
Syria: Fragile Mosaic of Power
يُشكّل كتاب "سوريا: فسيفساء هشة للسلطة" لمارثا كيسلر محاولة لفهم التناقض الصارخ بين ضعف سوريا الداخلي كنقطة انطلاق، وقوتها الإقليمية المؤثرة التي تتجاوز إمكاناتها المادية. الحجة المحورية للكاتبة هي أن هذا التناقض ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم تاريخي وجغرافي وسياسي عميق، وأن ما يُنظر إليه على أنه قوة سورية هو في الواقع توازن هش ومؤقت، مبني على استثمار ماهر لإرث الماضي من جهة، واستغلال لفراغات إقليمية مؤقتة من جهة أخرى، بينما يظل الغالبية العظمى من المجتمع السوري منقسماً على أسس طائفية وعرقية، مما يجعل الدولة أشبه بـ "فسيفساء" مهددة بالتفكك في أي لحظة.
تبدأ الكاتبة رحلتها التحليلية في الفصل الأول، "إرث دائم"، بالعودة إلى جذور التناقض السوري. توضح أن سوريا دولة صغيرة وفقيرة نسبياً، لا تملك آبار نفط كبيرة، لكن نفوذها الإقليمي الهائل ينبع من موقعها الاستراتيجي كجسر بين البحر المتوسط والصحراء وبين بلاد ما بين النهرين. هذا الموقع جعلها مسرحاً للغزوات والأطماع عبر التاريخ، وخلق لديها شعوراً دائماً بعدم اليقين والحاجة إلى الدفاع عن الذات. لم يكن تأثير سوريا مجرد جغرافياً؛ إذ كانت قلب الإمبراطورية الأموية التي امتدت من المحيط الأطلسي إلى جبال الهيمالايا، وهذا الإرث يظل "الإحساس الوطني الوحيد الموحد" لسوريا الحديثة. تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى الحديث عن الحدود التي رسمتها فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، واصفة إياها بأنها "مزرية"، وأنها قطعت النسيج الاقتصادي والثقافي والاجتماعي للمنطقة. هذا الإحساس بالظلم والانتهاك، إلى جانب فشل مشاريع الوحدة العربية الكبرى مثل الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) وخسارة الجولان عام 1967، غذى نظرة دفاعية وعدوانية في آن واحد لدى النخب الحاكمة. الحجة القابلة للنقاش هنا واضحة: ضعف سوريا الداخلي وغياب الهوية الوطنية الجامعة هما المحركان الحقيقيان لسلوكها الخارجي العدواني، وليس طموحاً توسعياً طبيعياً.
ينتقل الفصل الثاني، "توازن هش في الداخل"، لتشريح أسباب عدم الاستقرار المزمن. تبدأ الكاتبة بتأكيد واقع الطائفية كسمة أساسية للمجتمع، حيث يشكل السنة حوالي 69% من السكان، بينما يشكل العلويون ما بين مليون ومليوني نسمة (ويشكلون النخبة الحاكمة)، والمسيحيون حوالي 10%، والدروز والإسماعيليون النسبة المتبقية. التوترات التاريخية عميقة، تصل إلى حد "الكراهية المتبادلة" بين الطوائف، كما يصفها قنصل بريطاني في القرن التاسع عشر. في هذا السياق، تُحلل الكاتبة صعود حافظ الأسد، وهو علوي، إلى السلطة، وتوضح أنه لم يكن بداية "دفعاً واعياً نحو السيادة العلوية"، بل كان نتيجة لظروف معقدة. لكن نقطة التحول الحاسمة، حسب الكاتبة، كانت قرار الأسد بالتدخل في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 إلى جانب المسيحيين. هذا القرار حوّل النظام في نظر السنة من نظام تقدمي نسبياً إلى حكم أقلية طائفي، مما أدى إلى تصعيد عنيف من قبل تنظيم الإخوان المسلمين السني. ذروة هذا الصراع كانت أحداث حماة في فبراير 1982، حيث لجأ النظام إلى قمع وحشي أدى إلى مقتل ما يصل إلى 20,000 مدني. تخلص الكاتبة إلى أن هذه المجزرة جرّدت النظام من أي شرعية متبقية، وجعلت الفجوة بينه وبين الغالبية السنية هائلة، مما يجعله معتمداً بشكل مطلق على القوة والخوف للحفاظ على استقراره. هذا التحليل يقدم نظرة متشائمة، مفادها أن الاستقرار في سوريا لا يمكن أن يأتي إلا من حكم مركزي استبدادي قوي، وليس من بناء دولة ديمقراطية شاملة.
في الفصل الثالث، "دور سوريا الإقليمي"، تناقش الكاتبة النجاحات التكتيكية لسوريا في المنطقة، مثل نفوذها في لبنان وسيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية. لكنها تحذر من أن هذه الإنجازات تخفي حقيقة أن صعود سوريا جاء بفضل فراغ إقليمي مؤقت بعد عزلة مصر إثر اتفاقية كامب ديفيد، وانشغال العراق بحربه مع إيران. تُعرّف الكاتبة أسلوب حافظ الأسد بأنه "متاهي"، فهو يتحرك ببطء، ويضرب خصمه دون أن يقتله، ويساعد صديقه دون أن يخرجه من مأزقه بالكامل. الأولوية القصوى لسوريا هي استعادة هضبة الجولان، وهو الهدف الوحيد الذي يجمع عليه جميع السوريين. لتحقيق هذا الهدف، تسعى سوريا إلى "التكافؤ الاستراتيجي" مع إسرائيل، ليس لمهاجمتها، بل لجعل تجاهلها مكلفاً. في هذا الإطار، تُحلل الكاتبة تحالف سوريا مع إيران، وتصفه بأنه خطوة دفاعية بالدرجة الأولى، ليس فقط لإضعاف العراق، بل لتحصين النظام السوري العلماني من أي محاولة إيرانية لاستغلال الأصوليين الإسلاميين ضده. تختتم الكاتبة هذا الفصل بالقول إن استقرار سوريا النسبي هو نتاج مهارة الأسد التكتيكية، وليس حلولاً جذرية، مما يجعلها عرضة للتطرف أو التفكك بعد رحيله.
