Almawred
Roman Conquests
English

Roman Conquests

Richard Evans1 janvier 2011enPen & Sword Military

يبدأ كتاب "Roman Conquests" لـ Richard Evans بمناقشة جوهرية لطبيعة التوسع الروماني في الشرق، رافضاً فكرة أن هذا التوسع كان محتوماً أو سهلاً. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن التدخل الروماني في شرق البحر المتوسط كان أكثر تعقيداً وخطورة مما قد يبدو، وأنه لم يُحسم أبداً بشكل كامل، تاركاً مشكلة الحدود الشرقية غير المستقرة دون حل حقيقي. يرى إيفانز أن جاذبية امتلاك إمبراطورية تضم قلب مملكة الإسكندر الأكبر كادت أن تكون سبب هلاك الرومان أنفسهم. يعتمد الكتاب على تسلسل زمني ومنطقي، يبدأ بتعقيد صورة التوسع الشرقي مقارنة بالغرب، مشيراً إلى أن حروب الشرق أنتجت شخصيات خطيرة مثل أنطيوخوس الثالث (الكبير) ملك السلوقيين، وميثريداتس السادس يوباتور ملك بنطس، وملوك برغامس، والذين كانوا خصوماً جديين لقادة رومان مثل سكيبيو إفريكانوس ولوكولوس وبومبي الكبير.

يسير الكتاب عبر فصول متتالية لبناء حجته، مبتدئاً بعرض نماذج الصراعات المبكرة، مركزاً على حروب مقدونيا حيث قاد قرار فيليب الخامس المتهور بالتحالف مع حنبعل إلى صدام مباشر مع روما، انتهى بهزيمته في معركة كينوسيفالاي في 197 ق.م. يتابع الحديث عن ابنه فرساوس الذي هُزم في معركة بيدنا عام 168 ق.م على يد ل. إيميليوس باولوس، لينتهي به الأمر في الأسر. ينتقل بعدها إلى تقديم المملكة السلوقية الضخمة والهشة، التي أسسها سلوقس نيكاتور، أحد رفاق الإسكندر الأكبر، ويعرض بالتفصيل تاريخ صراعاتها الأسرية الداخلية التي أضعفتها، مركزاً على شخصية أنطيوخوس الثالث الذي أعاد إحياء حظوظ الأسرة لكنه ارتكب أخطاء تكتيكية فادحة في معارك حاسمة مثل رافيا عام 217 ق.م، حيث بلغ عدد المقاتلين قرابة 150 ألف جندي، وخسر 10,000 مشاة و300 فارس مقابل 1,500 مشاة و700 فارس من الجانب المصري.

يخصص الكتاب فصولاً مفصلة لممالك آسيا الصغرى الرئيسية مثل بيثينيا وكبادوكيا وبرغامس، ويُظهر كيف أصبحت هذه الممالك فواعل مستقلة ذات طموحات، تقاطعت مصالحها مع التوسع الروماني. يصف بالتفصيل كيف رسخت روما هيمنتها بعد معركة مغنيسيا عام 190 ق.م، ليس فقط من خلال المعاهدات القاسية التي فرضتها على أنطيوخوس الثالث، والتي تضمنت تنازله عن كل آسيا غرب جبال طوروس ودفع 15,000 وزنة، بل أيضاً عبر إضعاف الحلفاء القدامى ومعاقبتهم. يقدم مثالاً صارخاً على ذلك في حالة رودس، الحليف الرئيسي الذي جردته روما من ممتلكاته في آسيا الصغرى وجعلت جزيرة ديلوس ميناءً حراً لمنافسته اقتصادياً، مما أفلستها بالكامل. كما يصف كيف أوصى آخر ملوك برغامس أتالوس الثالث بمملكته للشعب الروماني عام 133 ق.م، مما أثار ثورة أريستونيكوس التي استمرت ثلاث سنوات قبل أن تتحول برغامس إلى أول مقاطعة رومانية شرق بحر إيجة باسم مقاطعة آسيا.

يصل الكتاب إلى ذروته في تحليل الحروب الميثراداتية، مكرساً فصولاً عديدة للصراع الطويل بين روما والملك ميثريداتس السادس ملك بنطس. يصف بدقة كيف صعد ميثريداتس إلى العرش حوالي عام 120 ق.م، وبدأ حكمه الطويل بتوسيع مملكته قبل أن يتوجه غرباً نحو الأناضول. يوضح أن استفزازات روما هي التي أشعلت الحرب فعلياً، حيث أمرت ميثريداتس بإعادة ملوك إلى عروشهم في كبدوكيا وبيثينيا، ثم حثتهم على مهاجمته. عندما اشتكى ميثريداتس من غزو نيكوميديس الرابع لأراضيه، تلقى رداً رومانياً غامضاً يمنعه من الرد عسكرياً، مما دفعه إلى التحرك بقوة. يصف الكتاب بالتفصيل "الغسق الآسيوي" الذي أمر به ميثريداتس بذبح جميع الرومان والإيطاليين المقيمين في مقاطعة آسيا، حيث يُقدر عدد القتلى بـ 80,000 شخص.

يقدم المؤلف تحليلاً عميقاً لشخصية لوكولوس كقائد عبقري تكتيكياً، يصف حصاره الذكي لمدينة كيزيكوس حيث حاصر المحاصرين بقطع خطوط إمدادهم، ونجاحه في هزيمة جيش ميثريداتس الضخم الذي بلغ 300,000 جندي. ثم يتابع مطاردة لوكولوس لميثريداتس حتى مملكته بنطس، ثم غزوه لأرمينيا حيث حقق نصراً ساحقاً في معركة تيغرانوكيرتا رغم التفوق العددي الساحق للأرمن الذين يُقال إن جيشهم ضم 250,000 جندي مشاة و50,000 فارس. لكن الكتاب يظهر كيف تحول النصر الروماني الساحق إلى فشل في إنهاء الحرب بشكل حاسم، بسبب صعوبة الملاحقة والصراعات الداخلية في الجيش الروماني والسياسة في روما نفسها.

أخيراً، يصل الكتاب إلى دور بومبي الكبير الذي تولى قيادة الحرب بعد إقصاء لوكولوس. يصف كيف نجح بومبي في القضاء على القرصنة في البحر المتوسط خلال ثلاثة أشهر فقط، بعد أن مُنح سلطات واسعة و 500 سفينة و120,000 جندي، ثم طارد ميثريداتس حتى هزيمته النهائية. يروي المؤلف التفاصيل المثيرة لأيام ميثريداتس الأخيرة، حين طرده صهره تيغرانس ملك أرمينيا ولجأ إلى مملكته في القرم، حيث قاد ثورة ضده ابنه فرناقس، وأجبره على الانتحار بعد أن ثبتت مناعته ضد السموم لسنوات من التعود عليها، فاضطر إلى أن يطلب من حارس غالي يدعى بيتوتوس أن يقتله بسيفه. يختم الكتاب بإرسال جثة ميثريداتس إلى بومبي في سينوب، معتبراً أن انتحاره عملياً أنهى الحرب، لكنه يقر بأن مشكلة الحدود الشرقية غير المستقرة ظلت بلا حل حقيقي، مما يمهد الطريق لصراعات مستقبلية.

يعترف المؤلف بحدود واضحة في تحليله، خاصة فيما يتعلق بدقة المصادر القديمة مثل بوليبيوس وبلوتارخ وأبيان، مشيراً إلى تضارب الروايات ومبالغة بعض الأرقام مثل تعداد الجيوش التي قد تصل إلى 300,000 جندي، والقتلى الذين يصل عددهم إلى 100,000 في معركة واحدة. كما يقر بأن بعض القصص، مثل مواجهة بومبي لمحاربات الأمازون، هي من اختراع مؤرخ حملته ثيوفانيس الميتيليني الذي صاغ نفسه في دور مؤرخ البلاط على غرار مؤرخي الإسكندر الأكبر. يترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول أسباب القرارات العسكرية غير المبررة، مثل سبب ترك ميثريداتس لمدينة خلقيدونية منتصراً، وسبب عدم بناء الرومان أسطولاً بحرياً في وقت أبكر.

من أبرز الحجج القابلة للنقاش التي يقدمها الكتاب هي فكرة أن جاذبية الشرق و"تحضره" كانت أكثر خطورة على روما من "بربرية" الغرب، وهي وجهة نظر تتحدى التصورات التقليدية وتدعو إلى إعادة تقييم دوافع ومخاطر التوسع الروماني. كما يرى المؤلف أن الانتصار الروماني لم يكن مثالياً، بل كشف عن ضعف في التنسيق الأولي وتباطؤ في اتخاذ القرار، وأن هزيمة ميثريداتس كانت بقدر ما تعود إلى براعة القادة الرومان، تعود أيضاً إلى قراراته الاندفاعية وضعف انضباط جيشه. في المجمل، يقدم الكتاب تحليلاً متوازناً لأحداث تاريخية معقدة، لكنه يركز بشكل كبير على السرد القصصي للحروب والمعارك على حساب تحليل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للممالك الشرقية، مما قد يترك القارئ بحاجة إلى فهم أعمق للأسباب الكامنة وراء ضعف هذه الإمبراطوريات أمام القوة الرومانية الصاعدة.

Chapitres(10)

1.18–24▼ résumé

يبدأ الفصل الأول من كتاب "Roman Conquests" لـRichard Evans بمناقشة الموضوع المحوري وهو طبيعة التوسع الروماني في آسيا الصغرى والشرق، والرد على افتراض أن هذا التوسع كان محتماً أو مجرد تكرار لانتصارات سابقة. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن التدخل الروماني في شرق البحر المتوسط كان أكثر تعقيداً واستمرارية وخطورة مما قد يبدو، وأنه لم يُحسم أبداً بشكل كامل، تاركاً مشكلة الحدود الشرقية غير المستقرة دون حل حقيقي. يرى إيفانز أن جاذبية امتلاك إمبراطورية تضم قلب مملكة الإسكندر الأكبر كادت أن تكون سبب هلاك الرومان.

