
Syrian Yankee
بدأت حياة سالم رزق في كتابه «Syrian Yankee» من لحظة انكسار مبكرة، لتتحول إلى رحلة بحث عن هوية ووطن. الموضوع المحوري للكتاب هو صراع المهاجر بين عالمين: عالم الطفولة في سوريا بذاكرته المليئة بالفقر والجوع والعنف الطائفي، وعالم الحلم الأمريكي بوعوده بالحرية والوفرة. يدافع المؤلف عن فكرة أن الهوية الحقيقية للإنسان لا تُمنح بالولادة، بل تُبنى بالعمل الجاد والكفاح والصبر، وأيضاً بفهم أعمق لمعنى الحرية والمواطنة. الكتاب هو شهادة شخصية على أن طريق الاندماج مليء بالصعوبات وخيبات الأمل، لكنه ممكن لمن يمتلك العزيمة والقلب النظيف.
تبدأ الحكاية في قرية عين العرب السورية حيث نشأ سالم يتيماً تحت رعاية جدته كبشي، وهي شخصية استثنائية. لم تكن مجرد جدة، بل كانت «صانعة سلام» تستخدم الحكمة والدهاء لنزع فتيل الأزمات. في مشهد افتتاحي قوي، نراها تنقذ زوجة ابنها مريم من اتهام بالخيانة بعد أن آوت شقيقها الهارب، باستخدام قانون الضيافة العربي وبقصة حكيمة عن ملك خسر مملكته لأنه صدق القيل والقال. غرست كبشي في حفيدها دروساً عن التسامح من خلال الحكايات، مثل قصة «الولد الشرير والقطع النحاسية» التي علمته أن الكرم والمصالحة هما المكافأة الحقيقية. لكنها، رغم حكمتها، لم تستطع حمايته من نبذ القرية له، إذ كان يُنظر إليه كـ«ابن شيطان» لأنه رضع من نساء من كل الطوائف، مما جعله يعيش منبوذاً في قرية منقسمة طائفياً. موتها المبكر في صمت دُفنت فيه دون طقوس، تركته يتيماً بلا مأوى، لكنه حمل وصيتها بأن يكون قوياً وألا يكون عبئاً على أحد.
بعد موتها، تتوالى المحن. خلال الحرب العالمية الأولى، اضطر للعيش بمفرده، ونام في تنور القرية وأكل ما وجده، حتى تبناه راعٍ مسن طيب اسمه يوسف أفندي. شهد ويلات الحرب: مجاعة، جراد غطى الأرض بالبلايين، وجباة ضرائب أتراك كانوا أقسى من الجراد، يجردون البيوت من كل شيء، حتى الريش من الوسائد. في تلك الفترة، عادت جدته للأم جونتوسي من رحلة خطيرة إلى حوران وجلبت القمح، منقذة القرية بشجاعتها، لكن عشرة رجال حاولوا السير في الطريق نفسه فلم يعودوا أبداً. بعد الحرب، عمل سالم راعياً للخنازير لدى مزارع اسمه سيمان خميس، وهي مهمة مستحيلة كادت تشعل حرباً طائفية بين مسيحيين ودروز عندما دخلت الخنازير حديقة درزي. هرب من القرية كارهًا الخنازير والمشاكل الدينية، وعاد ليعمل لدى أرملة عجوز تدعى بومي.
في نقطة تحول محورية، يكتشف سالم في سن الثالثة عشرة أنه ليس مجرد يتيم سوري، بل مواطن أمريكي بالولادة. معلمه إلياس خوري يخبره بهذا السر الذي أخفته عنه جدته، ويصف له أمريكا بأنها «الجنة على الأرض» حيث القمح يصل إلى الكتف والسماء، والمدارس في كل مكان، والأحلام تتحقق. يبدأ حلمه العظيم، لكن الانتظار لرسالة من إخوته في أمريكا يستمر ستة أشهر من خيبات الأمل الأسبوعية. عندما تصل الرسالة أخيراً، لا يستطيع قراءتها لأنها بالإنجليزية، لكنه يعلم أن إخوته أرسلوا مالاً لسفره. يقطع مسافة خمسة وأربعين ميلاً إلى بيروت سيراً على الأقدام في أقل من ثلاثة أيام، واصلاً بقدمين مجروحتين وفي جيبه حلم لم يخبُ.
في بيروت، يواجه خيبة أمل مدمرة: لا توجد رسالة أو نقود بانتظاره في القنصلية الأمريكية، وليس لديه أي وثائق تثبت هويته. يظل عالقاً في المدينة لمدة عامين، يزور القنصلية مراراً ويسمع الجواب نفسه: «لا دليل لديك». يعمل بوظائف متعددة، من مساعد خباز إلى تلميذ نجّار، ويعاني من ضرب أرباب العمل. في شهر أكتوبر 1925، يفقد وظيفته بعد أن تحطم لوح زجاجي بسبب ذهوله برؤية سفينة ضخمة في المرفأ. في تلك الفترة، تشتعل الحرب بين الفرنسيين والدروز، ويسمع قصصاً مروعة عن قصف دمشق لثلاثة أيام، وعن جثث خمسة وعشرين متمرداً تعرض في الشوارع، وعن قريته عين العرب التي هوجمت وقتل فيها ستة من أقاربه. يعود ليؤكد سلامة جدته التي نجت بذكاء باستخدام عبارة «بعرثك» لكسر إرادة المهاجمين الدروز. في خضم هذه الفوضى، يزداد حلمه بأمريكا إلحاحاً.
بعد خمس سنوات من الانتظار، يصل إلى حافة اليأس. زميل له يدعى جبور يخطط لسرقة تاجر من بغداد لديه خمسة أكياس من الذهب في الفندق، ويحاول إغراء سالم للمشاركة. ينقذه في اللحظة الأخيرة صديقه الإسكافي الفيلسوف عبدو، الذي يرفض الفكرة ويحذره بأن «أمريكا لا تأخذ اللصوص». هذه اللحظة الأخلاقية الحاسمة تجسد إيمان المؤلف بأن النزاهة هي مفتاح الوصول إلى أمريكا، وليس المال وحده.
أخيراً، يحصل على جواز سفره ويبحر إلى أمريكا. مشهد وصوله إلى نيويورك يفيض بالدهشة والقلق: تمثال الحرية، ملايين الناس والسيارات، المباني العملاقة. يركب قطاراً إلى الغرب الأوسط ليلحق بإخوته، وتذهله ثراء المزارع وضخامة الأبقار التي ترعى بتكاسل في مراعٍ خضراء عميقة، متناقضة مع الأبقار السورية الهزيلة. عند وصوله إلى سيوكس سيتي، تستقبله عمته بعناق حار وكلمات «يا أهلًا وسهلًا!» التي تأخذ معنى جديداً، لتشعره بأن كل أمريكا أصبحت ملكاً له.
لكن الحلم يتحطم سريعاً على صخرة الواقع. يعمل في مسلخ ضخم، في قبو الجلود أولاً ثم في قسم تقطيع لحم الخنزير، ويعاني من إهانة زميل يصفه بـ«أيها الأجنبي!». يشعر بالضياع والغربة، ويكاد ييأس عندما يجد نفسه عاطلاً عن العمل. يتحول بعدها إلى بائع سجاد ومفروشات متنقل، ويواجه السخرية والرفض. في مدينة أميس بولاية آيوا، يقرر أن يدرس في الكلية رغم أنه لا يعرف كلمة إنجليزية. رحلته مع اللغة الإنجليزية مليئة بالإحباط: يكتشف طبيعتها غير المنطقية، حيث تُلفظ «colonel» بشكل مختلف تماماً عن كتابتها، وكلمة «phthisic» المكونة من أربعة حرف لتمثيل صوت يمكن التعبير عنه بحرف t واحد. لكنه يتقدم بسرعة بفضل حماسه ومساعدة المعلمين.
في لحظة فارقة، يُطلب منه إلقاء خطاب عن حياته أمام الصف. يتحدث لمدة خمس وعشرين دقيقة دون أن يشعر بالوقت، ويكتشف أن نجاحه لا يأتي من مهارته اللغوية بل من قوة قصته. يفوز بالمركز الأول في مسابقة خطابة محلية بخطاب بعنوان «المهاجر يتكلم»، لكنه يخسر في المسابقة الإقليمية لأن الحكام يقولون إنه «يتكلم بلكنة». هذه اللحظة تعكس حدود الاندماج: اللكنة تبقى عائقاً في نظر البعض. يدرك أيضاً أن المواطنة الأمريكية ليست مجرد حق بالولادة، بل شيء يجب اكتسابه، ويصبح أكثر تواضعاً وتصميماً.
يؤسس متجراً لإصلاح الأحذية، ويبتكر فكرة مبتكرة: إصلاح أحذية الفقراء مجاناً خلال فترة الكساد الكبير. ينتشر الخبر، ويتبنى اتحاد تجار الأحذية فكرته، ليلتزم أكثر من ثلاثمائة متجر في أمريكا وكندا بتخصيص يوم شهرياً للخدمة المجانية. لكنه يصطدم بالتناقضات الاقتصادية: يرى طفلاً يرتجف من البرد بحذاء بالٍ، وفي الوقت نفسه يُطلب منه حرق الذرة في الأفران بدلاً من الفحم لرفع الأسعار، وهو ما يذكره بأيام المجاعة في سوريا عندما كان الناس يبحثون عن جذور يأكلونها. يدرك عبثية هذه الحلول: «كيف يمكن للازدهار أن يُبنى على تدمير الخيرات؟»
يكتشف سالم جوهر الحرية الأمريكية من خلال نقاش سياسي حاد مع عائلة مزارع أمريكي. يندهش من أن الأب والابن يختلفان بعنف حول الحكومة، ثم يستمران في مناداة بعضهما بـ«يا بني» و«يا والدي» بحب. يدرك أن الحرية الحقيقية ليست في ناطحات السحاب، بل في حق المواطن العادي في انتقاد حكومته دون خوف. خلال الحملة الانتخابية بين روزفلت وهوفر، يندهش أكثر عندما يرى شرطياً لا يعتقل جاره المنتقد للرئيس ليلاً، وعندما يدعوه مدير شؤون الموظفين في الكلية للتصويت، معتبراً من الطبيعي أن يساعد صانع أحذية سوري في اختيار رئيس الولايات المتحدة. يصل إلى قناعة بأن «طالما أن الناس أحرار في انتقاد حكومتهم... فلا يمكن لأي مشكلة أن تكون سيئة حقاً».
يسافر بعدها إلى أوروبا وسوريا. في باريس، يواجه صوراً نمطية عن أمريكا كبلد فاسد، ويصححها بإخبار شبان من عشرين جنسية أنه إسكافي يمتلك متجراً وسيارة. في نقاش حاد، يواجه شاباً إيطالياً فاشياً يمتدح موسوليني، ويرد عليه آخر اشتراكي والدُه قُتل على يد الفاشيين. في نهاية الرحلة، يشعر بالقلق عندما يقرأ أن روزفلت خفض قيمة الدولار، متسائلاً إن كانت أمريكا ستنزلق إلى الفوضى الأوروبية نفسها. على سفينة متجهة إلى بيروت، يلتقي بخمسة مهاجرين يهود مسنين فروا من التعذيب النازي، ويسمع قصصاً مروعة عن ضرب وتعليق من الأقدام وتدمير الروح. لكنه يندهش من خططهم لإعادة بناء حياتهم في فلسطين، ويصفهم بأنهم «بصيص أمل للديمقراطية والإنسانية»، في انحياز واضح لوجهة نظرهم دون تعاطف مع سكان البلاد الأصليين.
عند عودته إلى عين العرب، يواجه مفارقة صادمة: الصورة المثالية التي كان يحملها عن القرية تتصادم مع واقع معقد. أهم ما يربطه بوطنه هو الناس، وليس المكان نفسه. يظل السؤال مفتوحاً عن إمكانية المصالحة الحقيقية بين عالمين. يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هي رؤية سالم الإيجابية للحرية الأمريكية كحل مطلق. نقاشاته في باريس وسخريته من الفاشية تظل أحادية الجانب، كما أن تمجيده للمشروع الصهيوني في فلسطين دون الإشارة إلى معاناة الفلسطينيين يكشف عن تحيز واضح. في النهاية، يبقى الكتاب شهادة قوية وملهمة عن كفاح المهاجر، لكنه ليس خالياً من التناقضات والحدود التي تعكس رؤية شخصية لا تدعي التعميم.
Personnes
Chapitres(20)
1.كبشي العظيم23–47▼ résumé
بدأ الأمر بمشهدٍ أخاذ: شكري، جابي الضرائب التركي، يمتطي جواده الموشى بالفضة عبر الوادي، مثيراً إعجاب الصبيان الذين تمنوا لو كانوا مثله. لكن سرعان ما تحول الإعجاب إلى رعب عندما أفرغ مسدسه في جسد كلب عجوز، بعد أن علم أن زوجة أخيه توفيق، وهي شابة مسيحية تُدعى مريم، استضافت رجلاً غريباً أثناء غياب زوجها. سادت القرية حالة من الترقب والعذاب، وبدا الأمر وكأن كارثة تلوح في الأفق.
في ذروة التوتر، لجأت مريم إلى منزل كبشي، جدة الراوي، التي كانت طريحة الفراش إثر حادث. لم تصدق كبشي الوشايات، بل استمعت لمريم بهدوء وعرفت الحقيقة: الرجل الغريب لم يكن عشيقاً، بل شقيق مريم الذي كان يعتقد أنه قُتل على يد الجنود الأتراك. كان شقيقها هارباً مطلوباً للحكومة، وقد جاء لرؤية أخته قبل أن يختفي مرة أخرى. وعندما وصل توفيق غاضباً ومعه سوط ومسدس، أنقذتهم كبشي ببراعتها: بقانون الضيافة العربي الذي يفرض احترام من يدخل بيتك، وبقصة حكيمة عن ملك خسر مملكته لأنه صدق القيل والقال. أقنعت كبشي توفيق بأن مريم بريئة، وأن الشاهد الوحيد على الحقيقة هم الجيران الذين رأوا الرجل بأنفسهم، فانصرف توفيق آخذاً زوجته مهدداً القرويين بالانتقام إن عادوا لنشر الإشاعات.
تتحول السردية بعد هذه الحادثة بكثير من البراعة إلى رسم صورة عميقة لشخصية كبشي، التي تُعد روح الفصل بأكمله. لم تكن مجرد امرأة عجوز ماهرة في سرد الحكايات، بل كانت "صانعة سلام"، حكيمة وعملية، تفهم الطبيعة البشرية. يصفها الراوي بأنها مدينة لها بحياته كلها، ويكشف عن سره الشخصي: لقد كانت كبشي تخبئ سراً عنه، سراً يخص هويته ومستقبله، ستكشف عنه فصول لاحقة.
ثم ننتقل إلى تفاصيل حياة كبشي: وُلدت في راشيا لعائلة مسيحية أرثوذكسية، وانتقلت مع زوجها إلى يبوس حيث رزقا بثلاثة أبناء. اشتهرت بمهارتها في الطبخ ورواية القصص حتى أنها نالت حظوة لدى الباشا المحلي الذي كان يستعين بها لاستقبال جباة الضرائب. كان حلمها أن تشتري أرضاً في عين عرب وتضمن حياة كريمة لأبنائها، لكن أبناءها سافروا إلى أميركا الواحدة تلو الآخر بعد أن سمعوا قصصاً عن "الأرض الغنية العادلة"، مستخدمين مدخراتها لتأمين تكاليف سفرهم. تقبلت خيبة أملها، لكن فراقهم كان كموتٍ بالنسبة لها.
ومع ولادة سلام (الراوي)، الذي ماتت أمه عند ولادته، عاد الحلم من جديد. أصرت كبشي على تبنيه وأسمته "المُنقَذ"، لكنها واجهت مشكلة إطعامه. حلت المشكلة بالاستعانة بأمهات من كل الطوائف: مسيحيات، مسلمات، يهوديات، درزيات. هذه الممارسة، التي تنبع من حبها وحكمتها، جعلت الصبي محط خوف وخرافة في قرية منقسمة طائفياً. أصبح يُنظر إليه كـ"ابن شيطان" لأنه شرب حليب أعداء متقاتلين، فنبذته القرية وأصبح منبوذاً ومنبوذاً في نظر الآخرين.
عندما كانت كبشي طريحة الفراش لثلاث سنوات، صارت القصص عالمهما المشترك. قصة "الولد الشرير والقطع النحاسية" ليست مجرد تسلية، بل هي درس حي غرسته فيه بقوة. بعد أن تشاجر سلام مع صبي مسلم يدعى علي ووصفه بـ"خنزير"، وهو شتيمة دينية خطيرة، لم تعاقبه كبشي أو تنتقم له. بل أقامت حفلةً لعلي ووالدته وجميع أطفال الشجار. في نهاية الحفلة، وتحت ضوء القمر، سردت قصة الولد الشرير الذي كافأه رجل عجوز على ركلته بقطع نحاسية، ليعتقد أنه وجد كنزاً، ثم يلقى بعدها درساً قاسياً على يد رجل غني يضربه بالسوط. قالت لسلام وعلي: "الحفلة هي قطعكم النحاسية"، ففهم الصبيان الدرس: أن الكرم والمصالحة هما المكافأة، وأن الاستمرار في الخصومة هو الضرب.
العالم الذي بنته كبشي بحكاياتها لم يكن مجرد تهويمات؛ كان ملاذاً آمناً لسلام. عالم اختلط فيه الواقع بالخيال، وأصبحت الحكايات مثل "الملح في الطعام"، تمنح الحياة نكهة ومعنى. حتى إسطبل المنزل، بأصواته المألوفة، كان جزءاً من هذا العالم الجميل، يبعث الطمأنينة قبل النوم ويوقظهم في الصباح كأوركسترا تعزف للحياة.
