Almawred
Syrian Jewry in Transition 1840-1880
English

Syrian Jewry in Transition 1840-1880

Yaron Harel1 janvier 2003enThe Littman Library of Jewish Civilization

يبدأ كتاب "يهود سوريا في فترة التحول 1840-1880" ليارون هاريل من فرضية أن هذه العقود الأربعة لم تكن مجرد فترة عادية في تاريخ الطائفة اليهودية السورية، بل كانت نقطة تحول حاسمة. يدافع المؤلف عن موقف واضح مفاده أن جذور التحول الذي شهدته الطائفة، والمتمثل في انزياحها من الشرق إلى الغرب وانتهائها بهجرة جماعية كبيرة، لا تعود فقط إلى إصلاحات الدولة العثمانية أو التدخل الأوروبي المباشر، بل تمتد إلى القرن الثامن عشر. يرى هاريل أن بذور التغيير نبتت داخل المجتمع اليهودي نفسه، وخاصة مع وصول تجار يهود أوروبيين عُرفوا باسم "الفرانكوس" إلى مدينة حلب، مما خلق ديناميكية جديدة بين النخبة الثرية والقيادة الحاخامية التقليدية.

يبني المؤلف حجته من خلال تتبع مسار متصاعد من التغيرات التي بدأت داخل الطائفة قبل أن تتسارع بفعل العوامل الخارجية. يبدأ الكتاب بوضع الإطار التاريخي والجغرافي، موضحاً أن سوريا كانت مقسمة إلى ثلاث ولايات (حلب، دمشق، صيدا) وأن اليهود عانوا من التدهور الاقتصادي والسياسي مع ضعف الإمبراطورية العثمانية. ينتقل بعدها إلى تحليل البذور الأولى للتغريب، حيث يناقش الصراع الذي نشب في حلب خلال القرن الثامن عشر بين الحاخام الأكبر رافائيل سليمان لانيادو والفرانكوس بقيادة عائلة بيتشوتو. انتهى هذا الصراع بهزيمة الحاخام، مما قوض سلطة الحاخامية التقليدية وأدى إلى انتهاء تقليد توريث منصب الحاخام الأكبر، واستبداله بالانتخاب. يرى هاريل أن هذه الحادثة كانت "لحظة مهمة" نحو الحداثة، لأنها أظهرت كيف يمكن للمال والنفوذ الأوروبي أن يحدا من سلطة الدين.

في الفصول التالية، يقدم الكتاب دراسة ديموغرافية واقتصادية واجتماعية للمجتمع اليهودي. يقدر المؤلف عدد يهود سوريا بنهاية القرن التاسع عشر بنحو 20,000 نسمة، موزعين بين حلب ودمشق. يكشف عن فجوة كبيرة بين المدينتين: ففي دمشق كانت النخبة الثرية صغيرة جداً وتتمتع بقصور فخمة، بينما كانت الأغلبية الساحقة تعيش في فقر مدقع، على عكس حلب التي تميزت بوجود طبقة وسطى كبيرة. يصل التحليل إلى ذروته مع أزمة إفلاس الدولة العثمانية في 6 أكتوبر 1875، والتي أفقرت المصرفيين اليهود في دمشق بين ليلة وضحاها وأدت إلى انهيار الإطار المجتمعي بأكمله، بينما كان التأثير أقل حدة في حلب بسبب تنوع مصادر الثروة.

يتناول الكتاب بعمق مسألة التعليم والصراع بين التقليدي والحديث. هنا، يقدم هاريل مراجعة مهمة للصورة النمطية عن معارضة الحاخامات للتعليم الغربي. يوضح المؤلف أن العوائق الحقيقية أمام تأسيس مدارس الإتحاد الإسرائيلي العالمي (الإيسكا) لم تأتِ من الحاخامات الذين رحبوا بها في معظم الأحيان، بل من النخب الثرية التي أرادت حصر التعليم الحديث في أبنائها ومنع أطفال الفقراء من الالتحاق به. يكشف الفصل عن صراع طبقي حاد في حلب، حيث رفض الفرانكوس مبدأ المساواة في التعليم، بينما أصر مدير المدرسة على فتح أبوابها للجميع. ورغم أن هذه النخب انسحبت من المدارس، إلا أن مبدأ التعليم المجاني ترسخ في النهاية.

تظل العلاقة مع الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية محوراً أساسياً في الكتاب. يقدم هاريل تحليلاً لافتاً للتباين بين وضع اليهود والمسيحيين. ففي الوقت الذي تعرض فيه المسيحيون لمذابح في حلب (1850) ودمشق (1860) بسبب تبنيهم مواقف استفزازية تعتمد على دعم القوى الأوروبية، نجا اليهود من هذا المصير. يعزو المؤلف ذلك إلى "سياسة الانعزال السياسي" التي اتبعها اليهود، والذين تعمدوا البقاء في الظل وعدم إظهار أي حماس لإصلاحات المساواة. يقدم الفصل دليلاً حاسماً على ذلك: ففي أغسطس 1856، احتج رؤساء الطوائف المسيحية بصوت عالٍ على ضريبة بدل التجنيد، بينما أعلن الحاخام يعقوب بيريتس قبوله للضريبة من حيث المبدأ، متجنباً إثارة الغضب. هذا التباين أوضحته مذبحة 1860 التي راح ضحيتها آلاف المسيحيين، بينما لم يصب يهودي بأذى، مما أثار حقد المسيحيين عليهم واتهامهم بالتعاون مع المسلمين.

لكن نجاتهم من العنف لم تحمهم من اتهامات "الدم". يوثق الفصل ما لا يقل عن ثلاث عشرة اتهاماً علنياً بالدم في سوريا بين 1841 و1860، كانت وسيلة لابتزاز اليهود مادياً من قبل الكنائس المسيحية. وفي المذبحة الكبرى التي تلت، اعتقل 125 يهودياً بارزاً بتهمة التعاون مع المسلمين، وحكم على 25 منهم بالإعدام، لكن التدخلات الدبلوماسية اليهودية أنقذتهم.

يمثل الفصل الخاص بالتحول نحو الغرب ذروة الحجة التي يبنيها الكتاب. يبدأ هذا التحول بتطورات مادية كبدء خدمة البواخر المنتظمة عام 1825 والتي أشارت إليها المصادر الحاخامية باسم "سفن النار"، وصولاً إلى التلغراف وتحسين الطرق. ثم ينتقل إلى الصراع بين بريطانيا وفرنسا على النفوذ. بعد قضية دمشق عام 1840، أصبحت بريطانيا الحامي الأكبر لليهود، بينما وقفت فرنسا إلى جانب المتهمين. لكن نقطة التحول جاءت بعد مذبحة 1860، حيث أدرك القنصل الفرنسي الجديد هياسنت ليكار أن كسب ود اليهود هو مفتاح توسيع النفوذ الفرنسي، فقام بمبادرة شخصية لتأسيس أول مدرسة للإيسكا في دمشق عام 1864، مما جذب المزيد من اليهود لطلب الحماية الفرنسية.

يخلص المؤلف إلى أن يهود الغرب أصبحوا "أمراء إسرائيل" الذين يستطيعون حماية يهود المشرق. كانت شخصيات مثل موسى مونتفيوري وأدولف كريمييه همزة الوصل بين يهود سوريا والحكومات الأوروبية. نجحوا في عزل القنصل البريطاني المعادي ريتشارد بورتون عام 1871، وفي إنقاذ اليهود من اتهامات جديدة. لكن هذه الحماية كانت سيفاً ذا حدين؛ إذ زادت من الاعتماد على الغرب، ومع تدهور الاقتصاد السوري بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 وإفلاس الدولة العثمانية عام 1875، أصبحت الهجرة إلى الغرب هي الحل الوحيد. ابتداءً من ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت هجرة جماعية إلى مصر ثم إلى ما وراء البحار، منهية حقبة كاملة من حياة اليهود في سوريا.

يقر المؤلف في مواضع متعددة بحدود دراسته. فهو يعترف بأن التقسيم الأوروبي للتاريخ لا ينطبق على الشرق الأوسط، ويتبنى تصنيف ألبرت حوراني للمراحل التاريخية. كما يقر بأن الدراسة استبعدت مناطق فلسطين ولبنان وشرق الأردن لأن لكل منها خصائصها الفريدة. وبخصوص الإحصاءات السكانية، يؤكد صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب اعتماد المصادر على التقديرات وعدم اكتمال السجلات الداخلية للولادات والوفيات. هذه الاعترافات تمنح الكتاب مصداقية منهجية وتظهر وعي المؤلف بحدود تحليله.

من بين الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، يبرز تفسير المؤلف لعدم هجرة اليهود السوريين إلى فلسطين. فبينما يرى أن الأسباب تعود إلى القرب الجغرافي الذي جعل الزيارات المؤقتة ممكنة دون حاجة للاستيطان، وإدراك اليهود للواقع الاقتصادي الصعب في فلسطين، يمكن القول إن عوامل أخرى كالروابط العائلية القوية أو الخوف من عدم الاستقرار لعبت دوراً أكبر مما يشير إليه الكتاب. كما أن تأكيد هاريل على أن الحاخامات لم يكونوا معادين للتعليم الحديث، رغم قوته، يمكن مناقشته في ضوء حادثة حرق كتاب الحاخام إيليا بن موسى بن عفانعام عام 1865، والتي تشير بوضوح إلى وجود تيار محافظ متشدد رأى في أي فكر جديد تهديداً وجودياً. تضيف هذه التعقيدات طبقة من الغنى للصورة التي يرسمها المؤلف، وتجعل من الكتاب مساهمة قيّمة في فهم مرحلة دقيقة من تاريخ يهود المشرق العربي.

Chapitres(12)

1.18–23▼ résumé

يبدأ هذا الفصل التمهيدي من كتاب "يهود سوريا في فترة التحول 1840-1880" ليارون هاريل بوضع الإطار التاريخي والجغرافي والمنهجي للدراسة. يتمحور الموضوع المحوري للفصل حول كيفية تجربة الطائفة اليهودية السورية، كأقلية ضمن الفسيفساء العثمانية المتنوعة، للتغيرات الجذرية التي اجتاحت الإمبراطورية خلال فترة الإصلاحات المعروفة باسم "التنظيمات" (Tanzimat)، والتي امتدت من عام 1840 إلى 1880. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة كانت نقطة تحول حاسمة، حيث أن بذور التغيير التي زرعت في القرن الثامن عشر، والتي تغذت بمحاولات الإصلاح العثماني، أتت أكلها وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، مما أدى في النهاية إلى تحول جذري في توجه الطائفة من الشرق إلى الغرب، وانتهى بهجرة جماعية كبيرة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة طبقات من التحليل. أولاً، يحدد المؤلف الإطار التاريخي النظري، مستشهداً بمؤرخين مثل ألبرت حوراني (Albert Hourani) وبرنارد لويس (Bernard Lewis) وأبراهام ماركوس (Abraham Marcus). يرى هؤلاء المؤرخون أن القرن الثامن عشر كان مرحلة انتقالية حاسمة للإمبراطورية العثمانية، حيث بدأ ميزان القوى الداخلي والخارجي يتحول. فبينما كانت الإمبراطورية العثمانية تفقد مكانتها أمام القوى الأوروبية الصاعدة، بدأ التغلغل الأوروبي في مناطقها، ممهداً الطريق لتغيرات عميقة في القرن التاسع عشر. ويشير المؤلف إلى معاهدة كارلوفيتز (Treaty of Carlowitz) في 26 يناير 1699 كأحد العلامات البارزة على هذا التحول، حيث أدت إلى تقليص النفوذ العثماني في أوروبا الوسطى والشرقية. يوضح المؤلف أن دراسته تتبنى هذا المنظور، وتنظر إلى القرن الثامن عشر كفترة محورية، مع تركيز خاص على حلب اليهودية خلال تلك الفترة.