يتناول الفصل الرابع، "استراتيجيات جديدة والسوفييت"، تطور العلاقة السورية السوفييتية من شراكة متكافئة نسبياً إلى اعتماد متبادل غير متوازن. تقدم الكاتبة هنا فكرة جوهرية وهي أن الأسد ليس مجرد تابع سوفييتي، بل هو لاعب مستقل استخدم حاجة موسكو إليه بمهارة لتحقيق أهدافه. ففي مرحلة مبكرة، أبدى استقلالية واضحة برفضه حضور مؤتمر جنيف عام 1973، وتجاهله الاعتراضات السوفييتية عندما تدخل في لبنان عام 1976، ونقل صواريخ إلى لبنان عام 1981 متحدياً موسكو. لكن التحديات التي واجهتها سوريا في أواخر السبعينيات دفعت الأسد للتوقيع على معاهدة الصداقة مع السوفييت في أكتوبر 1980، مما جعله أكثر اعتماداً على موسكو، حتى وإن ضمنت له تدفق السلاح والرادع السياسي. تُحلل الكاتبة سياسة "التوازن الاستراتيجي" التي أسستها هذه المعاهدة، وتخلص إلى أنها غير واقعية من الناحية العسكرية، لكنها تهدف إلى خلق علاقة مع موسكو تناظر العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وتغيير الحسابات الإسرائيلية بجعل أي هجوم على سوريا باهظ التكلفة. الحجة القابلة للنقاش هنا هي أن براعة الأسد في استغلال السوفييت لم تمنع من كونه اضطر في النهاية لدفع ثمن هذه الاستراتيجية، مما جعل سوريا أكثر اعتماداً على موسكو، وهو ما يحد من صورة "اللاعب المستقل".
أخيراً، تقدم "الخاتمة" نداءً عاجلاً للولايات المتحدة لإعادة بناء قنوات الاتصال مع سوريا، على الرغم من الخلافات العميقة. تبدأ الكاتبة بوصف تآكل هذه القنوات في عام 1987، حيث سُحب السفير الأمريكي من دمشق لأكثر من عام. ثم تعدد المخاطر الكارثية لاستمرار هذا الجمود: إمكانية اندلاع حرب إقليمية جديدة ذات أبعاد خطيرة، حيث تمتلك إسرائيل أسلحة نووية (واقتربت من الاعتراف الرسمي بها بعد حادثة فني نووي عام 1986) بينما تضيف سوريا صواريخ متوسطة المدى وأسلحة كيماوية. كما تحذر من عدم اليقين بشأن مستقبل سوريا بعد المرض الذي أصاب الأسد، واحتمال استغلال إيران أو السوفييت للفوضى. تواجه المبادرة عقبات كبيرة: تورط سوريا في الإرهاب، رفضها مناقشة حلول في لبنان تقلل نفوذها، ومعارضة إسرائيل القوية لأي حوار. تختتم الكاتبة باقتراح هدف متواضع وعملي: لا يمكن للحوار أن يحقق حلاً سريعاً، بل الهدف هو إعادة تأسيس أساس للتبادل، وتذكير الأسد بمخاوفه الأمنية المشروعة تجاه لبنان وإسرائيل. تضع الكاتبة المسؤولية على عاتق الولايات المتحدة كقوة عظمى وضامنة لاتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1973، معتبرة أن محاولة التقارب واجبة حتى لو منع انعدام الثقة أي تقدم.
بصفتي ملخصاً، أجد أن قوة الكتاب تكمن في تشريحه العميق للعلاقة الجدلية بين الضعف الداخلي والقوة الإقليمية في سوريا، وهي رؤية تفسر الكثير من سلوك النظام السوري عبر التاريخ. لكن الحجة القائلة بأن صعود الأسد كان "نتيجة لظروف معقدة" وليس مشروعاً طائفياً واعياً تبدو غير مقنعة تماماً، خاصةً في ضوء الهيمنة العلوية الواضحة على الدولة والأجهزة الأمنية. كما أن دعوة الكاتبة للولايات المتحدة لإعادة بناء الحوار مع سوريا في ختام الكتاب، على الرغم من إدانتها لتورطها في الإرهاب، تطرح سؤالاً حول قيمة الحوار مع نظام وصفته بنفسها بأنه فقد أي شرعية ويمارس القمع على نطاق واسع. في النهاية، يظل الكتاب وثيقة مهمة لفهم جذور الأزمة السورية التي انفجرت لاحقاً، لكنه يقر بحدود معرفته، تاركاً أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذا التوازن الهش، وهل سيستمر بعد رحيل حافظ الأسد أم سينهار تحت وطأة التناقضات التي حللها بدقة.