ينتهي الفصل بلحظة انكسار لا تُنسى: استيقظ سلام ذات صباح ليجد كبشي هادئة، لم تستيقظ كالعادة. حاول إيقاظها، ثم أسرع يستدعي رجالاً من الحقول. قالوا له: "ماتت". لم يفهم معنى الموت فسأل "أريد أن أذهب أيضاً". فقيل له إن وقته لم يحن بعد. دُفنت كبشي في مقبرة تحت بيت الباشا، دون طقوس أو ترانيم، لترحل صانعة السلام في صمت. تركته يتيماً بلا مأوى، لكنه لم يستسلم، لأنها علمته أن يكون قوياً وألا يكون عبئاً على أحد.
يمكن القول إن الفصل يطرح سؤالاً عميقاً حول قوة الحكاية والحكمة الأنثوية في مواجهة الانقسامات الطائفية والعنف الذكوري. كبشي لم تكن مجرد جدة، بل كانت نموذجاً للقائد الحقيقي الذي يستخدم العقل والكرم والدهاء لنزع فتيل الأزمات. لكن الفصل يترك أيضاً تساؤلاً مفتوحاً: هل كان بإمكان كبشي أن تنقذ حفيدها من العزلة والخوف الذي زرعته فيه طائفيّة القرية؟ ربما تكون قصتها وموتها المبكر دليلاً على أن الحكمة وحدها لا تكفي أحياناً لتغيير عالم مشحون بالكراهية، لكنها كافية لإنقاذ روح واحدة وتجهيزها لمواجهة مصيرها.
2.جونتوسي يراها حتى النهاية48–65▼ résumé
بدأ "جونتوسي يراها حتى النهاية" بمشهد مؤثر يعود فيه الكاتب سالم رزق، وهو لا يزال طفلاً، إلى قريته عين العرب الواقعة على بُعد حوالي اثني عشر ميلاً من الطريق الرئيسي بين بيروت ودمشق. كان قد تيتم وفقد والدته، وتوجه إلى منزل جدته لأمه بعد أن عصفت به الحياة. لكنه وجد القرية في حالة من الذهول والترقب، إذ كانت جدته جونتوسي تستعد لرحلة خطيرة إلى حوران وجبل الدروز لجلب القمح، محققة بذلك دَيْن زوجها الراحل أسعد. كان أهل القرية يجتمعون في منزلها، ويبكي بعضهم خوفاً عليها، ويتوسلون إليها ألا تخاطر بحياتها وسط ظروف الحرب واللصوص والذئاب، لكنها كانت مصرّة على تأدية الأمانة وإطعام الجائعين.
أدرك سالم أنه لا يستطيع أن يكون عبئاً إضافياً على جدته التي تواجه مثل هذه المصاعب، فلم يذهب إلى منزلها. بدلاً من ذلك، لجأ إلى فرن القرية القديم (التنور) ليقضي فيه ليلته، بعد أن أكله الجوع وتمزقت ثيابه. في اليوم التالي، شاهد من بعيد انطلاق جدته وعمه جبران على حمارين، بينما كان يختبئ خوفاً من أن تراه خالاته. بدأ بعدها رحلة البحث عن الطعام بنفسه، فأكل بيضاً نيئاً من أعشاش الطيور وجذوراً مرة، ثم اضطر إلى سرقة حليب الماعز من القطيع.
لكن الراعي المسن، يوسف أفندي، مسلم كان يعمل عند مسيحيي القرية، اكتشفه أثناء سرقته. بدلاً من معاقبته، أشفق عليه وأصبح يطعمه يومياً لبناً وخبزاً وزيتوناً، في مقابل أن يرعى سالم القطيع أثناء قيلولته. أثبت هذا الرجل، على الرغم من تحفظات الطائفيين في القرية، أنه إنسان طيب ورحيم. وهكذا استمرت أيام سالم بين البحث عن الطعام والنوم في التنور، إلى أن وجدته خالته زارفي وأخذته إلى منزلها، وهو ما أنقذه من ويلات الحرب التي كانت توشك أن تضرب القرية بقسوة.
ثم يتحول الفصل إلى سرد مؤلم للحرب العالمية الأولى التي اجتاحت سوريا. بدأ الأمر بموجات من اللاجئين الفارين من لبنان، يروون قصصاً مروعة عن قتل أطفالهم، وحرق قراهم، وقطع أشجار التوت التي يعتمدون عليها في تربية دودة القز، ونهب الجنود لبيوتهم وتحويلها إلى إسطبلات. تبع ذلك بلاءان حقيقيان: الجراد الذي أتى بالبلايين، وأكل كل شيء أخضر، وغطى الأرض بجثثه وبيضه؛ ثم محصلي الضرائب الأتراك الذين كانوا أقسى من الجراد.
كان المحصلون يراقبون كل حبة قمح ويختمونها بختم الدولة العثمانية، وكان الخوف من كسر الختم يمنع أهل القرية من النوم. ثم بدأوا يجردون البيوت من كل شيء، حتى الريش من الوسائد لصنع أكياس الرمل، ونقاط الحديد من المحاريث. لكن أهالي عين العرب قاوموا بذكاء، فكانوا يسرقون ممتلكاتهم من تحت أنف الضابط التركي وهو يدخل ويخرج، ويخفونها في الخلاء. كما قاوم الرجال التجنيد الإجباري بتشويه أنفسهم أو الاختباء في الجبال، وكذب الأطفال على الضباط عندما سألوا عن أماكن آبائهم، على الرغم من مأساة فتى بريء دلّ الجنود على عمه المطلوب.
يسجل الكاتب بعمق كيف أن هذه الأحداث تركت "شياطين" لا تتركه، كيف أن رعبها يوقظه في الليل ويطارده مدى الحياة، ويصف مشهداً لا يُنسى لجندي تركي ركل طفلاً مشلولاً أرضاً أمام أمه المذعورة. لكن وسط هذا الكابوس، كان الرجاء الوحيد يعود إلى جونتوسي. أخيراً، في يوم عظيم، عادت الجدة من حوران مع قافلة جمال محملة بالقمح، واستقبلها أهل القرية كمنقذة. أعلن المنادي وفاءها بديون زوجها، وخبأت معظم القمح في أماكن سرية لتحمي المزرعة من الجباة، هكذا عاشت القرية شتاءً أفضل بفضل شجاعة أرملة أمينة. لكن الفصل يختم بنبرة مأساوية: تشجع عشرة رجال على السير في الطريق نفسه إلى حوران، لكنهم لم يعودوا أبداً، ويُعتقد أن جماعة من العرب قطعت طريقهم وقتلتهم.
3.الخنازير ستظل خنازير66–76▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على محنة صبي يتيم يُدعى سالم، يعيش في قرية عين العرب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث يعاني من الجوع والفقر ويشعر بأنه عبء على الآخرين. يقدّم الفصل إجابة واضحة عن سؤال كيف يمكن للفرد أن يكافح من أجل البقاء والكرامة في عالم قاسٍ، عبر سرد قصة تجربة الصبي مع رعي الخنازير، والتي تتحوّل إلى درس قاسٍ في الطبيعة البشرية والحيوانية. الموضوع المحوري هو صراع الإنسان مع الظروف الصعبة، والعلاقة بين الضعف والقوة، والتحذير من التعصب الديني الذي يشتعل لأتفه الأسباب.
يبدأ الفصل بعد انتهاء الحرب، لكن معاناة الناس لم تنتهِ بسبب جشع المسؤولين الأتراك وعصابات اللصوص الذين استمروا في نهب القرية. في البداية، لم يصدق الأهالي خبر هزيمة الأتراك والألمان، واستغل بعض المسؤولين ذلك لمواصلة ابتزازهم. عندما تأكد النصر، انتفض الأهالي المسلحون بـمائة بندقية، وأصبحت القرية جحيماً لأي تركي يجرؤ على الظهور فيها، وتمنوا عودة ظالم يدعى أبو خليل الذي ركل طفلاً معاقاً، لكنه لم يعد أبداً.
في خضم هذه الفوضى، يجد سالم فرصة للهروب من كونه عبئاً عندما يلتقي بمزارع من قرية كفر كوك يدعى سيمان خميس، يحمل صندوقين يصدران أصواتاً غريبة. يكتشف الصبي أن الصندوقين يحويان خنازير حية صغيرة. يعرض عليه خميس وظيفة راعي لهذه الخنازير، مقابل العيش معه وشراء الملابس وحذاء له، وهو ما يقبله الصبي الذي لم يمتلك حذاءً منذ وفاة معلمه كباشي.
من هنا يبدأ وصف تجربة رعي الخنازير، وهي مهمة مستحيلة كما يصفها الكاتب. يشرح الفصل طبيعة الخنازير الفوضوية: ليس لها غريزة اجتماعية، لا تتحرك في قطيع، ولا تستجيب للأصوات كالماعز أو الغنم. هدفها الوحيد في الحياة هو الوحل والتراب، ولا يمكن السيطرة عليها إلا بسياج، وهو ما لم يكن متوفراً. في اليوم الأول، تفرقت الخنازير الخمسة عشر في كل اتجاه، وقضى سالم يومه يركض ويصرخ ويبكي دون جدوى. حاول نداءها بأصوات الماعز، ورشقها بالحجارة، وحتى الصلاة، لكنها بقيت شاردة. وعندما حلّ الليل، كانت الخنازير قد اختفت تماماً، فجلس على صخرة وأطلق العنان لكراهيته لها، متمنياً اعتناق أي دين يجعل كره الخنازير واجباً دينياً.
بعد أن وجده خميس مع عشرة رجال، وبعد توبيخ غاضب، استمرت المعاناة لأشهر. حاول خميس في اليوم التالي وضع خمسة ماعز لقيادة الخنازير، لكنها رفضت الانصياع. حاول ركوب حصانه ومطاردتها، مما أثار سخرية الدروز الذين يكرهون الخنازير ويسمونها "جرذان". يصف الفصل كيف أن الخنازير لم تزد سوى نحافة وقبحاً، وكيف بدأ خميس يلوم سالم ويضربه كلما خرجت الخنازير عن السيطرة، حتى أصبح الصبي يتمنى أي كارثة تنهي هذه المعاناة.
تأتي الكارثة أخيراً بعد يوم ممطر، حيث تتفرق الخنازير وتدخل حديقة أحد الفلاحين الدروز. يهاجم خادم درزي سالم بالضرب المبرح على رأسه وكتفيه حتى يفقد وعيه. عندما يروي الصبي ما حدث لـخميس، يثور الأخير ويطلق خمس رصاصات في الهواء كنداء للمسيحيين لحمل السلاح. يتجمع العشرات من الرجال المسلحين، ويصعد خميس الموقف، متّهماً الدروز بأنهم يضطهدون المسيحيين بسبب الخنازير. في لحظة توتر قصوى، يظهر الدروز ببنادقهم لكنهم يتركونها على أكتافهم ويتقدمون بأيدٍ حرة. يتوقف الشيخ الدروز الحكيم ذو اللحية البيضاء ويرفع يده طالباً الهدنة. يسأل عن سبب التعبئة، فيجيب خميس بأن مسيحياً ضُرب، ويطالب بالقصاص. يعقدون مؤتمراً، ويعتذر الدروز، ويعاقب الخادم، ويحل السلام.
بعد أن هدأت الأمور، يخبر سالم خميس أن الشيخ يذكّره بـكباشي "أبو السلام"، لكن خميس يزجره. يجرؤ الصبي على تذكيره بوعده بشراء حذاء، فيلعنه ويقول إن الضرب كان جزاءه العادل. في اليوم التالي، يهرب سالم من القرية، كارهًا الخنازير بكراهية عميقة لا تُستأصل، ولا يريد رؤية المزيد من المشاكل الدينية.
الملاحظ أن الفصل يحمل في طياته حجة قابلة للنقاش، مفادها أن الفروق الدينية كانت مجرد قشرة خارجية لصراعات أعمق، حيث كانت الخنازير مجرد ذريعة لانفجار التوترات المكبوتة بين الجماعتين، المسيحية والدروزية. كما أن الفصل لا يقدم أية أرقام أو تواريخ تاريخية سوى الإشارة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ويركز على السرد القصصي بدلاً من التحليل المجرد. يقرّ الكاتب ضمنياً بحدود قصته الشخصية، حيث يعرضها كتجربة فردية لا تدّعي التعميم، ويترك أسئلة مفتوحة حول جدوى الصبر والمقاومة في وجه ظروف لا تطاق.
4.جواز سفر إلى الجنة77–93▼ résumé
في هذا الفصل الذي يحمل عنوان «جواز سفر إلى الجنة»، يروي سالم رزق لحظة تحوّل جذرية في حياته، وهي اكتشافه أنه مواطن أمريكي بالولادة، وأن له حقاً في السفر إلى بلد يصفه معلّمه بأنه «الجنة على الأرض». الموضوع المحوري هو الانتقال من اليأس والضياع إلى الأمل والهدف، والإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن معرفة هويته الحقيقية ووجود مستقبل له في أمريكا منحاه سبباً للعيش والحلم بعد حياة من الفقر والحرمان.
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، فيبدأ بعودة سالم إلى قرية عين العرب بعد هروبه من كفر كوك بسبب التوتر الطائفي بين الدروز والمسيحيين. يعمل عند أرملة عجوز تُدعى بومي (تعني «البومة») بأعمال موسمية شاقة مقابل ليرة تركية واحدة أو ما يعادلها قمحاً بعد سبعة أشهر، إضافة إلى الطعام والملبس. يصف المؤلف شعوره بالوحدة واليأس قائلاً إن الجوع في البطن لا يُقارن بجوع القلب. ثم يظهر في حياته شخصية محورية هي جورج نمر، وهو رجل ضخم الجثة وقوي لكنه وديع ومتدين، ينتقد رجال الدين لقراءتهم الكتاب المقدس دون فهم. يشرح جورج في مثال حي كيف أن كذبة صغيرة يمكن أن تشعل حرباً في القرية، لأن الحقيقة بعدها تصبح ملطخة بالكذب.
يلتفت جورج نمر إلى سالم بعد أن سمعه يقص حكايات، ويشجعه ويقول له إنه يحب الحكمة ويتحدث كالنحل. يقرر جورج أن يرسل سالم إلى مدرسة دينية ليصبح كاهناً، ويدفع تكاليف تعليمه حين يستطيع. هذا الحلم يوقظ في سالم أملاً جديداً. بعد فترة، تُعاد فتح المدرسة في عين العرب بعد أن أغلقت بسبب الحرب ونقص المعلمين. المدرسة عبارة عن غرفة واحدة بجدران حجرية وأرضية ترابية، لكنها بالنسبة لسالم الجنة. عمره آنذاك ثلاثة عشر عاماً، وهذه أول يوم دراسي له. المعلم هو إلياس خوري، ابن كاهن القرية، وهو صارم لكنه محبوب. يتعلم سالم الحروف الأبجدية السريانية بشغف، ويمارس الكتابة على الرمل قبل أن يحصل على أول ورقة بيضاء في حياته من المعلم.
ذات يوم، يطلب المعلم من التلاميذ كتابة رسالة يتخيلون فيها أنهم يعيشون في مكان آخر بعد عشر سنوات. يكتب سالم رسالة شكر للمعلم، فيطلب منه المعلم البقاء بعد الحصة. هنا تأتي اللحظة المحورية: يخبره إلياس خوري أنه مواطن أمريكي. يشرح له أن والده وإخوته في أمريكا، وأن أمه توفيت عند ولادته، وأن جدته كباشي أخفت عنه حقيقة هويته. يوضح المعلم أنه تحقق من الأمر وأصبح متأكداً: سالم مواطن أمريكي وأمريكا هي وطنه الحقيقي. يصف المعلم أمريكا بأوصاف أسطورية: أرض الأمل والسلام والحرية والوفرة، حيث القمح يصل إلى الكتف والسماء، والمدارس في كل مكان، والأحلام تتحقق. يسأله سالم: «متى يمكنني الذهاب إلى هناك؟» فيجيبه المعلم: «بمجرد أن تحصل على جواز سفر، وهو ورقة تسمح لك بدخول الجنة على الأرض». الفصل ينتهي بعزم سالم على كتابة رسالة إلى إخوته ليبدأ رحلته إلى أمريكا.
يعترف المؤلف في مستهل الفصل بأن مشاعره كانت مختلطة: السعادة لم تكن خالصة، بل تلاها آلام حادة وخيبات وشكوك وإغراءات. يقرّ أيضاً بأنه لا يزال يرى في مجريات الأحداث يد عناية إلهية، ولا يستطيع تفسيرها بالكامل. لا يترك الفصل أسئلة مفتوحة بل يبني توتراً حول إن كانت الرسالة ستصل أم لا، لكنه لا يطرح شكوكاً حول صحة الخبر. الحجة الوحيدة القابلة للنقاش ضمن النص هي رؤية جورج نمر للدين ولرجال الدين؛ إذ ينتقد بشدة من يقرأون الكتاب المقدس دون فهم حقيقي لمعانيه، ويقدم مثالاً عملياً لكيف تؤدي الأكاذيب الصغيرة إلى حروب داخل القرية، وكيف أن الحقيقة وحدها لا تكفي لإصلاح الضرر بعد أن تبدأ الفتنة.