يسير الفصل عبر عدة خطوات متتالية لبناء حجته. يبدأ بتعقيد صورة التوسع الشرقي مقارنة بالغرب، مشيراً إلى أن حروب الشرق أنتجت شخصيات مثل أنطيوخوس الثالث (الكبير) ملك السلوقيين، وميثريداتس السادس يوباتور ملك بنطس، وملوك برغامس، والرودسيين، والغلاطيين، وقادة تمرد مثل أندريسكوس وأريستونيكوس، الذين كانوا خصوماً جديين للقادة الرومان مثل سكيبيو إفريكانوس، وميتيلوس المقدوني، وكورنيليوس سولا، وبومبي (الكبير). ثم ينتقل الفصل إلى عرض نماذج للصراعات المبكرة، مركزاً على حروب مقدونيا، حيث يشرح كيف قاد قرار فيليب الخامس المتهور بالتحالف مع حنبعل إلى صدام مباشر مع روما، انتهى بهزيمته في معركة كينوسيفالاي في 197 ق.م على يد القنصل تيتوس كوينكتيوس فلامينينوس. يتابع الحديث عن ابنه فرساوس، آخر ملوك الأنتيغونيين، الذي هُزم في معركة بيدنا عام 168 ق.م على يد ل. إيميليوس باولوس، لينتهي به الأمر في الأسر.

يستخدم المؤلف الأدلة التاريخية والأرقام والجداول لتعزيز حجته. يقدم جدولاً زمنياً للأحداث الرئيسية في الغرب بين عامي 264 و146 ق.م، ليبرز أن روما لم تمتلك أي أراضي شرق بحر إيجه حتى عام 146 ق.م. يشير إلى تصريح المؤرخ بوليبيوس (1.1.5) بأن روما سيطرت على العالم المعروف بحلول عام 167 ق.م، لكنه يؤكد أن بوليبيوس نفسه لم يذكر أي استيطان روماني دائم في آسيا. يوضح هذا التباين فكرة أن التوسع الشرقي لم يكن مخططاً له مسبقاً بل كان تطوراً تدريجياً ومعقداً.

يستعرض الفصل الأدلة على العلاقات الرومانية الشرقية المبكرة لتفنيد فكرة أن الشرق كان حلبة غير مألوفة لروما. يذكر أن العلاقات الدبلوماسية مع مصر البطلمية بدأت حوالي عام 273 ق.م، عندما أرسل بطليموس الثاني فيلادلفيوس سفارة إلى روما، تلتها سفارة رومانية إلى الإسكندرية في 270/269 ق.م، ويعزو هذا الاتصال إلى إعجاب بطليموس بانتصار روما على بيروس ملك إبيروس. ويشير إلى أن هذا التبادل ربما حفز إصدار أول عملة فضية رومانية. كما يسرد اتصالات أخرى مع مدن يونانية مثل أبولونيا في إبيروس حوالي عام 266 ق.م، وتحالف دول مثل كوركيرا وإبيدامنوس مع روما بحلول القرن الثالث قبل الميلاد. ويذكر قصة ليفيوس (3.33) عن سفارة رومانية إلى أثينا عام 450 ق.م لتعلم الدستور الأثيني، معتبراً أنها قد لا تكون تاريخية لكنها تعكس رغبة في الارتباط بالعالم اليوناني.

يعترف المؤلف بتحفظات وحدود واضحة. يقر بأن القصة الرومانية التقليدية قد تغري القارئ بافتراض حتمية التوسع الشرقي، لكنه يرفض هذا التبسيط. يشير صراحة إلى أن مشكلة الحدود الشرقية "لم تُحل أبداً" وأنه "لم يُتوصل أبداً إلى حل للمشكلة المتمثلة في الجانب الشرقي غير المستقر من إمبراطوريتهم"، مما يترك أسئلة مفتوحة حول نجاح المشروع الروماني بشكل عام. كما يقر بأن قصة ليفيوس عن السفارة إلى أثينا قد لا تكون تاريخية، مما يظهر تحفظاً في قبولها كحقيقة مطلقة. أخيراً، يقدم الفصل حججاً قابلة للنقاش، مثل فكرة أن جاذبية الشرق و"تحضره" كانت أكثر خطورة على روما من "بربرية" الغرب، وهي وجهة نظر تتحدى التصورات التقليدية وتدعو إلى إعادة تقييم دوافع ومخاطر التوسع الروماني.

2.25–37▼ résumé

يبدأ الفصل بمناقشة العلاقات المبكرة بين روما والمملكة السلوقية في سورية، مشيراً إلى أن الاتصال ربما تم عبر طروادة. يذكر الكاتب أن المؤرخ الروماني سوتونيوس ينقل رسالة قديمة من مجلس الشيوخ والشعب الروماني إلى الملك سلوقس، وعدت فيها روما بصداقة وتحالف شرط أن يعفي أقاربهم في طروادة من الضرائب. يعتبر المؤرخون المعاصرون صحة هذه الوثيقة موضع شك، ويرى بعضهم أنها قد تكون جزءاً من حملة دعائية قبل الحرب بين روما والسلوقيين في تسعينيات القرن الثاني قبل الميلاد، لكن الكاتب يرى أنها تتناسب مع التسلسل الزمني للعلاقات الخارجية الرومانية في القرن الثالث. يستشهد الكاتب بمقطع من بلوتارخ يصف رحلة أراتوس السيقيوني إلى مصر على متن سفينة رومانية متجهة إلى سورية، مما يشير إلى أن السفن الرومانية كانت شائعة في ذلك الطريق. كما يذكر المؤرخ الروماني المتأخر يوتروبيوس الذي يسجل أن الرومان عرضوا المساعدة العسكرية على بطليموس الثالث في حربه ضد سلوقس الثاني عام 241 قبل الميلاد، لكن السفارة وصلت متأخرة بعد توقيع معاهدة سلام.

ينتقل الفصل بعدها إلى تقديم المملكة السلوقية، التي أسسها سلوقس نيكاتور، أحد رفاق الإسكندر الأكبر. بعد وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد، حصل سلوقس على ولاية بابل، وخسرها ثم استعادها عام 312 قبل الميلاد، الذي أصبح عام حكمه الأول. تحالف مع بطليموس وغيره ضد أنتيغونوس وهزمه في معركة إبسوس عام 301، ثم سيطر على سورية وكيليقيا، وهزم ليسيماخوس وقتله في كوروبيديوم عام 281. كان طموحه استعادة مملكة الإسكندر بأكملها، لكنه اغتيل بنفس العام. يوضح الكاتب أن عاصمة السلوقيين كانت بابل في البداية، ثم انتقلت إلى أنطاكية على نهر العاصي في سورية، التي اشتهرت بالفخامة والترف. ومع ذلك، كان اتساع الإمبراطورية السلوقية سبباً في ضعفها، إذ افتقرت إلى التماسك الجغرافي والإداري، وعانت من انعدام الولاء القوي من السكان الخاضعين، ومن الصراعات الأسرية المتكررة.

يسرد الفصل بعد ذلك تاريخ الصراعات الأسرية داخل الأسرة السلوقية، بدءاً من وفاة أنطيوخوس الثاني عام 246 قبل الميلاد، وتولي ابنه سلوقس الثاني الملقب بـ"كالينيقوس". تلا ذلك حرب مع بطليموس الثالث الذي غزا سورية، وانتهت بهدنة لمدة عشر سنوات في 242/241، وأجبر سلوقس على التنازل عن آسيا الصغرى لأخيه الأصغر أنطيوخوس هييراكس. سرعان ما نشبت حرب أهلية بين الأخوين استمرت خمسة عشر عاماً، أضعفت المملكة وأهملت الولايات الشرقية. في عام 240، هزم هييراكس سلوقس في معركة قرب أنقرة بمساعدة ميثريداتس الثاني ملك بونتوس، لكنه لم يستطع استغلال انتصاره. استمر الصراع حتى تمكن سلوقس من طرد أخيه، الذي هرب إلى مصر ثم إلى تراقيا حيث قتل عام 227، وتوفي سلوقس نفسه في حادث ركوب خيل العام التالي. تولى بعده ابنه الأكبر سلوقس الثالث، الذي حكم لفترة وجيزة وقُتل بالسم عام 223 أثناء حملة ضد أتالوس ملك برغامس.

يتناول الفصل بعد ذلك بطلان رئيسيين: أنطيوخوس الثالث الملقب بـ"الكبير"، الذي أعاد إحياء حظوظ الأسرة، وقريبه أخايوس الذي تمرد في آسيا الصغرى. أُجبر أنطيوخوس على ترك أخايوس حراً أثناء حربه مع مصر. بدأ أنطيوخوس باستعادة سلوقية، ميناء أنطاكية، في حملة قصيرة، ثم غزا كويلي-سورية (وادي البقاع في لبنان حالياً)، واصطف إلى جانبه العديد من المدن الساحلية. يتوقف الفصل بالتفصيل عند معركة رافيا التي وقعت في 22 يونيو 217 قبل الميلاد، والتي تعتبر من أكبر المعارك منذ زمن الإسكندر، حيث بلغ عدد المقاتلين قرابة 150 ألف جندي. يصف الكاتب تحركات الجيشين بتفصيل دقيق: وضع بطليموس الرابع وأرسينوي، أخته، على رأس جيشهم، ووضع أنطيوخوس الأفيال وأجنحة الجيش. بدأ القتال بهجوم الأفيال، حيث كانت الأفيال الأفريقية لبطليموس غير مرتاحة أمام الأفيال الهندية لأنطيوخوس، مما سبب ارتباكاً. قاد أنطيوخوس هجوماً على الجناح الأيسر المصري، الذي بدأ في التراجع، بينما تفوق الجناح الأيمن المصري على الجناح الأيسر السوري. وقع أنطيوخوس في خطأ فادح بعدم الالتفاف على مركز العدو بعد ملاحقته لفرسانه، مما سمح للفرسان المصريين بفعل ذلك وتحقيق النصر. يقدم الكاتب أرقاماً للخسائر: 10,000 مشاة و300 فارس و5 أفيال من الجانب السوري، مقابل 1,500 مشاة و700 فارس و16 فيلاً من الجانب المصري. لم تكن الهزيمة ساحقة، لكنها أوقفت خطط أنطيوخوس لفتح بلاد الشام.