Personnes
Chapitres(5)
1.إرث دائم29–46▼ résumé
يُركّز هذا الفصل، المعنون "إرث دائم"، على فكرة أن سوريا الحديثة، رغم كونها دولة صغيرة وفقيرة الموارد نسبياً، تمتلك نفوذاً إقليمياً يتجاوز بكثير إمكاناتها المادية. يعزو المؤلف هذا التناقض إلى مجموعة من الإرث التاريخي والجغرافي والسياسي الذي شكّل هويتها وجعلها لاعباً محورياً في الشرق الأوسط. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن قوة سوريا لا تنبع من ثروتها أو جيشها، بل من موقعها الاستراتيجي، ودورها الفكري والقيادي في العالم العربي، وقدرة نخبها الحاكمة على استثمار هذا الإرث لفرض مصالحها.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر التاريخ لشرح هذه الفكرة. يبدأ بوصف سوريا بأنها "دولة متناقضات"، ذات كثافة سكانية بلغت آنذاك حوالي 10 ملايين نسمة، لا تملك آبار نفط كبيرة ولا تهدد إسرائيل وحدها، لكنها مع ذلك مؤثرة بفضل علاقاتها التاريخية مع بلاد الشام وقيادتها الماهرة. ينتقل بعدها إلى التاريخ القديم، موضحاً أن اسم سوريا أطلقه الإغريق على الأرض الواقعة بين سيناء وجنوب تركيا، والتي عُرفت بالعربية باسم "بلاد الشام". بعد انهيار الدولة العثمانية وانتهاء الانتداب الأوروبي، قسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة إلى دول سوريا، لبنان، شرق الأردن، وفلسطين، كما أُعطيت أجزاء منها لتركيا. في عشرينيات القرن الماضي، ظهرت سوريا بشكلها الحالي تقريباً بعد أن ضمت فرنسا منطقة جبل لبنان المسيحية إلى المناطق الإسلامية المحيطة لتكوين لبنان. باستثناء خسارة الجولان عام 1967، بقيت حدود سوريا مستقرة نسبياً منذ الاستقلال عام 1946.
يؤكد الفصل أن سوريا القديمة كانت الكيان الطاغي في الشرق الأوسط، حيث كانت جسراً بين البحر المتوسط والصحراء، وطريقاً برياً إلى بلاد ما بين النهرين. مدينة دمشق وحلب من أقدم المدن المأهولة في العالم. بسبب موقعها الاستراتيجي، غزاها الجميع: الآشوريون، الكلدانيون، الفرس، اليونان، والرومان. ازدهرت تحت حكم القياصرة، وفي فترة وجيزة حكمها أباطرة من أصل سوري. من أهم إرث هذه الحقبة إنشاء الأبجدية والتقدم في الطب، بالإضافة إلى الفسيفساء العرقية والقبلية التي ميزت سوريا. يوضح الفصل أن هذه العوامل هي التي حددت طبيعة الفتح الإسلامي في القرن السابع.
يصف الفصل كيف أن الإسلام، إلى جانب اللغة العربية، جلب وحدة لسوريا وجعلها قلب الإمبراطورية الأموية التي امتدت من المحيط الأطلسي إلى جبال الهيمالايا، وعاصمتها دمشق. يرى المؤلف أن هذا الإرث هو "الإحساس الوطني الوحيد الموحّد" لسوريا الحديثة. لكن عندما انتقلت الخلافة إلى بغداد عام 750م، بدأ التشرذم. تحولت سوريا إلى ساحة صراع بين القوى المتنافسة في مصر والعراق، وهو صراع يستمر حتى العصر الحديث. يختم القسم التاريخي بأن الشخصية السورية الأساسية تبلورت بحلول القرن العاشر، وكان أبرز سماتها صراع الشرق والغرب، والتنوع الجغرافي والعرقي الذي حال دون الوحدة السياسية والعسكرية. يذكر الفصل صراحةً أن هذه الفترات من الهدوء النسبي كانت تليها فترات عنف شديد، مما خلق شعوراً دائماً بعدم اليقين والدفاعية لا يزال قائماً.
ينتقل الفصل إلى نشأة الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، معتبراً أن الحدود التي رسمتها فرنسا وبريطانيا كانت "مزرية" وتجاهلت الاقتصاد والثقافة. فقد تنازلت فرنسا لتركيا عن الأراضي الشمالية، ووسعت لبنان على حساب سوريا. هذه الإجراءات التعسفية تركت شعوراً بالمرارة تجاه الغرب. النخب السورية الشابة، التي شعرت بالغربة، تبنّت فكرة القومية العربية أو "الوحدة العربية" كبديل عن مفهوم الدولة القطرية. هم من صاغوا الأيديولوجيا السياسية المتماسكة لهذا التيار وأسسوا حزب البعث، مما أعطى سوريا نفوذاً غير متناسب في تعريف "المصالح العربية".
يقر الفصل بأن المثالية في عصر ما بعد الاستقلال تراجعت بشكل كبير. الهزائم المذلة أمام إسرائيل، وفشل الوحدة مع مصر بين 1958 و1961 (الجمهورية العربية المتحدة)، وسلام مصر المنفرد مع إسرائيل، كلها أنهت "فصل الوحدة العربية" من التاريخ السوري. تحت حكم حافظ الأسد، أصبحت القومية العربية أداة في خدمة المصالح الوطنية السورية وليس العكس. لكن الفصل يشير إلى أن القوى التي أوجدت الوحدة العربية في المقام الأول لا تزال موجودة، مما يجعل سوريا ضحية ومستغلاً ماهراً لها. فبعد اتفاقيات كامب ديفيد، كانت الأنظار متجهة إلى دمشق لمعرفة كيف ينبغي رفض "خيانة مصر للقضية العربية".
