدين على نطاق واسع، مما عزز الإشراف الديني على المجتمع. في الوقت نفسه، دعا علماء آخرون طلاب التعليم العام إلى قضاء أوقات فراغهم في المساجد، وقدموا لهم تعليماً دينياً غير رسمي ليجعلوا منهم دعاة بل وحتى باحثين دينيين، مستفيدين من مرونة حلقات العلم وعلاقة الأستاذ بتلميذه. هذه الاستراتيجية لم تحيد المنافسين المحتملين فحسب، بل جعلت العلماء قادة روحيين لجزء كبير من الشباب المتعلم الذي قاد "الصحوة" الإسلامية في السبعينيات، ثم الانتفاضة في نهايتها.
استخدم علماء آخرون وسائل الإعلام الحديثة للوصول إلى جماهير أوسع. يذكر المؤلف سعيد رمضان البوطي كمثال على عالم أزهري أثبت قدرته على تفنيد الأيديولوجيات الغربية الحديثة بمقالاته المقروءة على نطاق واسع. ويشير إلى أن تطور الإعلام لم يحدث على حساب السلطات الدينية "التقليدية"، مستشهداً باهتمام السوريين ببرنامج الشيخ راتب النابلسي الإذاعي اليومي بالتوازي مع متابعة خطب المحاضرين الجدد على شاشات التلفاز. كما عزز التحول النيوليبرالي في سوريا من الملاءمة الاجتماعية للعلماء، إذ ظهروا كأكثر الجهات قدرة على جمع الأموال من القطاع الخاص لتطوير الرعاية الاجتماعية الخاصة في سياق التفاوت المتزايد. وقد أشركت البنوك الإسلامية العلماء في هيئات الشريعة التابعة لها، ليس فقط لخبرتهم القانونية بل لرأس مالهم الرمزي.
أخيراً، ناقش المؤلف التحدي المتمثل في الحفاظ على مرونة المعرفة الدينية نفسها في مواجهة النقد السلفي. على الرغم من أن السلفيين ظلوا أقلية بين العلماء، إلا أن خطابهم جذب عدداً متزايداً من المثقفين ذوي التعليم الحديث. عانى العلماء السلفيون من قمع النظام للإخوان المسلمين مما حرمهم من حلفاء أقوياء، وتفاقم الوضع أكثر مع بداية القرن الجاري عندما دفع الضغط الديني وهجمات 11 سبتمبر النظام إلى ملاحقة أنصار ابن تيمية. بعد وفاة عبد القادر الأرناؤوط في 2004، استمر التأثير الاجتماعي للسلفيين في النمو بفضل تقنيات المعلومات الجديدة، مما أثار قلق المدافعين عن الأرثوذكسية القديمة الذين ردوا بإحياء دراسة الحديث وجعل المعتقدات والممارسات الصوفية أكثر قبولاً.
يختتم الفصل بمناقشة تحدي المرونة السياسية التي يتمتع بها العلماء، واصفاً إياها بأنها ميول طبيعية لديهم. فعلى الرغم من أن رسالتهم هي تجسيد مبادئ غير قابلة للانتهاك، إلا أنهم يتميزون بمرونة تكتيكية عالية. سلوكهم السياسي تحركه رغبتهم في حماية "حوزتهم" (إدارة شؤون الدين والخلاص). النظام لا يصبح غير محتمل حقاً إلا عندما يعمل بنشاط لتحويل المجتمع بطريقة تتعارض مع رؤية رجال الدين ومصالحهم، كما فعل البعث الجديد في الستينيات. أما في مواجهة الأنظمة الأكثر براغماتية، فقد فضّل العلماء طاعتهم مقابل الحصول على مكاسب قطاعية. خارج السياقات الثورية (1979-1982، 2011 فصاعداً)، كانوا حريصين على عدم تقويض عملية التحرير الديني الهشة باتباع المعارضة السياسية.
يشير المؤلف إلى أن إصلاحات المؤسسات الدينية الرسمية في 2008 كانت تهدف إلى كسر سياسة "الحكم غير المباشر". يعترف بأن لهذه الاستراتيجية حدوداً واضحة، منها عدم قدرة الدولة على التأثير في توزيع رأس المال الرمزي أو الاقتصادي. ويذكر أن اللجوء إلى العنف لم يكن كافياً دائماً لتعويض الضعف البنيوي للنظام البعثي. ويؤكد على ضرورة إعادة النظر في فكرة أن النظام يضمن ولاء النخب الاجتماعية فقط من خلال إبقائها في جو من الإرهاب، مشدداً على البعد التعاقدي في العلاقة بين الحكومة ورجال الدين، حيث يتبادل الأخير ولاءه مقابل مزايا قطاعية.
أخيراً، يتناول الفصل التوقعات المستقبلية في بداية الثورة السورية في مارس 2011. يعتبر المؤلف أن هيمنة كبار علماء دمشق وحلب ستتعرض لضرر لا يمكن إصلاحه بسبب موقف البعض المؤيد للنظام، ومعارضة الأقلية غير الفعالة وإن كانت شجاعة، وصمت الأغلبية. ويتوقع أن يضطر العلماء التقليديون إلى التعامل مع قوى جديدة مثل السلفيين بقيادة عدنان العرعور، وجماعات سياسية كالإخوان المسلمين والتيار الوطني السوري وحزب التحرير، وعلماء من الرتب الثالثة من الضواحي والمدن الريفية، والأكثر إثارة للقلق، المسلحون الجهاديون الذين بدأوا يثبتون أقدامهم في سوريا بفضل وحشية النظام المتزايدة.
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux
Événements