5.أرض أحلامي94–104▼ résumé
يُركّز هذا الفصل، "أرض أحلامي"، على الحلم الأمريكي كما تخيّله المؤلف سالم رزق في طفولته في قريته عين العرب بسوريا، ويُظهر الفجوة الصارخة بين الصورة المثالية التي رسمها له معلّمه وبين الواقع القاسي الذي يعيشه. الجواب الذي يقدمه الفصل هو أن أمريكا كانت بالنسبة لسالم ليست مجرد بلد، بل هي نقيض تام لكل معاناته: الفقر، الجوع، القمع، والعنف. لقد كانت "الجنة" الموعودة التي ستنقذه من حياة مليئة بالحرمان.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال أحلام سالم وتجاربه المؤلمة. يبدأ بوصف أطلال قلعة قديمة على تلّ قرب قريته، حيث كان يخلو بنفسه ليحلم. يستخدم الكاتب هذه القلعة كرمز لكيف أن الأساطير والخيال كانا يملآن فراغ الواقع، سواء بالنسبة للحكايات عن القلعة أو عن أمريكا. ثم يشرح الكاتب ميل شعب المشرق إلى المبالغة، ليس بهدف الكذب، بل لنقل الشعور الداخلي بعمق التجربة، مثل القول للضيف إن البيت ملك له ليُحرقه. هذه العادة، برأي الكاتب، جعلت من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال، خاصة في ما يتعلق بأمريكا.
يتخيل سالم أمريكا كجنة ذات ثلاث سمات رئيسية: أولاً، قصور رخامية للتعليم حيث يمكن لأي فتى أو فتاة، حتى الفقراء، أن يصبحوا أطباء أو محامين؛ ثانياً، وفرة هائلة في الطعام والملبس لدرجة خيالية (مثل أنف بقرة في بيروت وذيلها في دمشق)؛ وثالثاً، سلام وأمان تامين، حيث لا حروب ولا اضطهاد ديني بين المسيحيين والمسلمين، ولا جنود متعجرفون يرهبون الناس. هذه الصورة كانت عكس كل ما عاشه سالم من عوز وخوف. لكن الحلم اصطدم بالواقع القاسي لانتظار رسالة من إخوته في أمريكا؛ حيث كان يركض كل أسبوع لاستقبال ساعي البريد، ليعود كل مرة خائب الأمل، وتكرر هذا لشهور.
بعد انتظار دام قرابة ستة أشهر، وصلت الرسالة أخيراً، لكن فرحته تحولت إلى حسرة عندما اكتشف أنه لا يستطيع قراءتها لأنها كُتبت بلغة أجنبية، ولم يستطع حتى المعلم الجديد قراءتها. لحسن الحظ، كانت الصفحات الثانية والثالثة والرابعة بالعربية، فقرأها له المعلم وأخبره أن إخوته فوجئوا بأنه لا يزال على قيد الحياة. يروي الفصل نكتة عائلية من الرسالة، حيث قال عمه جبران إنهم ظنوا سالم مات لأنه "لم يكن يستحق القتل"، على عكس الرجال الذين قتلتهم تركيا لكونهم "مهربين للحرية". يقرّ الكاتب هنا بحدود معرفته، معترفاً بأنه كان مجرد صبي جاهل لم يعترض على الظلم، ولذلك نجا. ختمت الرسالة بأن إخوته أرسلوا مالاً إلى القنصل الأمريكي في بيروت ليُرسل سالم إلى أمريكا فوراً.
في ختام الفصل، يصف سالم رحلته التي استغرقت أقل من ثلاثة أيام لقطع مسافة خمسة وأربعين ميلاً إلى بيروت سيراً على الأقدام، واصلاً بقدمين مجروحتين ومفجوعتين بالألم. يصل في المساء ويضيع في شوارع المدينة المظلمة، وينام تحت شرفة أحدهم. يستيقظ في اليوم التالي، وعمره أربعة عشر عاماً فقط، وهو يجهل تماماً الإجراءات المعقدة للحصول على جواز سفر وسفينة تقله إلى أمريكا، حاملاً معه حلمه الذي لم يخبو رغم كل الصعاب.
6.خيبة أمل في بيروت105–123▼ résumé
ملخص فصل «خيبة أمل في بيروت» من كتاب "Syrian Yankee" لـSalom Rizk
يُشكّل هذا الفصل نقطة تحوّل حاسمة في رحلة سالم رزق نحو أمريكا. فبعد أن قضى طفولته في قريتي كفر كُك وعين العرب في سوريا، محمّلاً بأحلام الهجرة إلى أرض أخواله التي أخبره عنها معلّمه، يصل إلى بيروت ليبدأ أولى خطواته الفعلية نحو تحقيق هذا الحلم. لكنه يواجه فوراً العقبة الأولى: إثبات هويته كمواطن أمريكي.
يبدأ الفصل بانطباعات سالم الأولى عن بيروت، المدينة الصاخبة التي أذهلته بمناظرها الجديدة: الدراجات الهوائية، السيارات الصاخبة، العربات التي تجرها الحمير والماعز، والنساء الجميلات غير المنتقبات بوجوه حمراء وشفاه زاهية وثياب قصيرة. لكن هذه الدهشة سرعان ما تتحول إلى خيبة أمل عندما يدخل المبنى الأمريكي. يصف سالم نفسه بأنه كان يشعر وكأنه "متسول في قصر" وسط تلك الأناقة. يلتقي بموظف يرتدي ملابس أوروبية ويتحدّث العربية بطلاقة. يشرح سالم أنه مواطن أمريكي ويريد السفر، ويُقدّم رسالة إخوته من أمريكا كدليل. لكن الموظف يخبره بعد التفحص أنه لا توجد أية رسالة أو نقود بانتظاره. يطلب منه الموظف إثباتاً بهويته، مثل شهادة ميلاد. سالم، الذي لا يعرف تاريخ ميلاده بالتحديد (يظن أنه 1908 أو 1909) ولا يملك أي وثائق رسمية لأنه نشأ يتيماً فقيراً، يصدمه هذا الطلب. يترك القنصلية غارقاً في البكاء، وشاعراً بأن عالم أحلامه ينهار.
بعد هذه الصدمة، يتجه سالم إلى منزل عمّته ميريام في بيروت، حيث يمكث عاطلاً عن العمل، لكنه لا يتوقف عن زيارة القنصلية مراراً وتكراراً على مدى عامين، مصرّاً على كونه سالم رزق المواطن الأمريكي. لكن الجواب كان يتكرر دائماً: "لا دليل لديك". يقوده هذا الإحباط إلى الشك في هويته، وفي وجود إخوته في أمريكا. لمكافحة هذه الشكوك، كان يذهب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت ليتجوّل في حرمها الجامعي متخيلاً أنه على أرض أمريكية حقيقية، أو يقف على الأرصفة متأملاً السفن التي تغادر نحو الأفق.
في هذه الأثناء، عمل سالم بوظائف متعددة دون اهتمام أو طموح، من مساعد خباز، ومندوب توصيل، ومربية أطفال، وتلميذ نجّار، وعامل إسطبل، وكان معظم أرباب عمله يضربونه ويعاملونه بقسوة. ثم يعمل كتلميذ زجّاج لدى رئيس عمل متديّن لكنه قاسٍ كعبيد. أثناء عمله في الطابق الرابع من مبنى يطل على ميناء بيروت، يفاجأ سالم بدوي هائل. يلتفت ليرى أكبر وأجمل سفينة شاهدها في حياته تدخل المرفأ برشاقة. يدهشه المنظر فيسقط لوح الزجاج من يده ويتحطم. يطرده رئيسه في الحال، وكان ذلك في شهر أكتوبر من عام 1925.
مباشرة بعد فقدان عمله، يقرر سالم التوجه مجدداً إلى القنصلية بعد أن أيقظت فيه رؤية السفينة العملاقة الأمل. لكن في الطريق، يشهد مشهداً مأساوياً: امرأة تخرج من سيارة موديل تي القديمة وهي تصرخ وتضرب وجهها الموجع، وتنادي طفلها. يعلم سالم أن دمشق تتعرض للقصف بالطائرات والمدافع الفرنسية. تتكشف تفاصيل القصة: المرأة، وهي مسلمة، كانت تتعافى من الولادة عندما بدأ القصف. هربت هي وعائلتها بسيارة متهالكة، وفي خوفها الشديد على مجوهراتها، ألقت بحزمة في بئر، لتكتشف لاحقاً أنها ألقت بطفلها الرضيع.
يمتلئ الفصل بعدها بالحكايات المروعة عن الاضطرابات. يسمع سالم إشاعات تفيد بأن القصف استمر قرابة ثلاثة أيام، وأن الشوارع امتلأت بالقتلى والجرحى. يُقال إن الفرنسيين ربطوا جثث خمسة وعشرين متمرداً مثقوبة بالرصاص على ظهور الجمال وجابوا بها شوارع دمشق، ثم عرضوها في الساحات العامة لإرهاب الثوار. يزداد الوضع سوءاً بانتشار ثورة الدروز، الذين يهاجمون القرى ويقطعون الطرق وينهبون القطارات. يشعر سالم بالقلق على جدته التي تركتها في عين العرب، وعندما يصلها خبر أن قريته قد تعرضت للغارة، يقرر العودة إليها فوراً رغم تحذيرات عمّته.
يتجنب سالم الطرق الرئيسية ويتسلل عبر دروب الحمير. في الطريق، يختبئ خلف صخرة ليتفادى مجموعة من رجال حرب العصابات الدروز يقدر عددهم بـ عشرين على الأقل، يقودون ماشية مسروقة وحملاً محملة بالغنائم. بعد اختفائهم، يرى القرويين المشردين الذين طردهم الدروز من منازلهم وهم في حالة يرثى لها. يتوجه سالم إلى بلدة زحلة، على بعد حوالي خمسة عشر ميلاً شمال عين العرب، حيث وجدها مكتظة باللاجئين. يعلم هناك أن ستة من أقاربه قتلوا في الهجوم على عين العرب. يلتقي بجدته التي تروي له قصتها في النجاة. عندما هجم الدروز على قريتها أثناء وجودهم في الكنيسة، هربت إلى منزلها لحماية "كنزها". وعندما اقترب منها أحد الدروز، وضعت يدها على ركبته وربطت عقدة في غطاء رأسه (الكوفية) وصاحت: "بعرثك" (بشرف نسائك). تشرح جدته أن هذه العبارة، التي تعلمتها خلال رحلتها إلى حوران، كانت كفيلة بكسر إرادتهم، فالدرزي يموت ألف مرة قبل أن ينتهك شرف نسائه. رغم أن الدروز دمروا البلدة ونهبوا كل شيء، إلا أن جدته وصفت ذلك بأنه أفضل من السيف.
بعد تأكده من سلامة جدته، يعود سالم إلى بيروت ليجد التوتر والخوف يخيمان على كل شيء. يسود اعتقاد بين المسيحيين بأن الدروز سيطردون الفرنسيين، وأنهم لن يرقبوا بهم. السؤال الذي يشغل الجميع هو: "من يسلّح الدروز؟" يلتقي سالم بمهندس فرنسي شاب متزوج من سورية، يخبره أن مصنعي الأسلحة الفرنسيين هم من يبيعون السلاح للثوار. صُدم سالم من هذه الفكرة، واحتج قائلاً إن من الخطأ بيع السلاح لأعداء فرنسا، وإن الآلاف من السوريين، بمن فيهم أقاربه الستة، يُقتلون بالرصاص الفرنسي. يشرح له المهندس أن الأمر يتعلق بالمال، وأنه إذا لم يفعلها الفرنسيون، سيفعلها الإنجليز والإيطاليون وغيرهم.
يرى سالم بأم عينيه تدفق الجنود الفرنسيين إلى ميناء بيروت، جنود من المغرب، السنغال، الفيلق الأجنبي، مع دبابات ومدافع وشاحنات وطائرات، لدرجة أنه ظن أنهم سيغمرون جبال سوريا بأكملها. لكن الأخبار كانت تسوء كل يوم: الفرنسيون يخسرون، والدروز يقتربون من السيطرة على البلاد. يشرح المهندس الفرنسي سر هذا التناقض: الدروز مقاتلون أذكياء لا يواجهون الفرنسيين في معركة جماعية، بل يهاجمون في عصابات صغيرة من خمسة وعشرين إلى ثلاثين رجلاً، يختبئون في الجبال التي يعرفونها جيداً. أما السبب الثاني، فهو أن الفرنسيين أنفسهم فقدوا القلب في هذه الحرب. يقول المهندس إن كثيرين في باريس سئموا من الحرب، ويلقون باللوم على الجنرال ساراي الذي أفسد عمل سلفه ويغان، ويعتبرون قصف دمشق عملاً وحشياً لا يغتفر. ويتنبأ بأن هذه الحرب لن تنتهي حتى يُقتل آخر درزي أو يُطرد آخر فرنسي، "وهذا لن يحدث أبداً".
في خضم هذه الفوضى واليأس، يتذكر سالم حلمه بأمريكا بشكل أكثر حدة. يصلي بخشوع أكبر لينجو من "الفقر الأبدي وهذه الحرب التي لا تنتهي". لكن الفصل يختتم وهو لا يزال عالقاً في دوامة العنف، عاطلاً عن العمل بلا أمل يُذكر في السفر، مؤكداً على هشاشة أحلامه أمام قسوة الواقع وغياب أي هوية تثبت حقه في مغادرة تلك الأرض المحترقة.
7.خمسة أكياس من الذهب124–136▼ résumé
يتركز هذا الفصل حول معاناة سالم في الانتظار الطويل للهجرة إلى أمريكا، والإغراءات التي واجهها في بيروت، وتحديداً إغراء السرقة. يوضح المؤلف كيف أن اليأس من وعود أخيه المتكررة بالحصول على تأشيرة لأمريكا دفعه إلى حافة الموافقة على خطة خطيرة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن الشخصية الأخلاقية والنزاهة هما مفتاح الوصول إلى أمريكا، لا المال وحده، وأن السقوط في الإغراء سيدمر الحلم نهائياً.
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، مبتدئاً بوصف حال سالم النفسي بعد مرور خمس سنوات تقريباً على زيارته الأولى للقنصلية الأمريكية، حيث يتنقل بين اليأس والأمل بناءً على رسائل أخيه المتأخرة. يعمل سالم في فندق صغير يدعى "غراند هوتيل فيكتوريا" بأجر زهيد لا يتجاوز أربع ليرات شهرياً (حوالي ثلاثة دولارات). هنا يتعرف على زميله جبور، وهو شاب لبناني لبق وماكر، كان يدرس في إحدى الإكليريكيات اليسوعية وتعلم الفرنسية، لكنه تركها ليتزوج وطردته والدة الفتاة لفقره. يخطط جبور دائماً للثراء السريع، ويُظهر الفصل شخصية ثالثة هي عبدو، الإسكافي الفيلسوف الذي يصبح مرشداً أخلاقياً لـسالم. عبدو حرفي ماهر يكره المال ويكره أخيه الذي يؤجر ممتلكات الكنيسة بأسعار باهظة، ويعيش حياة بسيطة بتصنيع زوج واحد فقط من الأحذية في الأسبوع.
تتطور الأحداث حين يطرد صاحب الفندق سالماً بعد أن رفسه بوحشية لأنه استخدم صابوناً لتنظيف الأرضية، معتبراً الصابون "ذهباً" لا يجوز إهداره، واحتجز أجره المتأخر. في هذه اللحظة من الضعف، يتقدم جبور بخطته لسرقة تاجر تمر من بغداد يدعى ناظم آغا، والذي لديه في الفندق خمسة أكياس كبيرة من الجلد مليئة بالذهب. يقود جبور الشاب المصدوم لرؤية الأكياس بنفسه، ويقنعه بأن التاجر ثري لدرجة أنه لن يلاحظ اختفاء جزء من الذهب. يصف الكاتب مشهد تسللهما إلى الغرفة ببراعة، ويصور الخوف الذي اعترى سالم، وفتنة رؤية آلاف القطع الذهبية اللامعة، وإصرار جبور على تنفيذ الخطة في الليلة التالية.
يأتي دور عبدو ليكون الصوت الأخلاقي الحاسم. عندما يستشيره سالم، يرفض عبدو الفكرة رفضاً قاطعاً ويحذره من أن أمريكا لا تأخذ اللصوص، وأن السجن سيكون نهايته، لا أمريكا. يستخدم عبدو لغة عنيفة ومباشرة: سيقوم بربط سالم بالمنضدة أو رميه في البحر ليمنعه من السرقة. لكنه في الوقت نفسه، بدلاً من أن يتخلى عن الفكرة تماماً، يبدأ بتفصيل خطة أكثر احترافية، مقترحاً إشراك رجل عصابات مسيحي شهير يدعى إلياس حلب، والذي يعتبره بطلاً شعبياً يسرق الأغنياء ليعطي الفقراء، تماماً مثل روبن هود. يثير هذا الاقتراح حماسة سالم، لكن عبدو يتراجع سريعاً ويقرر إبعاد سالم عن أي تورط.
ينتهي الفصل بقرار عملي وحاسم. عندما يعود جبور بعد يومين مشوهاً وعليه آثار ضرب مبرح، يطرده عبدو قبل أن يكمل قصته، ليعتقلته الشرطة لاحقاً ويُرسل إلى السجن. يعترف سالم في نهاية الفصل بأنه بدون توجيه عبدو، لم يكن ليعلم هل كان سينضم إلى جبور أم لا. الفصل برمته يعترف بصعوبة المقاومة وترك سؤالاً مفتوحاً حول طبيعة الشخصيات التي تواجه إغراءات الحياة، لكنه يقود القارئ إلى استنتاج أن الحظوة بأمريكا تستحق أخلاقاً أعلى من السرقة. يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش ضمناً، مفادها أن الفقر واليأس يدفعان الشاب إلى حافة الإجرام، وأن الإنقاذ هنا لم يأتِ من قوة ذاتية بقدر ما جاء من تدخل خارجي حكيم وقوي.
8.بيتي، وطني الأم137–147▼ résumé
بدأ الفصل بمشهد الوداع في ميناء بيروت، حيث يصف الكاتب سالم رزق لحظة حصوله على جواز سفره من القنصلية الأمريكية، وهتاف القنصل له: "أنا سعيد لأنني أعرف أنك حقاً سالم رزق". انطلق سالم فرحاً ليخبر أصدقاءه، ثم وقف على الرصيف يودع سوريا، لعله لا يعود إليها أبداً. يتذكر القبلات والدموع، والهدايا الصغيرة، ودموع صديقه عبده التي كتمها بالمزاح، ووصايا خالته مريم حول من يزورهم في أمريكا وماذا يقول لهم. يتذكر ميناء بيروت وهو يتلاشى في البحر، ثم ذهابه إلى كابينته ليبكي، ناسياً كل الجوع والبؤس، ومتذكراً فقط الأصدقاء والأوقات الجميلة التي تركها خلفه.