بعد رافيا بعام واحد، بدأ أنطيوخوس يستعد لاستعادة آسيا الصغرى. عقد اتفاقاً مع أتالوس، ملك برغامس، لشن حملة مشتركة ضد أخايوس. حاصروا أخايوس في سارديس، وبعد حصار طويل استمر لأكثر من عام، وقع أخايوس في فخ وقتل بطريقة وحشية: قطعت أطرافه، ثم قطع رأسه وخيط في جلد حمار وصلب جسده. استسلمت القلعة بعد ذلك، وتمكن أنطيوخوس من استعادة منطقة غنية ومهمة من إمبراطوريته. بعد ذلك، قاد حملة شرقية بين 211 و206 قبل الميلاد ضد الفرثيين في ميديا وهيركانيا، وحقق انتصارات، وأظهر شجاعة ملحوظة في معركة ضد البختريين، حيث فقد حصانه وأصيب في فمه وفقد عدة أسنان، لكنه نال سمعة عظيمة في الشجاعة. ينتقد الكاتب أن مؤرخه الأساسي، بوليبيوس، لم يمدح هذه الحملة بما يكفي رغم نجاحها. بعد وفاة بطليموس الرابع عام 205/204 وتولي ابنه الطفل بطليموس الخامس، أغرى ذلك أنطيوخوس بغزو كويلي-سورية مجدداً عام 200، وبلغ ذروته في معركة بانيون، التي مهدت الطريق لمواجهته اللاحقة مع روما. يشير الكاتب إلى أن تفاصيل هذه المعركة ضائعة بسبب فقدان أجزاء من تاريخ بوليبيوس، وأن المصدر المتاح غير موثوق.

يخلص الفصل إلى أن المملكة السلوقية كانت ضخمة لكنها هشة، عانت من الصراعات الأسرية التي أضعفتها من الداخل. يظهر أنطيوخوس الثالث كقائد عسكري بارع، لكن نجاحاته كانت محدودة بأخطائه التكتيكية في معارك حاسمة مثل رافيا. يوضح الفصل كيف أن هذه الصراعات الداخلية والحروب مع مصر والفرثيين والبختريين جعلت المملكة غير قادرة على الصمود أمام القوة الرومانية الصاعدة، وهو ما سيتم تناوله في فصول لاحقة. في تعليق ختامي، يمكن القول إن الفصل يقدم تحليلاً متوازناً لأحداث تاريخية معقدة، لكنه يركز بشكل كبير على السرد القصصي للحروب والمعارك على حساب تحليل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمملكة السلوقية، مما قد يترك القارئ بحاجة إلى فهم أعمق للأسباب الكامنة وراء ضعف هذه الإمبراطورية.

3.38–45▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على وصف ممالك آسيا الصغرى الرئيسية في العصر الهلنستي، مقدّماً إيّاها ككِيانات سياسية معقدة نشأت في ظلّ انهيار إمبراطورية الإسكندر، وأصبحت لاعبةً محورية في صراعات القوى الكبرى كسلوقية ومصر، ثم روما لاحقاً. يقدّم المؤلف هذه الممالك ليس كخلفية جغرافية فحسب، بل كفواعل مستقلة ذات طموحات وتاريخ دبلوماسي وعسكري غني، تُظهر كيف تقاطعت حدودها ومصالحها مع التوسع الروماني المتنامي في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. ويوضح كيف ساهمت انتصارات أنطيوخوس الثالث، ولا سيما في معركة بانيون، في تعزيز ثقته إزاء روما التي كانت قد خرجت للتو منتصرة من حربها مع قرطاج، في تزامن زمني حاسم مع إعلان روما الحرب على فيليب الخامس المقدوني.

يسير الفصل خطوةً بخطوة عبر أقسام مُخصّصة لكل مملكة، مستخدماً مزيجاً من المصادر الأدبية القديمة كـ بولوبيوس وأبيان لبناء سرد تاريخي. يبدأ بوصف عام للجغرافيا الواسعة لآسيا الصغرى، من مضيق الدردنيل إلى نهر هاليس وجبال طوروس، ويُعرّف أقسامها الإدارية القديمة. ثم ينتقل إلى بيثينيا، متتبعاً تاريخها من بروسياس الأول (230-182 ق.م) الذي حارب البيزنطيين وأباد الغاليين (الغالاتيين) في 218 ق.م، متحرراً بذلك مدن الهليسبونت، وصولاً إلى ابنه بروسياس الثاني (182-149 ق.م) الذي هاجم بيرغامون عام 156 ق.م وأُجبر على دفع تعويضات قدرها 500 تالنت وعشرين سفينة حربية. وينتهي القسم بخلع بروسياس الثاني بمساعدة أتالوس الثاني، ومقتله في معبد زيوس على يد أحد أنصار ابنه نيقوميديس، الذي اعتلى العرش.

أما كبادوكيا، فيُظهر المؤلف تشوش المصادر بشأن تاريخها المبكر، ويوضح ارتباطها ببيت ميثريداس. يروي كيف أنّ ميثريداس الأول (جد ميثريداس السادس الكبير) هرب من أنتيغونوس وأسس نفسه في قلعة بكبادوكيا، مستغلاً صراعات خلفاء الإسكندر لفرض سيطرته على كبادوكيا وأجزاء من ساحل البحر الأسود. ويشير الفصل إلى أن الاحتكاك حول من يحكم كبادوكيا كان أحد أسباب الحروب الميثراداتية، ويروي كيف أجبرت روما ميثريداس السادس عام 92 ق.م على إعادة العرش لأريوبرزانيس، لكنه تدخل مجدداً عام 90 ق.م بإيعاز من أخيه سقراط لزعزعة الاستقرار.

تُعالج بيرغامون بعمق أكبر، فهي دولة حديثة النشوء لا تعود للتاريخ القديم، وقد بناها فيليتايروس، قائد حامية ليسيماخوس، ثم وسّعها ابن أخيه يومينوس وأعلن نفسه ملكاً حوالي 241 ق.م. ويركز الفصل على دورها كحليف وفيّ لروما، خاصة في حربها ضد فيليب الخامس المقدوني، مما مكنها من استيعاب أراضٍ سلوقية غربية بعد معركة مغنيسيا في 189 ق.م. ويختتم القسم بإرثها؛ إذ أوصى آخر ملوكها أتالوس الثالث بمملكته للشعب الروماني عام 133 ق.م، مما أثار ثورة أريستونيكوس (الذي نادى بنفسه يومينوس الثالث) التي استمرت ثلاث سنوات، إلى أن تحولت بيرغامون إلى مقاطعة رومانية باسم "آسيا"، لكن الفصل يقرّ بأن المدينة والمقاطعة لم تريا فوائد كثيرة من الحكم الروماني في البداية، بل أرهقتهما الحروب الأهلية والميثراداتية حتى عهد أغسطس.

يخصص الفصل فقرات لـ رودس، القوة البحرية والتجارية العظمى، التي توحّدت مدنها عام 408/7 ق.م ووسّعت نفوذها. يصف تحالفها مع روما ضد أنطيوخوس الثالث، وكيف جنت ثماره، ثم سقوطها من النعمة بعد معركة بيدنا 168 ق.م، بتهمة الميل نحو برسيوس المقدوني، ويربط الفصل انهيار ازدهارها وتأثيرها بإنشاء ديلوس كميناء حر تحت إشراف أثينا. أخيراً، يتناول أرمينيا، التي حصلت على استقلالها بعد مغنيسيا 189 ق.م تحت حكم أرتاكسياس، ويسلط الضوء على ملكها الأشهر تيغرانيس الأول الكبير (100-56 ق.م تقريباً)، الذي وسّع مملكته جنوباً وشرقاً على حساب السلوقيين والفرثيين، واحتل معظم سورية حوالي 70 ق.م، ليُنهي السلالة السلوقية عملياً، قبل أن يُهزم على يد لوكولوس عام 69 ق.م ويفقد فتوحاته الأخيرة بموجب تسوية مع بومبيوس الكبير عام 66 ق.م، ليظل بعدها دولة حاجزة بين روما وبارثيا.

لا يتجاهل الفصل التحفظات أو الثغرات؛ فهو يعترف بأن المصادر القديمة لأبيان عن كبادوكيا "مشوشة" وناقصة، كما يشير إلى أن المناطق الداخلية من آسيا الصغرى بقيت "غير متأثرة نسبياً" بغزو الإسكندر. ويطرح تساؤلات مفتوحة حول مدى فعالية الحكم السلوقي على أرمينيا الجبلية، واصفاً إياه بـ "الهش". حجة قابلة للنقاش تُستشف من النص هي المبالغة في تمجيد بولوبيوس لأخلاق رودس، والتي يشير المؤلف إلى أنها "ربما تأثرت" بأحداث لاحقة في مسيرة المؤرخ نفسه، مما يفتح باباً للتساؤل حول موضوعية المصادر الكلاسيكية التي يعتمد عليها الفصل.

4.46–70▼ résumé

بدأت العلاقة بين روما وأنطيوخوس الثالث ملك سوريا في حالة من الريبة بعد الحرب البونيقية الثانية، حيث أشارت المصادر إلى معاهدة مزعومة بين فيليب الخامس المقدوني وأنطيوخوس لتقسيم ممتلكات مصر إثر وفاة بطليموس الخامس بين عامي 204 و200 قبل الميلاد. يقدم ريتشارد إيفانز هذه المعاهدة كمفتاح لفهم جذور التوتر، لكنه يلفت الانتباه فوراً إلى أن المؤرخ أبيان لم يذكر هذه المعاهدة مطلقاً، بل أرجع الحرب إلى طموحات أنطيوخوس الجامحة، الذي غزا كيلي سوريا وأجزاء من كيليكيا، ثم هاجم المدن الإيونية والإيولية، ثم عبر إلى أوروبا وأخضع تراقيا. يطرح إيفانز احتمالاً مثيراً بأن ليفي ربما أدرج هذه المعاهدة كدعاية رومانية لتبرير الحرب، خاصة أن أنطيوخوس أصبح صهر بطليموس في عام 195 مما يناقض فكرة المؤامرة المصرية.

يُظهر إيفانز أن السرد التاريخي للحرب يعتمد بشكل كبير على بوليبيوس، الذي وضع مسؤولية اندلاع الحرب على الأيتوليين. يشرح بوليبيوس أن الأيتوليين، بسبب شعورهم بالإهانة من روما بعد معاهدة السلام مع فيليب، دعوا أنطيوخوس للتدخل في اليونان. كانت ذريعة الحرب هي "تحرير اليونان"، بينما كانت البداية الفعلية هي استيلاء أنطيوخوس على مدينة ديمترياس. يؤكد إيفانز أن هذا السياق يندرج ضمن صراعات روما المتتالية: بعد هزيمة قرطاج في زاما (201) ومقدونيا في كينوسكيفالاي (197)، تحولت الأنظار إلى أنطيوخوس الذي كان قد أثبت وجوده في تراقيا وأعاد بناء ليسيماخيا بحلول عام 196.