أخيراً، يقيّم الفصل سوريا المعاصرة تحت حكم الأسد (بعد حوالي 17 عاماً من الاستقرار النسبي)، واصفاً إياها بأنها لا تزال "أسيرة الماضي". تنوعها الديني والطائفي يهدد استقرارها ويجعلها عرضة لتيارات مثل الأصولية الإسلامية. تتعامل سوريا مع التحديات (مثل الثورة الإيرانية والتشدد في لبنان) بدوافع دفاعية في الأساس. علاقتها بالاتحاد السوفييتي هي محاولة لتحقيق توازن مع التحالف الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر. الهوس بإعادة بناء الذات إقليمياً يظهر في الصراع مع إسرائيل ومع الفلسطينيين، الذين يشكلون أقلية مضطربة داخل سوريا وقوة مزعزعة على حدودها. يختم الفصل بأن الطابع الدفاعي للسياسة السورية لا ينبع فقط من الواقع الحالي، بل من رؤية عالمية عمرها قرون، تتذكر فترات المجد ولكن أيضاً فترات الغموض والغزو والصراع.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات واضحة. فهو لا ينسب كل إنجازات "سوريا الكبرى" التاريخية إلى الدولة السورية الحديثة، معترفاً بأنها فقدت مدناً مهمة مثل حيفا ويافا والقدس، مما غيّر التوازن التاريخي. كما يعترف بأن النفوذ الأخلاقي لسوريا تضاءل بمرور الوقت، وأن دورها الحالي أصبح أكثر فراغاً أيديولوجياً. يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا المزيج من الضعف والإرث كافياً لاستمرار النفوذ السوري في المستقبل، خاصة مع تغير التحالفات الإقليمية. في نهاية المطاف، يطرح الفصل حجة قابلة للنقاش بشكل واضح: وهي أن ضعف سوريا الداخلي كان دائماً محركاً لسلوكها الخارجي العدواني والدفاعي في آن واحد، وأن استمرار هذا النمط يعتمد بشكل كبير على بقاء التهديدات الخارجية وغياب هوية وطنية سورية متماسكة وقوية.
2.توازن هش في الداخل47–98▼ résumé
هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «توازن هش في الداخل»، يحلل الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار المزمن في سوريا، ويقدم تفسيراً لسبب نجاح حافظ الأسد في البقاء في السلطة لفترة أطول من سلفه، ولكن على حساب التخلي عن أهدافه الأصلية في بناء دولة شاملة. الموضوع المحوري هو أن المجتمع السوري مجزأ بعمق على أسس طائفية وإثنية، وأن غياب الهوية الوطنية الجامعة، إلى جانب الصراع مع إسرائيل، يخلقان توازناً هشاً يهدد أي نظام حكم. يخلص الفصل إلى أن نظام الأسد تحول من حكم تقدمي نسبياً إلى حكم أقلية قمعي يعتمد على القوة والخوف، وأن هذا التحول كان نتيجة حتمية للضغوط الطائفية التي فشل النظام في تجاوزها.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل هذه القضايا. يبدأ بتأكيد أن استقرار سوريا تحت حكم الأسد كان استثنائياً بعد عقود من الفوضى، لكن هذا الاستقرار بدأ يتلاشى بحلول منتصف السبعينيات. يشرح الكاتب كيف أن الحزب الوحيد الذي وصل إلى السلطة قبل الأسد بسبع سنوات، قد جذب الفقراء والطبقة الوسطى الناشئة والأقليات، وكيف أن وصول الأسد، البراغماتي، عزز الإصلاحات. لكن التحرير الاقتصادي وسوء إدارة الإصلاحات أدى إلى ظهور طبقة وسطى جديدة ثرية يقودها علويون، مما أحيا التوترات الطائفية القديمة. ويحدد الفصل ثلاث مشاكل رئيسية تعصف بسوريا منذ استقلالها: الطبيعة المجزأة للمجتمع، غياب الهوية الوطنية القوية، والصراع الموهن مع إسرائيل. تداخل هذه المشاكل هو ما أطاح بالعديد من القادة قبل الأسد وسيستمر في إعاقة خلفائه.
ثم يتحول الفصل إلى تحليل تفصيلي للطائفية. يصف سوريا بأنها "أمة من الأقليات"، حيث يشكل السنة حوالي 69% من السكان، بينما يشكل العلويون ما بين مليون ومليوني نسمة، والمسيحيون حوالي 10%، والدروز والإسماعيليون واليهود النسبة المتبقية. يقدم الفصل لمحة تاريخية عن التوترات، مستشهداً بوصف زوجة قنصل بريطاني في أواخر القرن التاسع عشر للعلاقات بين الطوائف: "إنهم يكرهون بعضهم البعض... جميعهم يمقتون العلويين". ويوضح أن العلويين، الذين يهيمنون سياسياً الآن، تعرضوا للاضطهاد تاريخياً من قبل السنة، وأن خوف النظام العلوي الحالي من التشدد السني أدى إلى مقتل الآلاف في مدينة حماة في فبراير 1982. يذكر الفصل أيضاً أن 85% من السكان مسلمون، لكن كل خامس مسلم ينتمي لطائفة منشقة، وأن المسيحيين منقسمون إلى إحدى عشرة طائفة. يوضح النمط الجغرافي للطوائف: العلويون يتركزون في اللاذقية (حوالي 60% من سكانها)، والدروز في السويداء (حوالي 90%)، بينما يشكل السنة أغلبية في المدن الكبرى. هذا التداخل بين الانتماء الطبقي والطائفي يجعل تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية أمراً بالغ الخطورة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تاريخ الطائفية في السياسة، متتبعاً صعود حافظ الأسد وعصره. يوضح كيف أن الأسد، وهو علوي، انجذب إلى السلك العسكري لأنه كان السبيل الوحيد للترقي الاجتماعي للأقليات. خلال فترة الوحدة مع مصر (الجمهورية العربية المتحدة) بين 1958 و1961، شعر الضباط العلويون بالعزلة، فشكل الأسد واثنان من زملائه العلويين "اللجنة العسكرية" السرية. بعد انهيار الوحدة، اندلعت صراعات على السلطة بين الضباط السنة، مما أتاح الفرصة لضباط الأقليات، وخاصة العلويين، للصعود. يصف الفصل صراع الأسد مع زميله العلوي صلاح جديد، والذي لم يُحسم إلا في أواخر 1970 عندما استخدم الأسد نفوذه العسكري. يقدم الفصل هنا حجة مهمة مفادها أن صعود الأسد لم يكن "دفعاً واعياً نحو السيادة العلوية"، بل كان نتيجة لظروف معقدة، مستشهداً بدعمه من ضباط سنة ومسيحيين. ومع ذلك، كانت النتيجة النهائية هي هيمنة علوية.