على متن السفينة، يتذكر رفيقه المتدين الذي كان يعلق مسبحة في الكوة عندما تشتد الأمواج، وكيف أن موجة كبيرة اقتحمت الكابينة وأغرقتها بعد أن ترك الكوة مفتوحة بعد تهدئة عاصفة بميدالية القديس كريستوفر، ليقوم نادلان غاضبان بتنظيف الفوضى ويرميا الميدالية في البحر. يتذكر الأيام الطويلة التي لا نهاية لها والمياه الممتدة، حتى كاد يظن أن أمريكا قد غرقت في المحيط. ثم فجأة، يسمع صياحاً على سطح السفينة وقعقعة أقدام، إيذاناً بأول رؤية للشواطئ الأمريكية. يتزاحم المهاجرون على الدرابزين وهم يصرخون بجنون، محيين تمثال الحرية كما لو كان كائناً حياً يسمعهم ويرد عليهم. في تلك اللحظة، تغمره مشاعر القلق والأسئلة: "يا الله، هل أنا حقاً هنا؟ هل هذا بيتي وطني الأم؟ هل سأستطيع النجاح؟ الانسجام؟ الشعور بالصواب؟ التصرف بشكل صحيح؟"
شعر بإحساس غريب بعدم الانتماء، وكأنه معلق بين عالمين: غادر عالماً ولم يصل بعد إلى الآخر، لقد ضاع. ثم تذكر حزمته الصغيرة التي تضم كل ممتلكاته الدنيوية، فركض إلى الكابينة ليحضرها، بينما ترن في أذنيه كلمات عبده: "أمريكا لا تقبل الأشخاص ذوي الشخصية السيئة... أمريكا نظيفة." وعندما عاد إلى سطح السفينة، نهضت في قلبه صلاة عزم أراد قبل كل شيء أن يحافظ عليها: "يا الله، دعني أدخل بلدي بقلب نظيف وروح نظيفة وعقل نظيف. دع المحيط يبتلع كل الذكريات المريرة، الشكوك والكراهية والمخاوف. دعني أكون جديراً بأمريكا، جديراً بكل ما تمثله."
كانت نيويورك هائلة، خليطاً لا يصدق من السرعة والضخامة: ملايين الناس، ملايين السيارات، المباني، النوافذ، الأضواء، الضوضاء - كتلة ضبابية تسبح وتدور في عينيه، رائعة جداً ومبهرة جداً لدرجة أنه لم يستطع رؤية جزء منها أو فهمها ككل. وما زال مذهولاً بالإعجاب ومشتعلًا بالأسئلة التي لم يستطع طرح أيّاً منها لأنه لا يعرف كلمة إنجليزية، وُضع في قطار وانطلق إلى الغرب الأوسط. يصف سرعة القطار الهائلة التي جعلته يظن أنهم يدورون حول العالم، لكن الوقت كان يمر ببطء شديد لدرجة أنه بالكاد يتذكر متى كان خارج هذا القطار.
لم يمضِ أكثر من نصف يوم حتى بدأ يضايق قائد القطار بمحاولات النزول، لكنه أقنعه بالبقاء. في كل محطة تقريباً كان يسأل: "سيوكس سيتي؟" وقائد القطار يهز رأسه، ماداً ذراعيه ليشير إلى أن المسافة ما تزال طويلة جداً. التقطت أذناه امرأة تتحدث لغته على بعد مقاعد قليلة، فذهب إليها يستنجد بها، لتفاجئه بأنها لا تتحدث الإنجليزية أيضاً. نزلت تلك المرأة في مدينة كبيرة، تاركة إياه وحيداً في مأزقه.
ومع ذلك، لم يقضِ كل وقته محاولاً النزول. لقد أذهلته ثراء وجمال الريف، روعة المدن وعظمتها. كان أوائل الصيف، والبلاد تتفجر بالخضرة الوفيرة. في كل مكان مزارع غنية، كل منها مثل مملكة، وكل مزارع مثل ملك. وفي كل مكان الحيوانات: آلاف من الخيول والأبقار والخنازير والدجاج. أثارت الأبقار اهتمامه بشكل خاص، كم كانت ضخمة وصحية ومكتنزة! بدلاً من أن تركض متعبة وراء بعض شفرات العشب كما تفعل الأبقار السورية، كانت هذه الأبقار تأخذ الحياة بسهولة في مراعٍ خضراء عميقة، ترعى بتكاسل على سفوح التلال أو تستلقي بارتياح تحت ظلال الأشجار الكبيرة. عندما رأى قطيعاً كبيراً من الماشية، ظن أنها قطيع المجتمع، وعندما علم أنها كلها لمزارع واحد، كاد ألا يصدق ذلك.
كانت الحقول الخضراء الشاسعة تمتد وتتدحرج إلى ما لا نهاية، وفي كل مكان بساتين رائعة من الأشجار الطويلة. عند رؤية هذا الجمال الغني، كرر في نفسه مليون مرة: "الآن، الآن أخيراً سأتحرر من الفقر إلى الأبد، متحرراً من الفقر في أمريكا." كان القطار يندفع ليلاً ونهاراً، وتتكرر المشاهد والأصوات بلا نهاية: البلدات الصغيرة، المدن الكبيرة، الأنهار الواسعة، السهول الشاسعة، سكك الحديد المتشابكة، المصانع العملاقة ومئات المداخن، والحقول المليئة بالسيارات - سيارات متوقفة، متسللة، مسرعة، تطلق من تحت الجسور وفوقها، تتسابق مع القطار. وملايين السيارات المكدسة والمحطمة في الحقول خارج المدن. أمريكا! هائلة، جميلة، غنية، رائعة، مبذولة!
أخيراً، سيوكس سيتي. خرج من القطار وركب تاكسياً يقذف به في الشوارع، ويتفادى الموت والدمار بفارق ضئيل في كل منعطف تقريباً. توقفوا أمام منزل أبيض كبير. وما إن نزل من السيارة حتى ركضت نحوه امرأة ممتلئة سمراء بذراعيها مفتوحتين، وعانقته بقوة حتى أخرجه. هذه هي عمته، وذلك هو تحيتها. نظر إليها ثم إلى المنزل، وبصورة غريبة شعر تجاهها كما يشعر الفقراء في سوريا في حضرة الأغنياء والعظماء. ثم قالت له شيئاً أعطى اللمسة المثالية لتجربته الكاملة في أمريكا حتى تلك اللحظة: "يا أهلًا وسهلًا!"
لا يمكن ترجمة دفء وكرم هذه الكلمات إلى أي لغة أخرى. سمعها مرات لا تحصى في سوريا، لكنها الآن أخذت معنى جديداً وأغنى. "الناس والسهول ملكك" - نعم، والمدن والمزارع والجبال والأنهار والبحيرات والغابات، كل ثراء وجمال وروعة أمريكا أصبح ملكاً له الآن وإلى الأبد. لم يخجل من أن الدموع انهمرت على وجهه وهو يشعر بالمعنى الكامل والمجد لذلك.
دخلوا المنزل وسأل عن خاله وعن تشارلي وجو، فضحكت عمته وأخبرته أن خاله يعمل، وأن تشارلي وجو لا يعرفان بقدومه لأنه مفاجأة، فهم يقرؤون له كل شيء من رسائله إلا ذلك الجزء الذي يخبره بقدومه. دهش سالم من جمال المنزل وسأل إذا كان خاله رجلاً ثرياً جداً، فأجابت عمته: "أوه لا، سالم، إنه ليس رجلاً ثرياً، لكننا نعيش بشكل جيد." سأل عن مكان عمل خاله، فقالت: "في مجزر اللحوم." دهش سالم: "هل يملك خالي مسلخاً؟" ضحكت عمته وقالت إنه لا يملكه، بل إنه يعمل هناك جلداً للثيران.
تعجب سالم: "كيف يمكن أن يكون كل هذا؟ خالك، كما تقولين، مجرد عامل يسلخ الثيران ويعيش في مثل هذا المنزل! لا أفهم." قالت عمته بفخر إنهم يملكونه أيضاً ولا يدفعون إيجاراً. سألها: "ولكن من أين حصل خالي على كل المال لشراء هذا المنزل، وإرسال الكثير لأمه وأخيه في سوريا، وإحضار أختين إلى أمريكا؟ هل يستطيع عامل واحد أن يفعل كل هذا في أمريكا؟" أجابت: "أوه نعم، ويعيش حياة جيدة أيضاً." قال سالم: "بارك الله فيها. أمريكا كلها حقاً." قالت عمته: "إذا كنت مستعداً للعمل، لكنها ليست مكاناً للمتسكعين."
ثم تعرف على الهاتف. نزعت عمته سماعة من صندوق معلق على الحائط وأدارت قرصاً مثقباً ثم تكلمت بالإنجليزية. قالت له أن يتكلم مع خاله، فاحتج بأنه لا يعرف الإنجليزية، فضحكت وقالت إن الجهاز يتكلم السورية أيضاً. رفع السماعة وسمع صوتاً بعيداً يقول: "مرحباً، مايك جبران يتكلم." صاح سالم بحماس: "مرحباً خالي، أنا هنا." صاح خاله بفرح: "يا أهلًا وسهلًا!" مرة أخرى، "الناس والسهول ملكك!"
مساء ذلك اليوم، جاء حوالي أربعون عائلة إلى الحفلة الكبيرة التي أعدتها عمته. كان الجميع متلهفاً لأخبار الأهل في سوريا. بدا الأمر غريباً لسالم: ها هو في قلب أمريكا، ومع ذلك قضوا المساء بأكمله تقريباً يتحدثون عن الوطن القديم. وصل أخوه تشارلي أخيراً، بعد أن دخل إلى دار السينما دون أن يعلم شيئاً. وعندما رآه، وقعا في أحضان بعضهما وكلاهما يبكي مثل أمهات على أطفالهما المفقودين.
في اليوم التالي، ذهب لزيارة عمته فريدا. بعد أن فرغا من الحديث، ذهبت إلى خزانة في زاوية الغرفة، وأدارت مقبضاً، ثم وقفت تبتسم له. بعد لحظة، أطلق صندوق الخزانة أزيزاً وفرقعة. "تشويش"، قالت منحنية لتتلاعب بالمقابض، فانسابت الموسيقى والأصوات. سألها: "ما هذا؟ فونوغراف؟" أجابت: "لا، سالم، هذا راديو." شرحته بأنه جهاز لاسلكي لاستقبال الموسيقى والأخبار والقصص من بعيد. سألها إذا كان يتكلم السورية أيضاً، فضحكت وأجابت بالإيجاب.
عندما فهم الغرض من الراديو، رقص حوله فرحاً. فكر: "إذا لم أستطع الذهاب إلى المدرسة فوراً، يمكنني الحصول على تعليمي من خلال آلة المعجزة الصغيرة هذه. كل ما علي فعله هو تعلم الإنجليزية، وسيكون عالم جديد كامل من المعرفة والفهم في متناول يدي." "يا أهلًا وسهلًا" - كم أصبحت هذه الكلمات القديمة غنية بالمعنى الجديد، وكأن كل أمريكا، جسداً وروحاً، قد صُبت فيها.
9.مغامرات في مسلخ148–165▼ résumé
في هذا الفصل، يحكي سالم رزق عن تجربته القاسية والمربكة بعد وصوله إلى أمريكا، حيث انتقل من النشوة الأولية التي شعر بها عند لقاء إخوته إلى صدمة العمل في مسلخ ضخم. الموضوع المحوري هو خيبة الأمل التي أصابت المهاجر الشاب عندما اكتشف أن الحلم الأمريكي قد يعني عملاً شاقاً ومهيناً وشعوراً بالغربة، بدلاً من الحياة المثالية التي تخيلها. الإجابة التي يقدمها المؤلف ضمنياً هي أن الاندماج في أمريكا لم يكن سهلاً أو ساحراً كما بدا في البداية، بل تطلب تحملاً جسدياً ونفسياً كبيرين.
يبدأ الفصل بيومين من الاحتفالات بعد وصول سالم، حيث قام إخوته بتغيير اسمه من سالم إلى سام ليجعلوه أكثر أمريكية، وألبسوه بدلة جديدة وأخذوه لمشاهدة الأفلام والعروض المسرحية، وقدّموه إلى عدد كبير من الأقارب. كان يشعر بأنه أمريكي بالكامل، ثم سرعان ما شعر بالحاجة إلى العمل لسداد ما يزيد عن ألف دولار كلفه إخوته لإحضاره. حصل على وظيفة في مصنع تعبئة اللحوم حيث كان أخوه يعمل مشرفاً. كانت أول وظيفة له في قبو الجلود، حيث كان يضرب الملح عن الجلود المجففة بقطعة خشبية كبيرة. يصف سالم هذا العمل بأنه الأسوأ على الإطلاق، خصوصاً لأنه كان صغيراً وضعيفاً مقارنة بزميله الضخم الذي كان يقذف بقايا التبغ. كان الملح يتساقط على رأسه ويتسلل إلى ملابسه، محدثاً جروحاً في جلده. في الليل كان يتألم ولا يستطيع النوم، لكنه رفض أن يشكو لإخوته.
بعد أن لاحظ أخوه تدهور حالته، نقله إلى قسم تقطيع لحم الخنزير، حيث كان يقف أمام آلة ذات سكين دوّار ويجمع قشور لحم الخنزير المقدد. لكنه فشل في تحريك عربة محملة بالجلود، مما أثار غضب المشرف الذي وصفه قائلاً "أيها الأجنبي!" وطلب منه مغادرة المكان. لم يفهم سالم الكلمات في البداية، لكن زميلاً سورياً ترجم له ما قاله المشرف. يصف سالم كيف أن كلمة "أجنبي" جعلته ينكمش داخلياً ويشعر بعدم الأمان، وأنها تركت أثراً عميقاً فيه لسنوات. ثم ساعده زميله السوري في نقل العربة إلى غرفة تجميد ضخمة، حيث كاد سالم أن يتجمد حتى الموت. يتجول بعدها تائهاً في أرجاء المصنع حاملاً عربته الفارغة، غير قادر على إيجاد مكان عمله الأصلي.
في أثناء تجواله، يصف سالم دهشته من ضخامة وتعقيد المصنع، حيث رأى حيوانات تتحول إلى قطع لحم في عملية مذهلة. لكن هذه الدهشة تزيد من شعوره بالضياع والغربة، فهو يرى أمريكا من الداخل لكنه لا يستطيع فهمها أو الانتماء إليها. ثم يحدث الموقف الأكثر رعباً: بعد انتهاء الدوام، تنطفئ الأنوار فجأة ويجد سالم نفسه وحيداً في الظلام محاطاً بالفئران. يخاف كثيراً ويتخيل أنها ستهاجمه، لكنها تختفي ويعود الضوء ليكتشف أن عددها ربما لم يتجاوز الخمسة والعشرين أو الخمسين فأراً. بعد أن وجده أخوه أخيراً، يترك سالم تلك الوظيفة.
ينتقل بعدها إلى وظيفة في قسم ذبح الخنازير، حيث يصفق السلاسل ويحل تشابكها وسط ضجيج لا يطاق ورائحة الموت. هنا يصل إلى ذروة يأسه، ويتساءل: هل هذه هي أمريكا التي حلم بها؟ كيف سيتعلم اللغة الإنجليزية وسط هذا الجحيم؟ يتذكر أيامه في سوريا ويتمنى لو يعود إليها ولو ليوم واحد. في اليوم التالي، يجد أن القسم مغلق بسبب قلة الخنازير، فيغضب من عدم انتظام ساعات العمل ويتساءل بغضب عن نظام العمل "بالساعة"، معتبراً أنه لا يمكن بناء حياة على أساس من عدم اليقين هذا.
أمام إحباطه، يحصل سالم على أسوأ وظيفة بعد ذلك: الجلوس على كرسي طوال اليوم لفتح وإغلاق باب معمل تبريد للمركبات الصغيرة. يشعر بأنه "كيس رمل متحرك" لا يفيد بشيء، وأنه يعمل إلى أسفل بدلاً من أن يصعد. يستشير صديقاً سورياً أمريكياً متعلماً، لكن الصديق ينصحه بأن يستغل هدوء الوظيفة ليفكر في الصعود، لكن سالم لا يستمع ويظل يشعر بالعبث وعدم الانتماء. أخيراً، بعد أن أطلق عليه أحد العمال كلمة "أجنبي" مرة أخرى، يغضب ويغلق الباب بقوة، ثم يترك العمل بلا عودة. هذه هي أول خطوة مستقلة له منذ أسابيع، فهو الآن عاطل عن العمل لكنه يشعر بالحرية.
في نهاية الفصل، يمكن مناقشة فكرة أن العمل الشاق لم يكن وحده مصدر معاناة سالم، بل الشعور بالدونية وعدم الانتماء الذي زرعته كلمة "أجنبي" فيه. كما أن انتقاده لنظام العمل بالساعة يثير سؤالاً مشروعاً حول استقرار حياة العمال في النظام الرأسمالي، مقارنة بالأنظمة التقليدية في سوريا. يظهر الفصل أن حلم أمريكا لم يكن مجرد عمل شاق، بل صراعاً مع الهوية والكرامة.