ثانياً، يقدم الفصل تبريراً واضحاً لاختيار عام 1840 كنقطة بداية للدراسة. على عكس ما قد يوحي به الحدث الشهير المعروف باسم "قضية دمشق" (Damascus Affair) أو "فرية الدم" (blood libel) عام 1840، والتي اتهم فيها يهود دمشق بقتل راهب مسيحي وخادمه لأغراض طقسية، فإن المؤلف يختار هذا التاريخ لسبب سياسي بحت. السبب هو إعادة الحكم العثماني على سوريا في أواخر عام 1840 بعد فترة من حكم محمد علي المصري التي استمرت نحو ثماني سنوات. يرى المؤلف أن عودة الحكم العثماني وتنفيذ إصلاحات التنظيمات بعده يمثلان بداية حقبة جديدة في تاريخ يهود سوريا. وبينما كانت قضية دمشق حدثاً هاماً جداً في التاريخ اليهودي الحديث، لأنها حفزت المجتمعات اليهودية الغربية وأدت إلى تأسيس التضامن اليهودي العلماني الحديث، إلا أن الكتاب ينظر إلى ما هو أبعد منها ليفهم التحولات الهيكلية والاجتماعية طويلة المدى.

ثالثاً، ينتقل الفصل إلى التعريف الجغرافي والإداري لمنطقة "سوريا" في السياق العثماني، وهو أمر ضروري لفهم حدود الدراسة. يوضح المؤلف أن سوريا لم تكن كياناً سياسياً مستقلاً، بل كانت مقسمة إلى ثلاث مناطق رئيسية: حلب، ودمشق، وصيدا. يشرح المؤلف بالتفصيل التغييرات الإدارية التي شهدتها هذه المناطق، مثل فصل ميناء الإسكندرونة (Alexandretta) عن حلب وضمه إلى أضنة، وإلحاق مدينة أورفة (Urfa) غير العربية بحلب، مما أدى إلى هجرة عائلات يهودية بين المنطقتين. كما يذكر كيف أصبحت بيروت (Beirut) عاصمة ولاية صيدا، وكيف تم منح لبنان وضعاً خاصاً كمنطقة حكم ذاتي في عام 1861. تحدد الدراسة "سوريا" بناءً على التقسيم الإداري العثماني لتشمل أورفة، لكنها تستبعد مناطق لبنان، وشرق الأردن، وفلسطين، معتبرة أن لكل منها خصائصها الفريدة التي تستحق دراسة مستقلة.

رابعاً، يحلل الفصل العلاقة بين المركز العثماني وولاية سوريا الطرفية. على الرغم من أن سوريا كانت أقل أهمية استراتيجياً من الأناضول والبلقان، إلا أنها كانت تمتلك أهمية دينية واقتصادية واستراتيجية. فمن الناحية الدينية، كانت دمشق نقطة انطلاق قافلة الحج السنوية إلى مكة، مما عزز مكانة السلطان كـ "أمير المؤمنين". ومن الناحية الاقتصادية، كانت حلب ودمشق تقعان على مفترق طرق التجارة بين الشرق والغرب، خاصة على طرق القوافل المتجهة إلى بغداد وبلاد فارس والهند. ومن الناحية الاستراتيجية، شكلت سوريا خط الدفاع الأخير للإمبراطورية ضد غزو محمد علي المصري في بدايات القرن التاسع عشر.

خامساً، يصف الفصل التدهور في أوضاع اليهود السوريين مع ضعف الإمبراطورية العثمانية. فقد ترك ضعف السلطة المركزية الطائفة اليهودية عرضة لأهواء الحكام المحليين المتمردين مثل جزار باشا (Jazzar Pacha)، وكان وضع اليهود يتأرجح بين الحماية والاضطهاد حسب نزوة هؤلاء الحكام. كما أن القوانين التمييزية، مثل تلك المتعلقة بلون الملابس، كانت تطبق وتعفى بشكل متقطع. ومع ذلك، مع اجتياح محمد علي لسوريا في عام 1832، تحسن وضع اليهود مؤقتاً سعياً لكسب ود القوى الأوروبية. لكن في الأيام الأخيرة من حكمه، اندلعت قضية دمشق عام 1840، والتي أنقذ اليهود السوريين من أسوأ عواقبها فقط بفضل التدخل النشط من يهود أوروبا. يصف الفصل الفترة التي سبقت عودة الحكم العثماني بأنها واحدة من أحلك فترات يهود سوريا، حيث كانت الطائفة منهكة بالضرائب، ومعزولة عن المراكز اليهودية الأخرى، ومُذلّة ومضطهدة من قبل المجتمعات المسلمة والمسيحية.

أخيراً، يحدد الفصل المنهجية التي سيسير عليها الكتاب. فقد استند البحث إلى مجموعة واسعة من المصادر الأرشيفية، بما فيها وثائق يهودية ومسيحية عربية ومسلمة عثمانية وأوروبية، وتقارير قنصلية، ومذكرات سفر، وتقارير صحفية معاصرة، وتقارير من مبعوثي منظمة "الإتحاد الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israélite Universelle) الفرنسية. كما تم استخدام المصادر الحاخامية مثل "الأسئلة والأجوبة" (responsa) لفهم الحياة اليومية والاهتمامات اليهودية. وقد كانت أرشيفات مكتب الحاخامية الكبرى في إسطنبول ذات أهمية خاصة، حيث تحتوي على العشرات من الرسائل من قادة الطائفة اليهودية في دمشق وحلب إلى الحاخام باشي (كبير الحاخامات) يطلبون تدخله مع الباب العالي.

يقر المؤلف بأن عملية التحديث العثماني كانت مختلفة عن نظيرتها الأوروبية، وأن التقسيم الأوروبي للتاريخ إلى عصور قديم ووسيط وحديث لا ينطبق بالضرورة على الشرق الأوسط، بل يتبنى الإطار الذي اقترحه ألبرت حوراني، والذي يسمي الفترة الممتدة من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر بـ "العصر العثماني"، والفترة التي تبدأ في القرن التاسع عشر وتنتهي عشية الحرب العالمية الثانية بـ "عصر الإمبراطوريات الأوروبية". كما يقر المؤلف بأن المنطقة اللبنانية وفلسطين وشرق الأردن لها خصائصها الفريدة التي تستحق دراسات مستقلة، ولذلك تم استبعادها من نطاق هذا الكتاب، مع الاعتراف بأن يهود هذه المناطق لا ينتمون للهوية السورية التي هي محور الدراسة.

في مجمل الفصل، يبني المؤلف حجة قابلة للنقاش، وهي أن الهجرة اليهودية إلى الغرب لم تكن مجرد رد فعل على الاضطهاد، بل كانت نتيجة تراكمية لسلسلة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي بدأت في القرن الثامن عشر وبلغت ذروتها مع انهيار الإصلاحات العثمانية. يحدد الفصل ثلاث علامات بارزة على بداية انحدار يهود سوريا: افتتاح قناة السويس في 1869، وإفلاس الإمبراطورية العثمانية في 1875، وتعليق الدستور العثماني في 1878 الذي أنهى فترة الإصلاح. من هذه النقطة، أصبح مستقبل يهود سوريا مرتبطاً بالغرب، وبدأت الطوائف اليهودية السورية بالتضاؤل منذ أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر بسبب تيار الهجرة، أولاً إلى مصر ثم إلى ما وراء البحار. هذه الرؤية للهجرة كتتويج حتمي لعملية تحول طويلة هي جوهر ما يقدمه هذا الفصل التمهيدي القوي.

1.علامات التغريب الأولى26–39▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل، الأول من الكتاب، حجر الأساس لفهم التحول الذي طرأ على الطائفة اليهودية السورية في القرن التاسع عشر. يتمحور الموضوع المحوري حول بدايات التغريب، ويقدّم المؤلف إجابة واضحة: إن بذور هذا التغيير لم تنبت نتيجة الغزو الأوروبي أو إصلاحات الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، بل تعود جذورها إلى فترة أبكر، وتحديداً إلى وصول تجار يهود من أوروبا، عُرفوا باسم "الفرانكوس" (Francos)، إلى مدينة حلب في النصف الأول من القرن الثامن عشر.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بتقديم السياق التاريخي والتجاري الذي مهّد لوصول هؤلاء التجار. فقد كانت حلب مركزاً تجارياً دولياً هاماً، ومع ازدياد النشاط التجاري الفرنسي في أواخر القرن السابع عشر، الذي حظي بامتيازات ودعم قنصلي، ازداد انخراط التجار اليهود الإيطاليين، مثل هيلل بن صموئيل بيتشوتو (Hillel Picciotto) القادم من ليفورنو (Livorno) حوالي عام 1738، في هذه التجارة المزدهرة. لم يأتِ هؤلاء التجار ليقيموا إقامة مؤقتة، بل أسسوا بيوتاً تجارية كبرى، وسرعان ما أصبحت أسرة بيتشوتو واحدة من أهم هذه البيوت، مما جذب المزيد من المستوطنين اليهود الأوروبيين الذين أطلقت عليهم الجماعة المحلية لقب "سيغنوري فرانشيس" (Signores Frances).

يشرح المؤلف بعد ذلك الطبيعة المزدوجة لهذه الجماعة الجديدة. فالفرانكوس، من ناحية، عاشوا منفصلين عن الحي اليهودي التقليدي، واحتفظوا بهويتهم الأوروبية، وارتدوا ملابس مختلفة، وحلقوا لحاهم، ولم يخضعوا للقوانين العثمانية التمييزية (الذمّة) التي كانت تُطبق على اليهود المحليين، بل تمتعوا بحماية القوى الأوروبية، وخاصة فرنسا. لكنهم، من ناحية أخرى، لم يؤسسوا إطاراً دينياً منفصلاً. بل صلّوا مع الجماعة المحلية، وتبرعوا بسخاء لمؤسساتها الخيرية والتعليمية، ودعموا علماءها. ومع أنهم رفضوا الخضوع لسلطة القيادة اليهودية المحلية وقوانينها (التكانوت)، إلا أن وجودهم بدا في البداية مفيداً اقتصادياً، حيث وفّروا فرص عمل لليهود المحليين كمترجمين وكتّاب ووسطاء ووكلاء، مانحين إياهم أجراً جيداً وميزة الإعفاء من القانون العثماني، مما أدى إلى نشوء نخبة محلية جديدة.

يصل الفصل إلى ذروته في النزاع الذي نشب بين النخبة الجديدة والقيادة اليهودية التقليدية، وتحديداً مع الحاخام الأكبر رافائيل سليمان لانيادو (Raphael Solomon Laniado). بدأ الخلاف في أواخر ستينيات أو سبعينيات القرن الثامن عشر حول ما إذا كان الفرانكوس وموظفيهم اليهود خاضعين للوائح الطائفة وضرائبها. لم يكتفِ الحاخام لانيادو برفض مطالبة الفرانكوس بالإعفاء، بل سعى إلى فرض سلطته عليهم. وقد استخدم الوسائل التقليدية لحل الخلاف، لكنه فوجئ بمواجهة معارضة شرسة ليس فقط من الفرانكوس، بل ومن الطبقة العلمية في الطائفة، التي انحازت إلى الفرانكوس خوفاً من فقدان دعمهم المالي، ومن عائلات البارناسيم (أعضاء مجلس القيادة) التي كانت مرتبطة بهم بمصالح اقتصادية. انتهى النزاع بهزيمة الحاخام لانيادو، مما شكل "صدعاً" في سلطة الحاخامية المطلقة.