يبني إيفانز حجته على تحليل شخصية أنطيوخوس الثالث كمفتاح لفهم إخفاقاته. يصفه المؤلف بأنه متهور وعديم الصبر، مستشهداً بعدة حوادث: تخليه عن مفاوضات السلام فور سماع إشاعة كاذبة عن موت بطليموس، وانطلاقه بحماس نحو مصر ثم عودته خاوي الوفاض بعد عاصفة مدمرة. ثم يستشهد بالمؤرخ أثيناوس نقلاً عن بوليبيوس لوصف أنطيوخوس في الخمسين من عمره، وهو في خضم التحضير لحرب كبرى، بأنه "محب للخمر وسكير إلى حد ما" وأمضى شتاءه في حفل زفافه في خالكيس، متناسياً تماماً وضعه العسكري. هذا الوصف القاسي يخدم حجة إيفانز بأن القيادة السورية كانت تعاني من عيوب جسيمة.

مع ذلك، لا يغفل إيفانز دور هانيبال، العدو اللدود لروما، والذي فر إلى بلاط أنطيوخوس. يقدم المؤلف تحذيراً منهجياً هنا: يجب التعامل مع المصادر بحذر لأن أي مصدر يصف هانيبال بشكل إيجابي لم يبقَ. يذكر أن هانيبال نصح أنطيوخوس بشن هجوم على إيطاليا مباشرة لإلهاء روما، وهو أفضل اقتراح قُدّم، لكن أنطيوخوس والوفد المرافق له تجاهلوه تماماً بدافع الغيرة من سمعة هانيبال. يرى إيفانز أن هذا التجاهل دليل إضافي على ضعف القيادة السورية.

ينتقل إيفانز بعدها إلى المسار العسكري الفعلي للحرب. في عام 192، استولى أنطيوخوس على ديمترياس في يوبويا بدعم من الأيتوليين، الذين احتلوا الموانئ لاستقبال جيشه. تمكنت قواته من هزيمة حامية رومانية صغيرة في ديليوم بقيادة منيبوس، مما أدى إلى سقوط يوبويا بأكملها بسرعة. ردت روما بإرسال جيش قوامه 20,000 جندي مشاة و2,000 فارس وفيلة قليلة تحت قيادة القنصل مانيوس أكيليوس غلابريو في ربيع 191. هنا يظهر إيفانز ضعف أنطيوخوس مجدداً: بعد أن حاصر لاريسا، انسحب منها في اضطراب بحجة اقتراب الشتاء، رغم أن السبب الحقيقي كان خوفه من وصول القوات المقدونية الرومانية المشتركة. يعلق إيفانز ساخراً بأن هذا التراجع "نتاج لغياب استخبارات جيدة وحكم لحظي، وهو ما لا يدل على قيادة جيدة".

المعركة الفاصلة الأولى كانت في ترموبيل، حيث اختار أنطيوخوس هذا الممر الضيق اعتقاداً منه أنه لا يمكن اختراقه، لكن إيفانز يرى أن هذا الخيار كان "محيّراً" نظراً لأن التاريخ كان قد علم أن هذا الموقع يمكن تطويقه، كما فعل الفرس عام 480. هنا يبرز الدور البطولي لماركوس بورسيوس كاتو الأكبر، الذي قاد قوة في الظلام لتطويق الموقع. هرب أنطيوخوس مصاباً في فمه بحجر، بينما بلغت خسائره 10,000 جندي. يوضح إيفانز أن هذا الانتصار الروماني أنهى قوة الأيتوليين ككتلة سياسية في اليونان، بينما كوفئ فيليب المقدوني بإعادة ابنه إليه.

بعد طرده من اليونان، انتقلت الحرب إلى آسيا الصغرى بحراً وبراً. يصف إيفانز بالتفصيل العمليات البحرية بقيادة ليفيوس ساليناتور، الذي قاد أسطولاً من 81 سفينة حربية رومانية انضم إليها 50 سفينة من برغامون بقيادة إيمينس الثاني. على الجانب الآخر، وضع أنطيوخوس سرباً بحرياً تحت قيادة بوليوكسينيداس، وهو منفي رودسي. يروي إيفانز كيف أن بوليوكسينيداس استدرج القائد الرودسي باوسيماكس إلى فخ في ساموس بوعود خادعة، مما أدى إلى مقتل باوسيماكس وأسر معظم أسطوله. لكن الرد الروماني كان ساحقاً في معركة ميونيسوس البحرية، حيث استخدم الأسطول الروماني والرودسي سفناً نارية لإرباك السوريين، وكسروا مركز أسطول أنطيوخوس وحاصروه، مما أدى إلى خسارة ثلث الأسطول السوري.

يخلص إيفانز إلى أن أنطيوخوس أهدر كل فرصة متاحة بعد هذا النكسة. بدلاً من الدفاع عن ليسيماخيا المحصنة جيداً، تخلى عنها فور سماعه نبأ الهزيمة دون إطلاق طلقة واحدة، تاركاً كل إمداداته للرومان. ثم أهمل حراسة مضيق الهيلسبونت، مما سمح للجيش الروماني بقيادة الأخوين سكيبيو بالعبور دون عائق إلى آسيا. يصف إيفانز هذا بأنه انهيار كامل للاستخبارات السورية، حتى أن الرومان وصلوا إلى برغامون قبل أن يعلم أنطيوخوس بوجودهم في آسيا.

المعركة الحاسمة في مغنيسيا-أد-سيبيليوم في ديسمبر 190 هي ذروة التحليل. يصف إيفانز ضخامة الجيش السوري الذي بلغ 70,000 جندي مقابل 30,000 روماني، مع وجود كتلة فيلق مقدوني هائلة في المركز مدعومة بالأفيال. لكن إيفانز يركز على الأخطاء التكتيكية الكارثية: استخدام عربات ذات مناجل حادة، والتي أثبتت عدم فعاليتها وأحدثت فوضى في صفوف السوريين أنفسهم بعد أن أصابت الرماة خيولها. ثم يهاجم أنطيوخوس بسلاح الفرسان على الجناح الأيمن ويخترق الخطوط الرومانية، لكنه بدلاً من الالتفاف لمهاجمة مركز الرومان من الخلف، يندفع في مطاردة غير مجدية. يرى إيفانز أن هذا "الاندفاع غير المنضبط" كان متوقعاً من القادة الرومان الذين خططوا لاستدراجه بعيداً عن المعركة. بينما كان أنطيوخوس يطارد، حاصر الرومان الفيلق المقدوني من جميع الجهات، وعندما بدأت الأفيال في الدهس، انهار المركز السوري بالكامل.

يبلغ إيفانز أن خسائر السوريين بلغت نحو 50,000 قتيل، مقابل 324 قتيلاً فقط من الرومان وحلفائهم. يصف إيفانز هذا بأنه "كارثة" لأنطيوخوس، معتبراً أنه كقائد "ارتكب أخطاء أساسية وفتاكة في الحكم والقيادة".

الخاتمة كانت معاهدة أبا ميا، حيث ألقى زيكسيس، القائد السوري، باللوم كاملاً على ملكه وطلب المغفرة. فرد سكيبيو أفريكانوس بشروط قاسية: التنازل عن كل آسيا غرب جبال طوروس، دفع 15,000 وزنة يوبوية (500 فوراً، و2,500 بعد التصديق، و1,000 سنوياً لمدة 12 سنة)، وتعويض إيمينس بـ400 وزنة، وتسليم 20 رهينة، وتقديم هانيبال وثواس الأيتولي. يعلق إيفانز في نهاية الفصل بأن أنطيوخوس لم يدم طويلاً بعد هذه الهزيمة، إذ مات ميتة محارب في حملة شرقية بعد عامين فقط، لكن نتيجة هذه الحرب كانت تأكيد السيطرة الرومانية الكاملة على العالم المتوسطي.

5.71–77▼ résumé

يُركّز هذا الفصل من كتاب "Roman Conquests" لـريتشارد إيفانز على الفترة التي أعقبت معركة مغنيسيا (عام 190 ق.م.)، ويُظهر كيف رسّخت روما هيمنتها على شرق البحر المتوسط ليس فقط من خلال المعاهدات، بل أيضاً عبر إضعاف الحلفاء القدامى ومعاقبتهم. يقدّم المؤلف إجابة واضحة: صمّمت روما نظاماً جديداً للسيطرة جعل أي استقلال حقيقي لدول المنطقة مستحيلاً، وكان رد فعلها قاسياً تجاه أي محاولة للوساطة أو المناورة السياسية.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بتحليل وضع أنطيوخوس الثالث بعد الهزيمة. يرفض المؤلف فكرة أن قرار أنطيوخوس بالسلام كان "سياسة عظيمة"، لأن الوقائع تُظهر تدمير كتيبته المقدسة وأسطوله بالكامل وإفلاس خزانته. يوضح أن أنطيوخوس لم يمتلك الموارد لاستئناف الحرب، وقُتل في مناوشات صغيرة عام 187 ق.م. بعد أن أمضى 35 عاماً في الحكم كان قمة مجدها انتصاره في معركة بانيون عام 200 ق.م.، بينما طغت عليها الانتكاسات والهزائم. يُشير المؤلف إلى أن خلفه سلوقس الرابع كان حاكماً غير فاعل، اغتيل عام 175 ق.م.، وخلفه أخوه أنطيوخوس الرابع الذي كان أقوى، فغزا أرمينيا ويهوذا ومصر عام 169 ق.م..

ثم يصف الفصل واقعة "دائرة بوبيليوس" الشهيرة عام 168 ق.م.، حيث كان أنطيوخوس الرابع يحاصر الإسكندرية، فجاءه المبعوث الروماني غايوس بوبيليوس ليناس، ورسم دائرة حول الملك في الرمال وأمره بالرد قبل أن يخرج منها. المفاجئ أن الملك، رغم قوته، امتثل فوراً وانسحب من مصر، مما يدل على القوة الردعية الرومانية التي كانت في أوجها بعد انتصارهم على فرسيس ملك مقدونيا في بيدنا في نفس العام. يستنتج المؤلف أنه بعد موت أنطيوخوس الرابع عام 164 ق.م.، توقفت سوريا السلوقية عن كونها قوة عالمية خلال 25 عاماً فقط من مغنيسيا.