11.بائع السجاد والمفروشات174–186▼ résumé
كان صبَاحَ ربيعٍ جميلٍ عندما انطلق سالم وصديقه جو لبدء عملهما كبائعي سجاد ومفروشات متنقلين. كان جو يجمع المال لرسوم دراسته، بينما أراد سالم تعلّم اللغة الإنجليزية. في طريقهما، لاحظ سالم ثراء المزارع وأبنيتها البيضاء الكبيرة وحظائرها الحمراء، فعلق على ذلك أمام جو، الذي قال إن ما ينقص هذه المزارع هو سجادة شرقية جميلة. في اليوم الأول، لم يبيعا شيئاً، بل أمضيا الوقت في إصلاح خمسة إطارات مثقوبة، ودرّب جو سالم على عبارات البيع.
في اليوم التالي، دخلا بلدة واعدة، وتفرقا في شارعين متقابلين. بينما اختفى جو في أحد المنازل، واجه سالم صعوبة: كانت النساء تفتح له الباب بشق صغير، تنظر إليه ببرود، وترفض الشراء. وفجأة، أوقفه رجل ذو وجه أحمر يرتدي ملابس رثة وقال إنه رئيس بلدية هذه البلدة، وطلب رخصة البيع. لم يفهم سالم كلمة "رخصة" وظن أن الرجل يمزح معه، خاصة أن مظهره البسيط بدا له غير لائق بمنصب رسمي. رفض سالم الامتثال، فألقى الرجل بالسجاد في سيارته ودفع سالم إلى داخلها، ثم وضعه في السجن فعلاً.
بعد ثلاث ساعات، جاء جو مع رئيس البلدية لدفع الغرامة. تحدث الصديقان بالسريانية، وأشار جو إلى سالم ألا يعرف به. سأل سالم: "هل البيع جريمة هنا؟" فأجاب جو أن البيع بلا رخصة ممنوع في تلك البلدة. بعد أن دفع جو الغرامة، خرجا وهما يضحكان. قال سالم لجو إنه ظن أن رئيس البلدية يمزح لأنه لم يرتدِ زياً رسمياً، فأوضح جو أنه في أمريكا حتى المتشردون يمكن أن يُنتخبوا رؤساء بلديات. وأضاف جو أن سبب معاملة الناس له كأجنبي هو مظهره وأسلوب كلامه، رغم أن سالم شعر بأنه أمريكي مثله.
أحس سالم بالتمرد والحزن. تساءل لماذا وُلِد في سوريا ليعاني من الازدراء والسخرية. قال في نفسه: "أليس كل الأمريكيين أجانب إذا عدنا بالزمن إلى الوراء؟" لكنه أبقى مخاوفه لنفسه، وتابع العمل مع جو. بعد ثلاثة أيام، كانا يبيعان برخصة في مدينة ألبرت ليا، حيث تحسنت حظوظ سالم بينما ساءت حظوظ جو. في أول يوم، حقق سالم مبيعات بقيمة 108 دولارات مقابل صفر لجو.
طافا معاً صيفاً كاملاً في مينيسوتا وشمال آيوا. في بلدة أطلقا عليها اسم "العربية الصغيرة" ، كان الناس شغوفين بالسجاد الشرقي. لكن إنجليزية سالم لم تتحسن؛ بل أصبحت خليطاً من الشتائم العامية والعبارات التجارية. استخدم كلمة "Hello" للتعبير عن كل المشاعر، وكلمة "lousy" لوصف كل شيء، حتى لغته الإنجليزية نفسها.
في أواخر أغسطس، وصلا إلى مدينة أميس الصغيرة في آيوا. أراد جو مواصلة دراسته في الكلية هناك، وكان على سالم العودة إلى سيوكس سيتي بالسيارة. لكن عند مرورهما بحرم الجامعة، اندهش سالم: مروج خضراء، بحيرات صافية، مبانٍ فسيحة. تذكّر وصف معلمه القديم إلياس خوري لأمريكا. صاح سالم: "سأبقى هنا، سأدرس هنا!" رفض كل حجج جو، فقررا بيع السجاد والتخلص من السيارة القديمة. طمأنه جو قائلاً: "في أمريكا يمكنك العمل ودفع مصاريف دراستك."
في اليوم التالي، حاول سالم بيع ما تبقى من السجاد. دق باب جيم ويلسون، رجل نحيف ذو شعر صدئ وابتسامة دائمة. فحص جيم السجاد نقدياً، ثم قال إنه مصنوع آلياً وليس يدوياً. شعر سالم بالحرج والخجل. دعاه جيم إلى منزله ليريه سجاداً حقيقياً، وأشار إلى سجادة ضخمة ذات نقوش غريبة أحضرها من أفريقيا. أخبره جيم أنه سافر مع صديقه قبل عامين على دراجة نارية عبر أفريقيا، وأثبت أن الصورة النمطية عنها خاطئة. عاش مع القبائل، أكل طعامهم، رقص رقصاتهم، وعزف لهم موسيقى الجاز على بانجو قديم، حتى إن أحد الزعماء عرض عليه ست زوجات للبقاء. كانت غرفته مليئة بغنائم رحلته: سجاد، فخار، طبول. قبل أن يغادر سالم، دعاه جيم لزيارته مرة أخرى، محذراً إياه من البضائع الآلية.
لم يعرف سالم حينها أن لقاءه بـجيم ويلسون كان من أهم انعطافات حياته. فصداقته وتجربته ستلهمانه في خططه المستقبلية، وتجعله يدرك أن عليه ترك بيع السجاد الآلي والتوقف عن الشعور بأنه غشاش.
12.صراعات مع الإنجليزية187–203▼ résumé
يُركّز هذا الفصل، المعنون «صراعات مع الإنجليزية»، على تجربة الكاتب سالم رزق في تعلم اللغة الإنجليزية بعد وصوله إلى الولايات المتحدة، ويكشف عن رحلته من الإحباط الأولي إلى النجاح التدريجي بفضل الإصرار والدعم المُشجّع من المعلمين والمجتمع. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن تعلُّم اللغة، رغم صعوباته الكثيرة وغير المنطقية، يصبح ممكناً ومُجزياً عندما يُمزج بين العزيمة الشخصية والفرص المُتاحة في المجتمع الأمريكي.
يبدأ الفصل بمحاولة سالم الأولى لدخول مدرسة في أيمز بولاية أيوا. بعد أن أرسله صديقه السيد فوستر إلى السيد ديفيس، مدير المدرسة، يقابل سالم في البداية شخصاً اسمه ديفيس لكنه يُخبره بجفاء أنه لا يعرف ما يكفي من الإنجليزية لدخول المدرسة الثانوية. يغادر سالم محبطاً ويائساً، وشاعراً بأنه وقع في حلقة مفرغة: فهو لا يستطيع تعلُّم الإنجليزية لأنه لا يعرفها. لكنه يكتشف بالصدفة وجود شخص ثانٍ اسمه ديفيس في المدرسة، وهو مدير مختلف. بعد تردد طويل، يقرر سالم المحاولة مرة أخرى.
عند لقائه بهذا المدير الثاني، يجد سالم ترحيباً حاراً وتفهماً. يخبره عن رغبته في تعلُّم الإنجليزية، وعن كونه من سوريا، ويبلغ من العمر 20 عاماً. يُطمئنه المدير بأن الدراسة مجانية، وأن الكتب توفرها «الجماعة» و«دافع الضرائب». في لحظة امتنان وسعادة، يعد سالم نفسه بلقاء هذا الشخص الغامض، «دافع الضرائب»، ليشكره شخصياً. يدعوه المدير لاحقاً لتناول العشاء مع عائلته، مما يزيد من شعوره بالغبطة والامتنان.
يبدأ سالم في الصف الرابع الابتدائي، وهو شاب يرتدي بنطالاً طويلاً بين أطفال يرتدون السراويل القصيرة. لكنه يتفاجأ بأن زملاءه الصغار لا يسخرون منه، بل يضحكون معه بلطف على الطريقة التي يخلط بها الكلمات. بفضل حماسه الشخصي ومساعدة المعلمين والمدرسين الخصوصيين، يتقدم بسرعة كبيرة. ينتقل من صف إلى آخر كل بضعة أسابيع، وبحلول نهاية الفصل الدراسي يكون مستعداً لدراسة الإنجليزية في الصف التاسع.
لكن سرعان ما يواجه سالم صعوبات كبيرة مع الطبيعة غير المنطقية للغة الإنجليزية، وهي الحجة الرئيسية في هذا الجزء من الفصل. يعتقد في البداية أنه سيتعلمها بالمنطق مثل لغته الأم، لكنه يكتشف فوضى عارمة. يصف بمرارة تعقيدات الحروف المركبة مثل ch وsh وph وgh. يذكر كلمة «phthisic» التي تتكون من أربعة حروف لتمثيل صوت يمكن التعبير عنه بحرف t واحد. يشتكي من نطق كلمة «colonel» وكيف تُلفظ بشكل بعيد تماماً عن كتابتها. كما يُعرِّف حرف العلة a على أنه أسوأ المخالفين، يليه حرف o بستة أصوات مختلفة.
يواصل سالم سرد معاناته مع الضمائر (يتساءل لماذا لا نقول «shim» بدلاً من «her») ومع استثناءات قواعد الجمع. يورد أمثلة محبطة: جمع كلمة «foot» ليس «foots» بل «feet»، وجمع «tooth» هو «teeth»، لكن عندما جرّب القاعدة مع كلمة «booth» لتصبح «beeth»، قيل له إن الجمع الصحيح هو «booths». كما يتحسر على كلمات مثل «mouse» و«sheep» و«ox» التي تتبع قواعد مختلفة تماماً. في لحظة يأس، يعترف أنه كان قريباً من التمسك بلغته السورية الأم.
في خضم هذه الصراعات اللغوية، يشهد سالم ظاهرة أخرى أذهلته: كيف يعتبر الأمريكيون الشباب، وخاصة في المدرسة، كل هذه النعم والفرص أمراً مُسلَّماً به. يصف كيف كان يتوق في عين العرب لورقة واحدة للكتابة أو كتاب واحد ليقرأه، وكيف كان يلتقط قصاصات الجرائد من شوارع بيروت ليتغذى عليها. بالمقابل، يرى زملاءه في المدرسة يستهينون بالدراسة، ويغشون، ويدمرون الممتلكات التي تبدو له كالقصور. هذه الملاحظة تمنحه حافزاً جديداً وقوياً لتعلُّم اللغة ليكون قادراً على تذكير هؤلاء بقيمة ما يملكون.
تأتي نقطة التحول في الفصل عندما تطلب منه معلمته بدلاً من كتابة موضوع، أن يروي قصته الشخصية أمام الصف. يخاف سالم بشدة من هذا التكليف، ويقضي أياماً في قلق. عندما يقف أخيراً أمام نحو أربعين تلميذاً، يشعر بركبتيه ترتجفان ولسانه يثقل، لكنه بعد صمت طويل يقول «مرحباً» ويبدأ الحديث. يتحدث لمدة خمس وعشرين دقيقة دون أن يشعر بالوقت، وعندما ينتهي يطلب منه الجميع المزيد. يدرك سالم أن نجاحه لم يأتِ من مهارته اللغوية بل من قوة قصته. خلال الأسابيع التالية يكرر قصته أمام جميع صفوف المدرسة تقريباً، وتزداد ثقته بنفسه مع كل مرة.
في الفصل التالي، يلتحق سالم بمادة الخطابة. يقترح معلمه أن يشارك في أنشطة إضافية مثل «Glee Club» (الغناء)، لكنه يختار في النهاية الخطابة بعد أن يعترف بأنه مغنٍ سيء. يُعطى خطاباً بعنوان «المهاجر يتكلم» ويحفظه ميكانيكياً. في المسابقة المحلية، يُلقي الخطاب أمام جمهور كبير ثم يعود إلى المطعم لتنظيف الأرضيات. في وقت لاحق من تلك الليلة، تتصل به السيدة غاونت لتخبره أنه فاز بالمركز الأول. يفرح سالم ويقول ببراءة: «أنا واحد»، مازحاً حول كلمة «وَن» (one) التي تعني المركز الأول والرقم واحد. لكن أمله يهتز عندما يخسر في المسابقة الإقليمية التالية، حيث يقول الحكام إن الخطاب كان ممتازاً، لكن «المهاجر يتكلم» لكنه يتكلم بلكنة.
يقر الفصل ضمنياً بحدود واضحة: أن تعلُّم اللغة مهمة شاقة ومحبطة في بعض الأحيان، خاصة لقواعدها غير المنطقية واستثناءاتها الكثيرة. كما يُظهر أن النجاح الأولي لسالم لم يكن بسبب إتقانه اللغة بل بسبب قصة حياته الفريدة، وأن التحدي الحقيقي هو التخلص من اللكنة. الحجة القابلة للنقاش ضمنياً هي أن النجاح الأكاديمي والمجتمعي قد لا يكون كافياً لمحو الفروقات الثقافية واللغوية الدقيقة (مثل اللكنة) التي قد تظل عائقاً في نظر البعض.
13.غاسل أطباق يخاطب الروتاري204–217▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على موضوع محوري هو رحلة الكاتب سالم رزق من كونه مغترباً سورياً يعمل غاسل أطباق في مطعم، إلى إلقاء خطاب أمام نادي الروتاري المرموق حول "المواطنة الأمريكية"، وكيف غيّرته هذه التجربة داخلياً. الإجابة التي يقدّمها الكاتب هي أن المواطنة الأمريكية ليست مجرد حق بالولادة أو وثيقة سفر، بل هي شيء يجب اكتسابه من خلال الجهد والعمل والفهم الحقيقي لمعنى الحرية والانتماء.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من لحظة المفاجأة عندما يزور السيد فورمان، رئيس نادي الروتاري وأستاذ في الكلية، المطبخ ليدعو سالم للتحدث. يصف الكاتب رد فعل صاحبه اليوناني الساخر الذي يسخر من الفكرة قائلاً إن هذا البلد "مجنون" لأنهم يطلبون من "مهاجر سوري متسول" أن يتحدث عن الديمقراطية، بينما هو نفسه غير قادر على نطق كلمة "دستور". هذا السخر يزرع في نفس سالم شكاً عميقاً، ويدفعه ليدرك أنه كان يعيش في كذب، معتمداً على فكرة أنه "مواطن بالولادة" ليشعر بالتفوق على المهاجرين الآخرين. يصل إلى قناعة بأن "المواطنة الأمريكية ليست شيئاً تولد به، بل هي شيء يجب أن تكسبه"، وهذه هي الحجة المركزية في الفصل.
يصف الكاتب الأيام التي تلت الدعوة، حيث أمضى أسبوعين يدرس بجد في غرفته ليلاً، ويتدرب على إلقاء خطابه أمام الجدران. ثم يأتي يوم الخطاب، ويصف صراعه الداخلي بين الخوف والفخر. في المطعم، يترك عمله ويستقبله أحد أعضاء النادي بحرارة، لكن صاحب المطعم يسخر منه مجدداً قائلاً "أديوس يا ديموسثينيس". عند وصوله إلى الفندق، يشعر بالإرهاق والتواضع أمام أعضاء النادي الذين يمثلون ثقافة عالمية، وعندما يقف ليتحدث، ينسى خطابه المُعدّ ويبدأ بعفوية قائلاً "أنا لست متحدثاً.. أنا غاسل أطباق فقط". هذا الصدق يكسر الحاجز ويجعل الجمهور يضحك ويشعر بالارتياح، ثم يروي قصته كاملة من طفولته في سوريا وحتى وصوله إلى أمريكا.
بعد نجاح الخطاب، يشعر الكاتب لأول مرة بأنه "ينتمي" إلى أمريكا، وأنه "مقبول". يتلقى عروضاً للمساعدة ودعوات للتحدث. لكن الحياة تعود إلى طبيعتها سريعاً؛ يُرقّيه صاحب العمل إلى "نادلة"، لكنها ترقية شكلية لا تزيده إلا عملاً. بعد أسبوعين، يُطرد بسبب سوء فهمه للغة الإنجليزية وعدم قدرته على تنفيذ طلبات الزبائن بدقة. ينهي الفصل بتأمل واقعي: أدرك أن العمل ودراسة اللغة هما الطريق الوحيد للنجاح في أمريكا، وليس مجرد حلم المواطنة بالولادة.
في النص، يقرّ الكاتب بحدود قدراته بوضوح، فهو يعترف بأنه لا يستطيع نطق كلمات دستورية بسيطة، ولا يفهم الإنجليزية المنطوقة بسرعة، ولا يستطيع شغل وظيفة بسيطة كالنادل. هذه الاعترافات تجعل قصته أمينة وغير مبالغ فيها. الفصل لا يترك أسئلة مفتوحة بقدر ما يقدّم إجابة واضحة: المواطنة الحقيقية تُكتسب بالعمل الجاد والتواضع والتعلم، وليس بالادعاء. الحجة الأكثر قابلية للنقاش بناءً على النص هي المقارنة بين فكرة المواطنة بالولادة (كما في الأنظمة القديمة) وفكرة المواطنة كجدارة شخصية، وهي فكرة يتبناها الكاتب بقوة بعد أن تخلّى عن كبريائه المبني على وضعه القانوني فقط.
14.إصلاح أحذية مجاني للفقراء218–238▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على رحلة سليم رزق في تأسيس مشروع إصلاح أحذية خاص به، وكيف تحوّل هذا المشروع التجاري إلى مبادرة تطوعية لخدمة الفقراء خلال فترة الكساد الكبير في أمريكا. يقدم الفصل الإجابة على سؤال كيف يمكن للفرد، حتى لو كان مهاجرًا فقيرًا، أن يبني عملاً ناجحًا ويستخدمه لرد الجميل للمجتمع، مبرزًا تناقضات الكساد الاقتصادي من وجهة نظر وافد جديد.