يُظهر المؤلف أن لهذا النزاع تداعيات بعيدة المدى تجاوزت مسألة الإعفاء من الضرائب. فقد أدى إلى تراجع سلطة الطبقة الأرستقراطية الوراثية وبروز أوليغارشية قائمة على الثراء، مما مهّد لظهور طبقة وسطى يهودية. الأهم من ذلك، أنه قوّض التقليد الموروث في انتقال منصب الحاخام الأكبر من الأب إلى الابن، وهو تقليد كان سائداً في حلب ودمشق. فعند وفاة الحاخام رافائيل لانيادو عام 1793، وخلفه ابنه إفرايم الذي توفي دون ذرية عام 1805، انتهت سلالة آل لانيادو الحاكمة في حلب، وتوقف تقليد التوريث في حلب وفي دمشق التي تبعتها لاحقاً، حيث حلّت الانتخابات محل الوراثة. يعترف المؤلف بأن التغيير لم يكن شاملاً أو فورياً، ويقرّ بأن وضع الحاخام الأكبر ظلّ معترفاً به من قبل الدولة والجماعة حتى منتصف القرن التاسع عشر، لكنه يصرّ على أن هذه الحادثة كانت "لحظة مهمة" و"تحولاً بعيداً عن العالم القديم نحو الحداثة".

يختتم الفصل بوضع هذه الأحداث في سياقها الأوسع. يختلف المؤلف مع المؤرخ أبراهام ماركوس الذي يرى أن حلب في القرن الثامن عشر لم تكن مجتمعاً في حالة انتقال نحو الحداثة. فبحسب المؤلف، المجتمع اليهودي في حلب كان مختلفاً عن المجتمع المسلم، لأنه استوعب داخلَه يهوداً أوروبيين حاملين لثقافة جديدة. بالتالي، فإن تغلغل الأفكار الجديدة حدث من داخل الطائفة قبل خمسين عاماً من الحملة الفرنسية على مصر. وقد أدى ذلك إلى خلق وضع غير مسبوق: أصبح بإمكان المرء أن يبقى خارج المجتمع اليهودي قانونياً وجسدياً، ومع ذلك يمارس تأثيراً كبيراً عليه. يرى المؤلف أن هذه التطورات، التي لم تصاحبها هجر للدين، لم تشكل تهديداً أيديولوجياً لأسس اليهودية التقليدية، لكنها وضعت يهود سوريا على طريق التحديث الذي سيتسارع مع تطبيق إصلاحات التنظيمات (Tanzimat) في القرن التاسع عشر.

3.اليهود في الاقتصاد المحلي44–50▼ résumé

يُحاول هذا الفصل تقدير حجم السكان اليهود في سوريا بين عامي 1840 و1880، ويُقرّ بصعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب اعتماد جميع المصادر على التقديرات وليس على بيانات قاطعة. يوضح الكاتب أن التعدادات العثمانية، سواءً الأول في 1848 أو التعدادات اللاحقة بين 1881 و1893، لم تكن شاملة، وكان الغرض الأساسي منها هو تعزيز تحصيل الضرائب. كما أن المجتمعات اليهودية والمسيحية كانت تنظر إليها بعين الشك وتحاول إخفاء أعدادها الحقيقية لتقليل الالتزامات المالية ورسوم الإعفاء من الخدمة العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، يفتقر الفصل إلى سجلات داخلية للولادات والوفيات، خاصةً بسبب الأوبئة الشديدة التي اجتاحت سوريا حتى منتصف القرن التاسع عشر، مما يعيق الوصول إلى صورة ديموغرافية كاملة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى دراسة أنماط الهجرة، ويجد أن سوريا لم تكن وجهة رئيسية للهجرة اليهودية الوافدة، لكنه يوثق هجرات محدودة. فمن الجزائر، بدءاً من الغزو الفرنسي عام 1830 وحتى 1848، هاجرت حوالي ثلاثين عائلة يهودية إلى دمشق بقيادة الأمير عبد القادر، ليصل عددها لثمانين عائلة بحلول نهاية القرن. كما هاجرت بعض العائلات الأشكنازية من أوروبا، خاصة من بولندا وروسيا، واندمجت في المجتمع المحلي. وجاء مهاجرون أيضاً من فارس، بخارى، سمرقند، الهند، والعراق. ومع ذلك، فإن تراجع مكانة سوريا في التجارة الدولية جعلها أقل جذباً، مما ساهم في التماسك الداخلي للمجتمع اليهودي. أما الهجرة الداخلية فكانت من القرى إلى المدن، كما حدث بعد زلزال 1822 المدمر الذي نقل يهوداً من حلب إلى دمشق، مما رفع عدد يهود دمشق من حوالي ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف. كما أدى اندثار جماعة حماة اليهودية وتحول آخر يهودي فيها إلى الإسلام، وتفكك جماعة حاصبيا بعد حرب 1860 بين المسيحيين والدروز، إلى زيادة عدد يهود دمشق. وفي أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، أدى التدهور الاقتصادي إلى هجرة من دمشق وحلب وبلداتهم المجاورة إلى بيروت وما وراء البحار، مما أدى إلى تقلص المجتمعات الصغيرة.

يخصص الفصل فقرة مهمة لتحليل غياب الهجرة اليهودية السورية الكبيرة إلى إيالت إسرائيل، على الرغم من قربها الجغرافي. يعزو الكاتب ذلك إلى عدة أسباب: أولاً، أن القرب جعل الزيارات المؤقتة والحج أمراً ممكناً دون حاجة للاستيطان الدائم. ثانياً، أن المكانة الدينية لسوريا لدى بعض الحاخامات (حيث اعتُبرت ذات قداسة جزئية) قللت من الحاجة الملحة للهجرة. والأهم من ذلك، أن اليهود السوريين لم يكونوا يخدعون أنفسهم بأوصاف توراتية خيالية عن الأرض المقدسة، بل كانوا يدركون واقعها الاقتصادي الصعب تحت الحكم العثماني. أولئك الذين استقروا بشكل دائم في فلسطين كانوا غالباً من كبار السن أو العلماء الراغبين في الموت والدفن في القدس، أو من هربوا من ضغوط اقتصادية أو سياسية معينة.

بعد عرض صعوبات الإحصاء، يقدم الفصل جداول رقمية (الجدول 2.1 و2.2) تُلخص تقديرات السكان. من خلال تحليل النتائج الأكثر موثوقية من تعداد 1882/3-1893، يستخلص الكاتب اتجاهاً ديموغرافياً عاماً: كان مجتمع حلب اليهودي أكبر من مجتمع دمشق خلال معظم الفترة، وشهد كلاهما نمواً مطرداً نتيجة ارتفاع معدل المواليد وانخفاض الوفيات بسبب تراجع الأوبئة، بينما كانت المجتمعات التابعة تفقد سكانها. وبنهاية القرن التاسع عشر، مع بدء الهجرة الجماعية إلى الخارج، كان هناك حوالي 20,000 يهودي في سوريا.

ينتقل الفصل لتحليل البنية الاجتماعية الداخلية، مؤكداً أن المجتمع اليهودي، رغم مظهره الخارجي المتجانس، لم يكن متجانساً على الإطلاق. كان منقسماً بشكل أساسي بين أغنياء وفقراء، وبين ذوي التوجهات الغربية/الحديثة والشرقية/المحافظة، بالإضافة إلى تقسيمات حسب النسب والحماية القنصلية. يركز الفصل على الفروق الهيكلية بين المجتمعتين الرئيسيتين في دمشق وحلب. ففي دمشق، كان المجتمع مستقطباً بين نخبة صغيرة جداً من العائلات الثرية (حوالي عشر عائلات) تمتلك قصوراً فخمة وتتمتع بنفوذ كبير، وأغلبية ساحقة من الفقراء المدقعين الذين يعيشون في "حفر وأوكار". كان الأثرياء يتباهون بثرائهم ويستقبلون السياح الغربيين بحفاوة لإظهار توجههم الغربي وتميزهم عن السكان المحليين، بينما كان الفقراء يعانون من الجوع والبطالة.

على النقيض من ذلك، كان مجتمع حلب اليهودي يتميز بوجود طبقة وسطى كبيرة، مما جعل الفجوة بين الأغنياء والفقراء أقل حدة. لم يكن أثرياء حلب بنفس مستوى البذخ الذي كان لدى أثرياء دمشق، ومعظم السكان ينتمون إلى الطبقة المتوسطة. على الرغم من ذلك، كان لدى أثرياء حلب أيضاً خدم وقضاء عطلات في منتجعات جبلية، بينما كان الفقراء لا يستطيعون شراء اللحم حتى في السبت والأعياد. لكن وجود الطبقة الوسطى خفف من وطأة عدم المساواة. هذه الفجوة الاقتصادية لم تقتصر على المدن الكبرى، بل ظهرت أيضاً في بلدات صغيرة مثل أورفة، حيث قامت عائلة دايان الثرية ببناء منازل حجرية فخمة مزودة بأثاث غربي في مجتمع فقير في الغالب.

يختتم الفصل بمناقشة مفهوم "النخبة" و"المكانة"، مؤكداً أن الثروة لم تكن العامل الوحيد المحدد للمكانة الاجتماعية. كان النسب الرفيع، خاصةً النسب الداودي، يضفي مكانة كبيرة. ويُسلط الضوء على عائلة دايان الحلبية كمثال بارز، حيث كان أفرادها لقرون يشغلون منصب الحاخام الأكبر ورئيس المحكمة (الدايان)، وممثل الجماعة أمام السلطات العثمانية، مما أكسبهم شرفاً ودخلاً. ويشير الفصل إلى توتر ساد في القرن السادس عشر بين اليهود القادمين من إسبانيا (السفارديم) واليهود المحليين (المستعربة)، الذين سعوا إلى إخضاع السفارديم لسلطة آل دايان، لكن المجتمعين اندمجا في النهاية.

في تحليل موضوعي، يبني الفصل حجته على أساس منهجي سليم بالاعتراف بصعوبة الحصول على بيانات دقيقة، مما يمنحه مصداقية. النقطة القابلة للنقاش بوضوح هي تبرير عدم هجرة اليهود السوريين إلى فلسطين، حيث يعتمد التفسير على مزيج من العوامل الدينية والواقعية (الظروف الصعبة في فلسطين). بعض القراء قد يجادلون بأن عوامل أخرى، مثل الروابط العائلية القوية داخل سوريا أو الخوف من عدم الاستقرار في فلسطين، لعبت دوراً أكبر مما يشير إليه الكاتب. لكن الطرح يظل متسقاً مع المنطق العام للفصل الذي يؤكد على الاستقرار النسبي والتماسك الاجتماعي للمجتمع اليهودي السوري خلال هذه الفترة الانتقالية.

4.القيادة والإدارة المجتمعية51–93▼ résumé

يبدأ الفصل بالإشارة إلى أن المجتمع اليهودي السوري، رغم مظهره المتجانس، كان في الواقع مجتمعاً طباقياً بشكل ملحوظ، منقسماً أساساً حسب الثروة والتوجه نحو الغرب أو الشرق. يقدم المؤلف يارون هاريل تحليلاً للبنية الاجتماعية الداخلية ليهود سوريا في الفترة بين 1840 و1880، مركزاً على مدينتي حلب ودمشق. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن هذا المجتمع كان يتكون من نخب متعددة ومتداخلة، لكل منها مصادر قوتها ومكانتها، وأن هذه التركيبة المعقدة شكلت الحياة الداخلية للطائفة وعلاقاتها بالسلطة والعالم الخارجي.

يسير الفصل خطوة بخطوة بتفكيك هذه الطبقات. يبدأ بوصف طبقة النخبة الأرستقراطية القديمة، ممثلة بعائلة دايان في حلب. ورغم أن أفراد هذه العائلة لم يعودوا يرأسون المحكمة الحاخامية، إلا أنهم احتفظوا بامتيازاتهم الرمزية التي اعتُبرت رمزاً للحفاظ على الماضي وعمق الجذور السورية اليهودية، بل وربطها البعض بآمال الخلاص المستقبلية المرتبطة ببيت داود. في المقابل، كانت عائلة فرحي في دمشق تتمتع بمكانة خاصة، وإن لم تكن مؤسسية رسمياً، لكنها جسّدت القوة والمكانة التي تمتع بها يهود سوريا في القرن السابق بفضل مناصبهم العليا في خدمة الحكام.

