
_OceanofPDF.com_Syria_Iran_and_Hezbollah_-_Marius_Deeb
الكتاب الذي بين أيدينا، "سوريا وإيران وحزب الله: التحالف المقدس وحربه على لبنان"، لماريوس ديب، هو دراسة تفصيلية لتحالف ثلاثي يصفه المؤلف بأنه "غير مقدس"، ويهدف إلى السيطرة على لبنان وتقويض أي محاولة لاستقلاله وسيادته. يدافع الكتاب عن أطروحة واضحة: أن سوريا وإيران، منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أقامتا تحالفاً استراتيجياً قائماً على مصالح مشتركة، وأن حزب الله هو الذراع العسكرية والإرهابية المنفذة لأجندتهما في لبنان والمنطقة. يرى المؤلف أن هذا التحالف هو المسؤول الأول عن زعزعة استقرار لبنان، وتقويض ديمقراطيته، وتصفية معارضيه، وإشعال الحروب التي دمرت البلاد.
يسير الكتاب وفق تسلسل تاريخي زمني، يبدأ من جذور التحالف بين الرئيس السوري حافظ الأسد وإيران الخميني، وصولاً إلى أحداث ما بعد عام 2011. يشرح ديب المنطق الذي جمع بين النظام السوري العلوي وإيران الشيعية: الحاجة إلى حليف إقليمي قوي، واستخدام الطائفة الشيعية في لبنان كأداة، والاستفادة من أدوات الحرب غير التقليدية كالإرهاب والتفجيرات الانتحارية. يبين الكتاب كيف تأسس حزب الله في عام يونيو 1982 كمشروع مشترك بين دمشق وطهران، ليكون الأداة المثلى لتحقيق أهدافهما: إخراج القوات المتعددة الجنسيات من لبنان، ومنع أي اتفاق سلام لبناني-إسرائيلي، وإعادة فرض السيطرة السورية على لبنان بعد أن تراجعت بفعل الغزو الإسرائيلي. ينتقل الكتاب بعدها لتوثيق حملة الإرهاب وأخذ الرهائن التي نفذها حزب الله بأمر من سوريا وإيران، بدءاً من تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في 18 أبريل 1983، وصولاً إلى اغتيال رئيس الجامعة الأمريكية مالكوم كير، وهذه العمليات كانت تهدف إلى شل أي دعم دولي للبنان وإرغامه على الرضوخ للإرادة السورية.
في منتصف الكتاب، ينتقل ديب إلى مرحلة جديدة مع مطلع الألفية الثالثة، حيث بدأت بذور المقاومة اللبنانية للهيمنة السورية تظهر، ليبرز دور البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير كـ "ضمير لبنان". يصف الكتاب كيف أن رسالته في سبتمبر 2000 حول معاناة اللبنانيين تحت الاحتلال السوري، ورحلته التاريخية للمصالحة بين الموارنة والدروز، زرعت بذور ثورة الأرز. ثم تتسارع الأحداث مع صدور القرار الأممي 1559 في 2 سبتمبر 2004، الذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان وحل الميليشيات، واغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، وهو الحدث الذي أشعل شرارة ثورة الأرز. يوثق الكتاب لحظة فريدة في تاريخ الشرق الأوسط، حيث خرج مليون ونصف مليون متظاهر بسلام في 14 مارس 2005، مطالبين بالحرية والاستقلال والحقيقة، لتصبح ثورة الأرز نقيضاً للثورة الإيرانية ومكافحاً للتطرف والإرهاب.
يتابع الكتاب الصراع بين ثورة الأرز وتحالف سوريا وإيران وحزب الله، موضحاً كيف أن قادة الثورة ارتكبوا أخطاءً فادحة بإقصاء العماد ميشال عون وتحالفه مع حزب الله وحركة أمل، مما أضعف موقفهم. يصف الكتاب بأسى كيف استغل التحالف غير المقدس هذه الانقسامات، وبدأ حملة اغتيالات طالت كتاباً وصحافيين ونواباً من أركان الثورة، أمثال سمير قصير وجبران تويني. يصل الكتاب ذروته بتوثيق حرب يوليو 2006 التي استفزها حزب الله بخطف جنديين إسرائيليين، والتي وصفها ديب بأنها حرب مفروضة على اللبنانيين، دمرت الاقتصاد وقتلت أكثر من ألف شخص، وانتهت بما سماه نصر الله "نصراً إلهياً". يرى المؤلف أن هذه الحرب كانت محاولة لقلب الطاولة على ثورة الأرز وإخضاع لبنان للعنف مجدداً.