ينتقل الفصل ليركز على كيفية تضييق الخناق على الحلفاء. يتناول حالة رودس كمثال صارخ. كانت رودس حليفاً رئيسياً لروما وحصلت على أراضٍ واسعة بمعاهدة أباميا عام 189 ق.م.، لكنها أرسلت وساطة بين روما ومقدونيا عام 168 ق.م. بعد معركة بيدنا، فأثارت غضب مجلس الشيوخ. رغم أن الرودسيين أعدموا ساستهم المؤيدين لمقدونيا، جردتهم روما من ممتلكاتهم في آسيا الصغرى وجعلت جزيرة ديلوس ميناءً حراً لمنافسة رودس اقتصادياً، مما أفلستها. يذكر المؤلف أن روما لم تستعد ثقتها برودس إلا بعد 200 عام على يد الإمبراطور كلوديوس عام 46م.

يتناول الفصل أيضاً برغامس، الحليف الوفي الآخر. فقد كوفئ يومينس الثاني بأراضٍ شاسعة، لكنه عندما حاول الوساطة بين روما وفرسيس، اعتُبر ذلك تدخلاً. منع من دخول إيطاليا وفقد ثقة روما حتى وفاته عام 158 ق.م.. يوضح المؤلف كيف أن شقيقه وخليفته أتالوس الثاني استعاد العلاقات الجيدة، وأرسل قوات لمساعدة روما في حروب أخرى. النهاية المهمة هي أن ابن أخيه أتالوس الثالث مات وريثاً عام 133 ق.م.، وأوصى بمملكته كلها لروما في وصيته، فحصلت روما بذلك على أول مقاطعة شرق بحر إيجة (مقاطعة آسيا) دون احتلال عسكري مباشر، وهي منطقة غنية جداً تضم برغامس وأفسس وساردس.

يتطرق الفصل بعدها إلى التمرد الذي قاده أريستونيقوس (الذي ادّعى لقب يومينس الثالث) ضد الوصية الرومانية. على الرغم من دعم ضعيف من المدن، قُتل القنصل الروماني الأول بوبليوس كراسوس موسيانوس في كمين عام 131 ق.م.. لكن القنصل التالي ماركوس بيربيرنا هزم المتمردين وأسر أريستونيقوس عام 130 ق.م.. ثم أُرسل مانيوس أكويليوس عام 129 ق.م. لإنهاء ما تبقى من أعمال عدائية، والإشراف على إنشاء الإدارة الرومانية، وهي عملية مالية معقدة استغرقت سنوات.

يختتم الفصل بمناقشة بروز قرصنة كيليكيا كنتيجة مباشرة للسياسة الرومانية. يشرح أن إضعاف روما للسلوقيين والرودسيين والبطالمة ترك السواحل دون رقابة، فتحولت المناطق الجبلية في كيليكيا (كيليكيا تراخيا) إلى ملاذ للقراصنة. أرسلت روما القاضي ماركوس أنطونيوس عام 102 ق.م. بحملة لمكافحة القرصنة، لكنها كانت استجابة متأخرة وغير كافية. يُنهي الفصل بإنذار خطر: بينما انشغلت روما بحرب أهلية في إيطاليا منذ 91 ق.م.، نُسيت آسيا الصغرى، مما مهد الطريق لظهور عدو أكبر بكثير، واصفاً الفعل الذي يليه بأنه مذبحة منهجية تشبه "صلاة الغروب الصقلية".

في النهاية، يمكن القول إن الفصل نقدي وواضح في تقييمه للسياسة الرومانية. فهو يصور روما ليس فقط كقوة عظمى، بل كقوة قصيرة النظر في ردود أفعالها، إذ إن إضعافها الممنهج لكل القوى الإقليمية (سوريا، رودس، برغامس) هو الذي خلق فراغاً أمنياً ملأه القراصنة ثم ممالك أكثر خطورة. نقطة الضعف المنهجية الوحيدة هي أن الفصل يعتمد على مصادر أدبية رومانية ويونانية (ليفي، بوليبيوس، بلوتارخ) دون نقدها، مما يجعل بعض التفسيرات، وخاصة المتعلقة بالدوافع الرومانية، أحادية الجانب.

6.78–102▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على الحرب الأولى بين روما وملك البُنطس ميثريداتس السادس يوباتور، ويُقدمها كحلقة محورية في سلسلة الغزوات الرومانية. يبدأ الفصل بلقاء دبلوماسي غير مؤكد تاريخياً بين القائد الروماني غايوس ماريوس والملك ميثريداتس في غلاطية عام 98 ق.م.، حيث يُظهر ماريوس صرامةً رومانيةً نموذجيةً بقوله للملك "إما أن تُصبح أقوى من الرومان، أو تصمت وتطيع"، وهو موقف يُظهر الاستفزاز الروماني المستمر للممالك الهلنستية.

يسرد الفصل بعد ذلك كيف صعد ميثريداتس إلى عرش البُنطس حوالي عام 120 ق.م. وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبدأ حكمه الطويل بتوسيع مملكته شرقاً على حساب قبائل البحر الأسود قبل أن يتوجه غرباً نحو الأناضول. يوضح الفصل أن استفزازات روما هي التي أشعلت الحرب فعلياً، عندما أمرت ميثريداتس بإعادة ملوك إلى عروشهم في كبدوكيا وبيثينيا، ثم حثت هؤلاء الملوك على مهاجمته. حين اشتكى ميثريداتس لغزو نيكوميديس الرابع لأراضيه، تلقى رداً رومانياً غامضاً من مانيوس أكويليوس في برغامس يمنعه من الرد عسكرياً، مما دفعه إلى التحرك بقوة.

بعد أن رفض الملك الامتثال، أرسل روما ثلاثة أعمدة عسكرية لغزو بلاده بجيش يُقدر بحوالي 200,000 جندي، أغلبيتهم من حلفائهم. يُظهر الفصل أن جيش ميثريداتس، الذي بلغ 300,000 جندي، تمكن من هزيمة البيثينيين أولاً ثم القوات الرومانية في معارك متفرقة، مما أدى إلى انهيار الاستراتيجية الرومانية بالكامل. احتل ميثريداتس مقاطعة آسيا الرومانية، وأمر بذبح جميع الرومان والإيطاليين المقيمين فيها، وهو حدث يُعرف بـ"الغسق الآسيوي"، حيث يُقدر عدد القتلى بـ 80,000 شخص، وقد وثّق المؤرخ أبيان عمليات القتل الوحشية في مدن مثل أفسس، تراليس، برغامس، وأدراميتيون.

في هذه الأثناء، كانت روما منشغلة بالحرب الأهلية ضد حلفائها الإيطاليين الذين ثاروا مطالبين بالجنسية الرومانية، وهي حرب "الحلفاء" التي استمرت حتى عام 88 ق.م. وانتصرت فيها روما بمنح الجنسية لكل إيطاليا جنوب روبيكون. يُظهر الفصل كيف أن هذه الأزمة الداخلية المعقدة تسببت في صراع شخصي بين القائدين الرومانيين: لوسيوس كورنيليوس سولا الذي كان قد انتُخب قنصلاً وعُين لقيادة الحرب ضد ميثريداتس، وغريمه غايوس ماريوس المسن الذي سعى بمساعدة التريبون بوبليوس سولبيشيوس لانتزاع القيادة منه عبر تصويت شعبي، مما دفع سولا إلى زحفه التاريخي على روما بجيشه.

يوثق الفصل أحداث الزحف الأول لسولا على روما، حيث تمكن من احتلال المدينة من جيش ماريوس المدافع، الذي يتكون من نحو 3,000 مصارع وعبيد محررين، وهرب ماريوس إلى المنفى بينما قُتل سولبيشيوس. يدير سولا بعد ذلك شؤون السلطة ويعين قناصل جدد، ثم ينطلق لمواجهة ميثريداتس الذي استغل الفوضى في روما ومد نفوذه إلى اليونان، محتلاً أثينا وأوبويا وإيوبويا، ومهدداً مقدونيا عبر جيش بقيادة ابنه أرياراثيس وقائديه أرخيلاوس وتاكسيلس.

يصف الفصل بالتفصيل حصار سولا لمدينة أثينا، والذي استمر حتى الشتاء وقاده بدافع شخصي نتيجة إهانات القائد الأثيني الموالي لميثريداتس، أريستيون. يُظهر المؤلف كيف لجأ سولا إلى نهب خزائن معبد دلفي لدفع رواتب جنوده، وهو عمل تدنيسي علق عليه المؤرخ بلوتارخس بقسوة، معتبراً أن سولا بهذا أسس تقليداً خطيراً لاستغلال موارد الدولة لشراء ولاء الجنود. سقطت أثينا بعد مجزرة كبيرة، ثم استسلمت أريستيون على الأكروبوليس، بينما استمر حصار البيرايوس لأيام.

بعد سقوط أثينا، انتقلت الحرب إلى البر الرئيسي لليونان، حيث دارت معركتان حاسمتان. الأولى في خيرونيا، حيث استخدم سولا تكتيكاً ذكياً بالاستعانة برجلين من خيرونيا عرفا طريقاً سرياً لمهاجمة قوات أرخيلاوس من الخلف على تل ثوريوم، مما أدى إلى تحطيم صفوفهم، وقتل 90,000 جندي من أصل 110,000 جندي من جيش أرخيلاوس، بينما لم يخسر الرومان سوى 14 رجلاً وفقاً لمذكرات سولا.

المعركة الثانية كانت في أورخومينوس، حيث واجه سولا جيشاً جديداً بقيادة دوريلاوس. استخدم سولا حفر الخنادق لإفساد مفعول سلاح الفرسان الثقيل، وعندما كاد جنوده يفرون، قادهم بنفسه بعبارة شهيرة حفزتهم للعودة والقتال، مما أدى إلى تدمير الجيش بالكامل لدرجة أن بلوتارخس ذكر أنه بعد قرنين من الزمان كانت الأدوات الحربية لا تزال توجد في المستنقعات.

في ختام الفصل، يُظهر المؤلف تعقيد الوضع بسبب السياسة الرومانية الداخلية. كان سولا قد أُعلن "عدواً للدولة" في روما التي أصبحت تحت سيطرة أعدائه، وفي الوقت نفسه وصل جيش روماني آخر تحت قيادة لوسيوس فاليريوس فلاكوس ثم خلفه فيمبريا لانتزاع القيادة منه. دفعت هذه الضغوط سولا للتفاوض مع ميثريداتس، وأصر في شروطه على تخلي الملك عن كبدوكيا، بيثينيا، بافلاغونيا، ومقاطعة آسيا، دفع غرامة حرب مقدارها 2,000 تالينيت، وتسليم جزء كبير من أسطوله الحربية. رفض ميثريداتس في البداية لكنه سرعان ما استسلم عندما أدرك أن سولا جاد ويهدد بغزو آسيا. انتهى اللقاء بينهما في مدينة داردانوس عام 85 ق.م. حيث تم التصديق على المعاهدة، وأطلق على ميثريداتس لقب "صديق وحليف" لروما، مما أثار استياء الرومان لكنهم قبلوه بسبب اندلاع حرب أهلية وشيكة في إيطاليا. يُنهي الفصل بالإشارة إلى أن هذا كان مجرد خاتمة فصل واحد من القصة، وليس النهاية الكاملة للصراع.