ثم ينتقل الفصل إلى طبقة الفرانكوس، وهم اليهود الأوروبيون الذين استقروا في حلب وحافظوا على هوية متميزة عن المجتمع اليهودي المحلي. يعزو المؤلف بقاء هذه الطبقة منفصلة لدورها القنصلي، وخاصة عائلة بيتشوتو، التي تمسكت بالعادات الأوروبية والتوجه الغربي. ومع تآكل مكانتهم الخاصة في القرن التاسع عشر، ازدادت جهودهم للحفاظ على هيبتهم كطبقة اجتماعية عليا، تجلت في دعمهم للتعليم الحديث وجمعية الإتحاد الإسرائيلي العالمي، مما أثار معارضة داخل المجتمع. كما تظهر طبقة نخبوية جديدة في منتصف القرن، وهي المحميون الأجانب من اليهود الأثرياء المحليين الذين حصلوا على حماية قنصلية أوروبية للتهرب من الضرائب والأنظمة العثمانية والطائفية، مما زاد من نفوذهم.

يتناول الفصل بعد ذلك الطبقة العلمائية (الحاخامات والعلماء) التي حظيت بمكانة اجتماعية عالية بفضل علمها ودورها الديني والتعليمي والقضائي. يصف الفصل تسلسلها الهرمي الداخلي وامتيازاتها، مثل الإعفاءات الضريبية والدعم المالي من الأثرياء الذين كانوا يرون في دعمهم للعلماء استثماراً للأجر الإلهي. لكن الفصل يقر بأن هذه الطبقة عانت من الفقر أحياناً، مما اضطر العلماء الشباب لترك الدراسة للعمل. ومع إفلاس الدولة العثمانية في 1875 وتأثر الأثرياء بذلك، تدهور وضع العلماء بشكل كبير. ونتيجة لهذه التهديدات، بدأ العلماء في أواخر القرن التاسع عشر باتخاذ خطوات لتنظيم أوضاعهم وحماية مكانتهم.

أما عن الحراك الاجتماعي، فيرى المؤلف أن المجتمع لم يكن مغلقاً تماماً، فكان بإمكان الفقير أن يكتسب ثروة، والعبقري أن يصبح عالماً، والزواج أن يمنح هيبة. ومع ذلك، يقر الفصل بأن هذه الحركة كانت محدودة عملياً، إذ ظلت النخب الثرية مسيطرة على القيادة المجتمعية.

ينتقل الفصل إلى وضع المرأة اليهودية السورية، فيصورها ككائن مهمش يتلخص دوره في إدارة المنزل وخدمة الزوج والأبناء، مع تفضيل الذكور منذ الولادة. ويشير إلى أن الزواج كان بمثابة قدر للمرأة، وأنها نادراً ما كان لها رأي في اختيار زوجها، وأن الجهل كان سمة غالبة عليها لحرمانها من التعليم. لكن الفصل يذكر أن الحاخامات بذلوا جهوداً لتحسين وضع المرأة داخل الأسرة، مثل إضافة شروط في عقود الزواج تحميها، والتصدي للعنف الأسري. إلا أن هذا الوضع لم ينطبق على النساء الأرستقراطيات الثريات من عائلات الفرانكوس، اللواتي تمتعن بحياة اجتماعية أكثر انفتاحاً وارتدين ملابس أوروبية. يشير الفصل إلى أن سلوك هؤلاء النساء أثر على نساء الطبقة المتوسطة، مما أدى أحياناً إلى الإسراف والإفلاس. كما أن هذه النخبة الثرية سعت لتعليم بناتها، مما لعب دوراً حاسماً في بدايات تحسين وضع المرأة، وبلغ ذروته بتأسيس لجنة نسائية لجمعية الإتحاد الإسرائيلي العالمي في 1885.

في القسم الخاص بالاقتصاد، يوضح الفصل كيف أن تراجع الاقتصاد العثماني أثر بشدة على سوريا، وجعل التجارة والصناعة المحلية تعاني من المنافسة الأوروبية. وركز معظم يهود دمشق على الصيرفة والإقراض، بينما استمرت نخبة حلب التجارية في التجارة الدولية. يعرض الفصل بالتفصيل أنشطة الإقراض اليهودي: قروض للحكومة العثمانية، وللشركات التجارية، وللفلاحين بفوائد باهظة، مما أدى إلى سيطرة المصرفيين اليهود على قرى بأكملها. يقر المؤلف بأن هذه الممارسات أضرت بصورة بريطانيا، التي كانت تحمي هؤلاء المصرفيين، مما دفعها لتغيير سياستها لاحقاً.

يصل الفصل إلى ذروته مع إعلان إفلاس الدولة العثمانية في 6 أكتوبر 1875. يصف هذا الحدث بأنه كارثة للطائفة في دمشق، حيث خسر المصرفيون اليهود عشرين مليون فرنك فرنسي، مما أفقرهم بين ليلة وضحاها وأدى إلى انهيار الإطار المجتمعي اليهودي بأكمله في المدينة. في المقابل، كان التأثير أقل حدة في حلب لأن ثروة يهودها كانت موزعة في التجارة والزراعة الضريبية، وليس في سندات الخزانة العثمانية. وأخيراً، يقدم الفصل وصفاً للأنشطة الاقتصادية المتنوعة لليهود خارج القطاع المالي، من حرفيين وتجار وصناعيين، مع ملاحظة الفارق بين وجود طبقة وسطى قوية في حلب وغيابها في دمشق، حيث اعتمد عامة اليهود على الحرف اليدوية والنسيج.

في الختام، لا يطرح الفصل حججاً قابلة للنقاض بشكل واضح بقدر ما يقدم صورة معقدة ومتداخلة للطبقات الاجتماعية. لكن يمكن ملاحظة أن المؤلف يميل إلى تقديم تفسير بنيوي للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يرى أن مكانة الفرد تتحدد بمزيج من الثروة والنسب والعلم والحماية الأجنبية، وأن هذه العوامل ليست مستقلة بل متشابكة. كما أن الربط بين السلوك الاقتصادي (مثل الإقراض بفوائد باهظة) والسياسة (مثل الحماية البريطانية) وآثاره الاجتماعية (مثل إفلاس قرى بأكملها وانهيار المجتمع) يمثل حجة ضمنية قوية حول تداخل هذه المستويات. حدود الفصل واضحة، فهو يركز على مدينتين رئيسيتين (حلب ودمشق) وقد لا ينطبق وصفه بالكامل على مجتمعات يهودية سورية أخرى. كما أن اعتماده على تقارير القناصل الأوروبيين والصحافة اليهودية قد يعكس وجهة نظر النخب أكثر من عامة الناس.

4.المسلمون والمسيحيون واليهود295–310▼ résumé

يُحلل هذا الفصل من كتاب "يهود سوريا في مرحلة انتقالية (1840-1880)" للباحث يارون هاريل العلاقات المعقدة بين المسلمين والمسيحيين واليهود في سوريا العثمانية خلال فترة الإصلاحات المعروفة باسم "التنظيمات". يتمحور الموضوع المحوري حول كيفية تأثير هذه الإصلاحات، التي هدفت نظرياً إلى تحقيق المساواة بين جميع الرعايا بغض النظر عن دينهم، على وضع اليهود وعلاقاتهم مع الجماعتين الأخريين، وكيف أدت هذه التغييرات إلى إعادة تشكيل ديناميكيات القوة والتوترات الطائفية.

يسير الفصل عبر فقرات متداخلة، لا يقدم فيها هاريل سرداً زمنياً بحتاً، بل يحلل عوامل متشابكة. يبدأ الفصل بوضع السياق العام، مشيراً إلى أن مرسوم كلخانة (1839) ومرسوم الإصلاحات (1856) منحا المسيحيين واليهود حقوقاً جديدة، الأمر الذي أثار استياءً بين المسلمين الذين رأوا في ذلك تقويضاً لأعراف كانت تمنحهم مكانة متميزة. يشرح الكيفية التي أدى بها هذا التغيير القانوني، جنباً إلى جنب مع النفوذ الاقتصادي والسياسي المتزايد للقوى الأوروبية التي كانت تتخذ من حماية الطوائف المسيحية ذريعة للتدخل، إلى خلق توترات جديدة. لم تكن هذه التوترات ببساطة بين المسلمين من جهة وغير المسلمين من جهة أخرى، بل كانت أكثر تعقيداً، إذ تنافست الجماعات المسيحية المحلية على النفوذ، واستفاد بعض اليهود أيضاً من الحماية القنصلية الأوروبية.

يستخدم المؤلف أدلة متعددة لتوضيح حججه. على سبيل المثال، يناقش بالتفصيل أحداث عام 1850 في حلب، حيث اندلعت أعمال شغب عنيفة استهدفت المسيحيين بشكل أساسي، لكنها كشفت عن هشاشة الوضع. يبين هاريل أن يهود حلب لجأوا إلى حماية جيرانهم المسلمين خلال هذه الأحداث، مما يظهر أن التحالفات لم تكن دائماً على أسس طائفية صارمة، بل كانت تتأثر بالعلاقات الشخصية والاقتصادية والتجارية القديمة. مثال آخر هو تحليله لتأثير قضية دمشق 1840، وهي تهمة "الدم" الشهيرة التي اتهم فيها يهود دمشق بقتل راهب مسيحي لاستخدام دمه في الخبز. يوضح المؤلف كيف أن هذه القضية، رغم أنها مثلت لحظة خطر كبير، أظهرت أيضاً تدخل القوى الأوروبية (مثل بريطانيا وفرنسا والنمسا) لصالح اليهود، مما عزز مكانتهم النسبية لكنه زاد من تعقيد علاقاتهم مع كل من المسلمين والمسيحيين المحليين.

بالنسبة للمسلمين، أصبح اليهود أحياناً يُنظر إليهم كحلفاء محتملين ضد النفوذ المسيحي المتعاظم، بينما نظر إليهم المسيحيون كمنافسين جدد على الامتيازات. يقدم الفصل أرقاماً وتواريخ هامة، مثل الإشارة إلى العدد السكاني لليهود في حلب (حوالي 10,000 نسمة) وفي دمشق، وتواريخ إنشاء أولى مدارس "الإليانس" (التحالف الإسرائيلي العالمي) في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، وكيف أثرت هذه المدارس في خلق نخبة يهودية جديدة متعلمة على الطريقة الأوروبية. يناقش المؤلف دور شخصيات بارزة مثل الحاخام الأكبر يعقوب عنتيبي الذي حارب الإصلاحات الدينية، وعائلة فرحي اليهودية الثرية التي كان لها نفوذ كبير، وكيف تداخلت مصالحهم مع السلطات العثمانية والقناصل الأجانب.

يعترف هاريل بحدود التحليل، مشيراً إلى أن المشاعر والمواقف اليومية يصعب تتبعها بدقة عبر الوثائق الرسمية، وأن الكثير من التفاعلات بقيت غير موثقة. يقر بأن العلاقات لم تكن عدائية دائماً، بل كانت تتسم في أحيان كثيرة بالتعايش السلمي والتعاون الاقتصادي الوثيق، خاصة بين الحرفيين والتجار من مختلف الأديان. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول مدى استيعاب عامة الناس لقوانين المساواة، ومدى ارتباط التغيرات في العلاقات بالعوامل الاقتصادية أكثر منها بالعقائدية.