ينتقل الكتاب في فصوله اللاحقة إلى مسارين متوازيين: الأول هو الكفاح من أجل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أنشئت لمحاكمة قتلة الحريري، والثاني هو نمو المعارضة الشيعية لهيمنة حزب الله وحركة أمل. يوثق ديب كيف أغلق رئيس مجلس النواب نبيه بري البرلمان لمدة 14 شهراً لمنع التصديق على المحكمة، وكيف استخدم حزب الله القوة العسكرية في مايو 2008 لفرض إرادته على بيروت وجبل لبنان، مما أدى إلى اتفاق الدوحة الذي منح المعارضة حق النقض في الحكومة. كما يسلط الضوء على تشكيل "لقاء الملتزمين بلبنان" الذي ضم شخصيات شيعية تطالب بكسر احتكار حزب الله وأمل لتمثيل الطائفة، وتؤكد على الدولة المدنية الحديثة. يختتم الكتاب بربط الأحداث في سوريا، حيث يوضح كيف أن الثورة السورية التي انطلقت في مارس 2011 مثلت تهديداً وجودياً لهذا التحالف، مما دفع إيران وحزب الله إلى التدخل عسكرياً لدعم نظام الأسد بأكثر من عشرة مليارات دولار وآلاف المقاتلين، في حرب يعتبرها المؤلف استمراراً للحرب الإرهابية على لبنان نفسه.
من أبرز الوقائع التي يصعب نسيانها في هذا الكتاب، اعتراف أحد كبار المسؤولين الأمنيين للصحافي فارس خشان في أبريل 2003 بأن رفيق الحريري سيُغتال على يد انتحاري إذا استمر بمعارضة التمديد للرئيس اميل لحود، وهو ما حدث بالفعل. أيضاً، تهديد بشار الأسد المباشر للحريري في أغسطس 2004 بأنه "سيكسر لبنان على رأسه". والأكثر تأثيراً، رد فعل قناة NBN المملوكة لبيري عندما اغتيل النائب وليد عيدو، حيث أعلنت مذيعة القناة فرحتها وتمنت الموت لوزير آخر، ثم توزيع الحلوى من قبل أنصار حزبollah احتفاءً باغتيال جبران تويني. هذه التفاصيل ترسم صورة صارخة لثقافة الموت والانتقام التي يصفها الكتاب بأنها نقيض ثقافة الحياة التي تمثلها ثورة الأرز.
يقر المؤلف ضمنياً بوجود حدود لتحليله، أبرزها الاعتراف بأن ثورة الأرز فشلت في تحقيق أهدافها الكاملة بسبب أخطاء قادتها الداخلية، وبسبب القوة العسكرية المتفوقة لحزب الله والتي جعلته دولة داخل دولة. كما يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مصير لبنان في ضوء استمرار الدعم الإيراني لحزب الله، وحول إمكانية تغيير المعادلة الشيعية الداخلية في لبنان بعد سقوط النظام السوري. يلمح ديب إلى أن نهاية هذا التحالف المقدس قد تأتي من الداخل، أي من الشارع الشيعي نفسه الذي بدأ يضيق بهيمنة حزب الله وأمل.
أخيراً، على الرغم من قوة السرد التاريخي الذي يقدمه الكتاب، فإنه يعكس بوضوح منظوراً واحداً، وهو منظور معارض بشدة لهذا التحالف، ويدعم بقوة ثورة الأرز والقوى المناهضة لسوريا وإيران. هذا التحيز ليس مخفياً، بل هو جوهر الحجة التي يتبناها المؤلف. لذلك، يمكن القول إن الكتاب هو وثيقة سياسية وتاريخية بقدر ما هو تحليل أكاديمي. إذا ما نظرنا إليه بعين نقدية، نجد أنه يميل إلى تبسيط تعقيدات الواقع اللبناني، وإرجاع كل مشاكله إلى هذا التحالف الثلاثي، متجاهلاً العوامل الداخلية العميقة، مثل الطائفية السياسية والفساد والانقسامات الأفقية داخل المجتمع اللبناني نفسه. كما أن توصيف حزب الله بكونه مجرد أداة ميكانيكية في يد سوريا وإيران يقلل من حقيقة كونه حزباً لبنانياً له قاعدته الجماهيرية وأيديولوجيته الخاصة، وهي التي تفسر إلى حد كبير قدرته على الصمود والقتال بهذا العنف. ومع ذلك، يبقى الكتاب مرجعاً مهماً وموثوقاً لمن يريد فهم كيفية عمل هذا التحالف وأدواته وتأثيره المدمّر على مسار لبنان الحديث.
Analyse & mots-clés
Personnes