7.103–109▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل مغامرة القائد الروماني لوسيوس ليسينيوس مورينا العسكرية الفاشلة في آسيا الصغرى بعد الحرب الميثراداتية الأولى، والتي تُعرف بالحرب الميثراداتية الثانية. المحور الأساسي هو كيف أدى طموح مورينا الشخصي وغياب الرقابة من روما، المنشغلة بحروبها الأهلية، إلى فتح جبهة غير مبررة ضد الملك مهرداد السادس ملك بونتوس، مما أسفر عن هزيمة رومانية مذلة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الحرب كانت مجرد "مغامرة" غير مدروسة، أشعلها قائد محلي متعطش للنصر، وكادت أن تعيد إشعال حرب كبيرة، لولا تدخل الدكتاتور سولا في اللحظة الأخيرة لتجميد الوضع.

يبدأ الفصل بمناقشة المصدر الأساسي للمعلومات عن مورينا، وهو خطاب دفاع كتبه شيشرون في عام 63 ق.م. لابن مورينا المتهم بالفساد الانتخابي. يُحذّر المؤلف القارئ من تحيز هذا المصدر، إذ يبالغ شيشرون في مدح كفاءة الأب العسكرية بينما يصفه واقعياً بأنه "هزم لكنه لم يُسحق". ثم يشرح السياق السياسي الأوسع: قرار سولا بمنح مهرداد شروطاً مريحة في 85 ق.م. لم يكن نابعاً من الكرم، بل من رغبته العاجلة بالعودة إلى إيطاليا لخوض حربه الأهلية. ترك سولا مورينا حاكماً على مقاطعة آسيا، بينما توجه هو شمالاً للقضاء على جيش فيمبريا المتمرد. واجه سولا مشكلة القراصنة الذين كانوا ينهبون السواحل، لكنه تجاهلهم عمداً، ربما لتكون "جرحاً متقيحاً" كعقاب إضافي للمدن التي خانه.

يُركّز الفصل على المصيبة المالية التي حلت بمدن آسيا الصغرى بعد الحرب. فرض سولا عليها غرامة ضخمة تعادل خمس سنوات من الجزية السنوية، تُدفع فوراً، لإجبارها على دفع تكاليف الحرب بأكملها، انتقاماً منها لتخليها عن الرومان وانضمامها لمهرداد. يصف المؤلف كيف أصبحت هذه المدن مفلسة بين ليلة وضحاها، واضطرت للاقتراض بفوائد باهظة من تجار رومان، مما جعلها عاجزة عن الدفاع عن نفسها ضد القراصنة. يعرض الفصل خطاب سولا الانتقادي لوفود هذه المدن، مذكراً إياهم بتاريخ روما في تحريرهم من أنطيوخس الثالث، ثم خيانتهم المتكررة لروما، خاصة طاعتهم لأمر مهرداد بذبح الإيطاليين.

ينتقل الفصل إلى مبررات مورينا لشن الحرب. بعد أن ترك سولا آسيا، بدأ مورينا يبحث عن ذريعة لمهاجمة مهرداد، طامعاً في لقب القائد المنتصر. وجد ضالته في ثورات القبائل المحلية ضد مهرداد في كولخيس والبوسفور القيصرية، مما أثار مخاوف من إعادة تسليح الملك. قدم إليه القائد السابق أرخيلاوس، الذي فر من مهرداد، نصائح تحريضية. شن مورينا هجوماً على كومانا بونتيكا، معبداً ومدينة، رغم أن مهرداد احتج بأن معاهدة السلام لم تُصدّق بعد من مجلس الشيوخ، مما يجعل الهجوم غير ملزم لأي طرف.

يتصاعد الفصل بوصف حملات مورينا المدمرة. في الربيع، عبر نهر هاليس واجتاح قرى بونتوس، ثم عاد محملاً بالغنائم إلى فريجيا وغلاطية. يوضح المؤلف أن مهرداد انتظر رداً من روما، حيث كانت إيطاليا غارقة في حرب أهلية، مما جعل أي قرار من مجلس الشيوخ ضعيف النفاذ. وصل مبعوث يدعى كاليديوس من روما، لكنه لم يحمل أي تعليمات رسمية، واكتفى سراً بالقول لمورينا إن بإمكانه فعل ما يشاء طالما أن روما مشغولة. تجاهل مورينا التحذيرات، مما دفع مهرداد للرد بهجوم مضاد بقيادة غورديوس، ثم بنفسه، مما أدى إلى معركة طاحنة انتهت بهزيمة الرومان وخسائر فادحة، واضطرار مورينا للانسحاب المذل عبر الجبال.

يختتم الفصل بتدخل سولا، الذي أصبح الآن ديكتاتوراً، وأرسل أولوس غابينيوس لفرض السلام. تمت مصالحة بين مهرداد وأريوبرزانس ملك كبادوكيا عبر خطوبة ابنة مهرداد الصغيرة (ذات 4 سنوات) لملك كبادوكيا، مقابل تنازلات إقليمية. يُنهي الفصل سرد المغامرة الفاشلة لمورينا، الذي عاد إلى روما واحتفل بالنصر، لكن مسيرته توقفت ومات بعد فترة قصيرة. يختتم المؤلف بتقييم نقدي: المعاهدة لم تُصدّق، وتركت مهرداد أكثر قوة، وأرسلت رسالة ضعف لروما، وسُمح له بالتصرف بحرية طالما لا يمس مقاطعة آسيا. مع تقاعد وموت سولا في 78 ق.م. والاضطرابات في إيطاليا، وجد مهرداد مستقبله يبدو مشرقاً جداً، مما يمهد لحرب ثالثة وشيكة.

8.110–124▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على الحرب الميثريداتية الثالثة، وهي المرحلة الحاسمة من الصراع الطويل بين روما والملك ميثريداتس السادس ملك بونتوس. يقدم المؤلف ريتشارد إيفانز إجابة واضحة مفادها أن هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختباراً لبراعة القيادة الرومانية وقدرتها على التعافي من الأخطاء الاستراتيجية، وصولاً إلى هزيمة ساحقة لميثريداتس أنهت طموحاته التوسعية. يظهر الفصل أن النصر لم يكن محتوماً، بل جاء نتيجة لمزيج من المهارة العسكرية الرومانية، والأخطاء التكتيكية الفادحة من الجانب البونطي، وعامل الحظ.

يسير الفصل خطوة بخطوة مع الأحداث بدءاً من فترة الهدنة المضطربة بعد الحرب الثانية. يوضح كيف استغل ميثريداتس وفاة سولا وانشغال روما بثورة ليبيدوس في إيطاليا، ليعزز قوته. يصف المؤلف تحالف ميثريداتس الجريء مع سيرتوريوس، القائد المتمرد في هسبانيا، والذي أرسل إليه سفراء لعقد معاهدة، مما هدد روما من جبهتين. كرد فعل، أرسلت روما قنصلين هما لوسيوس ليسينيوس لوكولوس وماركوس أوريليوس كوتا لمواجهته في عام 74 ق.م. ينتقد المؤلف التخطيط الروماني الأولي، مشيراً إلى أن القوات ركزت في آسيا تاركة بيثينيا مكشوفة، مما سمح لميثريداتس بغزوها بسرعة وحصار كوتا في خلقيدونية.

يخصص الفصل مساحة كبيرة لوصف حصار كيزيكوس، الذي يعتبره المؤلف نقطة التحول الحاسمة. يوضح أن لوكولوس، بدلاً من الاشتباك المباشر، طبق تكتيكاً ذكياً بحيث حاصر المحاصرين، وقطع خطوط إمدادهم. يصف المؤلف تفاصيل الحصار من وجهة نظر المصادر القديمة، ويحذر من أن بعضها قد يكون مبالغاً فيه أو مستوحى من حصارات سابقة مثل حصار صور للإسكندر الأكبر. بعد فشل محاولات ميثريداتس يائسة لأخذ المدينة، هرب بحراً تاركاً جيشه ليواجه كارثة محققة، حيث يُزعم أن لوكولوس قتل 20,000 جندي بونطي أثناء انسحابهم عند نهر غرانيكوس.

يتابع الفصل مطاردة لوكولوس لميثريداتس حتى مملكته بونتوس. هنا، يقر المؤلف بوجود نقاط غامضة في الروايات القديمة، مثل تفوق الخيالة البونطية في معركة كابيرا مما جعل لوكولوس يتردد. ومع ذلك، يصف المؤلف كيف أن اكتشاف دليل محلي (صياد وفقاً لـأبيان أو أرتيميدوروس وفقاً لـبلوتارخ) أظهر لـلوكولوس ممراً جبلياً سمح له بمحاصرة جيش ميثريداتس من الخلف مرة أخرى. توجت هذه الاستراتيجية بانهيار تام للجيش البونطي عندما حاول الملك الفرار ليلاً، مما تسبب في فوضى عارمة أوقعت خسائر فادحة في صفوف قواته. يختتم الفصل بمشهد ميثريداتس وهو يفر هارباً مع حفنة من أتباعه، بعد أن فقد معظم جيشه وسلطته، ليلجأ إلى صهره تيغرانس ملك أرمينيا.

يحمل الفصل تحفظات واضحة من المؤلف حول دقة المصادر القديمة، فيشير إلى أن أبيان وبلوتارخ كانا يكتبان سيرة ذاتية أو تاريخاً عاماً، مما أدى إلى تبسيط أو حذف تفاصيل تكتيكية مهمة. يلمح المؤلف إلى أن بعض الأرقام، مثل تعداد الجيش البونطي (300,000 في كيزيكوس)، قد تكون مبالغاً فيها لدور النصر الروماني. كما يترك أسئلة مفتوحة حول أسباب القرارات العسكرية غير المبررة، مثل سبب ترك ميثريداتس لخلقيدونية وهو المنتصر، أو سبب عدم بناء الرومان أسطولاً بحرياً في وقت أبكر.