يمكن القول إن إحدى الحجج القابلة للنقاش ضمن الفصل هي تأكيده على أن سياسات الإصلاحات العثمانية، التي كانت تهدف لتوحيد الإمبراطورية، أدت في الواقع إلى تعميق الانقسامات الطائفية من خلال منح امتيازات لجماعات بعينها. هذه المقاربة تتحدى النظرة التبسيطية لإصلاحات "التنظيمات" كمشروع تحريري بحت، وتبرز مفارقة مفادها أن محاولة خلق مواطنة متساوية أدت، في سياق سوريا في منتصف القرن التاسع عشر، إلى اشتداد الصراع على الهوية والمكانة، مما جعل الطائفية أكثر وضوحاً وليس أقل.

5.التعليم—التقليدي والحديث94–275▼ résumé

ملخص الفصل الخامس: "التعليم—التقليدي والحديث" من كتاب "Syrian Jewry in Transition 1840-1880" ليارون هاريل

يتناول هذا الفصل التحول في أنظمة التعليم داخل المجتمعات اليهودية في سوريا بين عامي 1840 و1880، ويركز على الصراع والتفاعل بين التعليم التقليدي والحديث. يقدم المؤلف حجة مركزية مفادها أن المعارضة المزعومة من قبل الحاخامات للتعليم الحديث كانت أقل حدة وأكثر تعقيداً مما يُعتقد عادة، وأن العوائق الحقيقية أمام التحديث التعليمي جاءت غالباً من النخب الثرية والمصالح الطبقية.

يبدأ الفصل بوصف نظام التعليم التقليدي (الكتاتيب) الذي كان سائداً في أوائل القرن التاسع عشر. كان الهدف الرئيسي لهذا النظام هو الحفاظ على التماسك المجتمعي والديني، وليس تنمية الفكر النقدي أو المهارات المهنية. يوضح الفصل أن الأطفال الفقراء كانوا يدرسون في مؤسسات جماعية مزدحمة، حيث جلسوا على الأرض في غرف غير مفروشة، وكان منهجهم يقتصر على الصلاة والتوراة والتلمود، دون أي دراسة للعلوم الدنيوية أو حتى اللغة العربية المحلية. في دمشق على سبيل المثال، كان هناك كتاب واحد يضم حوالي عشرة صفوف، يتراوح عدد التلاميذ في كل صف من 25 إلى 60 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و13 عاماً. على النقيض، كان أبناء الأثرياء يتلقون تعليماً خاصاً متقدماً في منازلهم، مما يعكس التقسيم الطبقي الحاد في المجتمع.

يصف الفصل واقع التعليم في حلب على أنه أقل تفاوتاً وأكثر تقدماً نسبياً، وذلك بفضل تأثير عائلات الفرانكو. فقد أسس الفرانكو، وهم تجار يهود أوروبيون، مدرستين في حلب منذ القرن الثامن عشر. كانت ظروف الدراسة أفضل، حيث تم توزيع 500 تلميذ على 12 إلى 15 موقعاً مختلفاً، مما قلل الازدحام. كما اشتمل المنهج على فهم القراءة وليس فقط الحفظ، وكان هناك هيئة إشرافية تختبر الطلاب كل سبت. مع ذلك، يؤكد المؤلف أن الهدف النهائي للتعليم الابتدائي في كلا المدينتين كان واحداً: غرس التقاليد اليهودية وضمان استقلالية المجتمع، وليس إعداد الطلاب للحياة العملية.

بالنسبة للتعليم الديني العالي، يصف الفصل حالة المدارس التلمودية العليا (اليشيفات). في دمشق، تراجع مستوى تعلم التوراة منذ ستينيات القرن التاسع عشر، حيث كانت اليشيفات تعتمد على دعم النخبة الثرية التي أفلس الكثير منها عام 1875، مما أدى إلى انخفاض عدد العلماء ومستوى الدراسات. في المقابل، حافظت حلب على مستوى عالٍ من الدراسات التلمودية، بفضل وجود يشيفا مركزية قوية وطبقة وسطى متعلمة. ويشير المؤلف إلى أن قرار افتتاح مطبعة عبرية في حلب عام 1865 يدل على هذا المستوى العلمي المرتفع.

فيما يخص تعليم الفتيات، يذكر الفصل أن هذا الأمر كان يعتبر غير مجدٍ في الشرق الأوسط بأكمله، حيث كانت المرأة محصورة في المنزل. لذلك، لم تكن هناك مؤسسات تعليمية للفتيات قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت معظم النساء اليهوديات أميات، باستثناء بعض بنات الأسر الثرية اللواتي درسن على يد مدرسين خصوصيين أو في مدارس إرسالية مسيحية.

ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن اختراق التعليم الغربي بفضل ظهور "الإيسكا" (Alliance Israélite Universelle) المقرها باريس، والتي تأسست عام 1860. افتتحت الإيسكا أول مدرسة حديثة لها في سوريا بدمشق عام 1864، وفي حلب عام 1869. كان المنهج يركز على اللغة والثقافة الفرنسية بالإضافة إلى الرياضيات والجغرافيا والعربية والخط، مع استمرار تدريس المواد الدينية اليهودية.

يكرس الجزء الأكبر من الفصل لدحض فكرة أن الحاخامات كانوا العقبة الرئيسية أمام الإيسكا. يقدم المؤلف أدلة متعددة على دعمهم، بدءاً من محادثة جرت عام 1850 بين المصرفي ألفونس دي روتشيلد وحاخامات دمشق، حيث أبدى الحاخامات رغبتهم في التعليم الحديث لكنهم اشتكوا من نقص الموارد، وليس من معارضة مبدئية. يصف الفصل كيف استقبل الحاخام الأكبر يعقوب بيرتس مبعوث الإيسكا الأول في دمشق عام 1865 بحفاوة، وانضم حاخام آخر (الحاخام إسحاق أبو العافية) إلى اللجنة المشرفة على تأسيس المدرسة. ويؤكد المؤلف أن فشل الإيسكا في دمشق آنذاك كان بسبب تردد النخبة الثرية في دفع التبرعات الموعودة، وليس بسبب معارضة الحاخامات.

في حلب، كانت المبادرة لتأسيس مدرسة الإيسكا من عائلات الفرانكو، وعلى رأسهم دافيد سليمان ألتاراس عام 1864. لكن الفصل يكشف عن صراع طبقي حاد في حلب. أراد الفرانكو الأثرياء، بقيادة هليل دي بيتشوتو، القنصل الأمريكي، أن تكون المدرسة مقتصرة على أبنائهم وأبناء العائلات الثرية، ورفضوا دراسة أطفال الفقراء معهم. تبع ذلك صراع مرير مع مدير المدرسة نسيم بيهار ثم خليفه مردخاي بيهور، الذي أصر على مبدأ المساواة في التعليم. على الرغم من معارضة الفرانكو الشرسة وانسحاب أطفالهم من المدرسة، تمكن المدرسة من ترسيخ مبدأ التعليم المجاني والمفتوح للفقراء. يذكر الفصل أن الحاخامات في حلب، مثل الحاخام هارون شوكة، دعموا بيهور في صراعه من أجل تعليم الفقراء.

يخلص المؤلف إلى أن تعاون الحاخامات مع الإيسكا لم يكن مصادفة، بل يعود لعدة أسباب: التقاليد السفاردية المنفتحة التي تقدر المعرفة العامة؛ احترام الإيسكا كثقل يهودي عالمي؛ سياسة الإيسكا الحكيمة في دمج دراسة التوراة والعلمانيين وتوظيف الحاخامات المحليين؛ وأخيراً، تأثير الفرانكو كحاملين للثقافة الغربية. ويرى المؤلف أن الادعاء بأن النخبة الدينية كانت معادية للإيسكا هو ادعاء "مفارق تاريخي".

يناقش الفصل أخيراً ضعف الالتزام الديني التقليدي بين يهود سوريا. يعزو المؤلف هذا التراجع إلى أسباب متعددة، ليس أقلها تأثير التنويم المغناطيسي كما في أوروبا (خاصة في حلب)، والفساد الاقتصادي، وتآكل سلطة المحاكم الحاخامية. ويصف حالة فريدة في حلب عام 1862 عندما حاول الحاخام رافائيل قاسين تأسيس كنيس إصلاحي بدعم من المستنيرين (الماسكيليم)، مما أدى إلى أعمال شغب تدخلت فيها السلطات العثمانية لمنعه. يوضح الفصل أن رد فعل الحاخامات المحافظين في حلب كان عنيفاً، وبلغ ذروته بحرق كتاب "מלוא העיקר" للحاخام إيليا بن موسى بن عفانعام عام 1865، خوفاً من أي فكر جديد قد يهدد سلطتهم.

في ختام التحليل، يمكن القول إن الفصل يطرح مراجعة مهمة للصورة النمطية عن صراع "المحافظين مقابل الحداثيين". بينما يعيد المؤلف الاعتبار لدور الحاخامات كداعمين للتعليم الحديث، فإنه في الوقت نفسه يكشف عن صراعات طبقية عميقة داخل المجتمع اليهودي، وخاصة بين النخب الثرية المفرانكو والعامة. إحدى النقاط القابلة للنقاش هي التفسير الواسع لدعم الحاخامات؛ فبينما يقدم المؤلف أدلة قوية، يمكن القول إن بعض الحاخامات تعاونوا مع الإيسكا لأسباب عملية (مثل الحصول على تمويل ومساعدة) أكثر منها إيماناً كاملاً بالحداثة. كما أن حرق كتاب الحاخام بن مويس يشير بوضوح إلى وجود تيار محافظ متشدد رأى في أي فكر جديد تهديداً وجودياً، وهو ما يضيف طبقة من التعقيد لصورة الانفتاح الحاخامي التي يرسمها المؤلف.

5.التحول نحو الغرب214–251▼ résumé

يمحور هذا الفصل، المعنون "سفن النار"، هو التحول الذي طرأ على يهود سوريا نحو الغرب في الفترة ما بين 1840 و1880. يجادل المؤلف بأن التصوير السائد لليهود السوريين في أواخر القرن التاسع عشر على أنهم مجتمع متخلف ومعزول عن التحديث هو تصوير مضلل. فالتأثيرات الغربية، بدءاً من تحسين المواصلات إلى البعثات التبشيرية، توغلت في كل جانب من جوانب الحياة اليومية في المدن السورية، وكان من المستحيل على المجتمعات اليهودية ألا تتأثر بها. وبدلاً من العزلة، يقدم المؤلف صورة لمجتمع يهودي تأثر بعمق بالثقافة الأوروبية، بطرق مباشرة وغير مباشرة، وإن كان هذا التأثير متفاوتاً بين النخبة الثرية وعامة الناس.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح آليات هذا التحول. يبدأ بوصف التغييرات المادية والتقنية التي "قلصت" العالم، وعلى رأسها بدء خدمة البواخر المنتظمة في 1825، والتي أشارت إليها المصادر الحاخامية باسم "سفن النار". سهلت هذه البواخر حركة المسافرين بين أوروبا وسوريا بشكل غير مسبوق. ثم ينتقل إلى الابتكارات الأخرى مثل تحسين الطرق البرية في ستينيات القرن التاسع عشر وإدخال التلغراف. بعد ذلك، يركز على انتشار الأفكار والسلع الغربية، خاصة بين النخبة اليهودية الثرية. فالتجار اليهود في حلب ودمشق، وبخاصة عائلات الفرانكوس (الأوروبيون)، كانوا نموذجاً يحتذى به، حيث أدخلوا الأثاث الأوروبي وأدوات المائدة (مثل الشوك والسكاكين) والملابس الغربية إلى بيوتهم. كما ساهم الصحافة اليهودية المتنامية في نشر الأفكار الغربية بين الطبقات المتعلمة.