يستعرض الفصل بعد ذلك كيف قوضت الشكوك السنية حول علوية الأسد توازنه الدقيق. محاولات الأسد لإرضاء السنة، مثل التخفيف من القيود الاقتصادية، لم تنجح. أثار مشروع دستور 1973 الذي لم يذكر الإسلام كدين للدولة احتجاجات، مما اضطر النظام إلى حل وسط ينص على أن الرئيس يجب أن يكون مسلماً. لكن القشة التي قصمت الظهر كانت قرار الأسد في يونيو 1976 بالتدخل في الحرب الأهلية اللبنانية إلى جانب المسيحيين. رأى السنة في ذلك "دليلاً" على تحالف علوي-مسيحي يهدف إلى إنشاء دولة علوية منفصلة. هذا القرار، حسب الفصل، هو الذي حول النظام من نظام تقدمي نسبياً إلى حكم استبدادي طائفي. تفجر العنف داخل سوريا، مع تفجيرات واغتيالات قام بها تنظيم الإخوان المسلمين السني. يذكر الفصل أن الثورة الإيرانية في 1979 أعطت زخماً كبيراً لهذه الاضطرابات.
يصل الفصل إلى ذروته بوصف أحداث حماة في فبراير 1982، حيث قمع النظام انتفاضة هناك بوحشية، مستخدماً أسلحة حديثة، مما أدى إلى مقتل ما يصل إلى 20,000 مدني. يذكر الفصل عدة تفسيرات لهذه الوحشية، بما في ذلك فشل إستراتيجية "العصا والجزرة" وخوف النظام من تكرار سيناريو سقوط شاه إيران. الأهم من ذلك، أن الأحداث جردت النظام من أي ادعاء بالشرعية أو بأنه يمثل شيئاً غير كليك أقلية حاكمة. يخلص الفصل إلى أن النظام خرج من حماة أكثر أماناً ولكن متغيراً بشكل لا رجعة فيه، حيث أصبحت الثغرة بين النظام والغالبية السنية هائلة. منذ حماة، تمكن النظام من تجاوز أزمة مرض الأسد في 1984 وصراع الخلافة، لكن ذلك كان فقط لأن الخصوم السنة والجماعات الأخرى لم تكن في وضع يمكنها من استغلال الفرصةمما يؤكد استنتاج الفصل بأن مستقبل سوريا مرهون بالطائفية.
ينتقل الفصل إلى الآثار المترتبة على المستقبل. يرى أن العلويين سيحافظون على السلطة بعد الأسد، لكن توترهم مع السنة سيزيد اعتمادهم على القمع والتلاحم الداخلي. سيكون القادة العلويون حساسين بشكل خاص تجاه اتهاماتهم بالخروج عن الإسلام، لذا سيميلون إلى المبالغة في إظهار التزامهم بالقضايا الإسلامية، مثل دعم الفلسطينيين، مما يقيد حريتهم في المناورة السياسية، خاصة في مفاوضات السلام مع إسرائيل. يشير الفصل إلى أن صعود الأصولية الإسلامية في العالم العربي سيجد أذناً صاغية في النظام العلوي، مما قد يزيد من توتر العلاقات مع الولايات المتحدة. ويخلص إلى أن الحكم المركزي القوي هو وحده القادر على منع سوريا من مصير لبنان، وأن أي حكم للأقلية سيؤدي إلى تعميق الانقسامات الطائفية.
يتناول الفصل أخيراً مشكلة الهوية السورية. يوضح أن الحدود السورية الحالية تعتبر مصطنعة وموروثة عن الاستعمار، وأن العديد من السوريين ظلوا متشوقين لإعادة توحيد المنطقة العربية. يصف كيف أن القومية العربية (الوحدة) كانت أقوى من القومية السورية، مما دفع سوريا إلى الدخول في الجمهورية العربية المتحدة مع مصر والتي انتهت بالفشل الذريع. هذه التجربة علمت سوريا درساً في تقدير السيادة، لكنها لم تقضِ على المشاعر القومية العربية تماماً. ينتقد الفصل حزب البعث نفسه، مشيراً إلى أن الهيكل الطائفي للحزب (الذي تأسس من خلال تجنيد أفراد من العائلات والطوائف) قوض نداءه للوحدة والمساواة. في عهد الأسد، تحولت الوحدة العربية إلى أداة سياسية مؤقتة، كما هو الحال مع اتحاد 1971 مع مصر وليبيا، وجبهة الصمود مع منظمة التحرير الفلسطينية والجزائر، والاتحاد مع ليبيا في 1980 لانتزاع المساعدات المالية. يخلص الفصل إلى أن القومية العربية لم تعد قوة دافعة، وأن الإجماع الوطني الوحيد في سوريا هو استعادة هضبة الجولان.