من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الفصل هي أن الانتصار الروماني لم يكن مثالياً، بل كشف عن ضعف في التنسيق الأولي وتباطؤ في اتخاذ القرار، وأن هزيمة ميثريداتس كانت بقدر ما تعود إلى براعة لوكولوس، تعود أيضاً إلى قرارات ميثريداتس الاندفاعية وضعف انضباط جيشه. بينما يظهر لوكولوس كقائد عبقري تكتيكياً، إلا أن المؤلف لا يخفي أن غروره (الهيبرس) قد يكون سبباً في المشاكل التي واجهها لاحقاً مع جيشه.

9.125–137▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على المرحلة الأخيرة من حملة القائد الروماني لوكولوس ضد الملك ميثريداتس السادس ملك بنطس، ويُظهر كيف تحول النصر الروماني الساحق إلى فشل في إنهاء الحرب بشكل حاسم، بسبب عوامل منها صعوبة الملاحقة، والصراعات الداخلية في الجيش الروماني، والسياسة في روما. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن القضاء على ميثريداتس لم يكن ممكناً رغم التفوق العسكري الروماني، لأن الأمر تطلب استراتيجية متكاملة وحشداً سياسياً وعسكرياً لم يتمكن لوكولوس من تحقيقه.

يبدأ الفصل بمحاولة ميثريداتس الفرار بعد هزيمته في كابيرا، متجهاً شرقاً إلى أرمينيا. يصف المؤلف كيف أمر ميثريداتس بقتل نساء حريمه، بمن فيهم زوجتيه اليونانيتين مونيمي وبيرينيسي، لمنعهن من الوقوع في الأسر الروماني. يُظهر هذا الحدث وحشية الملك، لكن الفصل يلاحظ أن لوكولوس نفسه كان سيستخدم أسرهن في موكب نصر في روما. ثم يتابع الفصل ملاحقة الرومان لميثريداتس حتى تالاورا، حيث أخطأوه بأربعة أيام فقط، قبل أن يعود لوكولوس لإخضاع مدن بنطس الساحلية مثل أماستريس وهيراكليا وأميسوس وسينوب، وأبدى حسن نية بإعادة إعمارها ومد يد الصداقة إلى ابن ميثريداتس ماخاريس.

بعد ذلك، يصل ميثريداتس إلى بلاط صهره الملك تيغرانس ملك أرمينيا، الذي استقبله ببرود في البداية وأقامه في إحدى الضياع الملكية، ربما للحفاظ على مظهر الحياد. يروي الفصل كيف أرسل لوكولوس مبعوثه أبيوس كلوديوس بولخر ليطالب بتسليم ميثريداتس، وهو الطلب الذي رفضه تيغرانس بحدة. عندها، في ربيع عام 69 ق.م، قرر لوكولوس غزو أرمينيا بقوة صغيرة بشكل مفاجئ، ربما لا تزيد عن 12,000 جندي مشاة و 3,000 فارس، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالجيوش الهلنستية. يصف الفصل هذا الغزو بأنه تهور أو مجرد استعراض للقوة، لكن تيغرانس لم يخضع بل استعد للحرب.

يتناول الفصل بالتفصيل المعركة الفاصلة خارج مدينة تيغرانوكيرتا عاصمة أرمينيا. يُظهر المؤلف كيف تجاهل تيغرانس نصيحة ميثريداتس الحكيمة بعدم الاشتباك مباشرة، وقرر مهاجمة الرومان بجيش هائل يُقال إنه ضم 250,000 جندي مشاة و 50,000 فارس، وهي أرقام يعتبرها الفصل مبالغاً فيها. رغم التفوق العددي الساحق للأرمن، استطاع لوكولوس، عبر مناورة ذكية ومفاجئة، عبور نهر والالتفاف على جناح العدو، مما أدى إلى هزيمة ساحقة يُزعم أنها أوقعت 100,000 قتيل في صفوف الأرمن مقابل 5 قتلى فقط من الرومان. يشير الفصل إلى أن المصادر القديمة، مثل بلوتارخس وأبيان، تختلف في تفاصيل المعركة، لكنها تتفق على عبقرية لوكولوس التكتيكية وغرور تيغرانس الذي قال جملته الشهيرة: "إن جاءوا كسفراء فهم كثيرون، وإن جاءوا كجنود فهم قلة!".

بعد النصر، يصف الفصل كيف انهارت معنويات تيغرانس، وترك إدارة الشؤون العسكرية لصهره ميثريداتس. نجح ميثريداتس في جمع وتدريب جيش جديد بأعداد كبيرة (يُقال 70,000 مشاة و 35,000 فارس)، ودرّبه على النظام الروماني. هنا يبدأ تراجع حظوظ لوكولوس. أدت صعوبة التضاريس، وبداية شتاء قارس في أرمينيا، وفوق كل ذلك، التمرد المتزايد بين جنوده الذين سئموا الحملات الطويلة، إلى إفشال خططه. يبرز الفصل دور بوبليوس كلوديوس بولخر، قريب لوكولوس، كمتحدث باسم الساخطين، ويشير المؤلف إلى أن المصادر القديمة ربما بالغت في خيانته دعماً لروايتها المعادية له.

أما الضربة القاضية فكانت هزيمة أحد قادة لوكولوس، فاليريوس ترياريوس، على يد ميثريداتس، حيث قُتل عدد كبير من الضباط الرومان (يُذكر 24 تريبوناً عسكرياً و 150 قائد سنتوريا، وهو رقم يراه المؤلف مبالغاً فيه). في النهاية، تلقى لوكولوس أوامر من روما بحل جيشه والعودة، بعد اتهامه بإطالة أمد الحرب دون داعٍ. يختم الفصل باعتراف المؤلف بأن "الضربة القاضية لم تُوجه ببساطة"، وأن ميثريداتس عاش ليقاتل يوماً آخر، ليؤكد محدودية الانتصار العسكري البحت في غياب الإرادة السياسية المستدامة.

يقر المؤلف بحدود المصادر، ويشير إلى تضارب الروايات بين بلوتارخس وأبيان، كما يشكك في دقة الأرقام الضخمة المذكورة لأعداد الجنود والقتلى. الحجة القابلة للنقاش التي يقدمها الفصل هي أن فشل لوكولوس لم يكن عسكرياً بحتاً، بل كان نتاجاً لسياسة روما الداخلية (معارضة النخبة له) وللحالة النفسية لجيشه، مما جعل الحرب تبدو بلا نهاية واضحة على الرغم من الانتصارات الميدانية الباهرة.

10.138–149▼ résumé

يبدأ هذا الفصل بنقل قول لبلوتارخ عن لحظة تولي بومبي الكبير قيادة الحرب ضد ميثريداتس السادس ملك بونتوس، وذلك بعد نجاحه في القضاء على القرصنة في البحر المتوسط. يشرح المؤلف أن مشكلة القرصنة تفاقمت بسبب حروب روما مع بونتوس، إذ انشغلت روما بحملاتها البرية فتركت الممرات المائية دون حماية كافية، بينما شجع ميثريداتس القراصنة كحلفاء له. بلغت الهجمات حداً هددت معه إمدادات الحبوب لروما نفسها في عام 67 ق.م، مما دفع إلى سن قانون (بقيادة التريبون أ. غابينيوس) يمنح بومبي سلطات واسعة تمتد على البحر حتى أعمدة هرقل وعلى البر لمسافة 400 غلوة (نحو 800 كيلومتر) من الساحل. مُنح بومبي 200 سفينة (رفعت لاحقاً إلى 500)، و24 مندوباً، و120,000 جندي مشاة، و5,000 فارس، واستطاع خلال ثلاثة أشهر فقط إعلان فتح مياه "بحرنا" (Mare Nostrum) أمام الملاحة المدنية. ذروة حملته كانت مطاردة القراصنة إلى حصونهم في كيليكيا، حيث استسلم نحو 20,000 منهم وأعيد توطينهم في مدن سولي ودايمي.

ينتقل الفصل بعدها إلى أسباب استبدال لوكولوس ببومبي في قيادة الحرب ضد ميثريداتس. يوضح المؤلف أن فترة قيادة لوكولوس (ثماني سنوات) لم تكن طويلة بمعايير ذلك الوقت، إذ قاد بومبي نفسه حملته في إسبانيا لخمس أو ست سنوات، وقاد زميله ك. كايسيليوس متيلوس بيوس عشر سنوات كاملة. لكن المشكلة كانت مزيجاً من إهمال الممرات البحرية، وأسلوب لوكولوس المتعجرف والمتغطرس الذي أفقد دعم مجلس الشيوخ والجنود على حد سواء. انتشرت الدعاية بأنه يتعمد إطالة الحرب لمجده الشخصي، في حين شدد مؤيدو لوكولوس على أنه كاد ينهي المهمة وأن بومبي سيختطف النصر الجاهز. استذكر البعض سابقة تعيين ماريوس ضد يوغرطة في 107 ق.م بنفس الظروف والحجج. صدر قانون جديد (lex Manilia) بتحريض من التريبون مانيليوس، ونُقلت القيادة إلى بومبي وهو لا يزال في آسيا الصغرى. يورد بلوتارخ رد بومبي (على الأرجح عن طريق مؤرخ الحملة ثيوفانيس الميتيليني) الذي تظاهر فيه بالتعب وتمنى لو كان مجهولاً ليعيش بهدوء، لكن المؤلف يؤكد أن بومبي كان يطمح لهذه القيادة بكل تأكيد ويعتبرها نصراً مزدوجاً على خصمه السياسي لوكولوس. كانت الحجة التي رجحت كفة بومبي أن الظروف الاستثنائية تستدعي قيادة استثنائية وأن روما أكبر من طموح أي فرد. مع أن هذه الحجة ثبتت صحتها في حالة بومبي، إلا أنها فشلت لاحقاً في احتواء طموحات يوليوس قيصر ووريثه أوكتافيان (الذي أصبح الإمبراطور أغسطس في 27 ق.م).