يتعمق الفصل في التأثير السياسي الغربي، ويركز على الصراع بين بريطانيا وفرنسا على النفوذ في سوريا، وكيف انعكس هذا الصراع على حماية اليهود. تشرع بريطانيا، التي لم يكن لديها أقليات مسيحية تحميها في بداية الأمر، في تولي حماية اليهود كوسيلة للحصول على موطئ قدم سياسي في المنطقة. في المقابل، التزمت فرنسا بحماية الكاثوليك. بعد قضية دمشق (اتهام اليهود بقتل الأب توما طقسياً في 1840)، أدرك يهود دمشق أهمية الحماية القنصلية. بينما وقفت فرنسا إلى جانب المتهمين، ساعد التدخل البريطاني والنمساوي في إطلاق سراحهم. هذا جعل بريطانيا الحامي الأكبر لليهود في السنوات التالية، وقاد إلى سعي يهودي للحصول على الجنسية أو الحماية البريطانية.

يقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً لكيفية إدارة القناصل لعلاقاتهم المعقدة مع الطوائف المحلية. بينما التزمت بعض القنصليات بسياسة عامة من بلادها، كان للموقف الشخصي للقنصل نفسه أثر حاسم. يضرب الفصل مثلاً بالقنصل الفرنسي فيكتور دي بورفيل (أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر) الذي كان معادياً لليهود بشدة، ورفض حتى استقبال اليهود الفرنسيين أو المحميين الفرنسيين، على عكس توجيهات وزارته في باريس التي كانت أحياناً أكثر اعتدالاً. في المقابل، يصف القنصل البريطاني ريتشارد وود (1841-1855)، الذي دافع بقوة عن حقوق اليهود وتدخل في شؤون المحاكم والضرائب لحمايتهم. هذا التباين جعل يهود دمشق يرون في القنصلية البريطانية ملاذاً آمناً.

أما نقطة التحول الكبرى في العلاقة مع فرنسا فجاءت بعد مجزرة المسيحيين في دمشق عام 1860. أدت المجزرة إلى إضعاف المجتمع المسيحي المحلي، مما حرر القنصل الفرنسي من الخوف من رد فعلهم السلبي تجاه دعمه لليهود. هذا، إلى جانب وصول قناصل فرنسيين جدد ذوي توجهات إيجابية تجاه اليهود مثل هياسنت ليكار (1862-1866)، أدى إلى تحسن كبير في العلاقات. كان ليكار أول من أدرك أن كسب ود اليهود هو مفتاح توسيع النفوذ الفرنسي. قام بمبادرة شخصية لتأسيس أول مدرسة لـالإتحاد الإسرائيلي العالمي (Alliance Israélite Universelle) في دمشق بمساعدة يهودية محلية ودعم قوي من القنصلية. حفل وضع حجر الأساس في 29 يوليو 1864 كان حدثاً دبلوماسياً باهراً أظهر القوة الفرنسية، مما أثار قلق بريطانيا التي تغيبت عن الحفل. هذا النشاط الفرنسي جذب المزيد من اليهود لطلب الحماية الفرنسية، مما أضعف الهيمنة البريطانية.

يوضح الفصل أيضاً الدوافع المختلفة التي جعلت اليهود يطلبون الحماية القنصلية. قبل عام 1840، كانت الدوافع اقتصادية وتجارية أساساً (مثل الإعفاء من الضرائب العثمانية). وبعد قضية دمشق، أصبحت الحماية من الاضطهاد واتهامات "الدم" (جرائم القتل الطقوسية) هي المحرك الرئيسي. يذكر الفصل حالة إخوة حراري الذين اتهموا في قضية دمشق، وسعوا للحصول على حماية بريطانية بعد تبرئتهم خوفاً من الانتقام. في المقابل، يوضح أن بريطانيا فرضت شروطاً صارمة لمنح الحماية، وأن التوسع في منحها أدى لاحقاً إلى مشاكل اقتصادية دفعت بريطانيا في سبعينيات القرن التاسع عشر إلى محاولة تقليص عدد محمييها، لكن لم يُحرم أي يهودي من وضعه فعلياً حتى أوائل ثمانينيات القرن.

يتطرق الفصل إلى دور القناصل كحراس للعدالة والمساواة. يصف حالات تدخل فيها القنصل البريطاني وود لإنصاف يهود تعرضوا للضرب أو الإهانة، مما أدى أحياناً إلى فصل قضاة أو تعويض المتضررين. المثال الأبرز هو نجاح القنصل الإيطالي في سبتمبر 1869 في إجبار السلطات على إعدام مسلم قتل يهودياً إيطالياً، وهي حالة استثنائية وليست قاعدة. كما دافع القناصل عن حقوق اليهود في قضايا الضرائب غير العادلة، وخاصة ضريبة الفردة.

في خاتمة الفصل، يعترف المؤلف بحدود تحليله. ففي حين أن التأثير الغربي كان عميقاً، إلا أنه تركز في البداية بين النخبة الثرية، بينما بقيت الأغلبية العظمى من يهود سوريا متمسكة بتقاليدها، إما عن قناعة أو لعدم توفر الوسائل المالية. كما يشير إلى أن السياسات القنصلية كانت غالباً متناقضة، حيث أن التعليمات الرسمية من العواصم الأوروبية كانت تختلف عن الممارسة الفعلية للقناصل المحليين، مما يترك مجالاً للبحث في دوافع كل قنصل على حدة. كما يترك السؤال مفتوحاً عن كيف أثرت هذه التحولات السياسية والاقتصادية بالضبط على البنية الداخلية للمجتمع اليهودي نفسه، وهو ما قد تتناوله فصول لاحقة.

7.الرعايا وآلة الدولة العثمانية282–294▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحديد الإطار القانوني والاجتماعي الذي حكم وضع اليهود كرعايا في الدولة العثمانية خلال الفترة 1840-1880، وتحديداً في مدينتي دمشق وحلب. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن وضع اليهود لم يكن ثابتاً، بل كان متأرجحاً بين مفهوم "الذمة" الإسلامي التقليدي الذي يمنحهم الحماية مقابل دفع الجزية ويقر بتبعيتهم، وبين الإصلاحات العثمانية الحديثة المعروفة باسم "التنظيمات" (Tanzimat) التي سعت نظرياً إلى تحقيق المساواة بين جميع الرعايا بغض النظر عن الدين. يجادل هاريل بأنه على الرغم من أن التنظيمات خلقت آمالاً بالتغيير، إلا أن تطبيقها كان متفاوتاً ومحدوداً، مما جعل اليهود يعيشون في حالة من الغموض القانوني، حيث كانوا في بعض الأحيان محميين بموجب القوانين الجديدة، لكنهم في أحيان أخرى ظلوا عرضة للتمييز والمعاملة كرعايا من الدرجة الثانية.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع التاريخ القانوني للرعايا غير المسلمين. يبدأ بشرح أسس نظام "الملل" (millet) الذي كان سائداً قبل التنظيمات، والذي كان يمنح كل طائفة دينية (مسيحية، يهودية) استقلالية ذاتية في الشؤون الشخصية والدينية تحت قيادة زعيمها الروحي. يستخدم المؤلف مثال حاخام باشي (rosh harabanim) في إسطنبول كدليل على هذا النظام، لكنه يوضح أن سلطته كانت غالباً ضعيفة أو غير فعالة بعيداً عن العاصمة. ثم ينتقل الفصل إلى مناقشة فرمان (Firman) غولخانة (Hatt-i serif of Gülhane) الصادر في عام 1839، والذي أعلن مبادئ المساواة والأمان للجميع. يشرح المؤلف كيف استقبل يهود دمشق وحلب هذا الإعلان بحذر وأمل، خاصة بعد محنة دمشق (Damascus) في عام 1840 (حادثة الدم أو "دمية دمشق" التي اتهم فيها اليهود بقتل راهب مسيحي لاستخدام دمه في الطقوس الدينية). يوضح أن التدخل الأوروبي أنقذ اليهود في تلك المحنة، مما رسخ فكرة أن الحماية الأوروبية قد تكون أكثر فعالية من حماية الدولة العثمانية نفسها.

تتناول فقرات لاحقة قانون "الإصلاحات" الإضافي (Hatt-i Hümayun) لعام 1856، والذي كان أكثر تحديداً في منح المساواة الكاملة لغير المسلمين، بما في ذلك الحق في الخدمة العسكرية والوظائف الحكومية. لكن هاريل يقدم أدلة من السجلات القضائية العثمانية (السجلات) ووثائق القناصل الغربيين ليثبت أن هذه الحقوق ظلت نظرية إلى حد كبير. على سبيل المثال، يذكر أن المحاكم العثمانية كانت لا تزال تقبل شهادة مسلم ضد يهودي بسهولة أكبر، وأن الضرائب مثل "الردي" (vergi) التي حلت محل الجزية (cizye) كانت غالباً ما تُفرض بشكل غير عادل وتُجمع بقسوة من اليهود. يستخدم المؤلف حالة الحاخام يعقوب عنتيبي (Rabbi Jacob Antebi) في حلب، الذي تقدم بشكوى ضد مسؤول محلي بسبب انتهاكات ضريبية، ليظهر أن اليهود بدأوا بالاحتجاج واللجوء إلى السلطات العثمانية الجديدة، لكن نجاحهم كان محدوداً.

يأخذ الفصل بعد ذلك منعطفاً مهماً بتحليل العلاقة بين اليهود والدولة العثمانية من خلال وكلاء غير رسميين. يشير المؤلف إلى أن السلطة لم تكن تمارس فقط عبر القوانين، بل عبر شبكات من العلاقات الشخصية مع حكام الولايات (الوالي) والموظفين الصغار. نجد أمثلة محددة عن عائلة فارحي (Farhi family) اليهودية في دمشق والتي كانت بمثابة "سماسرة" للسلطة، حيث تولى أفرادها مناصب مالية مهمة مثل الصرافة (sarraf) وخزينة الدولة. وظيفة هذه الأمثلة هي إظهار أنه على الرغم من الوضع القانوني المتدني، تمكن بعض اليهود الأثرياء من الوصول إلى السلطة والنفوذ، مما خلق مفارقة بين النظرة القانونية والواقع الاجتماعي. يؤكد المؤلف أن هذا النفوذ كان هشاً ويعتمد على رضا الحاكم، وقد أدى في بعض الأحيان إلى ردود فعل عكسية ضد المجتمع اليهودي بأكمله عندما يسقط هؤلاء الوسطاء من النعمة.

يعترف المؤلف بحدود تحليله، مشيراً إلى أن المصادر المتاحة تقدم صورة غير متساوية. فبينما توفر وثائق القنصلية الأوروبية تفاصيل غنية عن الشكاوى والانتهاكات، فإنها تعطي انطباعاً بأن الحياة كانت مجرد صراع دائم، بينما كانت السجلات اليهودية الداخلية (مثل كتب التقاليد والمناسبات) تركز غالباً على الأمور الدينية والطائفية ولا تقدم سجلاً شاملاً عن التفاعلات اليومية مع الدولة. يقر هاريل أيضاً أن مفهوم "الرعية" العثماني (ra‘aya) - وهو مصطلح عربي يعني حرفياً "القطيع" أو الرعايا الخاضعين للسلطة الإسلامية - بقي متجذراً في العقلية الاجتماعية لقرون، وأن التغيير القانوني من خلال التنظيمات لم يستطع محوه بسرعة. يطرح الفصل أسئلة مفتوحة حول المدى الحقيقي الذي تمكن فيه يهود الطبقة الوسطى والفقيرة فعلياً من استخدام القوانين الجديدة لحماية أنفسهم، وأيضاً حول دور النساء والأطفال في هذه التفاعلات مع الدولة، وهي جوانب تبقى غير واضحة بسبب طبيعة المصادر المتاحة.