في نهاية المطاف، يقر الفصل بحدود معرفته. فالسؤال حول ما إذا كان نظام الأسد قد انحرف عن أهدافه الأصلية بسبب ضخامة المهمة أو غياب القيادة الرؤيوية أو بسبب الانقسامات الطائفية، يظل سؤالاً بلا إجابة قاطعة. ما هو مؤكد هو أن النظام فقد القدرة على تجاوز الطائفية. هناك نقطة قابلة للنقاش بناءً على النص، وهي الدور المحوري الذي يلعبه قرار التدخل في لبنان عام 1976 في تحول النظام، حيث يخالف هذا التفسير الرأي القائل بأن التطرف السني الداخلي كان الدافع الوحيد للقمع. كما أن التحليل يقدم نظرة متشائمة لمستقبل سوريا، حيث يرى أن الحل الوحيد للاستقرار هو الحكم الاستبدادي القوي، وليس بناء دولة ديمقراطية شاملة.
3.دور سوريا الإقليمي99–130▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على دور سوريا الإقليمي، ويقدّم حجة مركزية مفادها أن قوة سوريا المفترضة في المنطقة هي أمر مؤقت وهش، ولا يعكس ضعفها البنيوي الداخلي. يوضح الكاتب أن النجاحات التكتيكية التي حققتها سوريا في لبنان ومع منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف الثمانينيات، والتي جعلت البعض يصفها بأنها القوة العربية الصاعدة، تخفي حقيقة أن سوريا لا تزال دولة ضعيفة داخلياً (بسبب انقساماتها السكانية وتخلفها التنموي) وأن صعودها جاء بفضل فراغ إقليمي مؤقت ناجم عن عزلة مصر بعد كامب ديفيد وانشغال العراق بحربه مع إيران.
يمضي الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بمناقشة التصورات الغربية الخاطئة لسوريا، والتي تراها من خلال عدسة التنافس مع الاتحاد السوفيتي فقط، متجاهلة الطابع الدفاعي لسياساتها. يستشهد الكاتب بـ ويليام كوانت لشرح كيف قاد هذا المنظور الضيق الولايات المتحدة إلى تجاهل الإحباطات العربية التي فجرت حرب أكتوبر 1973. ثم ينتقل الفصل لتحليل شخصية الرئيس حافظ الأسد، واصفاً إياه بأنه شخصية غامضة وحذرة، لا تتصرف كزعيم في موقع دفاعي على الرغم من ضعف سوريا. يُعرِّف الفصل أسلوب الأسد بأنه "متاهي" مثل السوق العربي، حيث يتحرك ببطء، ويضرب خصمه دون أن يقتله، ويساعد صديقه دون أن يخرجه من مأزقه بالكامل.
بعد ذلك، يحدد الفصل الأولويات الإقليمية لسوريا في العقد الماضي: الدفاع ضد عدويها الإقليميين إسرائيل والعراق، والحماية من التأثيرات الخارجية المزعزعة للاستقرار، والتلاعب بجيرانها (لبنان والأردن والفلسطينيين). ثم يفصّل الفصل هذه الأولويات واحدة تلو الأخرى. بالنسبة لمصر وإسرائيل، يشرح أن غضب سوريا من اتفاقية كامب ديفيد لم يكن بسبب الشعارات القومية فقط، بل لأنها فقدت ركيزتها العسكرية الأساسية في مواجهة إسرائيل لاستعادة هضبة الجولان، التي يعتبرها السوريون تهديداً وجودياً. يوضح الفصل أن استعادة الجولان هي هدف السياسة الخارجية الذي يُجمع عليه جميع السوريين، وأن الأسد يسعى إلى "التكافؤ الاستراتيجي" مع إسرائيل ليس لمهاجمتها، بل لجعل مخاطر تجاهل سوريا مرتفعة جداً في حسابات تل أبيب وواشنطن.
ينتقل الفصل لمناقشة العلاقة مع العراق وإيران، مشيراً إلى أن الخلاف مع بغداد يعود إلى انشقاق حزب البعث في ستينيات القرن الماضي. بعد فشل محاولة التحالف مع العراق في أعقاب كامب ديفيد، توجهت سوريا نحو إيران على الرغم من أن الأخيرة غير عربية، وهو خرق للتقاليد العربية. يوضح الفصل أن الدوافع دفاعية بالدرجة الأولى، ليس فقط لإضعاف العراق، بل وأيضاً لتحصين سوريا من احتمالية أن تستغل إيران الثورية الإسلاميين السوريين ضد نظام الأسد، إذ أن سوريا علمانية وهو ما يجعلها هدفاً محتملاً لطهران.
أخيراً، يتناول الفصل علاقة سوريا المعقدة مع لبنان والفلسطينيين والأردن. في لبنان، يُظهر أن التدخل العسكري السوري عام 1976 وحتى الآن لم يحقق أيّاً من أهدافه بالكامل، مثل إخراج إسرائيل أو نزع الفتنة الطائفية، بل خلّف تحديات جديدة مثل تنامي نفوذ الشيعة اللبنانيين. أما مع الفلسطينيين، فتصف الكاتبة العلاقة بأنها "بطل-خصم": فسوريا تدعم القضية فلسطينية لكنها تسعى لإخضاع الحركة الفلسطينية لمصالحها، لا سيما لمنع أي تسوية فردية مع إسرائيل. تُوجز الكاتبة مستقبل سوريا الإقليمي بالقول إن الاستقرار النسبي الذي حققه الأسد هو نتاج مهارته التكتيكية، وليس حلولاً دائمة، مما يجعل سوريا عرضة للتفكك أو عودة التطرف بعد رحيله.