يبدأ الفصل بعرض فكرة الشراكة بين سليم وصديقه غوس، وهو إسكافي ليتواني يعمل في صالون أحذية يوناني. يقنع غوس سليم بفتح متجر خاص به، مؤكداً أن شخصيته الجذابة وقدرته على جذب الزبائن هي أساس النجاح. يتغلب سليم على تحفظاته الاجتماعية تجاه مهنة الإسكافي في سوريا، ويرى فيها فرصة ليصبح رجل أعمال أمريكيًا محترمًا. في غضون ثلاثة أسابيع، وباستخدام ستة دولارات فقط كرأس مال وقدر كبير من "الثقة المبنية على الجهل"، تمكن سليم من الحصول على ائتمان وتجهيز متجر بتكلفة 2300 دولار.
بعد فترة من الركود، يبتكر غوس فكرة للترويج للمتجر عبر حديث سليم مع زملائه الطلاب في الكلية، مما يدر أرباحًا سريعة. ينجح المتجر بفضل الإعلانات في صحيفة الكلية، وتعيين وكلاء في المساكن الطلابية، وتوزيع ألف بطاقة ترويجية تمنح الحامل خمس مرات تلميع أحذية مجانية. يضطر سليم لتوظيف عمال جدد، ويشتري دراجة نارية لخدمة التوصيل المجانية. في هذا الانشغال، يجد سليم وقتًا لتحسين لغته الإنجليزية عبر دفع أجر لطالب سوري ليقرأ له، متبعًا نظامًا: ربع دولار عن كل كتاب وسنت واحد عن كل كلمة جديدة.
يأخذ الفصل منعطفًا حاسمًا عندما يرى سليم أثر الكساد بعينيه: طفل صغير يرتجف من البرد في الشارع بحذاء بالٍ وممزق. يصلح له الحذاء مجانًا، ويبدأ في التساؤل عن غيره من المحتاجين. يلتقي بالقَس بوروز الذي يشجعه على الإعلان عن مبادرته من على المنابر في الكنائس. يتفاجأ سليم بكمية هائلة من الأحذية القديمة التي يتبرع بها الناس، مما يسبب مشكلة لوجستية في المتجر ويغضب غوس الذي يرى أن صاحبه "فقير" هو نفسه وعليه ديون ولا يمكنه العمل مجانًا. يترك غوس العمل غاضبًا، ويقضي سليم ليلة قلقة يراوده كابوس عن الفقراء والأحذية وغوس الذي يوزع المسارات.
بمساعدة شرطي، يكتشف سليم أن مكتب الخدمات الاجتماعية في البلدية يمكنه توزيع الأحذية على المستحقين. يعود غوس إلى العمل معترفًا برغبته في مساعدة الفقراء، لكنه يحذر من أن الإفراط في العطاء قد يُفلس صاحب العمل. يستمر التحدي عندما يتلقى سليم شكوى من شركة توريد الجلود تتهمه باستخدام "أساليب إعلانية غير أخلاقية"، مثل الاستفادة من خطاباته العامة وخدمته المجانية للترويج لعمله. يرسل محقق يُدعى السيد ريتش لتقصي الحقائق، لكنه يوصي بمواصلة الائتمان، معجبًا بالفكرة في زمن الكساد.
يدعو الاتحاد الوطني لتجار الأحذية سليم لإلقاء كلمة في مؤتمرهم في شيكاغو في نهاية شهر مارس. بعد المؤتمر، يعلم سليم أن أكثر من ثلاثمائة متجر أحذية في أمريكا وكندا التزمت بتخصيص يوم واحد شهريًا لإصلاح أحذية العاطلين مجانًا. يختتم الفصل بتأمّل سليم في هذه المعجزة الأمريكية: كيف يمكن لفكرة بسيطة من إسكافي متواضع أن تنتشر في البلاد كلها بمبادرة شعبية ودون دفع حكومي، حتى لو سخر منها البعض واصفًا إياه بـ"الإسكافي السوري الأحمق".
يقر الفصل ضمنيًا بصعوبة التوفيق بين العمل الخيري والربحية، حيث يعود غوس لكنه يعبّر عن قلق حقيقي من أن "مساعدة الفقراء أكثر من اللازم" قد تؤدي إلى إفلاس صاحب العمل. تترك قصة الطفل الفقير والجدل الأخلاقي حول علاقة الإعلان بالعمل الخيري أسئلة مفتوحة حول حدود المسؤولية الاجتماعية للأعمال. من الحجج القابلة للنقاش بوضوح هي سذاجة سليم الأولية إزاء الكساد، حيث كان يرفض تصديق وجود "أوقات صعبة" لأن البنى التحتية المادية ظلت قائمة، متناقضًا مع مشهد الطفل المحتاج.
15.كيف لا تعالج الاكتئاب239–248▼ résumé
يطرح هذا الفصل، المعنون "كيف لا تعالج الاكتئاب"، سؤالاً محورياً حول أسباب المعاناة في زمن الوفرة، ويقدم إجابة ضمنية مفادها أن العلاج الخاطئ للكساد الاقتصادي لا يقل ضرراً عن المرض نفسه. يستعرض المؤلف، من خلال تجربته الشخصية، سلسلة من الحلول الساذجة التي فشلت فشلاً ذريعاً في معالجة الكساد الكبير في أمريكا، ويكشف عن التناقض الصارخ بين الفقر المدقع وهدر الموارد.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر محاولات المؤلف اليائسة لفهم الأزمة. يبدأ بصدمته عندما يكتشف أن أصدقاءه الأميركيين، الذين كانوا يعانون من الجوع، كسروا حصالات أطفالهم لشراء حذاء منه، رافضين أن يأخذوه مجاناً. هذا المشهد يدفعه للتسجيل في الكلية لدراسة التاريخ والاقتصاد الأميركي، لكنه يجد الأساتذة أنفسهم حائرين مثله.
يصف المؤلف بعد ذلك مبادرات المجتمع المحلي في أيمز لمواجهة الكساد، ويقدم مثالين صارخين على الحلول الوهمية. الأول هو اقتراح رجل أعمال ناجح يقضي بالصمت التام عن ذكر الكساد، وزع بموجبه مناديل مطبوعاً عليها عبارات تطلب من المتذمرين "التزام الصمت أو الجفاف". التزم الجميع بالصمت لمدة أسبوعين، لكن الخطة فشلت لأنه من المستحيل فرض الصمت في أمريكا التي تتمتع بحرية الكلام.
المثال الثاني الأكثر إثارة للصدمة هو خطة حرق الذرة في الأفران بدلاً من الفحم المستورد من ولايات أخرى. روج أحد المتحدثين لهذه الفكرة بحجة أنها ستُبقي الأموال داخل الولاية وتخفض فائض الذرة لترفع أسعارها. انخدع الجميع بها، واشترى المؤلف شاحنة محملة بالذرة لحرقها.
هنا يصل الفصل إلى ذروته الدرامية. عندما همّ المؤلف بإلقاء الذرة في الفرن، أصابته قشعريرة وهو يتأمل كوزاً ذهبياً جميلاً. تذكر أيام المجاعة في سوريا، عندما كان الناس يبحثون عن جذور يابسة ويقتلون أطفالهم من أجل الطعام. تذكر حادثة معلمه الذي نزل عن مكتبه وركع ليطلب المغفرة لأن رغيف الخبز كان تحت أقدامهما، وتذكر امرأة جمعت بعناية دقيقاً مُنسكباً على الأرض قائلة إن الله سيجعلهم يلتقطون كل حبة مهدورة بين أجفان عيونهم الآثمة.
ينهار يقين المؤلف أمام هذا التناقض. يدرك أنه يرتكب "جريمة قتل بطيئة" بحرق الطعام، ويتساءل كيف يمكن للازدهار أن يبنى على تدمير الخيرات. يختم الفصل بشعور من العجز، واصفاً المجتمع بأنه "شبكة وحشية" من الأسهم والسندات والقروض التي لا يمكن الهروب منها، والتي تجعل البشر يتقاتلون بلا معنى. يعترف بأنه كان قريباً من أن يصبح مؤمناً بالقدر المحتوم، لولا أنه لم يكن مستعداً بعد لنقل اهتمامه إلى الجنة الأخرى.
يخلو الفصل من أي تحفظات أو أسئلة مفتوحة، فهو يقدم نقداً حاداً وشخصياً للحلول الاقتصادية السطحية. الحجج القابلة للنقاش تتمثل في السخرية من فكرة حرق المحاصيل كحل للكساد، وتقديم مثال الصمت كعلاج، وهو ما يظهر بوضوح عبثية هذه الأفكار في نظر المؤلف المستند إلى خلفيته القادمة من بلد يعاني من الجوع.
16.حرية التعبير الرائعة249–259▼ résumé
في هذا الفصل، الذي يحمل عنوان «حرية التعبير الرائعة»، يروي سالم رزق كيف غيّرت تجربته مع النقاش السياسي الأمريكي حرّاً نظرته إلى أمريكا، ليكتشف أن الحرية الحقيقية ليست في ناطحات السحاب أو السيارات، بل في حق المواطن العادي في انتقاد حكومته دون خوف. يقدم الفصل هذه القناعة من خلال قصتين رئيسيتين: الأولى عن عائلة مزارع أمريكي ساعدته مالياً وأذهلته بحريتهم في الاختلاف السياسي، والثانية عن حملة الانتخابات الرئاسية التي جعلته يدرك أن الرئيس نفسه يخضع لإرادة الشعب.
يبدأ الفصل بنقاش مع متشائم في الحرم الجامعي يخبر سالم أن أمريكا لم تعد أرض الحرية والفرص، وأن الجميع عبيد في أيدي اثنتين وستين عائلة مليونيرة. في البداية، كاد سالم أن يصدقه، فقد كان الكساد قاسياً: إغلاق البنوك، تراجع عدد الطلاب في الكلية، واضطراره لتسريح عمال متجره. وصل الأمر إلى أنه لم يتبقَّ له سوى يومين لسداد دين قدره 100 دولار، وليس في خزينته سوى 23 دولاراً.
في تلك الأثناء، يُدعى سالم إلى حفل زفاف صديقه لاري في بلدة صغيرة تبعد ستين ميلاً عن أيمز. يلاحظ لاري انزعاج سالم، وبعد إلحاح، يخبره سالم بمشكلته المالية. يغادر لاري فجأة ويعود بعد خمس دقائق بشيك بمبلغ 100 دولار من والده، وهو مزارع متقاعد من كولورادو يملك أراضٍ في آيوا. يرفض سالم في البداية، لكن لاري يصر، قائلاً إن والده وافق على إقراضه المال لأي غريب محتاج، ويمكنه السداد بأي طريقة.
يلتقي سالم بالوالد، الرجل القوي وذو الوجه المتورد، الذي يرتدي ملابس أنيقة كالمصرفي. يخبره الوالد أن مزارعه في آيوا كانت «مناجم ذهب» لكنها لم تعد كذلك منذ انهيار السوق. ينضم إلى المجموعة رجل أعمال شاب من ماسون سيتي يُعرّف نفسه بالاشتراكي، وعمتان عجوزان لـ لاري كانتا معلمتين متقاعدتين. يندلع نقاش سياسي حاد بين الرجل الاشتراكي ووالد لاري، ويستمع سالم بذهول.
يتبادل الرجلان الاتهامات حول المسؤول عن الكساد. يقول رجل ماسون سيتي إن الحزب الجمهوري هو المسؤول، بينما يرد الوالد بأنه وول ستريت. يصف الاشتراكي كيف يخدع الأثرياء المزارعين والعمال بقولهم إن الحزب الجمهوري هو حزبهم، بينما في الحقيقة «عندما يصل كبار اللاعبين إلى السلطة، ماذا يحصل للمزارع؟ كل ما يبيعه ينهار سعره وكل ما يشتريه يرتفع سقف سعره». يتهم الحزب الجمهوري بأنه أصبح «أرستقراطية متميزة» تفكر في الجماهير كـ «قطيع من العصافير يجب أن يكتفي بفضلات الطعام». يستشهد بمؤسسة Reconstruction Finance Corporation قائلاً إنها تعيد بناء الأثرياء لا الفقراء. يرد الوالد بمزاح قائلاً: «إذا أطعمت الخيول، ستأكل العصافير»، ثم يسأل بسخرية إن كان الديمقراطيون أفضل حالاً، ويضيف أن «الشيطان يفكر في أن يصبح مرشحهم الرئاسي القادم».
يدخل لاري النقاش بغضب أكبر، قائلاً إن الحزب الجمهوري أصبح «وقحاً جداً وفاسداً ومخموراً بالسلطة لدرجة أنه دمّر البلاد والنظام المصرفي والمزارع والعمال والصناعة، وكاد أن يدمر نفسه». يتوقع سالم أن يغضب الوالد من ابنه، لكنه بدلاً من ذلك يضحك ويضع ذراعه حول لاري قائلاً: «حسناً، يا بني، حان وقت الزواج». يندهش سالم كيف يمكن لأب وابنه أن يختلفا بعنف حول الحكومة، ثم يستمران في مناداة بعضهما بـ«يا بني» و«يا والدي» بحب. يدرك سالم أن هذه هي أمريكا الحقيقية: «مع هذه الروح، حتى أفقر رجل في أمريكا أغنى من أغنى أوروبي».
بعد أن ينقذ هذا اللقاء متجره، يصف سالم صدمته الأكبر خلال الحملة الانتخابية بين روزفلت وهوفر. كان يتوقع أن يستخدم الرئيس هوفر الجيش لقمع منتقديه. كان أحد جيرانه يوجه اتهامات قاسية للرئيس ليلاً أمام شرطي الحي، ولم يُلقَ القبض عليه. يدرك سالم تدريجياً أن «في أمريكا لا يمكنك اعتقال أي شخص لأنه غير راضٍ عن الحكومة، لأن الحكومة ملك للشعب». في يوم الانتخاب، يقابل مدير شؤون الموظفين في الكلية. يتوقع سالم أن يشكك في حقه في التصويت، لكنه يستقبله بابتسامة ويعتبر من الطبيعي أن يساعد صانع أحذية سوري في اختيار رئيس الولايات المتحدة.
يتذكر سالم أيضاً كيف سخرت رسوم جاي. إن. دارلينغ الكاريكاتورية من روزفلت خلال الحملة. عندما فاز روزفلت، توقع سالم أن يطهره كما فعل هتلر أو موسوليني، لكنه بدلاً من ذلك عيّنه رئيساً للجنة الحفاظ على الحياة البرية. يختم سالم الفصل بقناعة جديدة: «طالما أن الناس أحرار في انتقاد حكومتهم عندما يختلفون معها، أو تغييرها عندما لا تحقق ما يتوقعون منها، فلا يمكن لأي مشكلة أن تكون سيئة حقاً». يتوقف عن الشكوى من صعوبات عمله ويبدأ بشكر الله لأنه مواطن في أرض تحدث فيها كل هذه الأمور المعجزة وكأنها الأمور الأكثر اعتيادية في العالم.
يمتنع الفصل عن تقديم أي تحفظات أو أسئلة مفتوحة؛ إنه يبني حجة مباشرة بأن حرية التعبير والنقد السياسي هما جوهر الديمقراطية الأمريكية. نقطة النقاش المحتملة التي يثيرها الفصل هي السؤال الضمني عما إذا كانت هذه الحرية كافية لوحدها لحل المشاكل الاقتصادية العميقة، أم أنها مجرد غطاء يخفي إخفاقات الساسة والأثرياء، وهو السؤال الذي يظل مفتوحاً دون إجابة قاطعة من المؤلف.
17.مائدة مستديرة في باريس260–270▼ résumé
بدأ الفصل بمغادرة الراوي سالوم رزق للولايات المتحدة في ربيع عام 1933، وهو العام الذي أصبح فيه هتلر مستشاراً لألمانيا، متجهاً إلى سوريا لزيارة مسقط رأسه. سافر مبكراً للاستمتاع ببضعة أيام في أوروبا، فوصل إلى باريس في 30 يونيو. أثناء تجوله في المدينة، تعرّف على مرشد سياحي فرنسي مرح يُدعى جاك بيير، الذي سخر بلطف من الصورة النمطية لأميركا بوصفها بلداً يعج بالمصرفيين الفاسدين وقطاع الطرق. تحول حديثهما سريعاً إلى مناقشة حادة حول الأزمة الاقتصادية، حيث بالغت الصحف الفرنسية في وصف حالة الفوضى في أميركا، متوقعة ثورة وشيكة. حاول الراوي تصحيح هذه المفاهيم، مؤكداً أن الصعوبات التي تواجهها أميركا مشابهة للكساد في فرنسا، ومشيراً إلى أن الرئيس روزفلت يسعى لإصلاح النظام دون الحاجة إلى ثورة دموية.
دعا جاك الراوي إلى اجتماع في نادٍ تابع لجمعية الشبان المسيحيين (Y.M.C.A)، حيث تجمع شبان من نحو عشرين جنسية مختلفة. بدأ الحضور باستجواب الراوي عن مهنته في أميركا، وأبدوا دهشتهم عندما أخبرهم بصراحة أنه إسكافي (مرمم أحذية) وليس صانع أحذية أو مصرفياً. أوضح لهم أن حرفته في أميركا تختلف تماماً عنイメージ صانع الأحذية المتجول في أوروبا؛ فهو يمتلك ورشة مجهزة بآلات حديثة قيمتها مئات الدولارات، ويدفع إيجاراً قدره 65 دولاراً شهرياً، ويوظف عدة عمال، بل ويمتلك سيارة خاصة. هذه الحقائق حطمت تصوراتهم المسبقة، خاصة عندما علموا أنه وصل إلى أميركا كمهاجر من سوريا قبل ست سنوات فقط. بالنسبة لهم، كان هذا دليلاً صارخاً على أن الفرد العادي في أميركا يعيش أفضل من المواطن العادي في فرنسا.