أخيراً، تظهر في الفصل بعض الحجج التي قد تكون قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه. إحدى هذه الحجج هي أن الإصلاحات العثمانية، بدلاً من تحسين وضع اليهود كرعايا، قد خلقت في الواقع بيئة أكثر غموضاً وخطورة. من خلال تقديم وعد بالمساواة دون تطبيق حقيقي، رفعت التوقعات وكشفت عن حدود السلطة العثمانية، مما دفع الطوائف غير المسلمة إلى البحث عن حماية خارجية مكثفة (من قناصل الدول الأوروبية)، مما زاد من حساسية المسلمين المحليين وتوتر العلاقات بين الطوائف. حجة أخرى قابلة للنقاش هي فكرة أن يهود سوريا لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين، بل كانوا وكلاء فاعلين استخدم بذكاء نقاط الضعف في النظام العثماني والمصالح الأوروبية لتحسين أوضاعهم. يظهر هذا بوضوح في كيفية استغلالهم للتدخل الأوروبي بعد حادثة 1840، أو في استخدامهم للمحاكم العثمانية الجديدة لمقاضاة بعض الحكام المحليين. هذا التفسير النشط لدورهم يختلف عن بعض الروايات التي تركز على اضطهادهم وعدم قدرتهم على الحركة.

8.علاقات الأغلبية والأقلية168–179▼ résumé

يستكشف هذا الفصل علاقة الأغلبية المسلمة في سوريا العثمانية مع أقلّيتي اليهود والمسيحيين خلال الفترة بين 1840 و1880، ويقدم إجابة مفادها أن طبيعة هذه العلاقات كانت متباينة بشكل حاسم: فبينما نظر المسلمون إلى اليهود بازدراء ديني لا يتجاوز الاحتقار، تطور موقفهم تجاه المسيحيين ليصبح كراهية سياسية عميقة بلغت ذروتها في أعمال عنف جماعية. يفسر المؤلف هذا التباين أساساً باختلاف السلوك السياسي لكل أقلية؛ فاليهود تبنّوا سياسة "الانعزال السياسي" و"التوارع" عن إظهار أي طموح للمساواة، مما جنّبهم غضب الأغلبية، بينما سعى المسيحيون علناً إلى إظهار مكانتهم المتساوية معتمدين على دعم القوى الأوروبية، الأمر الذي أثار حفيظة المسلمين وأدى إلى مذابح.

ينطلق الفصل من مفارقة لافتة: ندرة الإشارات إلى اليهود في المصادر العربية والأدب الإسلامي في سوريا، على الرغم من دورهم الاقتصادي المحوري حتى 1875 حيث شكلت ثريّة يهودية العمود الفقري للاقتصاد المحلي من خلال المصرفية وتحديد أسعار الصرف. يرفض المؤلف تفسير هذه الندرة على أنها نابعة من الكراهية، لأن الكراهية الحقيقية كانت ستظهر في نصوص كثيرة وليس في صمت. يقدم تفسيراً أكثر عمقاً يتمحور حول مفهوم "التقسيم" الاجتماعي (compartmentalization)، أي الفصل الطوعي والوظيفي بين الجماعات الدينية. هذا الفصل، الذي يعززه العيش في أحياء منفصلة، وقصر العلاقات على المجال التجاري فقط، ونظام التعليم الديني المنفصل، أدى إلى عدم اهتمام المسلمين المتبادل بشؤون اليهود الداخلية.

لكن التقسيم لم يكن جامداً، ويوضح الفصل بأمثلة ملموسة كيف تسربت الثقافة العربية الإسلامية إلى الحياة اليهودية اليومية. في الملبس، تشابه اليهود مع المسلمين لدرجة جعلتهم غير مميّزين، بل وكانوا يحلقون لحاهم بشكل يشبه حلق المسلمين لأسباب تتعلق بالسلامة الجسدية. حتى أسماء الأعلام الشخصية، كاستخدام أسماء عربية مثل "جميل"، و"صالحة" و"جميلة"، تعكس هذا التأثير. وفي المجال الموسيقي، تغلغلت الأغاني العربية في بيوت اليهود وحتى في الطقوس الدينية، مما أثار أحياناً إشكالات فقهية. كل هذه الظواهر تشير إلى "تماثل ثقافي" (acculturation) عميق على المستوى الشعبي، لم يصل إلى حد الاندماج اللغوي الكامل، حيث ظلّ اليهود يستخدمون لهجة مميزة تحوي عبرية وإسبانية-يهودية.

يتناول الفصل بعمق قضية التحول إلى الإسلام، وهي ظاهرة نادرة لكنها موجودة. يورد المؤلف عوامل داخلية كالهروب من مشاكل عائلية، وعوامل خارجية كالإغراءات المالية والإكراه، لا سيما في ورش العمل حيث يحاول المعلمون المسلمون دفع تلامذتهم اليهود للتحول. ومع ذلك، يعقّد الفصل الصورة: فالمهتدون الجدد غالباً ما كانوا يخيب أملهم بعدم حصولهم على المكانة الاجتماعية المرجوة، ويبقون على هامش المجتمع المسلم، بينما كان المجتمع اليهودي ينظر إليهم بازدراء تام. يؤكد الفصل أن أي تحول من اليهودية إلى دين آخر كان عكسياً ومستحيلاً قانونياً في الإسلام، كما يشير إلى عدم وجود زيجات مختلطة تقريباً.

في المقابل، يرسم الفصل صورة مختلفة جذرياً للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين. خلال فترة الحكم المصري (محمد علي وإبراهيم باشا)، رأى المسيحيون "عصراً ذهبياً" من الحريات والحقوق، الأمر الذي أثار استياء المسلمين الذين اعتبروا ذلك إهانة لمشاعرهم الدينية وتهديداً لوحدة الدولة العثمانية. عندما عاد الحكم العثماني، خيّب الأمل بتطبيق التنظيمات (الخط الشريف والخط الهمايوني) آمال المسلمين الذين كانوا يتوقعون العودة إلى الوضع السابق. بدلاً من التزام الحذر، بدأ المسيحيون في إظهار مساواتهم الجديدة علناً: قرع أجراس الكنائس، وحمل الصلبان في المواكب، وركوب الخيل، وارتداء الملابس التي كانت حكراً على المسلمين. أدى دعم القوى الأوروبية الواضح لهم إلى تحويل الكراهية الدينية التقليدية إلى كراهية سياسية مركّبة، رأت فيهم عملاء للغرب.

يصل الفصل إلى ذروته في تحليل "المثلث الإسلامي-اليهودي-المسيحي". فبينما كان المسيحيون يتعرضون للمذابح في حلب (1850) ودمشق (1860) بسبب استفزازاتهم السياسية، نجى اليهود من هذا المصير ليس لأنهم كانوا محبوبين، بل لأنهم تعمدوا البقاء في الظل وعدم إظهار أي حماس للتنظيمات. يقدّم الفصل دليلاً حاسماً على ذلك: في أغسطس 1856، عندما طُوّب دفع ضريبة بدل التجنيد (عوضاً عن الخدمة العسكرية)، احتجّ رؤساء الطوائف المسيحية بصوت عالٍ، مما اعتُبر موقفاً معادياً للمسلمين. في المقابل، أعلن الحاخام يعقوب بيريتس قبول المجتمع اليهودي للضريبة من حيث المبدأ، متجنباً بذلك إثارة الغضب. يعتبر الفصل أن هذا الرفض المسيحي كان عاملاً أساسياً في المذبحة التي تلتها بأربع سنوات. أما في قضية إعدام مسلم قتل يهودياً، فلم يكتف اليهود بالصمت، بل سعوا بنشاط لدى السلطات لتخفيف الحكم، حرصاً على عدم تأجيج المشاعر بين الأغلبية المسلمة.

يقرّ الفصل صراحةً بعدم اكتمال المعلومات الإحصائية عن عدد المهتدين إلى الإسلام، لكنه يخلص إلى أن الظاهرة لم تكن تهدد وجود المجتمع اليهودي ذاته. كما يترك السؤال مفتوحاً حول مدى تأثير العوامل الداخلية مقابل العوامل الخارجية في قرارات التحول. على الرغم من وضوح حجة المؤلف الرئيسية، فإن بعض مقولاته في الفصل، كوصف الانعزال اليهودي بأنه "سياسة حكيمة" تماماً، أو التفسير أحادي الجانب للأحداث كمذابح 1860 (باعتبارها نتيجة مباشرة لاستفزازات مسيحية فقط)، تظل قابلة للنقاش، خاصة إذا أُخذت بتعقيداتها السياسية والاقتصادية الأوسع. يظل التباين الأساسي الذي يثبته الفصل قائماً: اليهود، باحتقارهم الديني، تعايشوا سلمياً نسبياً بتجنبهم السياسة، بينما المسيحيون، بكراهيتهم السياسية الجديدة، دفعوا ثمناً باهظاً لجرأتهم.

9.علاقات الأقليات البينية180–213▼ résumé

علاقات الأقليات البينية هو الفصل التاسع من كتاب "Syrian Jewry in Transition 1840-1880" لـ يارون هاريل، وينتقل من الفصل السابق الذي تناول العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة (اليهود والمسيحيين) ليركز بشكل خاص على العلاقة المعقدة بين الطائفة اليهودية في سوريا والطائفتين المسيحيتين الرئيسيتين: الكاثوليك والبروتستانت. الموضوع المحوري للفصل هو طبيعة هذه العلاقات التي اتسمت بالتوتر والعداء مع الكاثوليك، بينما بدت أكثر ودية مع البروتستانت في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى عداء نتيجة إدراك اليهود لأهداف المبشرين البروتستانت. خلاصة المؤلف هي أن اليهود، على الرغم من اتصالاتهم المتزايدة مع الأقليات المسيحية، ظلوا خارج المجتمعين المسيحي والمسلم، وأن علاقاتهم مع المسيحيين كانت محكومة بعوامل تاريخية ودينية وتنافس اقتصادي وتجاري.

يسير الفصل وفق الهيكل التالي: يبدأ بمناقشة التوترات اليهودية-الكاثوليكية التي تعود جذورها إلى التاريخ القديم، ويتعمق في أسبابها المتمثلة في التنافس على كسب ود السلطة الحاكمة والنفوذ الاقتصادي. ثم ينتقل إلى أبرز مظاهر هذا التوتر وهي اتهامات الدم (ال blood libel)، ويقدم تفصيلاً لـقضية دمشق الشهيرة في فبراير 1840 كحالة مركزية. يوضح المؤلف كيف استخدم المسيحيون السوريون هذه الاتهامات كأداة سياسية واقتصادية ضد اليهود، بالتحالف مع رهبان أوروبيين من الكنائس الكاثوليكية مثل الفرنسيسكان والكبوشيين. ويشير إلى أن هذه الاتهامات لم تكن معاداة سامية حديثة بل كانت "libels" قروسطية وجدت أرضاً خصبة بين السكان الجهلاء.

يوضح هاريل كيف أن القضية لم تنته بإطلاق سراح اليهود المعتقلين في سبتمبر 1840 بفضل تدخل موسى مونتيفيوري وأدولف كريمييه، بل استمر أثرها لعشرين عاماً. فقد ظل سكان دمشق مقتنعين بذنب اليهود وأنهم أفلتوا من العقاب بفضل ثروة ونفوذ يهود أوروبا. يوثق الفصل ما لا يقل عن ثلاث عشرة اتهاماً علنياً بالدم في سوريا بين 1841 و1860، معظمها في دمشق (10) وبعضها في حلب (3)، وغالباً ما كانت تحدث قبل عيد الفصح، وكانت وسيلة لابتزاز اليهود مادياً من قبل الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية. ويقدم مثالاً على اتهام بالدم من قبل مسلم في دمشق في مايو 1847، حيث كادت هذه الفتنة أن تؤدي إلى مذبحة في الحارة اليهودية. ويشير المؤلف إلى أن المسيحيين تعمدوا إدامة ذكرى القضية، فوضعوا نقشاً على قبر الأب توماس يتهم اليهود بقتله، مما أبقى العداء حياً وشكل مصدر قلق دائم لليهود الذين حاولوا مراراً إزالته دون جدوى.