4.استراتيجيات جديدة والسوفييت131–154▼ résumé
يتركّز هذا الفصل من كتاب "سوريا: فسيفساء هشة للسلطة" لمارثا كيسلر على العلاقة المعقدة بين سوريا والاتحاد السوفييتي، وكيف تطوّرت من شراكة متكافئة نسبياً إلى علاقة اعتماد متبادل، لكنها غير متكافئة في النهاية، خاصة بعد أن أصبحت سوريا ركيزة موسكو الوحيدة في الشرق الأوسط عقب خسارة مصر. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن سوريا تحت حكم حافظ الأسد ليست مجرد تابع سوفييتي، بل هي لاعب مستقل استطاع بمهارة استغلال حاجة السوفييت إليه لتحقيق أهدافه، حتى وإن أدى ذلك في النهاية إلى تقييد هامش حركته.
يسير الفصل بدءاً من الإرث الاستعماري وتأثيره المحدود على العلاقة، مروراً بالحاجة السورية للدعم العسكري في مواجهة إسرائيل. يوضح المؤلف أن العلاقة تأسست فعلياً بعد عام 1972، عندما طرد الرئيس المصري أنور السادات السوفييت، مما جعل سوريا البديل الوحيد لموسكو. لكن الأسد، الذي شعر بقوته التفاوضية، أبدى استقلالية واضحة منذ البداية، إذ رفض الحضور إلى مؤتمر جنيف عام 1973، وتجاهل الاعتراضات السوفييتية عندما تدخل في لبنان عام 1976 ضد حلفاء موسكو، ونقل صواريخه إلى لبنان عام 1981 متحدياً السوفييت، بل ونقل أسلحة سوفييتية إلى إيران رغم احتجاج موسكو. يصف المؤلف هذه الاستقلالية بأنها دليل على أن العلاقة ليست علاقة تبعية، بل علاقة يستطيع فيها الأسد استغلال حاجة السوفييت إليه لتحقيق مكاسب ذاتية، مثل خلق مواقف متفجرة في لبنان أو في مواجهة تل أبيب.
في مرحلة لاحقة، يشرح الفصل كيف أدت التحديات التي واجهتها سوريا في نهاية السبعينيات إلى تغيير هذا التوازن. فقد انهارت استراتيجية سوريا القائمة على "الجبهة الشرقية" مع العراق والأردن، وتآكل موقفها في لبنان، وكشفت اتفاقية كامب ديفيد عن عجز "جبهة الصمود". هذا الضعف دفع الأسد إلى التوقيع على معاهدة الصداقة السوفييتية-السورية في أكتوبر 1980، والتي اعتبرها المؤلف نقطة تحول رئيسية. فمن منظور سوري، ضمنت المعاهدة تدفق السلاح وشكلت رادعاً سياسياً، ومن منظور سوفييتي، فتحت الباب لنفوذ غير مسبوق. لكن الجانب الأهم، والذي يكرس له الفصل حيزاً كبيراً، هو كيف أصبحت هذه المعاهدة أساساً لسياسة "التوازن الاستراتيجي" الجديدة.
يتعمق الفصل في شرح سياسة "التوازن الاستراتيجي"، التي تهدف إلى بناء قدرة عسكرية سورية تصل إلى مستوى القدرة الإسرائيلية، معترفة ضمنياً بفشل العمل العربي المشترك وبخلود اتفاقية كامب ديفيد. يشير المؤلف إلى أن هذه السياسة، وإن بدت طموحة، إلا أنها غير واقعية، ففرصة سوريا في تحقيق توازن عسكري حقيقي مع إسرائيل ضئيلة، ناهيك عن التوازن الاقتصادي والسياسي. لكنه يرى أن الهدف الحقيقي للسياسة ربما يكون مختلفاً، فهو يهدف إلى: أولاً، خلق علاقة مع موسكو تضاهي العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وثانياً، تغيير الحسابات الأمريكية والإسرائيلية بجعل أي هجوم على سوريا باهظ التكلفة، وثالثاً، شراء الوقت وانتظار تغير الظروف.
يختتم الفصل بعرض التحفظات والأسئلة المفتوحة. يقر المؤلف بأن السوفييت لم يعطوا سوريا ضمانات أمنية رسمية، وأن هناك شكوكاً حول مدى استعدادهم لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن سوريا، خاصة في عهد ميخائيل غورباتشوف الذي يبدو أقل ميلاً للمغامرات. كما يحذر المؤلف من أن هامش المناورة الواسع الذي يتمتع به الأسد شخصياً قد لا يدوم بعد رحيله، لأن أي خليفة سيواجه اعتماداً سوفييتياً أكبر وقدرة أقل على المناورة، مما سيجعل موسكو قادرة على انتزاع المزيد من التنازلات من دمشق.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص نفسه هي التأكيد المتكرر على براعة الأسد ونجاحه في استغلال السوفييت. ففي حين أن الفصل يظهر ذكاء الأسد، إلا أن الأدلة المقدمة (خاصة معاهدة 1980) تظهر أيضاً أنه اضطر في النهاية إلى دفع ثمن باهظ لهذه الاستراتيجية، مما جعله أكثر اعتماداً على موسكو مما كان يرغب، وهو ما يقلص من صورة "اللاعب المستقل" القوي التي يحاول الفصل رسمها.