تحول النقاش إلى مواضيع أعمق حول القيم الوطنية، حيث تدخل شاب بولندي منتقداً المادية الأميركية، قائلاً إن البولنديين يعتبرون بلادهم "مذبحاً للتضحية" لا "مائدة للولائم". رد عليه الراوي بأن هاتين الفئتين موجودتان في كل الأمم. ثم أضاف شاب إنجليزي أن الأميركيين يعتبرون العالم كله مائدتهم، ليرد عليه شاب هندي بتذكيره بأن الهند كانت مائدة للبريطانيين. سرعان ما تصاعد التوتر عندما قفز شاب إيطالي فاشي بحماس ليمدح موسوليني، واصفاً إياه بالمنقذ الذي أعاد النظام والمجد لإيطاليا بعد سنوات من الفوضى الشيوعية والمافيا.
لم يصمت الرأي المعارض طويلاً؛ فقفز شاب إيطالي آخر، كان والده قد قُتل على يد الفاشيين، ليرد بعنف. اتهم موسوليني بأنه هو من زرع بذور الفوضى بخطبه الثورية قبل أن يخون رفاقه الاشتراكيين ليصل إلى السلطة، واصفاً إياه بـ "الخائن" و"المضلل" الذي حول إيطاليا إلى سجن للعبيد تحت حكم الدولة الشركاتية. كان خطابه نارياً، واتهم الفاشي باستبدال "المافيا السوداء" بـ "قدم الفاشية الثقيلة". خفف شاب سويسري الأجواء بنكتة عن شعب يبتلع دعاية موسوليني بدلاً من الطعام، لكن الفاشي غادر الغرفة غاضباً بعد أن سخر منه الاشتراكي الإيطالي قائلاً إنه الآن في بلد حر يمكنه فيه الضحك بدلاً من تحية النكات بجدية.
بعد رحيل الفاشي، استمر النقاش الليلي المتعمق في التاريخ والسياسة والاقتصاد والدين. أعرب الراوي عن أسفه لأوروبا الممزقة بالصراعات، متمنياً لو كانت شعوبها مسالمة ومتحابة كما هي عندما يهاجرون إلى أميركا. لكن الإنجليزي حذره من الغرور الأميركي، مقتبساً من المؤرخ ماكولاي أن أميركا تتخلف عن أوروبا بنحو 60 عاماً في الشر كما في الخير، مما يعني أنها ستواجه المشاكل نفسها. بعد الاجتماع، ذهب الراوي مع جاك وبعض الأصدقاء إلى مقهى حيث تحدثوا حتى الرابعة فجراً عن الحياة الأميركية التي بدت حلماً لكل من حضر. قال جاك مازحاً بحنين إنهم ربما جميعاً أميركيون في قلوبهم، وهو شعور جعل الراوي ينام كالملك.
لكن الفرح لم يدم طويلاً؛ ففي صباح اليوم التالي، صُدم الراوي بعناوين الصحف التي أعلنت أن الرئيس روزفلت قد خفّض قيمة الدولار، مما يعني أن أمواله فقدت نصف قيمتها. أدرك أن هذه الخطوة كانت فرضها الوضع الأوروبي المضطرب، فتسلل القلق إلى نفسه: ربما كان الإنجليزي على حق أكثر مما يعتقد، وربما كانت أميركا مقبلة على الفوضى الأوروبية نفسها. الفصل بأكمله هو مواجهة بين المثل العليا الأميركية (الفرصة، العمل الجاد، الحرية) وواقع السياسة والاقتصاد الأوروبي المتأزم، واختتامه يحمل تساؤلاً مفتوحاً: هل أميركا محصنة حقاً ضد أمراض العالم القديم، أم أنها ستسير على الدرب نفسه بعد عقود قليلة؟
18.إلى بيروت عبر إيطاليا271–284▼ résumé
يسرد هذا الفصل رحلة الكاتب سالم رزق من إيطاليا إلى بيروت، لكن المحور الحقيقي ليس جغرافياً بقدر ما هو تأملي ونفسي. يحاول الكاتب أن يفهم معنى الحرية والكرامة الإنسانية من خلال مقارنة صارخة بين نظامين: الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية من جهة، والصهيونية الفتية التي تمثلها الموجة الجديدة من المهاجرين اليهود إلى فلسطين من جهة أخرى. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن القوة الحقيقية لا تكمن في الجيوش أو الديكتاتوريات، بل في الروح البشرية القادرة على إعادة البناء بعد الدمار.
يبدأ الفصل بخروجه من ألمانيا بعد أن نصحه أصدقاؤه بعدم الذهاب إليها لأنها "تبدو يهودية جداً"، فيسافر إلى إيطاليا. عند الحدود، يتعرض لموقف سخيف عندما يظن ضباط الفاشية أن كتاباً يحمله بعنوان "المترادفات والأضداد" هو كتاب عن الثوار، مما يعكس عبثية النظام وتوجسه. في ترييستا، يلتقي بصديقين: إيطالي من بروكلين وأستاذ يهودي من جامعة بوسطن، ويذهلهم منظر الجنود الإيطاليين الأنيقين والسعداء مقابل الفقراء الجائعين في الشوارع. يشرح له الأستاذ آلية موسوليني في حل البطالة: وضع العاطلين عن العمل في زيّ عسكري، وتشجيع النساء على الإنجاب للدولة عبر قروض تُلغى بعد إنجاب أربعة أطفال، وتحويلهم إلى جنود يستعمرون العالم. يصف هذا النظام بأنه "جنون"، ويستشهد بحادثة سمنر بتلر عندما دهس موسوليني طفلاً بسيارته وقال: "وما قيمة طفل في شؤون الدولة؟".
بعد ذلك، يركب الكاتب سفينة تدعى مارثا واشنطن كانت تبدو أمريكية لكنها تبين أنها فاشية. يجد الركاب فقراء ومشوهين بضمادات وعرائط، وفي كابينته التي تتسع لستة أسرّة ينام مع خمسة مهاجرين يهود مسنين متدينين يقرؤون التوراة ويأكلون طعامهم الخاص هرباً من الطعام غير المبارك. في البداية، يشعر الكاتب بالغضب من الازدحام وسوء الخدمة، لكنه سرعان ما يشعر بالذنب ويتذكر كيف كان سيعتبر هذه السفينة فاخرة قبل ست سنوات عندما هاجر إلى أمريكا لأول مرة. ثم يلتقي بصديقه البروفيسور في اجتماع لمنظمة "تشالوتسيم" (الرواد الشباب)، ويكتشف أن هؤلاء المهاجرين يهود فروا من الرعب النازي.
يسرد البروفيسور قصصاً مروعة عن التعذيب النازي: ضرب، تعليق من الأقدام، ساعات من الجلد، حرمان من المدارس والمكتبات والحدائق، وإجبار الرجال على الزحف والخنزير كالخنازير. لكن الأسوأ، كما يقول، هو تدمير الروح، جعل الإنسان يخجل من دمه وعرقه. هؤلاء الناس فقدوا كل شيء: أعمالهم، بيوتهم، أموالهم، وعائلاتهم. لكن بدلاً من اليأس، لديهم خطط رائعة لإعادة بناء حياتهم في فلسطين. يشرح له أنهم لا يحتاجون فرصاً، بل يصنعونها، وأن لديهم قادة شباباً متعلمين في أفضل الجامعات الأوروبية، مليئين بالأفكار والحماس. يذكر قرية عين حارود في سهل يزرعيل كمثال لمستعمرة يهودية ناجحة تملك مخبزاً ومصنع ملابس ومعلبات وآجراً. يقول له البروفيسور إن هؤلاء "لديهم بعضهم البعض ليعملوا به"، وهذه هي أقوى أداة تحت الشمس، وإن العسل يُخصب الزهرة التي يسرقها، وإن السارق ربما زرع بذور هلاكه.
في نهاية الرحلة، عندما يغادر الركاب الجرحى السفينة، يكتب الكاتب في مذكرته أنه يشعر بالخجل. كان هو خائفاً عندما هاجر من سوريا الفقيرة إلى أمريكا الغنية، لكن هؤلاء المنفيين يتجهون إلى أرض متعبة، حيث سيواجهون شح الطبيعة وعداء الجيران العرب، وهم ليسوا خائفين، بل شجعان وملهمون. يراهم الآن ليسوا مجرد حل للمشكلة اليهودية، بل بصيص أمل للديمقراطية والإنسانية، قد ينصبون علامات إرشادية للآخرين ليتبعوها. الفصل يحمل حججاً قابلة للنقاش، خاصة في تمجيد المشروع الصهيوني في فلسطين ووصف الجيران العرب بأنهم عدائيون، وهو موقف يُظهر انحياز الكاتب الواضح لوجهة نظر المهاجرين اليهود دون أي تعاطف مع سكان البلاد الأصليين.
19.مرحباً بكم في عين العرب285–294▼ résumé
مرحباً بكم في عين العرب
يصف هذا الفصل وصول الكاتب سالم رزق إلى قريته الأصلية عين العرب في سوريا، بعد غياب طويل قضاه في أمريكا. المحور الأساسي هو مفارقة الصدمة بين الصورة المثالية التي كان يحملها عن عودته وبين الواقع المعقد للمشاعر والأشخاص الذين يلقاهم. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن العودة إلى الجذور قد لا تكون كما يتخيلها المرء، وأن ما يربط الإنسان بوطنه هم الناس وليس المكان نفسه، وأن أمريكا تظل حاضرة بقوة في ذهنية القرويين كمثال للفرصة والنقيض لواقعهم الصعب.
يبدأ الفصل بمشهد رمزي أثناء الرحلة إلى القرية، حيث يضطر السائق المسلم إلى التوقف للصلاة. يصف الكاتب نفاد صبره الأولي، ثم تأمله الساخر لمشهد "أمريكا المسلمة" المتخيلة: قطارات تتوقف، وسائقو سيارات أجرة في الجادة الخامسة يتركون عرباتهم، وعمال خط تجميع سيارات يتركون سيارة دون مكربن أو مصد ليصلوا. هذا المشهد، على طرافته، يبرز الاختلاف الثقافي العميق الذي يعيه الكاتب بعد عودته، ويسلط الضوء على قيمة الالتزام الديني التي كانت غريبة عنه بعد سنوات في أمريكا. يختتم المشهد بإحساسه بالسلام الذي يغمر وجه الرجل بعد الصلاة، والذي لا يتمنى سلبه منه.
عند الوصول إلى البلدة، يتحول الجو تماماً. يسمع صياحاً باسمه، وتغمره العواطف حتى البكاء حين يحيطه الناس بالصراخ والبكاء والقبلات عند باب السيارة. تتقدم جدته غنتوسي أغنية ترحيبية تفيض بالشكر والكرم، فيشعر الكاتب أن هذا هو الشيء الحقيقي الذي كان ينتظره، وأنه ربما كان طبيعياً بعد كل شيء. لكنه يستدرك ليقول إنه كان الناس وليس المكان من أشعره بذلك، مما يحدد نغمة الفصل التي تمزج بين الحميمية والنقد.
يمضي المساء في منزل جدته، ويقدم الكاتب مجموعة من الشخصيات النموذجية في القرية في مشهد حواري ثري. هناك توما، الإسكافي والساخر الطيب الذي سافر إلى المكسيك وتأثر بالشيوعية فامتلأ ازدراءً للدين، وأصبح له أتباع بين البسطاء حتى طلب منه الكاهن التوقف. وهناك الكاهن نفسه، البدين والمرح والمهمل، الذي كان عمله يقتصر على أداء الطقوس وتوبيخ الناس على عدم حضورها. وهناك أبو نمر، المهاجر العائد الذي أقرض نصف القرية بفوائد فاحضة من ثروته الأمريكية، فاستولى على حقولهم وكرمهم وأصبح أغنى شخص في القرية وأكثرهم كرهاً. هذه الشخصيات ترسم صورة للمجتمع الريفي السوري بانقساماته وعلاقاته المعقدة مع أمريكا والدين والسلطة.
أما الشخصية الأكثر تأثيراً فهي حنَّان العجوز، القاسي والمرير. مرارته تنبع من حقيقة أنه غادر أمريكا قبل أن يصبح مواطناً ولم يستطع العودة إليها أبداً. يصفه الكاتب بأنه يضرب رأسه بمطرقة في نوبات جنون ويلعن الشياطين التي أغوته للعودة. يجلس حنَّان في ضوء الشموع الخافت، وتلمع عيناه شوقاً عندما يثير الكاتب ذكريات أمريكا. يقول حنَّان: "ألعن كل ساعة أعيشها لأنني عدت". يحاول الكاتب مواساته بوصف الكساد الكبير في أمريكا وملايين العاطلين، وبأن في سوريا على الأقل لديه الأرض والماء والخشب من التلال. لكن حنَّان يرد بأنين: "نعم، لكن أمريكا أفضل، أمريكا أفضل"، معترفاً بأن الأمور تزداد سوءاً منذ وصول الفرنسيين.
هنا يدور النقاش حول الاستعمار الفرنسي. يشرح توما أن الفرنسيين ربطوا سوريا بالسوق العالمي من خلال الضرائب بالمال، مما جعلهم مثل المزارع الأمريكي الذي يبيع بأسعار منخفضة ويشتري بأسعار مرتفعة. يسأل الكاتب: "هل كنتم أفضل حالاً مع الأتراك؟"، فيجيب أسعد، وهو فلاح ميسور، بأن الأتراك لم يفكروا في طرق كثيرة لفرض الضرائب مثل الفرنسيين. يضربون أمثلة على ضرائب جديدة: ضريبة على الكتب المدرسية، على الكلاب، على السندات القانونية. ويشكو نقيب قائلاً: "كانوا يرسلون فواتير ضريبية ويجمعون النقد، الأتراك لم يفعلوا ذلك أبداً، كانوا يأتون ويأخذون ما يريدون ويذهبون".
يدور جدل آخر حول التخلف التكنولوجي، حين يقترح أسعد استئجار شاحنة لنقل القمح إلى دمشق بدلاً من الحمير، فيرفض نقولا ساخراً: "أتريدنا أن نطعم الحمير ونجعلها كسولة في المرعى؟ أتظن أن حماراً أفضل مني لدرجة أنه يأكل ولا يعمل؟" هنا يظهر الفرق بين عقلية تقليدية تعتمد على ما هو موجود، وأخرى تبحث عن الكفاءة والتقدم، وهو صراع يتجسد في نظرة الناس لأمريكا. يشرح الكاتب كيف أن أمريكا (فورد وشيفروليه والأفلام والهاتف والراديو) موجودة بالفعل في بيروت ولكن ليس في عين العرب بوجود الفرنسيين الذين "يحلبوننا بكلتا اليدين".
يصل النقاش إلى ذروته حين يحاول الكاتب شرح مفهوم الدولة الخادمة للشعب في أمريكا مقابل الدولة القامعة في سوريا. يجد صعوبة في جعل أسعد يتصور أن الحكومة تقدم خدمات مقابل الضرائب، لأن أسعد نشأ في تقليد يرى الحكومة كاحتكار عنيف للجشع والجريمة، كالطقس، أحياناً لطيفة وأحياناً قاسية، لكنها دائماً مخيفة لمجرد وجودها. يشرح الكاتب أن الحكومة في أمريكا مقلوبة رأساً على عقب، لأنها تملك الشعب وتطيع أوامره أحياناً، فيرد أسعد: "هنا الحكومة تقول لنا ما يجب فعله، ونحن نفعله، دائماً". يتدخل حنَّان مؤكداً: "في أمريكا كل شيء في مكانه الصحيح".
ثم يسأل أحد الحضور سالم عن مهنته في أمريكا، فيجيب بأنه إسكافي وغسّال صحون، فيصيحون مستنكرين: "غسّال صحون! كيف يمكن أن تكون شخصاً مهماً وأنت غسّال صحون؟" يرد الكاتب بأنه في أمريكا لا عيب في أي عمل شريف، وأنه يمكنك غسل الصحون نهاراً والتحدث مع المصرفيين مساءً. يضيف أن هناك كراهية في أمريكا أيضاً، وأناساً متعجرفين ومستكبرين، لكن ذلك ليس أمريكا الحقيقية. أمريكا الحقيقية هي اللطف والعون والصداقة والتسامح، وهي حلم لا يزال ينمو ويتحقق. يردد حنَّان: "نعم، نعم، نعم، إنه حلم في الليل، في كل ليالي العالم، كل ليلة وكل يوم أحلم به، لكن حنَّان العجوز لن يراه أبداً".
في نهاية الفصل، يقرر الكاتب المغادرة بعد أن خطط للبقاء أياماً قليلة، لكن جدته تصر على بقائه حتى ينضج العنب. يحاول الحيلة بشراء عنب ناضج من الخارج، لكنه يفشل. حين يغادر أخيراً، يبكي الناس ويصرخون طالبين اصطحابه معهم: "ضعني في جيبك... ضعني في حقيبتك... دعني أكون خادمك... اشترِ لي تذكرة". ينهي الفصل بصياحه للسائق: "زد السرعة يا مايكل، إنهم يفطرون قلبي"، وهو يعني ذلك بصدق.
الفصل لا يطرح أسئلة مفتوحة بقدر ما يعرض لوحة متكاملة من المشاعر المتناقضة: حب الوطن والأهل يتحول إلى ألم، والشوق إلى أمريكا يتحول إلى حسرة، والحلم الأمريكي يقف في مواجهة واقع استعماري قاسٍ. الحجة القابلة للنقاش هنا هي مثال أبو نمر الذي استغل ثروته الأمريكية لاستغلال أهل قريته بالربا، مما يظهر أن أمريكا ليست مصدراً للخير فقط، بل يمكن أن تكون أداة للظلم والتفاوت الاجتماعي داخل المجتمع نفسه، وهو ما يمرره الكاتب بسرعة دون تعليق أخلاقي صريح، لكنه يترك القارئ يتأمله.