يوضح الفصل أن ميثريداتس، رغم تراجع قوته مقارنة بتسعينيات القرن الأول ق.م، استغل الفجوة بين انتهاء قيادة لوكولوس ووصول بومبي (الذي كان لا يزال في كيليكيا) لمهاجمة كبادوكيا واستعادة بعض نفوذه في بونتوس. يشير أبيان إلى أن ميثريداتس كان يجد صعوبة كبيرة في تموين جيشه والحفاظ على ولائه، فكان جيشه لا يتجاوز 30,000 جندي مشاة و3,000 فارس، وهو رقم ضئيل مقارنة بجيوشه السابقة. تفشت ظاهرة الفرار بين جنوده، وكان يعاقب الهاربين بالصلب أو بتسمل الأعين أو الحرق أحياء. ومع أن الخوف قلل الفرار، إلا أن نقص المؤن أضعف الجند. امتنع ميثريداتس عن الاشتباك المباشر وحاول التفاوض، لكن روما اشترطت استسلاماً غير مشروط رفضه. حاول ميثريداتس تحصين معسكره وحاصره بومبي لمدة خمسة وأربعين يوماً حتى فرّ البونتيون تحت جنح الظلام. طاردهم بومبي حتى نهر الفرات، وهاجمهم ليلاً (وكان القمر خلف الرومان مما أربك الرماة البونتيين الذين أخطأوا المسافات وهاجموا الظلال). سقط من جيش ميثريداتس ما لا يقل عن 10,000 قتيل، لكن الملك هرب مع نحو 800 فارس إلى بلدة سينورا قرب الحدود الأرمنية. حاول اللجوء إلى صهره تيغرانيس ملك أرمينيا، لكن تيغرانيس رفض استقباله بل وضع جائزة 100 وزنة على رأسه. توجه ميثريداتس بعدها عبر السهل الساحلي إلى كولخيس حيث قضى شتاء 66 ق.م في ديوسكورياس. هنا يطرح الفصل فكرة أن ميثريداتس بدأ يخطط لاجتياز البحر الأسود براً، وطرد ابنه ماخاريس من مملكته في القرم، ثم غزو الإمبراطورية الرومانية من الشمال عبر الدانوب وتراقيا. يؤكد المؤلف أن ميثريداتس نفذ بالفعل هذه الرحلة براً واستولى على بانتيكابايوم (كرتش حالياً) عند مصب بحر آزوف، بينما انتحر ابنه ماخاريس لدى سماعه بقدوم والده.

بعد فوات ميثريداتس، تأخذ حملة بومبي طابعاً أقرب إلى أوديسا، يلتقي فيها بقبائل رحّل على أطراف العالم المعروف، ومنها مواجهة لـمحاربات الأمازون. يشير المؤلف بوضوح إلى أن هذه المادة التاريخية من صنع ثيوفانيس، كاتب حملة بومبي، الذي صاغ نفسه في دور مؤرخ البلاط على غرار كاليستينيس الأرثوذكسي (ابن أخ أرسطو) لدى الإسكندر الأكبر. في هذه القصص، يخترق بومبي أراضي قبائل الألبان والإيبيريين في منطقة جبال القوقاز، ويصد هجوماً ألبانياً بأربعين ألف رجل خلال احتفالات الساتورناليا، ثم يعقد صلحاً مع ملكهم. يواجه الإيبيريين في معركة عنيفة يخسرون فيها 9,000 قتيل و10,000 أسير. يعود لمواجهة الألبان مجدداً بعد تمردهم، فيعبر نهر الكر بصعوبة، ويسير في مناطق قاحلة ومضنية مستخدماً 10,000 زق ماء، ويلتقي بهم عند نهر آباس بجيش عدده 60,000 مشاة و12,000 فارس لكنه قليل السلاح. يزعم المتن أن بومبي قتل ملك الألبان كوسيس بضربة سيف في مبارزة فردية، وهي قصة يعتبرها المؤلف غير تاريخية ومن اختراع ثيوفانيس، لأن بومبي لم يُعرف بأنه قائد يقاتل في الصفوف الأمامية بل كان يفضل إدارة المعارك عن بُعد. ومع ذلك، يقر المؤلف بأن الدعاية نجحت تماماً: فلقب بومبي "العظيم" جعل كثيرين في العصور القديمة ينظرون إليه كالإسكندر الروماني. يختم القسم بأن بومبي فكّر في التوغل براً إلى البوسفور القيميري (القرم)، لكن الهجوم الألباني أثناء الساتورناليا في يناير 65 ق.م أقنعه بأن هذا الخيار غير مجد، خاصة أن ميثريداتس لم يعد يشكل تهديداً كبيراً.

ثم ينتقل الفصل إلى علاقة بومبي مع تيغرانيس الأكبر وابنه. كان بومبي قد اصطحب معه أحد أبناء تيغرانيس (ويدعى أيضاً تيغرانيس) الذي كان يأمل أن يخلع والده بدعم من فراهاتس ملك بارثيا. لكن تيغرانيس الأكبر، الذي فقد روح القتال، ذهب بنفسه إلى معسكر بومبي قرب أرتكساتا، واستُقبل بحرارة غير متوقعة وسمح له بالاحتفاظ بمملكته. يذكر كل من بلوتارخ وأبيان أن هذا الصلح لم يتم إلا بعد رشاوى أو هدايا ضخمة: 6,000 وزنة لبومبي نفسه، ومبالغ مماثلة لضباطه ولكل جندي في الجيش، لضمان أن تنجو أرتكساتا من مصير تيغرانوكارتا المدمر. مُنح الابن تيغرانيس الأصغر أرمينيا الصغرى (المعروفة أيضاً باسم سوفيني وغورديني) تعويضاً عن خيبته، لكنه أظهر اشمئزازه من تصرف بومبي فقُبض عليه فوراً وفقد مملكته الجديدة ويختفي من التاريخ. رفض بومبي مطالب فراهاتس بإعادة الشاب وبجعل نهر الفرات حداً بين النفوذ الروماني والبارثي.

في القسم الأخير، يصف الفصل الأيام الأخيرة لميثريداتس. لم تكن بانتيكابايوم الملاذ الآمن الذي أمله، وتفاقمت مشاكله بمؤامرات داخل عائلته. أرسل سفراء إلى بومبي، لكن الأخير أمره بالحضور شخصياً إلى أميسوس ليتوسل للاحتفاظ بمملكته، وهو ما رآه ميثريداتس مذلاً ورفضه تماماً. بدأ بتجنيد جيش جديد، وأعدم ابنه الآخر زيفاريس بتهمة محاولة الفرار إلى بومبي مع أموال والده. لكنه فشل في الاستيلاء على بلدة فاناغوريا المهمة عبر المضيق من بانتيكابايوم، حيث قاد مواطن بارز اسمه كاستور ثورة ناجحة، وأسلم أربعة أبناء وابنة من أبناء ميثريداتس — هم يوپاترا، أرتافيرنس، زركسيس، داريوس، وأكساثريس — إلى المحاصرين الذين سلموهم للرومان دون أذى. تمكنت ابنة أخرى اسمها كليوباترا من الصمود في قلعتها وأنقذها والدها بقوة بحرية. أدت هذه الأحداث إلى ثورة واسعة ضد الملك الذي أصبح يشك في ولاء جيشه بشدة. كمقامرة أخيرة من اليأس، أرسل بناته غير المتزوجات إلى القبائل السكيثية المجاورة وعوداً بالزواج مقابل دعم عسكري، لكن الحراس قتلوا وقتلوا الفتيات وسُلمن إلى بومبي. ما زال ميثريداتس، الذي كان في نحو السبعين من عمره وحكم قرابة ستين سنة، يرفض الاستسلام ويفكر بغزو إيطاليا عبر وادي الدانوب وإليريا، معتمداً على أوهام عن ضعف روما بعد حروبها الأهلية — وهو مشروع يصفه المؤلف بأنه مثير للدهشة ومؤشر على انهيار قدرته على التمييز بين الواقع والخيال. أخيراً، قرر ابنه المفضل ووريثه فرناقس التآمر عليه. كُشف المؤامرة الأولى وأعدم المتآمرون، لكن فرناقس نجا بشفاعة مستشار اسمه مينوفانيس. ثم قام فرناقس بحركة ثانية، ليست مؤامرة سرية بل تحريضاً علنياً للجيش، مستغلاً رعب الفارّين الرومان من حملة غزو شمالية ووعدهم برشاوات. انتشر التمرد كالنار في الهشيم، وطالب الجنود بتنصيب فرناقس ملكاً شاباً بدلاً من "العجوز الذي يقتل أبناءه وقادته وأصدقائه". حاول ميثريداتس استعادة ثقة جنوده، لكن حتى حراسه الشخصيين هجروه وانضموا إلى المتمردين. لجأ إلى قصره، وأرسل رسلاً إلى ابنه يطلب الإذن بالمنفى، فلم يرد فرناقس ولم يسمح للرسل بالعودة. خوفاً من أن يُسلم حياً إلى بومبي، قرر ميثريداتس الانتحار بالسم. يبلغ أبيان أن ابنتيه الصغيرتين طلبتا السم لتموتا معه، فأعطاهما إياه وماتتا سريعاً، لكنه هو لم يتأثر بفعل مناعته الذاتية المزعومة نتيجة سنوات من التعود على جرعات صغيرة من كل أنواع السموم المعروفة آنذاك. في النهاية، التفت إلى حارس غالي يُدعى بيتوتوس ورجاه أن يقتله بسيفه لينقذه من خطر أن يُعرض في موكب نصر روماني، قائلاً إنه نسي أن أشد سم قاتل في كل بيت ملكي هو حسد الجيش والأولاد والأصدقاء. ذبحه بيتوتوس تحته رحمة.

يختم الفصل بإرسال فرناقس جثة والده إلى بومبي في سينوب، مع الرهائن وأسرى الجرائم السابقة (مثل قاتل السفير الروماني مانيوس أكويليوس). أقام بومبي جنازة لائقة ووضع الرماد في القبر الملكي في سينوب، ومنح فرناقس مملكة البوسفور (ماعدا فاناغوريا التي جعلها دولة حرة). يضيف المؤلف أن فرناقس لم يرضَ بهذا، فوسع حكمه ليشمل فاناغوريا، واستغل الحرب الأهلية بين قيصر وبومبي لاحتلال سينوب عام 47 ق.م، لكن هذا الفتح لم يدم طويلاً، وهزمه قيصر ثم عاد إلى القرم حيث قُتل في قتال على مملكته نحو 45 ق.م، فكان آخر سلالته وخضع البوسفور للحكم الروماني. يختم الفصل بأن انتحار ميثريداتس عملياً أنهى الحرب نيابة عن بومبي، مما جعل النقاد يقولون بإنصاف إن بومبي لم يفعل شيئاً يذكر لربح الحملة، وإن لوكولوس هو من أنجز العمل الشاق ليجني آخر غنمه ومجده، وظل الخلاف بين الرجلين بلا مصالحة. ويورد في النهاية قصيدة إي. إي. هاوسمان عن ميثريداتس كمُختتم مناسب.