5.خاتمة155–165▼ résumé
يطرح هذا الفصل الختامي من كتاب "سوريا: فسيفساء هشة للسلطة" لمارثا كيسلر قضية محورية وهي الحاجة الملحة للولايات المتحدة لإعادة بناء قنوات الاتصال مع سوريا، وذلك على الرغم من الخلافات العميقة بينهما. يرى المؤلف أن المخاطر الإقليمية الكارثية المحتملة، والتي تفوق بكثير المظالم الحالية، تجعل من الضروري تجاوز الجمود الدبلوماسي. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن تجاهل سوريا لم يعد خياراً آمناً، بل يجب على واشنطن أن تبادر بمحاولة لإعادة تأسيس أساس للحوار، حتى لو كان ذلك بهدف تدريجي بعيد عن الحلول السريعة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عرض الأسباب التي تجعل المبادرة تجاه سوريا مسألة عاجلة. يبدأ بوصف تآكل قنوات الاتصال التقليدية، مشيراً إلى أن العلاقات بين واشنطن ودمشق كانت تمر بمرحلة من التوتر الشديد في عام 1987، حيث تم سحب السفير الأمريكي من دمشق بين أكتوبر 1986 وأغسطس 1987 بسبب اتهامات بريطانية لسوريا بالتورط في الإرهاب. ويضيف أن العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل الأردن والمملكة العربية السعودية، ليست قوية بما يكفي لجعلهم وسطاء فعالين. كما يذكر أن رفعت الأسد، شقيق الرئيس والذي كان يُعتبر قناة تواصل محتملة، أصبح شبه منفي في فرنسا وفقد تأثيره.
بعدها، ينتقل الفصل إلى عرض المخاطر الإقليمية الحادة التي تنتج عن هذا الانقطاع في الاتصال. يذكر أن سوريا صعّدت وجودها العسكري في لبنان بإرسال قوات إلى بيروت، مما يثير قلق إسرائيل. ثم يتناول حالة عدم اليقين بشأن مستقبل سوريا نفسها، مشيراً إلى أن صحة الرئيس حافظ الأسد قد استقرت منذ أزمته القلبية في 1983، لكنه لا يزال يعاني من مشاكل صحية قد تودي بحياته أو تعجزه في أي وقت. ويحذر من أن الشجار والتغيرات داخل النظام خلال العامين الماضيين، حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بالخلافة، تثير تساؤلات جدية حول الاستقرار على المدى القريب. ويحلل المؤلف التداعيات المحتملة لانعدام الاستقرار في دمشق، مثل تصاعد القتال في لبنان لصالح الجماعات الشيعية الأكثر تطرفاً، وعودة القوات الإسرائيلية إليه، ومحاولة إيران استغلال الفوضى، وتدخل الاتحاد السوفيتي لحماية مصالحه الكبيرة هناك.
يستعرض الفصل بعد ذلك التهديد المتمثل بحرب عربية-إسرائيلية جديدة ذات أبعاد خطيرة. يشير إلى أن الابتكارات في الصراع الإقليمي، مثل استخدام العراق للأسلحة الكيماوية وهجمات إيران الصاروخية على المناطق الحضرية، تؤثر على تفكير كل من دمشق وتل أبيب. ويحذر من أن امتلاك أسلحة دمار شامل، والاستعداد القتالي المتزايد للقوات الإسرائيلية والسورية، والغموض الذي يكتنف القيادة في تل أبيب ودمشق، يثير شبح صراع قد لا تستطيع حتى جهود تعاون واشنطن وموسكو احتواؤه. يذكر الفصل أن إسرائيل قد اقتربت بشكل خطير من الاعتراف الرسمي بامتلاكها أسلحة نووية بعد حادثة استعادة وملاحقة فني نووي إسرائيلي سابق تحدث إلى الصحافة البريطانية في 1986. في المقابل، تضيف سوريا صواريخ متوسطة المدى سوفيتية وأسلحة كيماوية إلى ترسانتها، مما يزيد من صعوبة السيطرة على أي حرب جديدة.
في الجزء الأخير من الفصل، يقرّ المؤلف بوجود عقبات كبيرة أمام أي حوار. يسرد تورط سوريا في الإرهاب، وإلحاقها الضرر بمبادرات السلام الأمريكية، وتحديها للجهود الأمريكية في لبنان، وعلاقتها مع أعداء الولايات المتحدة المعلنين مثل ليبيا وإيران. ثم يطرح السؤال الجوهري: هل يجب أن تقف هذه المخالفات في طريق منع تطورات أكثر خطورة بشكل واضح؟ يرى أن الولايات المتحدة فقط، بتواصلها المباشر مع سوريا أو بالعمل مع الاتحاد السوفيتي، يمكنها تقليل مخاطر فوضى إقليمية جديدة. لكنه يعدد العقبات: معارضة إسرائيل لأي حوار مع سوريا، وشك دمشق العميق من الولايات المتحدة، ورفض سوريا مناقشة حلول في لبنان تقلل نفوذها، وتمسكها بشرط أن يكون الاتحاد السوفيتي شريكاً متساوياً في أي مفاوضات ورفض أي تفاوض عربي منفرد مع إسرائيل.
يختتم الفصل باقتراح هدف متواضع وعملي: لا يمكن أن يكون الهدف من الحوار حلاً سريعاً للمشاكل، بل يجب أن تهدف الولايات المتحدة أولاً إلى إعادة تأسيس أساس للتبادل. ويشير إلى أن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب تجاهل السلوك السوري غير المقبول. ويذكر أن مسؤولين أمريكيين سابقين وصفوا الأسد بأنه مستعد لمناقشة أكثر القضايا حساسية بصراحة تامة، وأنه سيرحب بأي اعتراف أمريكي بمخاوفه الأمنية المشروعة تجاه لبنان وإسرائيل. في النهاية، يرى المؤلف أن المسؤولية تقع على عاتق الولايات المتحدة بصفتها قوة عظمى وضامنة لاتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1973، وحتى لو منع انعدام الثقة أي تطورات ذات معنى، فإن محاولة التقارب تبقى واجبة.