20.أعرني سمعك295–304▼ résumé
يبدأ الفصل بعودة الكاتب سالم رزق إلى أمريكا بعد رحلته إلى أوروبا وسوريا، ليكتشف أنه يحب بلاده الجديدة بحب جديد، أكثر جسدية وروحية في آن. يصف مشاعره وهو يركب القطار عبر الريف الأمريكي، حيث بدت له كل تفصيلة—كل تل ووادٍ ومدخنة وصومعة—مضيئة بالنور الداخلي للحرية والسلام والرفاهية. لا يسمي هذا الشعور وطنية بالمعنى العادي، بل يتمنى أن يشارك العالم كله في هذه النعمة: أن يحصل الفقراء الذين زارهم في سوريا على أرض مثل هذه، وأن يجد اليهود العائدون إلى فلسطين موارد وآمنًا وترحيبًا كالذي يخاطب الجماهير المتكدسة على تمثال الحرية.
لكن الحب الجديد صاحبه نقد جديد، أكثر حدة بسبب القلق على مصير أمريكا. يتذكر الكاتب ما قاله إنجليزي في باريس مقتبسًا من مكولاي، بأن الفرق بين أمريكا وأوروبا هو أن أمريكا تتخلف بنحو ستين عامًا عن تطورات العالم القديم، مما عنى أن أمريكا ستواجه الحلول نفسها خيرًا كانت أم شرًا. لكن الزمن تسارع الآن، فربما أصبح الفرق عشر سنوات أو خمسًا أو ثلاثًا، وهذه فكرة تطارد العقل. في أوروبا، رأى كيف يستغل الديماغوجيون اليائسين ليمسكوا بالسلطة، وكيف نظم الدكتاتوريون الكراهية والتعصب في آلات عنف ودمرت القيم المقدسة. ويحذر من أن التربة الأمريكية صالحة لنفس الشرور: التحيز العنصري، الفقر، البطالة، السخط، واليأس من الديمقراطية. فحتى قبل رحلته، سمع أمريكيين يصفون تصرفات موسوليني تجاه الفقر بأنها حل، وآخرين يرون معاملة هتلر لليهود منطقًا سليمًا، وشبابًا يصفون اعتقالات وستالين التعسفية بأنها تحرير مستقبلي.
بعد عودته إلى عمله كإسكافي في إيمز، أيوا، في نهاية الصيف، خمدت حماسه. البلدة الجامعية كانت هامدة بين الفصل الدراسي الصيفي والخريفي. لكن مع افتتاح المدرسة، عادت روحه. توافد الناس من إجازاتهم ليسألوه عن رحلته، وسرعان ما امتلأت أجندته بدعوات لإلقاء المحاضرات. في شتاء حافل، تكلم أمام نوادٍ، صفوف جامعية، كنائس، جمعيات آباء ومعلمين، وحتى مزارعين في مدارس ريفية صغيرة وصفها بـ"منارات الديمقراطية". لهؤلاء المزارعين، تكلم عن الصفقة الجديدة التي تنقذهم، مقارنًا ما يقدمه الحكومة الأمريكية للمزارع من تقارير جوية وخدمات إرشادية ومراقبة تآكل التربة، ولو حصل المزارع السوري على عشر ذلك لظن نفسه في الجنة.
للجميع، روى حكاية الرعب الجديد في أوروبا، مضيفًا ملاحظاته عن المحاصيل القبيحة للقسوة والقمع في الأراضي التي ماتت فيها الديمقراطية. وصف معاملة هتلر لليهود، وحكومة موسوليني القمعية وازدهارها المزيف الذي يغذي شعبه بطعام مغشوش والعالم بدعاية فاشية. كما هاجم أسوأ ملامح الإمبريالية في سوريا، وناقش مزاعم موسوليني بأن الحرب تشرف الإنسان. كتنويع، استخدم تقليدًا صوتيًا لهتلر يضرب به المثل: كان يمشط شعره على جبهته بمشط أسود، ويضع المشط كشارب على شفته العليا، ويرفع يده بتحية نازية صارخة ويصرخ بالألمانية: "نحن نعطش للانتقام، يجب أن يسيل الدم"، معترفًا بأن ألمانيته ليست جيدة، لكن هتلر كذلك. وفي ذلك الشتاء، روى قصته لنصف المقاطعة تقريبًا، في قرى وبلدات ومدن مثل نيفادا، كامبريدج، هكسلي، لوثر، أوجدن، بون، مدريد، سلاتر، غيلبرت، جوردن، ستوري سيتي، رولاند، ماكالسبيرغ، ستراتفورد، ستان هوب، دي موين.
مع انتهاء الشتاء وتوقف فرص الحديث، عاد إليه التململ. إصلاح الأحذية أصبح يزعج روحه. كان يريد مواصلة إخبار الناس بقصته، لكنه لم يعرف كيف. ثم وصلته رسالة من آيوا سيتي من صديقه هارولد شميت، الذي كان مديرًا للمركز الطلابي الجماعي في إيمز ويدرس الآن الطب. كان هارولد قد دعاه للتحدث أمام جماعة دينية قبل سفره إلى أوروبا، وبعدها قال له: "سام، لديك رسالة يجب أن يسمعها كل أمريكي. هذه أفضل قصة سمعتها وأكثر أمريكية مستنيرة صادفتها". ظن الكاتب أنها مجرد مجاملة كالسابق، لكنه أخطأ.
في اليوم التالي، زار هارولد محل الإسكافي ومعه كومة من الكتب وحذاء قديم للإصلاح. تحدثا طويلًا عن أحوال أمريكا وأوروبا وحياة الكاتب في سوريا. قبل أن يغادر، قال هارولد: "يجب أن تكون هناك طريقة لتصل قصتك إلى المزيد من الناس. مشكلتنا أننا ولدنا بمواطنتنا، وهي أسهل وأرخص وأسوأ طريقة للحصول عليها. أنت مختلف. لقد كسبت مواطنتك. يجب أن تخبرنا بما تشعر به. يمكنك إيقاظنا. سام، يجب أن تمسك أمريكا من آذانها". دهش الكاتب من التعبير وسأل: "كيف أفعل ذلك؟" شرح له هارولد أنه إشارة إلى خطاب مارك أنطوني في مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر": "أيها الأصدقاء، الرومان، المواطنون، أعرني سمعكم". كان معناها أن يخرج الكاتب بقصته خارج مقاطعة ستوري.
في تلك الليلة، شرع الكاتب في قراءة المسرحية بصعوبة، واصفًا إياها بأنها أسوأ إنجليزية قرأها في حياته، أسوأ من الإنجيل. لكنه فهم المعنى أخيرًا. ثم جاءته رسالة هارولد يدعوه للتحدث أمام جماعة كنيسة في آيوا سيتي. سافر وألقى محاضرته، وكان رد فعل الجمهور الريفي مرضيًا جدًا لهارولد. بعدها، سأل الكاتب عن صديق قديم اسمه جيم ويلسون، الذي بدأ جولة محاضرات قبل عامين بعربة شيفروليه متداعية محملة بكل ما تحتاجه الأسرة على الطريق، حتى أن أحد الصناديق الخلفية كان "الحمام". قال هارولد إن قصة جيم عظيمة لكن قصة الكاتب أعظم. وعندما سأل الكاتب جيم عن رأيه، قال إن القصة أفضل لكن البدء صعب حين لا يعرفك أحد. هارولد قال: "لا تدع ذلك يخيفك. سأذهب معك إلى إيمز، ونضع خطة معًا، ونصنع منشورًا جذابًا، ثم أخرج أنا وأحجز لك محاضرات". انتهى الفصل بعودة الكاتب إلى إيمز في الليل، مرددًا في أذنيه صدى شكسبير: "أيها الأصدقاء، الأمريكيون، المواطنون، أعرني سمعكم".
21.صعود وهبوط المحاضرات305–327▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على الصعوبات الواقعية التي واجهها المؤلف سالم رزق في مسيرته كمتحدث عام، ويقدّم إجابة صريحة عن السؤال: كيف تبدو حياة المحاضِر من الداخل، بعيداً عن البريق الذي يراه الجمهور؟ يشرح المؤلف أن الأمر لا يقتصر على الوقوف على منصة والتحدث بطلاقة، بل هو معركة يومية مع السفر المتواصل، والديون، والشعور بالوحدة، والبحث الدائم عن جمهور يرغب في الاستماع.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بالصورة الخادعة للمحاضرة الناجحة. يصف كيف يجلس المحاضر هادئاً بينما يبدو الجمهور غير مكترث، ثم ينهي حديثه وسط تصفيق حار. لكنه يعود بالزمن إلى الوراء ليُظهر الجهد المسبق: البحث عن طريقة لسرد القصة، ثم إيجاد من يرويها له. يصف متاعب السفر من فواتير بنزين وفنادق وقطارات وطائرات، والشعور المزدوج بالانتماء والغربة حين ينام في غرفة فندق مختلفة كل ليلة ويأكل في مطعم جديد كل يوم.
يصل هارولد، مدير أعماله، في يوليو 1934 ليبدأ رحلة الحجز. يكتشفان سريعاً أن معظم التواريخ القيّمة محجوزة منذ فبراير أو مارس. يرسلان إعلانات إلى مدارس وكنائس آيوا كلها، ولا يتلقّيان سوى بضع ردود. يُحسِّن شخصان موقفهما: جون دبليو ستوديباكر، مشرف مدارس دي موين ومؤسس أول منتديات عامة أمريكية، وأغنيس سامويلسون، مديرة التعليم العام في أيوا. لاحقاً، يُعيّن ستوديباكر مفوضاً اتحادياً للتعليم، وتُنتخب سامويلسون رئيسة للرابطة الوطنية للتعليم، مما يمنح توصياتهما وزناً وطنياً.
ينجحان في تأمين خمسة عشر محاضرة في معاهد المعلمين في أنحاء أيوا، لكن الأجور تكاد لا تغطي النفقات. يعيشان على الخبز والحليب والجبن، وينامان في السيارة، ويحلقان في محطات الوقود. مع نهاية الخريف، تواجههما آفاق قاتمة بعدما تبقى موعدان أو ثلاثة فقط. في طريقهما إلى جنوب إلينوي، يمران بـسانت لويس حيث يسمعان محاضرة للصحفية دوروثي طومسون، التي طردها هتلر من ألمانيا. تروي طومسون فظائع النازيين، مما يُلهم هارولد ويجعله أكثر إيماناً برسالتهما رغم التحديات.
يدخل الفصل بعد ذلك في منعطف خطير. بسبب الكساد الكبير والأخبار المقلقة من أوروبا، ينخرط سالم وهارولد في مشروع طموح لإنقاذ العالم، يشمل بيع كتاب، وإنشاء منظمة تعاونية وطنية، وتأسيس "مدرسة ريفية" في كاليفورنيا، وحتى شراء قارب وتحويله إلى جامعة متنقلة، وأسطول طائرات لنقل المسيحية والطب إلى الشعوب "المتخلفة". المشروع يفشل فشلاً ذريعاً، ويخسران مئات الدولارات، ويعودان إلى نقطة الصفر في يناير 1935.
في عز الشتاء، يبيعان سيارتيهما القديمتين ويشتران واحدة جديدة، ويصرف سالم محله، وينتقلان إلى شيكاغو. يعيشان على حافة الإفلاس، ويقترض سالم دولارين من صاحب مطعم ياباني ليصل إلى محاضرة على بعد مائة ميل، ويعود بخمسين دولاراً. في محاضرة أخرى على الجانب الشمالي من شيكاغو، لا يجد سوى حفنة من الحضور، فيقرر المماطلة في الرواق ويخبر ثلاثة شبان وهم يتساءلون عن جودة المحاضرة: "لقد سمعت هذه المحاضرة في كل مرة قُدّمت فيها، وسأسمعها مرة أخرى"، فيدخلون بفضل هذه الحيلة الصغيرة.
يلتقي في شيكاغو بمجموعة من المحاضرين الآخرين، منهم تشارلز إيغل بلوم، وفان وورمر والش، وبوب مورنينغ ستار، وراسل رايت، وسليم وليامز، ود. تاربيل. يصف هذا الاحتكاك بأنه أفضل جزء من التعليم الحر. بناءً على نصيحة أحدهم، يتقدم لاختبار أداء في اتحاد نساء شيكاغو، ويُتاح له الظهور على نفس المنصة مع الشاعر إدوين ماركهام. ورغم أن الاختبار يؤمن له بعض المواعيد في الخريف، إلا أن الصيف يبقى بلا دخل.
يحاول سالم بيع المكانس الكهربائية، ومكواة تجعيد الشعر، والغسالات، والخلاطات، والثلاجات، وآلة بيع السندويشات، ويفشل في كل مرة. يستنتج أنه لا يستطيع بيع أي شيء. يقترض 400 دولار ويشتري محل أحذية في الجانب الجنوبي من شيكاغو، ويقرر أن يجعل الإلقاء مجرد عمل جانبي. لكن محادثة مع محامٍ يهودي في مكتب قانوني تعيد له الحماس. يتحدث المحامي عن سيطرة البلطجية على النقابات العمالية، وكيف أن بعض "الكبار" قد يرحبون بالفاشية في أمريكا لـ"ضبط الأمور". يُحذّر المحامي من أن الفاشية تبدأ بتقييد العمل لكنها لا تتوقف حتى تقيّد الجميع، وهي مجرد كلمة جديدة للاستبداد.
بعد هذه المحادثة، يقرر هارولد العودة إلى العمل الكنسي، تاركاً سالم مع وعود بمحاضرات قادمة قيمتها 600 دولار. يشعر سالم بالامتنان العميق لهارولد الذي أعطاه أكثر من عام من حياته. يقضي الصيف في قراءة أخبار حملة موسوليني في إثيوبيا، وحضور محاضرات مسائية في جامعة شيكاغو، والاستماع إلى الراديكاليين في ساحة باغ هاوس. يخضع سيارته للحجز لعدم قدرته على سداد الأقساط، فيتنقل بين المواعيد بالتنقل المجاني حتى يشتري سيارة أخرى. يتخلص من المحل ويتجه شرقاً.
على مدى السنوات الثلاث التالية، يسافر عبر النصف الشرقي من الولايات المتحدة، متنقلاً بين شيكاغو، سانت لويس، كانساس سيتي، تشارلستون، بيتسبرغ، فيلادلفيا، فورت وورث، دالاس، أوستن، أوتيكا، ألباني، سكنيكتادي، واشنطن، ونيويورك. نادراً ما يغطي إيراده النفقات، لكن حماس الجماهير يبقيه مستمراً. يشعر أن ردّ فعل المعلمين والمربين كان الأكثر اكتمالاً وصدقاً. يزعم أن ثقته في أمريكا ازدادت بعد أن رأى بنفسه كيف تستجيب الجماهير الشبابية لرسالته، وكيف أن حتى المتذمرين المزمنين هم علامة صحية، لأن في ألمانيا لا يمكن حتى التعبير عن السخط دون خوف من فرق الإعدام ومعسكرات الاعتقال.
بعد ثلاث سنوات، يُدعى لإلقاء محاضرة في نادي الإعلان في نيويورك. يشعر بالخوف لأن جمهوره سيكون من كبار التنفيذيين، وقصته أصبحت بالية، ومن بين الضيوف موظفو مجلة ريدرز دايجست. في نفس اليوم، يغزو هتلر تشيكوسلوفاكيا، مما يملأ سالم بمشاعر جياشة. في البرنامج نفسه، كان هناك إنجليزي وصل حديثاً أمضى وقته في مدح المظلة على السيف، ونجح لويل توماس الرئيس في إسكاته. لم يبقَ لسالم سوى 16 دقيقة من نصف ساعة مخصصة له، لكن الجمهور يطالبه بالاستمرار، فيواصل ويعبر عن مشاعره قائلاً إن جمال باشا، حاكم تركيا، كان فاسداً لكنه لم يكن فاسداً كفاية ليسمي إرهابه "نظاماً جديداً"، بينما النازيون، وهم من تقاليد مسيحية، يحرّفون الحقيقة عمداً ويقتلون.
بعد المحاضرة، يتحدث إليه أحد محرري ريدرز دايجست (الذي كان يدير الإغاثة الأمريكية للشرق الأدنى بعد الحرب الماضية) ويدعوه إلى منزله. في ذروة أمسية ممتعة، يقول له المحرر: "سالم، كيف ترغب في إلقاء محاضرات لطلاب المدارس الثانوية في أمريكا برعاية ريدرز دايجست؟" يُرتّب له التحدث في مجموعة مختارة من المدارس لمدة شهر، وإذا كان أداؤه مرضياً، سيحصل على عقد لمدة عام. يكتب إلى هارولد، الذي يرد: "كنت أعرف ذلك طوال الوقت، سيم. كنت أعرف ذلك طوال الوقت." لكن سالم لم يكن يعرف، ويصف الشهر التالي بأنه احتوى من الأمل والخوف والقلق بقدر ما احتوت السنوات الخمس التي انتظر فيها جواز سفره الأمريكي في سوريا، لأن هذه كانت الفرصة الأغنى والأكثر إلهاماً التي أتيحت له لتحقيق طموحه في أن يصبح خادماً دائماً للبلد الذي وجد فيه الحياة بهذا القدر من الجمال.
في الختام، يستعرض الفصل كيف أن إيمان المؤلف بأمريكا لم يكن أعمى، بل وُلد من معايشة مباشرة للصعاب وللناس. الطريق الذي يصفه شاق ومليء بالإفلاس والوحدة والفشل، لكنه في النهاية يرى أن قيمة الرسالة تفوق كل هذه التكاليف، وأن الدعم الذي تلقاه من المؤسسات التعليمية والصحافة كان دليلاً على أن المجتمع الأمريكي كان جاهزاً لسماع قصته. يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت العناية الإلهية أم الصدفة البحتة هي التي قادته إلى تلك اللحظة الحاسمة مع محرر ريدرز دايجست، لكن الفصل لا يقدم إجابة قاطعة، تاركاً القارئ يتأمل في تقاطع الجهد البشري مع الحظ في تشكيل المصير.