الحدث المحوري الآخر في الفصل هو مذبحة دمشق عام 1860، والتي يصفها المؤلف بأنها ذروة العداء الإسلامي-المسيحي. ويشرح الأسباب: سلوك المسيحيين المتغطرس بعد التنظيمات العثمانية ومرسوم الخط الهمايوني 1856، والحساسية الدينية المفرطة في دمشق كمركز إسلامي مهم. السبب المباشر كان إذلال المسلمين للمسيحيين برسم الصلبان على أحجار وشوارع الحارة المسيحية. امتدت المذبحة خمسة أيام وأدت إلى مقتل آلاف المسيحيين ونهب ممتلكاتهم. لكن الملفت للنظر، كما يشدد المؤلف، أن غضب الغوغاء المسلمة انصب على المسيحيين فقط وليس على اليهود، الذين نجوا دون أذى. هذا النجاة أثار حقد المسيحيين وغيرةهم، فاتهموا اليهود بالتعاون مع المسلمين، وبأنهم شجعوهم، ورحبوا بهم، واستفادوا اقتصادياً من النهب بشراء البضائع المسروقة بأسعار بخسة. يذكر الفصل أن 125 يهودياً بارزاً اعتقلوا إثر هذه الاتهامات، وحكم على 25 منهم بالإعدام، لكن التدخلات الدبلوماسية اليهودية لدى القناصل والحكومات الأوروبية نجحت في إطلاق سراحهم وإعفاء الطائفة من الغرامة المالية التي فرضت عليهم.

يتناول الفصل بالتفصيل التأثير الاقتصادي للمذبحة على اليهود. فبينما اتهموا بالربح من النهب، يجادل المؤلف بأن ثروتهم الحقيقية أتت من تعاملهم التجاري مع سندات الخزانة التعويضية التي أصدرتها الدولة للمسيحيين، والتي اشتراها المصرفيون اليهود بأسعار منخفضة ثم ارتفعت قيمتها. كما استفادوا من إقراض المسلمين الذين احتاجوا للنقود لدفع الغرامات التي فرضت عليهم بفائدة مرتفعة بلغت 35% . ويخلص إلى أن هذه الاتهامات تلاشت في أواخر القرن التاسع عشر عندما فقدت الطائفة اليهودية بريقها الاقتصادي.

في القسم الأخير من الفصل، ينتقل المؤلف إلى العلاقة مع البروتستانت، مشيراً إلى أنها بدأت بشكل ودي حيث لم يكونوا متورطين في اتهامات الدم التقليدية. لكن اليهود سرعان ما أدركوا قوة الأهداف التبشيرية البروتستانتية. يوضح هاريل كيف تمكن المبشرون من جذب يهود سوريا لمزايا تعليمية وطبية، مما استدعى رد فعل من القيادة الحاخامية التي أصدرت تحذيرات صارمة وفرضت عزلاً اجتماعياً على من يتعامل معهم. هذا التوتر أدى إلى تراجع اليهود إلى مزيد من العزلة الذاتية. ويختتم المؤلف الفصل بطرح سؤال مفتوح حول ما إذا كانت النجاة المذهلة لليهود في مذبحة 1860، مقارنة بالمسيحيين، قد عمقت الشرخ بين الطائفتين وأحالت دون أي تقارب مستقبلي على الرغم من الاضطرابات الكبيرة في المجتمع السوري.

10.سفن النار311–318▼ résumé

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو العلاقة بين المجتمع اليهودي في سوريا والقوى القنصلية الأوروبية خلال الفترة 1840-1880، ويسعى المؤلف إلى تفسير الكيفية التي تحوّلت بها هذه القناصل من حماة لليهود إلى مصدر تهديد لاستقرارهم ووحدتهم الداخلية. يقدّم الفصل إجابة واضحة مفادها أن التدخل الأوروبي، رغم فائدته في بعض الأحيان، كان غالباً مدفوعاً بأجندات استعمارية وتنافسية، مما جعل اليهود السوريين ورقة ضغط في صراعات القوى الكبرى، بدلاً من أن يكونوا مستفيدين حقيقيين من هذه الحماية.

يسير الفصل بطريقة منهجية، فيبدأ بوصف التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع اليهودي السوري، مروراً بالتحولات القانونية والسياسية للإمبراطورية العثمانية مثل فرمان خط همايون 1856، وصولاً إلى الحوادث الكبرى كمجزرة دمشق 1860 وقضية الدم 1840. يستخدم المؤلف تفاصيل دقيقة حول تدخل القناصل، مثل القنصل الفرنسي دي فوا والقنصل البريطاني ريتشارد وود، لإظهار كيف أن حمايتهم كانت انتقائية ومشروطة بمصالح دولهم. على سبيل المثال، يناقش الفصل قضية شاهد قبر الأب توما التي تحولت إلى أزمة دبلوماسية بين فرنسا وبريطانيا، مما أظهر كيف استُخدمت الذرائع الدينية لتأجيج التوتر. كما يتناول دور الإرساليات البروتستانتية التي شكلت تهديداً وجودياً لوحدة الجماعة اليهودية عبر محاولات التنصير، مما جعل القناصل البريطانيين يدعمون أنشطتها علناً.

يبدو أن حدود الفصل تنحصر في تركيزه على الجانب السياسي والعلاقات الخارجية، مما قد يترك أبعاداً اجتماعية وثقافية أخرى غير كاملة. مع ذلك، يُظهر النص أن المؤلف يقر بعدم تجانس الموقف الأوروبي، معترفاً بأن بعض القناصل، وخصوصاً النمساويين، كانوا أكثر حياداً أو حتى داعمين أحياناً. هناك أيضاً إشارات واضحة إلى أن حاخامات دمشق وحلب، كالحاخام يعقوب بيرتس، انقسموا في مواقفهم تجاه الحماية الأوروبية، مما يترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى تمثيل هذه الشخصيات للرأي العام اليهودي.

في النهاية، يمكن القول إن الحجج التي يطرحها المؤلف قابلة للنقاش بخصوص تناقض ظاهر: ففي الوقت الذي يؤكد فيه الفصل على ضعف الجماعة اليهودية وحاجتها للحماية، فإنه يُظهر أيضاً فاعلية شخصيات يهودية محلية مثل عائلة فارحي وعائلة بتشوتو، التي تمكنت من المناورة بين القوى العظمى وتعزيز نفوذها. هذا التوتر بين الضعف والقوة داخل المجتمع اليهودي هو جوهر الإشكالية التي يعالجها الفصل.

11.أمراء إسرائيل252–271▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على التحول الجذري في علاقة يهود سوريا بإخوانهم في أوروبا الغربية بعد حادثة دمشق عام 1840، وكيف أصبح يهود أوروبا "أمراء إسرائيل" الذين يستطيعون حماية يهود المشرق والتأثير على الحكام والقناصل لصالحهم. يجادل المؤلف بأن يهود سوريا تحولوا من الاعتماد على علاقاتهم التجارية والدينية مع مجتمعات يهودية شرق أوسطية أخرى إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على يهود أوروبا الغربية، وخاصة في لندن وباريس، للحفاظ على حقوقهم المدنية والقانونية.

يشرح الفصل كيف أن حادثة دمشق عام 1840 كانت نقطة تحول رئيسية، ليس بسبب تهمة الدم بحد ذاتها، بل بسبب الصدمة التي أحدثتها في العالم اليهودي الغربي وأيقظت مشاعر التضامن اليهودي. في عام 1860، أسست المجتمعات اليهودية الأوروبية منظمة "الإتحاد الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israélite Universelle) في باريس، والتي كرست جهودها لحماية اليهود في كل مكان. طوال العشرين عاماً التالية للحادثة، بذل موزس مونتفيوري ومجلس نواب اليهود البريطاني جهوداً مضنية لإزالة نقش تذكاري من دير الكبوشيين في دمشق كان يشير إلى تهمة الدم، ولكن النقش تحطم أثناء أعمال الشغب في يوليو 1860.

بعد أحداث 1860، ازداد تدخل يهود أوروبا في شؤون يهود سوريا، سواء لإنقاذهم من اتهامات جديدة بالمشاركة في المذابح أو للتخفيف من الغرامات الباهظة المفروضة عليهم. قامت شخصيات بارزة مثل أدولف كريمييه في فرنسا وموزس مونتفيوري في إنجلترا بحملات لجمع التبرعات لضحايا المذابح، وأسسوا صندوق الإغاثة السوري البريطاني. كما تدخلوا في النزاعات بين اليهود والبروتستانت في دمشق، حيث هدد المبشرون اليهود بنشر تقارير معادية في الصحافة الأوروبية، مما استدعى تدخل رجال دين بريطانيين لوقف هذه التهديدات.

أهم إسهام ليهود أوروبا، بحسب الفصل، كان في حماية يهود سوريا من القناصل المعادين. المثال الأبرز هو نجاح مونتفيوري وكريمييه في حملة ضد القنصل الفرنسي راتي-مينتون خلال حادثة دمشق. ثم تتوسع القصة حول القنصل البريطاني ريتشارد بورتون في دمشق بين عامي 1870 و1871، الذي كان معادياً لليهود بشدة، واتهمهم بالإقراض الربوي الجائر وبمحاولة إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. لجأ حاخامات دمشق إلى مونتفيوري وفرانسيس غولدسميد في لندن، الذين نقلوا شكاواهم إلى وزير الخارجية البريطاني. على الرغم من أن تحقيقاً خاصاً أيد رواية بورتون إلى حد كبير، إلا أنه تم استدعاؤه إلى إنجلترا في 16 أغسطس 1871. ويخلص المؤلف إلى أن شكاوى يهود دمشق، عبر وساطة إخوانهم الأوروبيين المؤثرين، لعبت دوراً حاسماً في تأكيد مظالم الباب العالي ضد بورتون والتسبب في عزله.

في حلب أيضاً، حاول يهود المدينة استخدام نفوذ يهود أوروبا للتأثير على التعيينات القنصلية، وسعوا لتعيين ألكسندر لوتشيانو، التاجر الموالي لليهود، سكرتيراً للقنصلية الفرنسية لمواجهة العداء المستمر للقنصل بيرتران. وقد نجحوا في تعيينه عام 1877 بمساعدة الإتحاد الإسرائيلي العالمي.

أصبح يهود أوروبا يُنظر إليهم كحماة ومخلصين ليهود سوريا، ونمت أسطورة عن قوتهم الخارقة لدرجة أن بعض القناصل رأوا فيها مؤامرة يهودية عالمية. حتى أن يهود دمشق وصفوا الإتحاد الإسرائيلي العالمي بأنه حكومة يهودية دولية، ورئيسه أدولف كريمييه كملك لليهود. تلقى الاتحاد طلبات مساعدة فردية وجماعية لا حصر لها، تتراوح بين مشاكل شخصية وقضايا حياتية ملحة مثل إنقاذ اليهود من نظام القضاء العثماني المتحيز.

في الختام، يربط الفصل بين هذا التقارب مع يهود الغرب وبين هجرة يهود سوريا إلى الغرب. يقترح المؤلف أن العوامل الاقتصادية كانت المهيمنة على الهجرة اليهودية، مثل افتتاح قناة السويس الذي ضرب الاقتصاد السوري والإفلاس العثماني عام 1875. كما أن تعليم الإتحاد الإسرائيلي العالمي، دون أن يشجع الهجرة صراحة، فتح نافذة على عالم جديد وأظهر الفرص المتاحة في الغرب. زادت رسائل المهاجرين الأولى عن الثراء وسهولة العيش في الغرب من جاذبية الهجرة، مما أدى إلى نزوح الشباب الحيوي من سوريا ابتداءً من ثمانينيات القرن التاسع عشر، منهياً حقبة من القبول بالقدر وبداية مسؤولية يهود سوريا عن مصيرهم بهجرة جذرية إلى الغرب.